السلفية الوهابية
 
 


 كيف يتغير المجتمع في السعودية



يقول المغترب :

اغتربت كثيرا في السنوات الأخيرة , ولم أمكث في منطقة عسير كثيرا في السنوات الثمان الأخيرة , ربما تكون أطول اجازة أسبوعين أقضي معظمها مع الأهل متحاشيا قدر المستطاع " العزايم " و الزواجات التي لم أحضر منها سوى زواج أحد القريبات قبل أكثر من سنة لا لشيء الا لأن هذه المناسبات تأخذ وقتك وجهدك ويمضي الوقت دون أن تكون مع أسرتك.

في هذه المرة قررت أن أسجل واقرأ بعض المشاهدات الاجتماعية في منطقة عسير خصوصا في السنوات الأخيرة .. تنقلت في اجازتي بين أبها والخميس .. النماص , تنومة والسراة .. أحيانا لزيارة بعض الأقارب والأنساب أو لحضور مناسبات اجتماعية ..

وسأحاول هنا أن أسجل ما شاهدته ..

1- تختلف الأجيال .. الجيل الجديد خصوصا تحت 25 سنة أما متدين وهابيا أو غير متدين وتافه لكن نظرة الجيل متساوية للأفكار وللأشخاص وللتعامل مع الآخر سواء كان متدينا أو غير متدين .. معظم الأفكار والتصورات تأتي من المدرسة ومن المناهج .. فوجئت عندما أخبرني أحد المراهقين أن مدرس مادة التوحيد أخبره أن ( النظر الى وجه الفاسق معصية !!! ) وأن معظم المسلمين في الخارج يموتون على الشرك !!! وأنهم أعظم شركا من كفار قريش !!! ..

الجيل القديم خصوصا فوق ال45 سنة أشعر بشفقة عليه , فهم كما يقال ( Lost in translation) يحاول الموائمة بين الحياة التي عاشها قبل 30 سنة وبين المعطيات الجديدة ..
الابن يرى أباه يلعب العرضة ويسلم على قريباته وعندما يكلم امرأة ولو بعيدة عنه فانه يسلم ويسأل عن حال الأسرة ..
الابن يعارض ويقول لأبيه أن ذلك حرام وأن الشيخ يحذر من هذه الأمور ..

2- الزواجات قديما كانت كلها طرب ولعب وشعر وعرضة .... الآن كثير منها أشبه بالمآتم .. فهذا يحضر شيخا له من أحد المناطق ليذكر الحضور بعدم الاغترار بالدنيا وأنها فانية .. الخ رغم أن الوقت وقت فرح وليس وقت تذكير ... العرضة الجنوبية والخطوة وغيرها من الألعاب الشعبية صارت حراما .. وتجد بعض الشباب يخرج من الزواج بمجرد أن يبدأ لعب العرضة ...
النساء كن قديما يلعبن الخطوة , تكون بينهن شاعرات .. الآن لم يعد من ذلك شيء سوى بعض كبيرات السن من يقول بعض الشعر ... واكتفى الجيل الجديد أما بحضور فرقة أو زواج اسلامي كما يقال !

3- الجيل القديم خصوصا من كانوا فوق 60 سنة متذمرون كثيرا من الوضع الحالي , يرون أن الوضع تغير للأسوأ , يرون أن الجيل الجديد معقد ومتزمت ! أو خالع وداشر .. النساء فوق الستين أيضا يرون أن بنات هذا الجيل ضعيفات ومعقدات يستطيع طفل عمره 10 سنوات أن يضرب بنتا في العشرين .. أحدهم تقول " والله يا ولدي ما شفنا خير من يوم ما جات الغطوة تيه "
العمة شريفة تعيش في القرية ليس بيني وبينها قرابة الا أنها من نفس الجماعة ...
سلمت عليها .. وسألت عن حالها ..
تخبرني أنها غاضبة على أحد أبناء عمي لأنه مر من عندها أمس وسلم وحينما أرادت رد السلام عليه وسؤاله عن حاله وحال أهله لم ينظر اليها ومشى مباشرة " مطنشا " اياها ..
تقول لي " ايش الطواعة تيه ؟! "

4- هناك حالة من الارتباك الاجتماعي وتفكك المجتمع الى ثلاثة أقسام .. قسم لازال على الحياة العسيرية القديمة وهم قلة وخصوصا من كبار السن ... قسم يحن للحياة القديمة الا أنه لا يستطيع أن يصرح بذلك خوفا من الرقابة الوهابية في العمل أو الرقابة المشيخية في المساجد .. جيل جديد يعلم ويسمع من أبيه وأمه عن حياتهم قديما الا أنه يحاول أن يتبرأ من تلك الحياة .. يريد أن يكون وهابيا نجديا بقدر ما يستطيع ..

5- أبها أصبحت مدينة كوزموبوليتانية ترى فيها مختلف المشارب والقبائل بل وحتى الأديان .. الا أن الغريب أنني وجدت حدائق مكتوب على واجتها ( ممنوع دخول النساء ) أو ( ممنوع دخول الرجال ) هكذا لوحات لم تكن موجودة قبل سنوات ... بل لم يعرف أن هذه حديقة ( عوائل ) وتلك حديقة ( عزاب) .. المساحة العمرانية تزيد كثيرا في أبها وأسعار الأراضي من أغلى الأسعار ..

6- عندما يجتمع أبناء القبيلة في زواج أو مناسبة ترى أثر كل منطقة نشأ فيها الأبناء على لهجتهم وتفكيرهم ... الذين نشأوا في الشرقية يميلون للنظام والتقيد بالوقت والصمت ... الذين نشأوا في جدة أكثر أريحية وأكثر استمتاعا بالوقت وبالطبيعة وأكثر تلقائية .. الذين نشأوا في الرياض فيهم صفة " النفخة " والاهتمام الزائد بالمظهر وطريقة الكلام ..

7- عندما يجتمع المجلس كان كبار السن يتحدثون وغالبا ما يتكلم شخص في قصة قديمة أو ترى المزح وتذكر سالف الأيام .. الآن يتقدم بعض الصغار ربما لم يتعدوا الخامسة والعشرين .. ليبدأوا في الحديث والتذكير وكبار السن مطرقين رؤوسهم ...
عبدالحكيم شاب أذكر أنه كان داشرا ... رأيته المرة الأخيرة وقد أطلق لحيته وقصر ثوبه ... ذهب للقصيم لمدة ثلاث سنوات ليطلب العلم ... الآن صار شيخا رغم أنه يعمل جندي أول في الجيش ..
تكلمت معه عن بعض الفتاوى التي أطلقها ومنها أنه لا يجوز القعود للعزاء ولا يجوز السلام على المرأة خشية الفتنة لأن الزمن زمن فتنة كما يقول .. لم يحر جوابا سوى أن قال أن الشيخ فلان أخبره بالجواب ..

8- اللهجة الجنوبية تتغير .. هناك ميول نحو التحدث باللهجة النجدية .. حتى في الشعر والخطابة ... الطريف أنك تجد بعض الأحفاد لا يفهم بعض الكلمات من جدته أو جده .. القرى لم تتغير كثيرا من ناحية اللهجة .. بل ان كبار السن ومن نشأ فيها ينتقدون من يتكلم بغير لهجته.

9- سوق الثلاثاء ربما يكون من آخر آثار الحياة الاجتماعية القديمة في عسير .. حاول الكثير من القضاة وخصوصا رئيس المحاكم اقفال السوق وجعل سوق النساء منفصلا ومستقلا الا أن الأمير خالد الفيصل رفض ..


10- السياحة من المشروعات الجميلة في المنطقة لكن مشكلتها أنها محتكرة من قبل أشخاص معينين .. هناك مقترحات كثيرة لتطوير السياحة في المنطقة لتصبح سياحة منافسة , لكن تبقى العوائق البيروقراطية حاجزا .. أحدهم اقترح أن تقام والت ديزني سعودية وآخر اقترح أن يقام هناك متحف وطني به قاعات عرض لصور وتحف وشرح للعادات والأكلات الشعبية .. لكن كل هذه المقترحات مازالت في الأدراج ..

المجتمع منقسم بشأن السياحة .. مجموعة رافضة لها بسبب بعض التجييش الايديلوجي من قبل بعض الأطراف كنتيجة معركة لازالت قائمة بين ... ( ليبروجامي) و مجموعة ( صحوية) .. وقسم آخر يرى بها مصدر جيد للرزق ولصناعة جيدة تنعش المنطقة ..

هناك الكثير من المواقع الجميلة والأثرية في المنطقة لم تكتشف بعد خصوصا في تنومة والسراة ..

11- يتكون النسيج الاجتماعي في عسير من قبائل كبيرة كعسير وقحطان وشهران وبني شهر وبني عمرو وبللحمر وبللسمر ( ويسمى الأربعة الأخيرون برجال الحجر : بتسكين الجيم وفتح الحاء ) وبللقرن في شمال منطقة عسير ..
ثم هناك قسم للسراة وقسم لتهامة وكل قسم له لهجة وعادات تكاد تكون مختلفة كثيرا , وحديثنا هنا عن أهل السروات .. ثم تنقسم القبيلة الكبيرة الى قبائل أصغر فعسير مثلا تنقسم الى بني مغيد وعلكم وربيعة ورفيدة .. وهكذا بقية القبائل في منطقة عسير ولكل قبيلة موطن .. وهذه القبائل بدورها تنقسم الى قبائل أصغر وهكذا حتى نصل لنجد أن كل جماعة وهم غالبا يلتقون في الجد الرابع أو الخامس لهم قرية ..
ثم تكون أسر .. وغالبا ما تكون العلاقات بين الأسرة الواحدة قوية .. طبعا يوجد هناك أسر ترجع في أصولها للأتراك لكنهم اختلطوا في القبائل ..

12- .............................. .............................

13 –يتميز العسيريون بالنظافة وحب تزيين بيوتهم ..تدخل ( الحصون) القديمة فترى مختلف الألوان والأشكال ومختلف الرسوم .. الآن مع المكعبات الخرسانية تغير وضع الزينة كثيرا وصارت زينة مجوفة لاترى فيها الابداع ولا الرسم والشغل الفني ..

14- تتميز اللهجة العسيرية بعبارات جميلة أسميها عبارات التفدي ... ومنها " الله يطعني عنش ولا أموت " .. " الله يجعلني آخذ ضيمش " , اذا كح حبيبك أو ابنك أو بنتك تقول " بي " .. " جعلك تقبرني " و " قبرتني " عبارات كثيرة .. الجيل الجديد يستحي من استخدام هذه العبارات لأنها بنظره مضحكة كما يصور مسلسل طاش ما طاش .

15 - من الأشياء الخاطئة الممارسة قديما والتي لازالت في بعض الأنحاء هو أن المرأة ليس من حقها أن ترث الأرض أو الحقول .. كان اتفاقا اجتماعيا سكوتيا .. طبعا البعض يعلل ذلك بأنه لكل جماعة أو قبيلة بلاد ليس من حق الغرباء أن يتورثوا عندهم مما يؤدي الى مشاكل ..
المرأة العسيرية حصلت على هذا الحق وان كان أكثر الأسر الآن تثمن المزارع ثم تعطيعها حقها نقدا , الا أن المرأة في عسير خسرت أشياءا أخرى ..

16- قديما في عسير , تقريبا قبل 25 سنة , لم يكن الشاب يطلب من أمه أو أخته أن تبحث له عن عروس , كان يختار زوجته بنفسه ... طبعا بعيدا عن الشائعات التي تتناول المجتمع العسيري بشكل سيء ومغرض .. فقد كان للشاب وللفتاة فرصة اللقاء في جو غير مشحون ... لكن لم يكن الشاب يختلي بالفتاة لأن ذلك حراما وفي العرف القبلي ممنوع .. لكنه كان يستطيع السلام والحديث معها بعبارات معلومة يفهمها من خلالها أنه يحبها ويرغب بالزواج منها.. كان يراها وتراه .. يعرفها ويعرف أهلها ..
تقريبا جميع آباءنا وأجدادنا تزوجوا بهذه الطريقة ... لكن مع قدوم الوهابية بأموال البترودولار تغير الوضع تماما .. الآن الأم أو الأخت أو العمة أو الخالة تبحث عن العروس وفق طلبات ( Order) .. ثم تختار ما تظنه يناسب قريبها .. ثم يكون هناك لقاء " العشر ثوان " لتحديد مدى جودة البضاعة المعروضة .. ولهذا السبب لا يكون أمام الشاب سوى أن يتزوج من قريباته اللاتي يعرفهن .. وعصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة .. أو يغامر فان كانت على ما يريد فبها ونعمت والا فيصبر والله مع الصابرين ..