السلفية الوهابية
 
 


 من تاريخ الوهابية

الجزء الثاني
توقفنا فى الجزء الاول من هذه الدراسة عند بداية اللقاء بين محمد بن عبدالوهاب المطرود من بلدته " العينية " بعد ان ضاق به اميرها عندما تعدى حدود ولى الامر ، وبين محمد بن سعود امير " الدرعية " ، فالاول كان يبحث عن مناصر لدعوته فى حين يبحث الثانى عن دعم دينى يسود به القبائل والامارات المتناثرة فى فيافى صحراء نجد ، وقلنا " كلاكيت .. ثانى مرة " ، لأن الحدث يعيد الى الاذهان بيعة العقبة الاولى بين النبى محمد ووفد المدينة . وعن وقائع البيعه نستمع الى الاستاذ جلال كشك يقول : (وفي حوار الأمير مع الشيخ ، قبل المبايعة ، عندما وعده الشيخ " يملك العياد والبلاد " قال الأمير : علي شرط إلا تغادرنا إذا فتح الله البلاد ، وانتشــــــــــــــر الاســــــــــلام ......... !! فرد الشيخ :" الدم الدم ، والهدم الهدم " .. فطلب الأمير إعفاء موارد الإمارة من فتاوى الشيخ ، وقبل الشيخ علي مضض ، وفي مرونة ، وإن لم يفته إن يؤكد للأمير إن موارد الثورة (الغنائم) ستكون أكبر، فتغني الأمير عن أموال رعيته- ص 126)
وعن المؤرخ السعودى الذى عاصر تلك الاحداث تحت راية بن سعود " عثمان بن بشر " ينقل الأستاذ جلال كشك : ( إلا أن محمد بن سعود اشترط في مبايعته للشيخ، إن لا يعترض فيما يأخذه من أهل الدرعية مثل الذي كان يأخذه رؤساء البلدان علي رعاياهم، فأجابه الشيخ علي ذلك ، رجاء أن يخلف الله عليه من الغنيمة أكثر من ذلك فيتركه رغبة فيما عند الله سبحانه- ص 162) وبالنسبـــة لوراثة الملك (فقد وافق الشيخ علي بقاء الملك في بيت واحد- 162) (وقد رفض الأمير بطريقة غاية في اللطف والذكاء، أن يكون مجرد أمير يهديه الشيخ، ثم ينطلق إلي غيره من الإمارات والدول، فلا يكون أكثر من أحد الأمراء، ولذلك سأل الشيخ هذا السؤال المهذب، حول موقفه في المستقبل، وانتزع منه التزاما بالبقاء تحت رأيه البيت السعودى ، أي أن يكون في هذا البيت وحده زعامة تلك الحركة التي يدعو إليها الشيخ - 113)

وهنا نقف مشدوهين من مجرد سرد صفحة واحدة في الكتاب ، لنجد الكثير من التطابق بين فترتين يفصل كل منهم عن الأخرى أكثر من الف ومائتى عام مما تعدون ..... كأن التاريخ لم يتحرك لحظة واحدة....!!
** ديانة النبى ابراهيم التوحيدية ادخلت عليها قريش الشرك بالتزلف والشفاعة الى الله بالاصنام وجاء النبى ليطهرها من الشرك .وديانة النبى محمد التوحيدية ادخلت عليها قبائل نجد الشرك بالتبرك بالاشجار واولياء الله وجاء بن عبدالوهاب ليطهرها من الشرك .
** النبى محمد يهاجر مطرودا من مكة الى المدينة باحثا عن مناصر لدعوته ، ووفد المدينة يسابق اليهود لاتباع النبى المنتظر ليصبحوا مثلهم اهل كتاب . ومحمد بن عبد الوهاب نراه مطرودا من بلدته " العينية " فيتلقفه حاكم " الدرعية " بن سعود ليسود به قبائل وامارات نجد .
** الشعار فى الحالتين يتطابق " الدم الدم .... الهدم الهدم "
** الهدف فى الحالتين واحد : نشر الاسلام التوحيدى .
** السبيل واحد : الغزوات والغنائم تحت نفس المسمى : الجهاد
الا ان محمد بن سعود كان اكثر فطنة من اهل المدينة وكان اكثر وعيا بالتاريخ السابق متمثلا فى واقعة السقيفة ، فقد ااشترط على الشيخ ان تكون دعوته تحت راية آل سعود وحدهم ، والاقرار بوراثة الملك فى البيت السعودى ، ووافق الشيخ على المطلبين . بل انه كان من اول المبايعين بولاية العهد للامير عبدالعزيز بن محمد بن سعود ثم مبايعته ملكا بعد وفاه والدة وولاية العهد لابنه سعود . فأين هذا من اختيار السقيفة لابو بكر ثم ولاية عمر وعثمان وعلى اذا كان يدعى العودة للجذور .... !!
( الدارس لتاريخ الدعوة الوهابية ، قد يقف مدهوشا امام النتائج السياسية التى اثارتها او حققتها هذه الدعوة ، رغم انها لم تطرح ابدا فى بدايتها مطلبا واحدا يمكن او يوصف بالمطلب السياسى . بل ان قراءة كتب محمد بن عبدالوهاب ومنشوراته تعطى انطباعا وكانه يعيش خارخ التاريخ، فليس له من تعليق على حدث معاصر خارج محيطه ، بل يناقش قضايا فقهية سبق بحثها وصدرت وصدرت فيها اجابات حاسمه .. قبل مولده بقرون عديدة – لقد ترك الشيخ 19 مؤلفا لايمكن لايمكن ان تصنف واحدا منها تحت مسمى " السياسة " : كتاب التوحيد – كشف الشبهات – شروط الصلاة واركانها – كتاب المستفيد فى حكم تارك التوحيد – تفسير سورة الفاتحة .... ، ومامن احد يزعم ان محمد بن عبد الوهاب قد اتى بجديد فى تفسير الفاتحة ، ولاكل ماطرحه من آراء فى التوحيد – ص 87 ) ثم القول المتهافت : لااله الا الله – نفى واثبات ....!! هذا القول يردده الوهابيين حتى اليوم فتجده بدون مناسبه يقول لك : لااله الاالله – نفى واثبات ، فتسأل عن المراد بهذه الفلسفه الايمانية فيقال لك : لا اله – هو نفى ، الاالله – هو اثبات ..... !! ياسلام ...!!
( وعندما عقدت المناظرة بين وفد علماء نجد وعلماء مكه " سبتمبر 1806 " لم يطرح اى خلاف سياسى بل كانت الاسئلة والاجوبة تدور حول قضايا من هذا النوع :
- ماقولك فى من دعا نبيا او وليا واستغاث به فى تفريج الكربات ؟
- من قال لا اله الا الله محمد رسول الله ، ولم يصلى الم يزكى هل يكون مؤمنا ؟
- ماقولك فى البناء على القبور ؟ - ص 87 )
( وفى رسالة عبدالعزيز بن محمد بن سعود الى العلماء والقضاه فى الحرمين والشام ومصر والعراق والتى اتسغرقت 26 صفحة من الحجم الكبير ليحدثهم عن القبور والشفاعة ويشرح لامير المؤمنين معنى لااله الا الله ، ومشروعية الدعاء للنبى والموتى ... – ص 88 ) ، وينقل جلاك كشك عن بن سند قوله ( ان خطاب " سعود " فى مكه لم يأتى بجديد لايعرفه عوام اهل مكة – ص 94 )

يذكرنى هذا بخادم كان يعمل لدينا ، حفظ القرآن صغيرا ولم يتيسر لوالده نفقات تعليمه فالحقه بالخدمة لدينا وهو فى العاشرة من عمرة ، كانت امى حنونه وعطوفة فجعلته يعيش بيننا كواحد منا وساعدته حتى حصل على الاعدادية ، والحقناه بعمل فى احدى المصالح الحكومية . ولكن مشكلته معنا كانت فارق التعليم ، فكان كل يوم يأتينا ببديهية معروفة ومعلومه معتقدا انه اكتشاف فلسفى او لغوى او اجتماعى ويصر ان يوضحه لنا بالتكرار الممل ، محاولا ان يتعالم علينا لتعويض الفارق التعليمى . ان صاحب الفكر الضحل عندما يتبادر الى ذهنه معلومة ولو بدائية يعتقد ان اكتشف قانون الجاذبية او دوران الارض ، ويلح عليك بالتكرار الممل ، تماما كما يفعل الوهابيون فى مقولتهم الساذجة : لااله الا الله .... نفى واثبات .

وبعد اكتشافه الخطير لقضية النفى والاثبات فى عبارة لااله الاالله - نرى التهافت فى قضية التوحيد التى قدمها على كل القضايا وجعلها نقطة البدء فى الاسلام ، وبالتالى نقطة البدء فى دعوته ( فهو يكتب لصديق بعث اليه رسالة فى التوحيد فيها كلام من احسن الكلام ، ولكنه لايقبل منه هذا الكلام ، بل يعنفه لانه قال : " واجب على كل ذكر وانثى ، النظر فى الوجود ثم معرفة العقيدة ، ثم علم التوحيد " يرفض بن عبدالوهاب هذا التعليق الفلسفى قائلا له : هذا خطأ وهو من علم الكلام الذى اجمع السلف على ذمه – وانما الذى اتت به الرسل هو ان واجب هو التوحيد وليس النظر فى الوجود ، ولامعرفة العقيدة ، كما ذكرت انت فى الاوراق – ص 91 )
حتى مدح النبى استنكرة بن عبدالوهاب حين ( استنكر قول البوصيرى فى البردة :
يا اكرم الخلق ما لى من الوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
ان لم تكن فى معادى اخذا بيدى فضلا ، والا فقل يازلة القدم
ومن علومك علم اللوح والقلم – ص 92 )
اما موقفه من الشيعة ( الرافضه ) فهو موقف عدائى مستحكم حتى اليوم ، موصوما بالكفر ،ولم يكتفى بتكفيرهم ولكن ( لاشك فى كفر من توقف فى تكفيرهم - ص 93 ) فمن لايكفر الروافض الشيعة يعتبر ايضا كافرا .... !!!

وياتى الجهاد ، الركيزة الثانية فى حركة بن عبدالوهاب بعد التوحيد متمثلا فى الفتح " الغزو" والغنيمة " السلب والنهب " وهما فى نظر الكاتب ( لب الاسلام كما فهمه الرعيل الاول ، وقد مهد الشيخ للجهاد بالهجرة ، هجرته هو الى آل سعود ، ثم دعوته المؤمنين بالهجرة اليه فى الدرعية ..... حيث اقام او معسكر حركى او مجتمع جديد لايرتبط الا بالحركة ، ويعيش للحركة ، وعلى نفقة الحركة – ص 118 ) ولما لم تكن هنك موارد للحركة داخل امارة بنسعود الفقيرة اصلا ، فلتبدأ الغزوات .
- وكيف يكون الجهاد علي مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأن ضل ببعض الخرافات كالتبرك بالأشجار أو أل البيت والأولياء .

- مقومات الدعوة ؟
** التكفيــــــــــــــر : إتباع الشيخ هم (المدينّة) أو المتدنيين ، فهم أهل السنة والجماعة، وما عداهم خارج عن السنة والجماعة، فهو كافر يحق قتاله وغنيمة أمواله. فالطريق الى الغيمة هو الغزو ، والسبيل الى الغزو هو التكفير .
** ولما كانت كل القضايا الفقهية قد قتلت بحثا من قبل بن عبدالوهاب بمئات السنين ، فلم يعد امام الحركة الا الشكليات – التماثل مع السلف ، الذى ذكرناه من قبل طبقا لنظرية لفكر البدائى فى ان "الشبيه ينتج الشبيه " . والتشديد على توافه الامور تحت مبدأ " الاحوط " ضاربين عرض الحائط بالفكر الوسطى فى الاسلام تحت مبدأ " الايسر " .
** ولتفعيل مبدأ " الاحوط " يتم التركيز علي الترهيب من الله دون الرحمة - لأن بالترهيب ينتصر التشدد ، لأن الله القاسي العنيف لا يقبل أي خطأ من البشر وجالس لهم بالمرصاد يعد عليهم ثكناتهم وحركاتهم، والوصول إلي رضاه لا يتم بـ " الايسر" ولكن أمامك قائمة طويلة من المحرمات يجب أن تتجنبها، وقائمة طويلة من الشكليات يجب أن تؤديها، أليس هو الله الذى قال عنه الخليفة أبو بكر "والله لو بيني وبين الجنة خطوة لخشيت من مكر الله – أليس هو القائل " ويمكرون ويمكر الله ... "!! ولذلك ينتصر دائما التشدد علي التساهل. لأنك فى مواجهه آله عنيف قاسى جبار، مكار ، فى حاجة دائما الى رجل دين ليدلك على الطريق الصحيح لارضاء هذا الاله واتقاء غضبه وشره ... وتلك مهنه رجال الدين منذ فجر التاريخ . ولهذا رأينا التركيز على الشكل الاسلامى : اللحية والجلبات والحجاب والنقاب ......... الخ ، والاغراق فى العبادات دون التركيز على المعاملات والضمير والقانون الاخلاقى بين الناس .

ــ حركية الدعوة :
** ( لابد لمن يريد تحريك الجماهير للثورة وخلع النظام المتوارث من اعلان ، بل الزهو باكتشافه الحقيقة ، وتاكيد انه هو وحده يطرح التفسير الوحيد الصحيح لهذه الحقيقة ! واذا كانت القيادات الفكرية فى عصور الانحطاط قد حرصت ان يكون فكرها للخاصة ، فان ماتميز به محمد بن عبدالوهاب كقائد حركى هو حرصه على الوصول للعامة ، ووضعه هؤلاء العامة فى تناقض مع قياداتهم ، بجر هذه القيادات الى معارك استطاع بها ان يشكك العامة فى صوابيتهم ، ووضع نفسه وحركته فوق كل القيادات المعاصرة ، باعلان انه وحده وحركته ، يمتلكان المعرفة والصوابية ، والزم هذه القيادات بالاعتراف بخطا ممارساتها ، وصدق مايدعو اليه – ص 96 )
** ( وكما اشرنا الى ارتباط الدين والدنيا فى التصور الاسلامى ، فان الشيخ وانصاره بفهمهم هذه التصور ، واستيعابه من منابعه الاصيله ، لم يقم شك فى اذهانهم ، ولو للحظة واحدة ، بأن الدعوة تستهدف صلاح الدنيا ، بل ان صلاح الدنيا بالدين هو المدخل لصلاح الاخرة ، فدعوته للايمان بمايطرحه من تفسير ، كان تعنى الاصطدام بالوضع القائم . والاسلام هو "التوحيــــــــد والجهـــــــــاد " ، ولذلك كان الحديث منذ اللحظة الاولى عن " الفتـــــــح والغنيمــــــــة " – ص 101 ) كلاكيت .. ثانى مرة .. !!
** وكان السبيل الى ذلك هو المنشورات الثورية ( الشيخ لايكتب ابحاثا فقهية ، تناقش فى مجالس الخاصة والعلماء ، بل منشورات ، ويخلق حول توزيعها الخلايا الحركية : " فهذا الكتاب كل اهل بلد ينسخون منه نسخه ويجعلونها عندهم ثم يرسلونه الى الآخرين – ص 96 ).
وبدأت الغزوات ضد الكفار( .....!!! ) الموجودين في نجد - لاحظ أننا فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر الميلادي - ..!!) وبدات الغنائم وتوسعت امارة ابن سعود من الدرعية الى ماحولها من القرى الصغيرة التى تم التهامها الواحدة بعد الاخرى ، وقبائل انضمت طمعا فى الغنائم ، فتم الاستيلاء على معظم قرى وقبائل نجد ، وتتوج النصر بالاستيلاء على الرياض .

غزوة كربلاء :
ينقل لنا الاستاذ جلال كشك حرفيا من مؤرخ آل سعود لتلك الفترة – عثمان بن بشر – معللا ان هذه الحرب لم تكن ضد الشيعة بذاتهم . ونحن هنا ننقلها بحروفها ولايهمنا ان كانت ضد الشيعة على وجه الخصوص ام ضد اهل العراق على وجه العموم ، ولكنها غزوات من المسلمين – اتباع الشيخ على الكفار اهل كربلاء كأن التاريخ يتكرر حرفيا ... !! فالعذر اقبح من الذنب ..!! ( ثم دخلت السنة السادسة عشر بعد المائتين والالف هـ – 1801 – 1802 م- وفيها سار سعود بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة من جميع حاضر نجد وبواديها والجنوب والحجاز وتهامة وغير ذلك ، وقصدوا ارض كربلاء ، ونازل اهل بلد الحسين ، وذلك فى ذى القعدة فحشد عليها المسلمون ، وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة ، وقتلوا غالب اهلها فى الاسواق والبيوت ، وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين ، واخذوا مافى القبة وماحولها ، واخذوا النصيبة التى وضعوها على القبروكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت والجواهر ، واخذوا جميع ماوجدوا فى البلد من الاموال والسلاح واللبس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك ممايعجز عنه الحصر ، ولم يلبثوا فيها الا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الاموال ، وقتل من اهلها قريب الفى رجل ، ثم ان سعودا ارتحل منها على الماء المعروف بالابيض فجمع الغنائم ، وعزل اخماسها
، وقسم باقيها على المسلمين غنيمة للرجل سهم ، وللفارس سهمان ، ثم ارتحل قافلا الى وطنه – ص 122 )

فتح مكة :
وكما يقول ابن سعود ( ان اهل الاحساء رافضه ادخلناهم فى الاسلام بالسيف ، فقد اعترف بنفسه ايضا ان الاشراف فى مكة مشركين ، واشترط اسلامهم ، وهو نفس رأيه فى امير المؤمنين وخليفة المسلمين السلطان السنى – ص 121 ) نجده فى العام 1807 يحشد كل قواه ( خمسة واربعيون الف مجاهد - ..!! – من جيشه الى مكة فى ثياب الاحرام ، لبينما اختفى شريف مكة ، ولزم الجند وحرس المدينة قلاعهم يرتعدون فوق اكداس الذخيرة عاجزين عن استخدامها والمجاهدين الحجاج – الوهابيين - يزحفون الى داخل مكة – ص 130 ) لتعود الى الاذهان " المنصور بالرعب " تماثلا بالآية " ولتكن بكم عليهم غلظة " . ويتباكى الشيعة على مقتلة كربلاء ، ولكن من يتباكى من العالم السنى الآن فى ظل سيادة المفاهيم الوهابية على ( مقتلة اهل الطائف " السنة " مقتلة لها شهرة تفوق مقتلة كربلاء – ص 121 ) ومن يتباكى من الشيعة على انتهاب اموال القبة والمزار الحسينى فى كربلاء فقد ( تم وفقا للمفاهيم الوهابية تماما كما انتهبت اموال القبه النبوية ذاتها – وقد استند سعود فى ذلك الى فى ذلك الى فلسفة التوحيد الاسلامية ، وقد نقل محمد بن عبدالوهاب عن شيخه ابن القيم ان المال الذى يرصد فى القبور هو مال ضائع ، فبصرف فى صالح المسلمين – ص 121 ) . وهنا نقول للاستاذ كشك فى دفاعه المتهافت عن سعود والوهابيين ، ان قبور المسلمين شئ ، وقبة النبى شئ آخر .. مش كده ولا اية ... !!

نهاية الدولة :
بالاستيلاء على مكه ( فتح الفتوح ) واشاعة الرعب فى قبائل الجزيرة ، يصل التضخم وغرور القوة الى منتهاه ، فطبقا للمفاهيم الوهابيه الصحراوية العنيفة الجافة يتم منع المجى بالمحمل مع حجاج مصر والشام ، فعلى نمط ( من محمد رسول الله الى المقوقس عظيم القبط ) نجد نفس الرسالة الى الخليفة العثمانى : ( من سعود الى سليم .. اما بعد " فقد دخلت مكة فى الرابع من محرم سنة 1218 هـ وأمنت اهلها اهلها على ارواحهم واموالهم ، بعد ان هدمت ماهناك من اشباه الوثنية ، والغيت الضرائب الا ماكان منها حقا ، وثبت القاضى الذى وليته انت طبقا للبشرع ، فعليك ان تمنع والى دمشق ووالى القاهرة من المجئ بالمحمل والطبول والزمور الى هذا البلد المقدس ، فان ذلك ليس من الدين فى شئ . وعليك رحمة الله وبركاته ) (ومع إن السلطان العثماني كان بعيدا عن نجد، ليس لها فيها إلا وجود اسمي- ص 242) إلاأنهم تحرشوا به ضمن ما تحرشوا بالإمارات المحيطة "أسلم تسلم .. يعطيك الله أجرك مرتين" أو قريبا من هذا ووصلت الرسالة السلطان العثماني ، "وبمنع حج القافلة التي كانت أم السلطان فيها – ص 242 ) بالاضافة الى كل ذلك ( لجأت قوى الثورة المضادة داخل السعودية ، الى طلب تدخل السلطان ، كما يقول بن غنام ، ضد الحركة التى كانت تهدد مراكزهم سواء كانوا علماء دين ام شيوخ قبائل وامراء مدن- ص 119 ) .

وكان ماكان مما يعرفه التاريخ .... صدرت الأوامر من السلطان العثماني لواليه علي مصر محمد علي ( وقتذاك ) بإرسال الجيش المصري لقمع " الحركة الوهابية ". وأنتهت الدولة السعودية الأولى إلي الفشل والهزيمة – وسبق بعض أمرائهم وشيوخهم إلي سجن القلعة، وفر الباقين إلي الإمارات المحيطة.
ويذكر لنا المؤرخ المصرى الجبرتى الذى عايش تلك الفترة : إن المصريين خرجوا إلي سجن القلعة ليلا للتبرك بهم ؟؟ فهذا حال المصريين مع كل قادم من جزيرة العرب بصفتها الارض المقدسة والشعب المقدس ، وهذا بالضبط كا حجر الاساس فى انتشار الوهابية بأرض المحروسة فيما بعد .
هذه هى الوهابية في جذورها الأولى مع الدولة السعودية الاولى .. وبعدها عاد بعض الأمراء من منافيهم ، وحاولوا إقامة الدولة السعودية الثانية ، ولكنهم تقاتلوا علي الإمارة الصغيرة حتى سلموا الرياض "عاصمتهم" إلي "بن رشيد" حاكم إمارة حائل في الشمال الذي كان أحد الأمراء التابعين لهم، وتبني ابن رشيد الوهابية ولكن بدون الصخب الذي أدي إلي هزيمتهم من قبل. (وبدأت هجرة عبد الرحمن بن تركى آل سعود) وأولاده وفي مقدمتهم عبد العزيز أل سعود الى الكويت .. واسدل الستار عن الدولة السعودية الثانية – ص 243)
ومع مطلع القرن العشرين يعود عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن تركى آل سعود ليؤسس الدولة السعودية الثالثة التى يتوارثها ابناءه حتى اليوم . والتى ستكون الجزء الثالث من هذه الدراسة .

يهل علينا القرن العشرين وخلافة آل عثمان تلفظ انفاسها الاخيرة ، والانجلو ساكسون يسيرون قدما لبناء الامبراطورية التى لاتغرب عنها الشمس- حتى ليقولوا للسحابة المارة كما قال من قبل الخليفة العباسى هارون الرشيد ( امطرى حيث شئتى فسوف يأتينى خراجك ) – فاحتلال كل من مصر والسودان والاردن اصبح واقعا ، وفى جزيرة العرب كان اقليم الحجاز ومعظم امارات الخيج تحت الحماية البريطانية ، ولم يبقى للنفوذ التركى بين الخليج العربى والبحر الاحمر سوى امارة حائل فى نجد تحت حكم آل الرشيد الذين قلنا من قبل انها ( استولت على الرياض وقامت بطرد امراء الدولة السعودية الثانية – ص 273 ) بعد ان تنازع الامراء السعوديين على الامارة وتبنت الوهابية دون الصخب العقائدى السابق .وبعد ان كانوا تابعين لامارة الرياض اصبحت الرياض- عاصمة السعوديين السابقة – احدى الامارات التابعة لهم .واكتفى البيت السعودى فى منفاه بالكويت بما وافق الاتراك ( على صرف مبلغ ستين ليرة ذهب وحق الاقامة فى اى منطقة خاضعة لنفوذهم فأختاروا الكويت – ص 274 )
وهنا بدأت الحروب بالوكالة .. ابن صباح حاكم الكويت المحسوب على الانجليز ، وابن رشيد حاكم حائل والمحسوب على الاتراك (رحب ابن رشيد بالفرصة ليضرب بن صياح باسم العثمانيين الذين كانوا قد استاءوا من تحالف بن صباح مع الإنجليز – وهنا يتذكر بن صباح ، عنده فــى الكويت عائلة لاجئة ، دخلت الكويت يأمرمن الدولة العثمانية وأصحاب حق في نجد، ولهم صلاتهم وخبراتهم، وهكذا وضع التاريخ ابن صباح وإمكاناته، وارتباطاته في خدمة أل سعود ضد بن رشيد – ص 242 ) و ( على اى حال لم تكن فى نية مبارك – الصباح – ولاخطر بباله عودة آل سعود لحكم نجد ، بل استعان بهم ضمن الحشد العام الذى الذى جمعه لضرب ابن رشيد وازعاجه من خلال ثلاثة معارك فرعية حتى يتفرغ ابن صباح لضربه الضربة القاسمة فى ميدان القتال ، فكان احتلال آل سليم عنيزة ، وآل مهنا بريدة ، وآل سعود الرياض ، وقد نجح آل سليم وآل مهنا فى مهمتهم وفشل بن سعود فى احتلال الرياض – ص 274)
وهنا يعتمد بن سعود ( عبدالعزيز ) استراتيجية اخرى مستلهما فيها حملات التصبيح البدوية الشهيرة ، ان يكمن للعدو متخفيا تحت اسوار القرية ويفاجئهم عند مطلع الفجر قتلا وتقتيلا ويحتل او ينتهب مايريد ( وهاكذا كانت حملة الاربعين رجلا ، حملة سعودية صرفة، او مغامرة عزيزية ، فمبارك من ناحيته لم يكن ليفكر فى غزو الرياض باربعين رجلا – وان كان ممولها - ... وعبدالرحمن والد عبدالعزيز نهاه ، ثم بعث له رسولا بعدما قارب الرياض يأمره بالعودة .. فهو اجراء يتحمل مسئوليته ونتائجه وحده – ص 277 ) ، يذكرنا هذا المشهد بعلى بابا والاربعين حرامى مما يجعلنا نكرر ان التاريخ يعيد نفسه فى هذه المنطقة بطريقة ملفته للنظر. ( وصل عبدالعزيز والاربعين متطوعا الذين جمعهم من السعوديين الى الرياض فى التااسعة من مساء يوم 15 يناير 1902 – ص 277 ) ويكمن تحت اسوار الرياض ، ويخرج ابن عجلان – حاكم الرياض من قبل بن الرشيد – لصلاة الفجر ، فيهاجم عبدالعزيز ورجاله اسوار الحصن ويقتحم غرفة زوجة ابن عجلان ويكمن بها بعد تهديد الزوجة ، ويعود ابن عجلان فيلتف حوله الرجال ويقتلوه ( ويصيح المنادى : الملك لله ثم لابن سعود – ص 282 )

اذن في عام 1902 بعد أن دخل بن سعود إلي الرياض بالحملة التي مولتها الكويت، حقق بعض الانتصارات الصغيرة في القبائل والقري المحيطة، ولكن ليس هذا هو الحلم، لم يكن حلم الأجداد مجرد إمارة، الفراغ الحضاري والبشري والحضارى في نجد يساعد ولكن ليس بالأربعين رجلا الذين فتح بهم الرياض، ففي نجد إمارتين كبيرتين تحت النفوذ التركي – يحتاج إلي جيش ، ولكن أي جيش نظامي حديث لا يمكن تكوينه في هذه البيئة الصحراوية وسط إمارات لا تزيد الواحدة منهم عن قرية.
في الذاكرة الدولة الإسلامية الأولى التي أقامها النبي محمد بن عبد الله (ص) وفي الذاكرة الدولة السعودية التي أقامها محمد بن سعود جده الأكبر متحالف مع محمد بن عبد الوهاب.
ومن التجربتين كان النمط الذي اختاره.
العقيدة التي تفجر الطاقات وتفجر روح الجهاد، بدلا من جيش نظامي لا قدرة له علي جمعه أو تنظيمه أو تسليحه أو تدريبه أو الاتفاق عليه. اذا (لتكن "الهجر" – بكسر الهاء وفتح الجيم - ولتقيم جيش الإخوان – ص 450 ) مجاهدون ضد الشرك ، ونحو الفتح ، إذا انتصروا فالغنيمة، وإذا ماتوا فهم شهداء في الجنة، والجنة فيها ما فيها مما يناسب الطبع البدوي من حوريات النساء والخمر واللبن والولدان المخلدون ، ولكن هذه المرة بحسابات ذكاء وعاها عبد العزيز بن سعود " الثورة في خدمة الدولة، وليس الدولة في خدمة الثورة" كما حدث مع التجربة السعودية الأولى .

وبدا عبد العزيز في إقامة مجتمعات أطلق عليها "الهجر" - فلا اسلام لمن لاهجرة له ...!! - تضم مجموعات من البدو ، يقال أنها كانت لتعليمهم الزراعة، ولكن الحقيقة أنها كانت أشبه بمجموعات فدائية يتم شحنها عقائديا ، وأطلق عليهم " الإخوان " (ومن المؤكد أن سلوك الإخوان لم يكن يشجع أبدا علي تصويرهم بصورة زراع، أو أولئك الذين يغنون في الإذاعة " يفوت علي الصحراء تخضر" (وفي الهامش يقول الكاتب جلال كشك "رأينا بعض مدن الإخوان وكانت زراعتهم هي أسوا ما رأيت فى حياتى) فقد روي فيلبي أن الأهالي في البراء قالوا له "إنها كانت واحة نخيل خضراء حتى جاء الإخوان وأقاموا مستوطنة قريتان، فقطعوا كل عرق أخضر فيها – ص 577 )
وهكذا البدوي فهو لايجب اللون الأخضر، ولا يحب الفلاحة والزراعة ويعتبرها نقيصه في الفلاح ويتعالي عليه لأنه "أكاري" – اجير لدى الغير- أو "علج" وهي القلب اللساني لكلمة "عجل" ، فالبدوي تعود علي حملات "التصبيح " ومعناها أنه يترك الفلاح يعمل وينتج طول العالم ثم يكمن له عند طلوع الصبح وهو ذاهب لتخزين المحصول بعد جنيه ويفاجئه فيما يشبه غارات اللصوص وينتزع منه جهد العام مع ما تيسر من أبقار ويا حبذا لو كانت معها النساء فيتخذها إماء أو جواري للخدمة في البيوت أو المتعه فى حجرات النوم وهي عادة متأصلة في البدوي عاشت معه كل تاريخه ألا وهي .. الســــــــــــــــبى ... !!!!.
فشلت الهجر زراعيا ولكنها أصبحت تجمعات بشرية شربت بروح قتالية تحت غطاء ديني: الجهاد .... الفتح .... الغنيمة ... الجنة(وكل الذين عاشوا في هجرات عبد العزيز حدثونا عن قيم الرجال وتدينهم وسلوكهم وشجاعتهم وكفاءتهم القتالية، وما من مصدر واحد أشار ولو سهوا إلى طريقة زراعتهم أو محاصيلهم – ص 599 )
المطلوب ليس فلاحين، الفلاحة مهنة حقيرة لدى البدوي، وفي التراث الإسلامي أحاديث نبوية تمنع امتهان الزراعة، وتحض على الجهاد والقتال. المطلوب مجاهدين، أجرهم في الحياة الغنيمة، وأجرهم بعد الموت أو الشهادة الجنة.

وكما قلنا في بداية هذه الدراسة أن الشيء الوحيد المتاح إسلاميا لتقتل مسلما هو تكفيره ، لذا ابتدعت الوهابية مبدأ ان كل من خالفهم كافر. فهم الفرقة الناجية ، وهم أصحاب الحقيقة الوحيدة ، وهم وارثي النبوة بالتاريخ والجغرافيا.
وكلاكيت ثالث مرة ..... بدأت حملة التكفير لكل من يخالف الوهابية، وبدأت جيوش بن سعود تقتل وتحرق مسلمين كفرة لمجرد التشفع بالأولياء وآل البيت والتبرك بأشجار أو أماكن بعينها.
ولأن كتاب الأستاذ جلال كشك هو إشادة بالإخوان وبالتجربة السعودية، الا ان الحقيقة تفلت من بين يديه فيكتب مبررا للاخوان تكفيرما عداهم ، ويدافع عن هذا الفكر التكفيري قائلا :
((( تعليمهم أن غير الإخوان كفرة ؟ !
نعم .... وإلا فبأي حق يستحل دمهم ومالهم ، ويجندون لقتالهم ، وكيف يستشهد الأخ، خيال التوحيد إلا في قتال الكفرة والمشركين .. هل لو علموهم أن غير الإخوان مسلمون وهم يعرفون أن القاتل والمقتول في النار ؟! وكن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل ... وكن في الغنيمة كابن لبون لا جذعا فيحلب ، ولا ظهر فيركب، ... أكان يقوم جيش الأخوان أو تتحرر وتتقدم مملكة بن سعود – ص 607)))
هذا نص الكاتب بعلامات استفهامه ... وتنقيطه ... ورسمه . ونحن لم نخرج عن هذا ..ولم نقل إلا هذا، ونكرر ونقول أن الحركة الوهابية الأولى مع محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود، والحركة الوهابية الثالثة مع عبد العزيز آل سعود وأحفاد بن عبد الوهاب كانت حركة تكفيرية لكل ما لم يدين بدينهم استغلها أمير طموح وزكى في تكوين مملكة. أشاعوا الرعب بقسوتهم، وارتكبوا الكثير من القتل بدم بارد لأن المقتول كافر، وبعد توحيد المملكة أرادوا الخروج خارج الحدود لتكوين الإمبراطورية العربية الغائبة، وتتدفق عليهم مرة أخرى ممن يلونهم من الكفار الجزية التي يدفعونها عن يد وهم صاغرون ..!! ولكن عبد العزيز بن سعود كان يعلم أن الظروف الدولية في القرن العشرين الميلادي تختلف عن الظروف الدولية في القرن السابع الميلادي. فا كتفى بما وصل إليه وقال قولته المشهورة: ( لو فعل أولادي مثلي لحكموا مائة مليون مسلم - وهم عدد المسلمين وقتها من الكويت حتى المغرب- ) وقد تحقق لاولاده من بعده هذا الحلم بتصدير هذه الدعوة الوهابية مدعومة بالبترودولار ، وتصدرت السعودية الساحة العربية والاسلامية .
وتعترف تركيا بعبد العزيز اميرا لنجد ولكنه على الانجليز فى طلب معاهدة حماية كتلك التى لامارة الكويت ، ويهدد بطلب الحماية الروسية اذا رفضتها بريطانيا ( وان كان تهديده المبطن بالتوجه للروس هو مجرد حيلة اريبة معتادة من العرب – ص 324 ) . الحماية التى تسعى اليها بريطانيا لسنوات ، ظل عبدالعزيز يلح فى طلبها من عام 1904 حتى تم توقيعها فى العام 1915 وتضعه بريطانيا تحت حمايتها وتعترف به اميرا على نجد وملحقاتها ليستكمل غزواته على الكفار والمشركين ... !! وبعد الحماية الانجليزية كان من الطبيعى ان يصفى آل الرشيد ويضم اليه امارة حائل لينهى بمساعدتهم الوجود التركى فى جيزرة العرب حتى اصبحت منطقة نجد كلها تحت سيطرته . ولاننسى انه فى تلك الفترة – وهى الفترة ذاتها الى تحالف فيها ملك الحجاز الشريف الحسين بن على مع بريطانيا – كانت جموع المسلمين فى سائر الدول الاسلامية تعتبر ان الخلافة – العثمانية – بمثابة ركن من اركان الاسلام ، وهى نفس الخلافة التى يتباكى عليها الوهابيين الآن .... !!
واستقواءا بالحماية الانجليزية هاجم الإخوان الكويت- التى كفلتهم لاجئين لديها ومولت حملة عبدالعزيز على الرياض .. !! - فضربتهم الطائرات الإنجليزية، وهاجموا العراق ، ووصلوا إلى هدم قبور آل البيت وانتهبوها بالكامل على أساس أنها للشيعة - كأن آل البيت للشيعة فقط - وطاردتهم أيضا الطائرات الإنجليزية . ومنعهم الملك عبد العزبز آل سعود بصفته حليفا وتحت الحماية الانجليزية وحتى لايكرر اخطاء تجربة الدولة السعودية الاولى .
ولكن الشحن العقائدى لاخوان عبدالعزيز جعلهم يتحرشوا بالملك ذاته ويستعيدوا مايكرره التاريخ عن قص ثوب ابو بكر فيكرروها مع عبدالعزيز ، علاوة على رفضهم مستشارى الملك سواء من العرب او من الاجانب ... الخ فكان الصدام مع قائدي الإخوان في ذلك الوقت .. فيضل الدويش وابن بجاد ، واستعمل معهم عبد العزيز سيف المعز وذهبه حتى استأنسهم له وليس عليه، أشداء على الكافرين ... مطيعين للملك . ولنعلم من الكاتب أن فيصل الدويش، هذا البدوي قاطع الطريق، الذي هزمه عبد العزيز أكثر من مرة في الجاهلية، ثم استطاع أن يكسبه إلى الإسلام .. إلى الحركة الوهابية، فكان رائدا في حركة الإخوان وزعيمها الأول بلا منازع - ص 595 ) وفي الهامش يعلق الكاتب : ( قال محمد المانع (مؤرخ بن سعود) إن بن سعود هزم الدويش في مايو 1907م في معركة المجمعة وأسره ثم عفا عنه ليعود فيحارب في معركة قرب بريدة، ويأسره عبد العزيز ويعفو عنه مرة ثانية، وهذا يؤكد أنه كان يحرص على كسبه لدعوته – ص 595 ). ما شاء الله ... !! أحد جناحي الملك عبد العزيز كان قاطع طريق ثم أسلم فأصبح فارس الجزيرة العربية الأول في حروب عبد العزيز ضد قبائل نجد الكافرة .....!!
وعلى حدود مملكة الحجاز يقف عبدالعزيز آل سعود يشتهى فتح الفتوح ( مكة ) التى بدونها لن يكون الا مجرد سلطانا على مملكة لاتحوى اكثر من الرمال وبعض آبار الماء ومراعى الكلا ، وسيظل يتلقى اعطيات ملك الحجاز نيابة عن انجلترا فيلقى عليه مندوب ملك الحجاز صرة الذهب ويمضى ، ويظل يخاطب ملك الحجاز بالقول :( جناب الاجل الامجد ، ذو المكارم العليه والشيم المرضية ، سليل السلالة الطاهرة الهاشمية ، حضرة سمو الفخامة والسيادة امير مكة المكرمة وشريفها سيدنا ووالدنا المكرم ن الشريف حسين بن على المفخم ، حرسه رب البريه ، وبلغه امانيه الخيرية – ص 487 ) ورغم ذلك يحاول عبدالعزيز ان( يضم الى نجد قريتى تربه وخرمة وهما قريتان او واحتان تقعان على الحدود بين نجد والحجاز – ص 491 ) ولكن يأتيه التحذير البريطانى ( بأن معارضته ، يستفقده حسن ظن بريطانيا ، وستؤدى الى قطع الاعانة الشهرية التى تقدمه له الحكومة البريطانية – ص 490 )
استغل عبدالعزيز آل سعود رفض الشريف حسين ( توقيع المعاهدة مع بريطانيا التى يعترف فيها بالانتداب والتقسيمات ، وتهويد القدس – ص 511 ) واستجاب لرغبته ورغبة الاخوان الملحة فى فتح الفتوح ( مكة ) فكانت مجزرة الطائف التى اكتسحها جيش الاخوان فى العام 1924 . وعلى الجانب الآخر نرى الشريف الحسين بن على يقول بعد ان اكتسح بن سعود بموافقة ضمنية من انجلترا ( لقد اخطأت فى عدم توقيع المعاهدة ، ولكنى افضل ان اخسر عرشى على ان يسجل على التاريخ اننى فرطت فى حقوق العرب ، وانا واثق ان سياستى لم تكن خاطئة ، انما غلطتى اننى وثقت فى الغرب وبالغت فى تقدير الشرف الاوروبى – ص 512 ) . وعن مجزرة الطائف ينقل لنا الاستاذ جلال كشك عن مؤرخ الملك عبدالعزيز – احمد عبدالغفور عطار – ( وانتهز الذؤبان الآدميون الضراه فقدان السلطة من البلدة وانتشار الاضطراب فيها فراحوا يقضون الليل فى الســـــــــــلب والنهــــــــــــــب والقتـــــــــــل ، فلا رادع من ديــــــــــــــــــــــــن او ضمير او سلطان ، وهاجموا البيوت وحطموا الابواب ودخلوا على الابرياء ومزقوهم بالسيف واطلقوا عليهم الرصاص ، واستلبوا كل ماوجدوا من غال ورخيص ، ودخل سلطان الدين – اى سلطان بن بجاد – البلدة واخلاها من المدنيين ، وحشرهم كلهم فى حدائق شبرا وقصرها العتيد ، وكان النمساء سافرات لاول مرة فى هذه البلاد وكن مع الرجال ... ونهب سلطان ومن معه كل مافى البلدة المنكوبة – 749 ) ثم يعلق الاستاذ كشك : ( وبعد هذه الصورة الدامية ، يتفضل – قاصدا مؤرخ الملك - فيقول : وان كنت كمؤرخ ابرئ بن سعود من مسئولية مذبحة الطائف ص- 749 ) ومن جانبنا نعلق فنقول : سواء كان ابن سعود يعلم او لايعلم اين رادع الديـــــــــــــــــــــــــــــــــــــن لقوم قامت دعوتهم على نشر الدين ، وليس امامنا الا ان الحل كان فى التكفير ، التكفير الذى لازم الدعوة من بداياتها الاولى مع محمد بن سعود ثم بدايتها الثالثة مع عبدالعزيزبن سعود وحتى الآن فى العراق والصومال واليمن وافغانستان .... ؟؟ ناهيك عن تكفير المسيحى ..؟؟ ونستمع إلى الريحاني مستشار الملك عبد العزيز يقول في الإخوان: (وقد عرف الريجاني الإخوان بقوله : الإخوان هم الفئة المحاربة، الفئة المتعصبة ، الفئة المديّنة من ديّن أي تمذهب بمذهب الوهابية في اصطلاح نجد، والإخوان هم جنود عبد العزيز بن سعود الذين كانوا بالأمس من العرب الرحل، من البدوالجاهلية فديّنوا ،أي دانوا بدين التوحيد فصاروا مسلمين – ص 581 )
عزيزى القارئ :
- هل تعرفت الآن على الفكر الوهابي من أصداقائه وليس من أعدائه؟ صاروا مسلمين ..!! وعلى الناس جميعا من أراد أن يصير مسلما فعليه أن يدين بالوهابية، فهي الإسلام .... ؟!
والآن ومن خلال نفس الكتاب المعجب بالتجربة، لنرى بعض الوقائع التي جاءت في ثنايا الكتاب توضح لنا الفكر الوهابي ومدى تكفيره للاخر .. فنقرأ :

* (وما نوار غير راعي بعير ... اكتراه شاب كان يعمل في خدمة السلطان عبد العزيز ليسافر معه الى القصيم ، طلب أن يرافقنـــــــــــــا ، واكتشف نوار أن خادم السلطان يدخن ويغني فيتلو نوار المعوذتين، وعندما رآه لأول مرة يشعل السبيل (الغليون) كاد يجن، فوثب فجأة إلى الأرض كأن نارا اشتعلت تحته وهو يردد بصوت عال: أعوذ برب الفلق من شر ما خلق – أجرنا من النار ... أجرنا الله من النار ... والربع – الجماعة - كلهم يضحكون ص 583) . ثم نعود لفيلبي .. الذي ( عاش أياما قاسية في بلاد بن سعود، أذاقه فيها الإخوان ذل الكافرين على يد المؤمنين، حتى وان كان الكافر ممثل بريطانيا العظمى- الذى يدفع الإعانة الشهرية لحكومتهم عن يد وهم صاغرون- ويلح في طلب الحملة على بن رشيد، و مع ذلك فلقد سمعتهم يتناقشون في جلساته: ما رأيكم دام فضلكم في جواز السلام ... ليس على الكافر .. فهذه مفروغ منها، بل من يتعاملون مع موظفي الحكومة – ص 585 )
( هكذا وفي العقد الثاني من القرن العشرين أعلن إخوان عبد العزيز أن المندوب السامي البريطاني نجس، وتنتقل النجاسة منه إلى من يؤاكله الذي ينقلها بدوره ... الخ، مما يحتم كسر الزيرأو الإبريق إذا لمسه من آكل ممثل بريطانيا العظمى – 586 ) و ( دخل خيمة فيلبي أخ دون أن يدري، وظل يتحدث مع مرافقه العربي، فلما خرج، وأحاط به الإخوان يسألونه لماذا دخل خيمة الإنجليزي، لم يجد من يكفربه عن خطأه، إلا أن استدار وبصق في اتجاه خيمة فيلبي ، لقد حاول بعضهم قتله، أو على الأقل ترويعه ، وكثير ما كان الإخوان يطوفون حول خيمته، وخيمة معاونيه ليلا ونهارا ليضبطوا واحدا من هؤلاء المعاونين يدخن – ص 587 )

* لنقرأ إحدى خطب الملك بعد العزيز لجيشه من الإخوان : (أنتم جيشي الذي أعتمد عليه. أيام الجاهلية والنهب والسلب كنتم جيشي، والآن وقد هداكم الله لنعمة الإسلام والتوحيد الذي أعتمد عليه بعد الله كنتم ايضا جيشى – ص 590 )

* وفي معركة الجهرا بين جيش بن سعود بقيادة فيصل الدويش ضد بن صباح حاكم الكويت (حيث هزمت البنادق الإنجليزية، وتحطمت الحصون، أمام السيل العقائدي الزاحف، أما شيخ الكويت فقد استخدم الحيلة لخداع الجيش المهاجم، فعندما حاصره الدويش ودعاه للإسلام، رد: وهل من يرفض مثل هذه النعمة إلا الأحمق؟ إني والله منكم، ولكن أمهلوني يومين، وموعدنا في الصبيحة – ص 596 ) هل قرأت جيدا .. دعاه للإسلام ..... !!! قائد جيش بني سعود يدعو حاكم الكويت للإسلام ، وحاكم الكويت هذا هو من أعان عبد العزيز على دخول الرياض لاسترجاع إمارتهم المفقودة ...!!

* وبمناسبة عرض الإسلام على أمير الكويت، نرى أيضا سادن الكعبة المكية يعلن إسلامه على أيدي جنود عبد العزيز ولنسمع الحكاية ... (الحكاية أن الشيخ عبد العزيز الشيبي سادن الكعبة، أسقط في يده عندما دخل الإخوان الطائف ، وكان هناك ، واستل أحدهم السيف ليقطع عنق المشرك ، عندها بكى الشيخ وأجهش بالبكاء ... فسأله الأخ وسيفه معلق فوق عنق الشيخ ( وليش بتبتشى يا تسافر) اى ولماذا تبكى ياكافر ، فأجابه الشيخ الأريب - أبكي والله من شدة الفرح، أبكي يا إخوان لأنني قضيت حياتي كلها في الشرك والكفر، ولم يشأ الله أن أموت إلا مؤمنا موحدا، الله أكبر ولا إله إلا الله - وأثر هذا الكلام في الإخوان فبكوا لبكاء الشيخ، ثم طفقوا يقبلانه ويهنئونه بالإسلام – ص 604 )
سادن الكعبة المكية في القرن العشرين كان مشركا وكافرا حتى أسلم على يد الوهابيين أخوان الملك عبد العزيز ... وهنئوه بالإسلام .. فكأننا نرى مشهدا من تاريخ سابق بأكثر من ألف ومائتى عام ، عند دخول النبي مكة في فتح الفتوح ....!!

ولكن وبعد دخول مكة واستسلام جدة – رعبا من مذبحة الطائف - واعلان عبدالعزيز نفسه ملكا على مايسمى الآن المملكة العربية السعودية بناء على طلب اشراف جده واهل الحل والعقد ( بذهب المعز طبعا ..!! ) بد أ الملك فى ممارسة مسئولياته الطبيعية فى وضع المملكة على اول سلم التحديث بمقايسس ذلك الزمان ، اعترض الاخوان ( وعقدوا مؤتمرا فى الارطاوية حضره رؤساء الاخوان من مطير وعتيبة والعجمان ، تعاهدوا فيه على نصرة دين الله والجهاد فى سبيله واعلنوا اعتراضاتهم فى 8 نقاط هى :
- استخدام السيارات والتلغرافات والتليفون وهى من اعمال السحر
- دخول المحمل المصرى الى مكه مسلحا
- ارسال سعود الى مصر وفيصل – ابنا الملك – الى لندن وهما من بلاد الشرك
- طلب تفسير لمنع التجارة مع الكويت ، فأن كانوا مسلمين تعاملنا معهم ، وان كانوا مشركين حاربناهم .
- المكوس والضرائب فى نجد والحجاز والتشريعات الوضعية .
- لماذا السكوت عن شيعة الاحساء والقطيف والتغاضى عن ادخالهم فى دين الجماعة .
- لماذا السماح لبادية العراق وشرقى الاردن بالرعى فى مراعى المسلمين .
- هدم القبور – ص 623 )

ولأن : من يقوم بستحضار الجن فعليه ان يصرفه ، استطاع الملك القضاء على رموز المعارضه وساعدته الطائرات الانجليزية فى ضرب تجمعاتهم ، ومن بقى منهم تعلم الحكمة عندما رأى رأس اخيه معلقا ، أوبالتأليف - اما بالذهب واما بالمصاهرات - وهى عادات قبلية معروفة فى طول التاريخ وعرضه .
وكما تقلب عبدالعزيز بين آل صباح ثم الاتراك ثم الانجليز ثم الاخوان ثم انقلب عليهم ، بدأت انجلترا تتنبه الى الخطر الوهابى (رفضت بريطانيا مساعدة المملكة في أزمتها الخائفة نتيجة الأزمة العالمية (1929 – 1932) وأعباء الثورة الأخوانية، وكان "هولمر" قد توقف عن الدفع بعد الأربع آلاف جنيه ، ولم يقم بأي مجهود حقيقي لاكتشاف النفط ، فالغي عبد العزيز امتيازه، ورفضت بريطانيا وشركائها بإصرار عروض الملك في استثمار النفط ، ربما لأنها كانت مكتفية بنفط إيران والعراق والبحرين والكويت أو أنها كانت تفضل النفط في كيانات صغيرة، ولا تريد تقوية بن سعود أو الأسباب أخرى غير معلنة حتى الآن. (وطفح الكيل بعبد العزيز فقال: هاتوا الملف الأمريكي – ص 413 ) وبدأت معادلة دولية جديدة (جاء الأمريكيون بالنفط والمال ووزير مفوض يتكلم العربية، بل ومصاب في رجله برصاصة، تماما مثل الملك .. ، فكان الملك والسفير يجلسان ويمد كل منهما ساقه المصابة ، ويتحدثان بالعربية عن ذكريات الإصابة والنفط والسياسة – ص414 )

ورغم قصة الإسلام ، ونشر الإسلام ، وعرض الإسلام ، وقبول الإسلام في الجزيرة العربية في بداية القرن العشرين ، إلا أن عبد العزيز آل سعود لا ينسى أنه أنشأ مملكته بالسيف وإن كان تحت دعوى التكفير ، فنسمعه يقول (وإن بلادنا عزيزة علينا، لا نسلمها لأحد إلا بالثمن الذي استلمناه به) وفي الهامش يعلق أ. جلال كشك ( أي : بالسيف – ص 588 )
لذلك لا تندهش عزيز القارئ إذا رأيت علم هذه المملكة الآن وعبارة لا إله إلا الله وتحتها السيف. هل ر أيت كيف يوظف الدين في خدمة السياسة .... !!

2
3