السلفية الوهابية
 
 


الميليشيا الدينية في السعودية



١٣/ ١١/ ٢٠١١اسمه الشيخ أحمد قاسم الغامدى، مهنته مدير هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى منطقة مكة (سابقا). استضفته ببرنامجى لمناقشة ممارسات أفراد الهيئة بالشوارع السعودية، لم تتحمل فئات دينية ظهور أحد رموزهم للمرة الأولى بتاريخهم على طاولة واحدة مع امرأة غير محجبة أو كما وصفونى (سافرة متبرجة).. الصحافة اعتبرت الأمر سبقاً صحفياً، فانهالت عليه الحوارات من جهة، ومن جهة أخرى انتقادات المتطرفين.. وتحول الحدث العادى لحديث المواقع والشبكات.. أسئلة الصحافة لى متداولة لكنها محزنة بعصر الحرية: هل صافحك الشيخ؟
وهل أنا نجسة كى لا يصافحنى؟
ما آلية الاتصال به؟ كيف وافق على الظهور مع أنثى؟
وهل دعوته إلى ملهى ليلى؟
سبب شهرة الشيخ الغامدى كان حكمه بجواز الاختلاط وممانعته لما يفعل رجال الحسبة أو (الهيئة) من إرغام المواطنين على أداء الواجبات الدينية، النتيجة الطبيعية كانت فصله من جهاز الهيئة، وتحول اسمه لأشهر الأسماء السعودية، خاصة أن آراءه المنفتحة ليست نابعة من ليبرالى إنما من شيخ يتبع المؤسسة الدينية. تساءلت إن كانت الحرية ستتحقق أخيراً من داخل التيار الدينى؟ إسلام بروتستانتى مثلاً؟
وهل يبدأ عهد التنوير بثورة من داخل الفكر الدينى؟
فى البلد الذى يسوده حكم دينى الطابع، نضطر كمواطنين لتحمل ممارسات (جهاز حكومى) ينتشر أفراده بصورة إرهابية مطابقة للشرطة الدينية السوداء التى انتشرت بأفغانستان زمن طالبان، تلك الصورة المعتمة كانت مقتبسة بالطبع من جهاز الهيئة السعودى. نضطر لتحمل صراخ هؤلاء الملتحين ولعناتهم وإهاناتهم للمواطن بشوارع وطنه: غطى وجهك.. أقم الصلاة..
أغلق المحل وقت الأذان.. غطى شعرك.. ضعى عباءتك على رأسك.. هجوم مباح وبسلطة رسمية على أى مكان وأى بيت وأى شارع وسيارة، يتحول الهجوم لضربات، طعنات بالسكاكين، لجرائم قتل.. كلها منجزات حققها رجال الهيئة فى الفترة الأخيرة بحق أفراد المجتمع الذين تجاوزوا أو لم يتجاوزوا الأعراف وقوانين رجال الدين.. رجال يحومون بسيارات الجيمس ومعهم عناصر شرطة مسلحة، من حقهم إيقافك وزوجتك لطلب إثبات القرابة، إن لم يظهر الإثبات اعتبروها عشيقتك المحرمة وراحوا يوسعونكما ضرباً ثم يسحلونكما لمركز الهيئة لإمضاء ليلة أو أكثر بالسجن مع الركلات والإهانات لحين تبيان الحقيقة. وإن كان حظك عاثرا فستتهم بالخلوة غير الشرعية (حتى لو تم ضبطكما بمكان عام) ويكون عقابكما الجلد فى الساحة العامة، النوايا السيئة هى عرفهم، وأى اجتماع بين رجل وسيدة هو بالضرورة عقد كتبه الشيطان..
قيودهم عتيدة، ورقابتهم فاقت وتفوقت على رقابة المباحث والاستخبارات، تربصوا للمكتبات كأنها دور دعارة، حجموا الفكر، عاملوا المثقفين كتجار المخدرات، منعوا السينما، منعوا الفن، أحرقوا ملايين الصور والأشرطة والكتب وورود الحب الحمراء، سيطروا بالكامل على جهاز التعليم ومناهج التدريس التى ولدت الإرهاب، تحكموا بالتلفاز وجميع وسائل الإعلام، حددوا زى المواطنات الرسمى وتُعاقب من تخالفه، وآخر صيحاتهم مصادرة آلاف العباءات الملونة من محال البيع لأنها ليست سوداء قاتمة. فصلوا النساء عن الرجال بشناعة حتى تولدت الكراهية بين الجنسين، فكل يظن الآخر سبباً لدخول جهنم لدرجة صارت بها المثلية أهون على البعض من إقامة علاقة مع الجنس الآخر. سيطروا على كل محاضرة، حرّموا الأندية الرياضية النسائية، باختصار خنقوا الحياة خنقاً ووأدوا النساء.
صحيح أن نساء السعودية لسن كالسابق، لسن كلهن خانعات. فقد تصرخ السيدة على رجل الهيئة كصراخه لتخبره أنها حرة. لكن الأمر عندها قد ينتهى بشكل مؤسف، فإما أن يضربوها حتى ينزعوا عباءتها أو يقتادوها لمركز الهيئة فيأتى ولى أمرها ويسجل تعهداً بعدم تكرار خطيئتها، جميع المنابر هبة حكومية للإسلاميين، فيما الليبراليون وبقية المواطنين ممنوعون من إلقاء كلمة. الندوات الدعوية على أوجها، وحشو للأدمغة بآلاف من الأحاديث المبتدعة، إهمال واضح للقرآن.. وتركيز على كل ما جاء به ابن فلان وابن علان بما يتناسب وأهدافهم السياسية، من يؤيد هذه الحياة؟ من سيصوت بصناديق الاقتراع العربية لهذا المستقبل؟
صحيح أنه تحسب لهم جرأتهم السياسية ومطالباتهم بالتحرر السياسى، لكنها جرأة هدفها التحكم بالحكم دون إيمان بحريات الأفراد، لا يؤمنون إلا بأنفسهم، قد ينتقدون المسؤولين دون خشية. هم لا يجاملون، لا ينافقون، لا يطبلون.
لكنهم غير ودودين، واستباحة الدماء أسهل كلمة تنطق بها ألسنتهم. إنهاء الاستبداد الدينى المحيط بالأماكن والأرواح حلم يرهقنا، فيما آخرون ثاروا على أنظمة حكم عربية ليصوتوا لتيارات دينية لا يعرف مرارتها سوانا.. نظرة عابرة على حياتنا المكبلة بالمحرمات، وقراءة سطحية للسقوط الطالبانى بأفغانستان، ورؤية حيادية لما يحدث بإيران تكفى لمعرفة الخطأ الفادح بتأسيس دولة تقوم على أسس دينية.. مخيفة هى التنبؤات المطروحة بمصر، ليس للمصريين بل لنا نحن العرب جميعاً. نحن الذين تحمسنا وحلمنا بأن ثورة مصر ستعتقنا، فإذا بالانتكاسة تمر من أرض مصر لتهدد باحتمال نهاية أى حلم عربى بنهضة أو حضارة.
كل شىء يبدأ وينتهى هنا، ظننا أن تحرر المصريين يعنى عودة عصر التنوير القديم، لكن يبدو أن عصر «التنويم» هو الذى سيسود مستقبلاً، وحلمنا أن الثورات العربية ستحررنا لكن يبدو أنها بحاجة لمن يحررها، وبدلاً من أن تدعم نضالنا للحرية نجدها ستعيد مجتمعاتها إلى حيث بدأنا نحن. إلى السعودية ١٩٧٩.
إن تم تطبيق هتافات الجهل التى غزت شوارع الثورات، من يدرى، فقد تستعير تلك الثورات دساتيرها المستقبلية من قوانين جهاز الحسبة أو الشرطة الدينية الملقبة بهيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، نسيت أمراً أود أن تعرفوه: رجال الحسبة لا يُحاسَبون.. أبداً.