السلفية الوهابية
 
 


 مستقبل العرش السعودي


بعد عودة بندر بن سلطان السفير السعودي السابق في واشنطن الى الرياض بدأت التكهنات الامريكية تنسج سيناريوهات حول مصير العرس السعودي، خاصة وانه خلال المرحلة القريبة القادمة سيمر بتغييرات مرتبطة بالعمر المتقدم لمعظم الذين يتبوأون الصف الاول في القيادة. كان آخر هذه التكهنات ما كتبه سايمون هندرسون في مجلة 'فورن بوليسي' مؤخرا حيث استعرض اعمار القيادة من الملك الى ولي العهد ومن ثم تحول الى الجيل الثاني من ابناء الامراء وخاصة الذين يعملون في مناصب مساعدة لابائهم في الوزارات المهمة وامارات المناطق.
بعد هذا العرض يستنتج هندرسون ان خلف جدار القوة والمنعة هناك معضلة حقيقية تواجه البيت السعودي في مجال توريث الحكم. ويعتقد ان بعض المناصب الرفيعة ستنتقل الى الابناء او الاخوة فمثلا يرجح ان يستقيل سعود الفيصل من منصب وزير الخارجية وينتقل هذا المنصب الى اخيه تركي الفيصل. وكذلك يتنبأ باستقالة سلطان بن عبد العزيز من منصب وزارة الدفاع ويرثه ابنه بعد ذلك. اما موضوع انتقال الملك الى شخصية اخرى فهو يظل موضوعا شائكا معقدا بوجود شخصيتين تطمحان لهذا المنصب هما نايف وسلمان ولكن حسب هندرسون كلاهما يعانيان من امراض ربما لا تجعلهما الافضل لمثل هذا المنصب الرفيع والذي يتطلب حيوية ونشاطا.
ونشعر من كلام هندرسون انه يميل الى صف خالد الفيصل امير مكة حيث يستعرض قدراته الادبية والشعرية والفنية التي اكسبته ثقلا في اوساط العائلة الحاكمة رغم ان رصيده وانجازاته في منطقة عسير عندما كان اميرها عليهما الكثير من علامات الاستفهام.
من المؤسف ان هذه التكهنات والتي ربما تدور في حلقات مفرغة بغياب الشفافية تظل هما امريكيا بسبب العلاقة السعودية ـ الامريكية ولكن الاهم من ذلك ان الكثير من ابناء المجتمع في الداخل السعودي هم معزولون عن صنع القرار ولا يمثلون اي ثقل يرجح كفة احد المخولين لتبوؤ سدة الحكم. فهم يتلقون الخبر كما يأتيهم وليس لديهم اي قدرة على تغيير مسار الامور خاصة في مجال القيادة العليا ومراتبها ومناصبها. وهذا ليس بالمستغرب اذ ان الملكيات المطلقة ليس من عادتها ان تستحضر المجتمع عندما تواجهها قرارات مهمة تضمن سيطرتها على سدة الحكم واستمرارية الحكم العائلي. في مثل هذه الانظمة السياسية تعتبر المعركة القيادية معركة داخلية تحسم نتيجتها اما بالتشاور والتراضي او بالعنف والعزل والاقصاء لاجنحة تتنافس فيما بينها بمعزل عن المجتمع وفعالياته.
في معركة القيادة لا يوجد مجتمع او فعاليات وكل ما في الامر حلقة ضيقة من الطامحين للسلطة بمجرد انتمائهم لجناح عائلي او طرف من اطراف المجموعة. وخلال العقود الماضية استطاعت السعودية ان تحتوي الاجنحة المتشعبة من خلال توزيع المناصب والتي اصبحت حكرا على افراد العائلة. وهي اخترعت مناصب جديدة في اعلى هرم الدولة لتحتوي العدد الهائل من الامراء. فبالاضافة الى السيطرة على مفاصل الدولة الهامة من دفاع وخارجية وداخلية نجد ان السعودية تجاوزت المعقول والمتوقع حيث نصبت الامراء في مناصب لم يكن لهم فيها أي صلة حيث نجدهم اليوم في مجال التربية والتعليم والسفارات والرياضة والسياحة وجميع امارات المناطق حيث لم يبق اي دور او منصب لم يخترقوه او يسيطروا عليه.
في مقابل هذا المد السعودي الافقي والعامودي تقوقع المجتمع وانحسرت فعالياته القيادية لتصبح اداة ووسيلة لاستمرارية الوضع كما عليه فمهمة القيادة الاجتماعية خدمة الصف الاول، وتسهيل سيطرتهم على مرافق الدولة وليس البروز وتصدر القرار السياسي اذ ان النظام الملكي المطلق يحتاج الى كوادر تخدم ولا تحكم تنفذ ولا تتساءل تطيع ولا تتمرد وهو بالفعل قد أعد مثل هذه الكوادر ودربها على مهمات السمع والطاعة دون طرح الاسئلة او الاستفهام عن جدوى القرارات والاوامر. ويستعمل النظام مثل هذه الكوادر في حملاته الاعلامية التي تصبو الى محاربة الفساد والقضاء عليه حيث انه يطيح بأحدها في الوقت المناسب من اجل كسب معركة ضد تسيب الامور واستشراء الرشوة او الفساد. فتخدم هذه الكوادر الاجتماعية النظام من خلال عمليتين. اولا من خلال تنفيذ الاوامر السامية وثانيا لعب دور كبش الفداء الذي يضحى به عند اول ازمة او كارثة. وتمتص الكوادر الاجتماعية العاملة في الدولة الغضب الشعبي الذي يتمحور حول التقصير واللامبالاة والتأجيل لمعاملات او قضايا تهم المجتمع في حياته اليومية وكذلك تسلط الصحافة اهتمامها على تقصير هؤلاء وتراخيهم وتقاعسهم عن تنفيذ الارادة الملكية والاوامر العليا دون ان تستطيع هذه الصحافة ان توجه اي انتقاد للحلقة الكبيرة التي تمسك بالقرار السياسي وتحتكر المناصب الرفيعة في مرافق الدولة المتشعبة. في ظل هذا الوضع من الواجب ان تطرح الاسئلة ليس حول من سيحكم السعودية مستقبلاً ومن سيرث منصب الوزير هذا او ذاك وانما كيف ستحكم السعودية خلال المرحلة القادمة؟ ولكن مثل هذا السؤال لا يهم المراقب الخارجي او الدول الاخرى وخاصة الولايات المتحدة والتي تعودت على ان علاقاتها مع السعودية تدار عادة من خلال العلاقات الشخصية كالتي نمت عندما كان بندر بن سلطان سفيراً في واشنطن وهي تفضل مثل هذه الشخصنة لانها لا تتنبأ بمستقبل العلاقة الحميمة في ظل مؤسسات برلمانية او محاسبة سياسية وهي تفضل الطاقم القديم المعتاد والمعروف على أي شخصية جديدة مبهمة تحتاج الى وقت طويل من اجل ان تفك طلاسمها وتتعود على مزاجها وأهوائها.
اما في الداخل فلا تزال معضلته توريث الحكم خارج صلاحيات المجتمع الذي تعود ان تكون نتائجها كغيرها من التعيينات السابقة حيث ليس له فيها من أمر او قرار وليس له اي دور سوى مباركة التعيينات والتقدم بالتهاني والابتهاجات رغم انه هو من يدفع ثمن وجود الشخصية غير المناسبة في اعلى مناصب الدولة وهو الذي يتضرر من قرارات وسياسات داخلية وخارجية بل انه يعلق مستقبله على أهواء الطاقم الجديد عندما يعين دون ان يكون له الحق في صياغة حتى احلامه حيث هذه هي ايضاً مرتبطة بخطط ورؤية تفرض عليه من اعلى. ان الانشغال بالتكهنات حول من هو الملك القادم او ولي العهد او النائب الثاني والثالث انما هو هروب من مواجهة السؤال الأهم والذي يتطلب التفكير بكيفية الحكم وهويته في المرحلة الحالية والمستقبلية واذا استعرضنا جميع المنتظرين والمتأهبين لتبوؤ المنصب الاول نجد ان جميعهم لا يمتلك رؤية واضحة وصريحة حول طبيعة النظام السياسي بل انهم جميعهم يطمحون لاستمرارية الوضع على ماهو عليه اي ملكية مطلقة فوقية تضمن لهم ولأبنائهم واحفادهم اكبر حصة من الثروة النفطية والمناصب المفصلية في الدولة.
رغم ان شعار الاصلاح المبهم سيستمر ويتردد على الشفاه دون ان يتجاوز ذلك بعض التدابير التي تضمن الصدى الاعلامي والبهرجة. وان كانت بعض الشرائح الاجتماعية تتبنى الهمس عندما تناقش موضوع المنصب الاول وتعلق ميلها لشخصية ما الا انها في النهاية معزولة ومجردة من اي وسيلة ضغط وكل ما تطمح له هو ان تزداد شعبيتها وحظوتها عندما يأتي مرشحها الى سدة الحكم. لقد اصبح هذا املها الوحيد والذي يتلخص في المكسب الشخصي على حساب البعد الشامل لعملية التغيير السياسي الذي يضمن حقوق ومشاركة الجميع وليس الأفراد فقط.
وهذه نتيجة حتمية للملكيات المطلقة التي تقتل الروح الجماعية وتنمي النزعة الفردية والتسلق على المناصب فهذه الملكيات تتعاطى مع المجتمع كأفراد وليس مجموعات وفعاليات وتبني قوتها على قدرة فائقة لتفكيك اي عمل جماعي ومبادرة يجتمع تحت رايتها اكثر من طرف وهي تزداد قوة وعنفواناً كلما تفكك العمل الجماعي ونمت النزعة الفردية الشخصية على حسابه. وهذا بالفعل ما تم انجازه على الصعيد المجتمعي السعودي حتى في ابسط الامور كطلب وظيفة او تعيين في منصب. خذ مثلاً البطالة المستشرية والتي لم تستطع حتى هذه اللحظة الا ان تبرز من خلال التجمهر البسيط امام بوابات الوزارات للمطالبة بأبسط حقوق العمل وما تلبث هذه التجمهرات البسيطة ان تتلاشى وتندثر حيث يفضل الكثير من العاطلين تفعيل الوساطات والتي قد تؤدي الى ايجاد وظيفة هنا او هناك. ومهما كثرت التكهنات بمستقبل القيادة السعودية الا ان السؤال الملح هو ليس من سيحكم بل كيف سيحكم هذا المجتمع في القرن الواحد والعشرين