السلفية الوهابية
 
 


 قيادات القاعدة تنهار


قبيل نهاية العام 2003  الحافل بالأحداث الإرهابية في مناطق مختلفة من المملكة العربية السعودية وخصوصاً عاصمتها الرياض،  فاجأت وزارة الداخلية المواطنين السعوديين وهي تبث تقريراً مصوراً يعرض ما آل إليه مصير أحد أهم عناصر تنظيم القاعدة عامر الشهري بعد نحو شهرين من إصابته في مواجهة عسكرية مع قوات الطوارئ السعودية.

كان الشهري  صاحب النشيد الجهادي في فلم تفجيرات (المحيا) في العاصمة السعودية الرياض في نوفمبر 2003، و الفلم الذي أنتجته مؤسسة السحاب يحمل عنوان "غزوة بدر الرياض" ويتصدره صوت الشهري وهو يقول "زفوا الشهيد لبيته الثاني في الجنة"، ويقصد بذلك منفذي العملية (ناصر السياري وحامد المعبدي) اللذان ظهرا في الفلم نفسه وهما كاشفي الوجه على العكس من باقي أفراد الخلية الذين كانوا جميعهم يخفون وجوههم .

تقرير الأمن السعودي المصور عرض صوراً  للشهري متوفياً أثر إصابات بليغة سببتها  مواجهة محتدمة مع قوات الطوارئ في مواجهة أعقبت تفجيرات المحيا بأيام قليلة، وكان يتضح بحسب التقرير المصور أن الشهري لم يتلق العناية الطبية اللازمة رغم معاناته لمدة تقارب الشهرين وهو بين أفراد خلية تابعة للقاعدة نقلته من موقع المواجهة إلى مكان مجهول تمكن الأمن السعودي من الوصول إليه، في حين أن زميله الآخر ناصر الراشد قال عنه الأمن السعودي إن أصحابه بتروا ساقه المصابة بمنشار كهربائي  قبل أن يلقى حتفه جراء هذه العملية.

هذه المعلومات وغيرها التي عرضها الأمن السعودي كشفت  أنه بدا معلوماً للعامة أن القاعدة اخترقت بشكل عملي، وباتت تحركاتها السرية وأدق تفاصيلها على مكاتب الضباط السعوديين، بل وعرضه للنشر في وسائل الإعلام بحسب ما يسمح به "غربال" وزارة الداخلية السعودية، أو ما تلتقطه مصادر الصحافيين محليين وأجانب.

ورغم أن المواجهات كانت ضارية في أغلب الاشتباكات بين الأمن السعودي و من تطلق عليهم السعودية رسمياً مسمى "الفئة الظالة"، إلا أن الاختراق الأمني كان واضحاً من حيث تحركات قوات الطوارئ السعودية شرقاً وغرباً واعتقال أو قتل الكثير منهم، وكان اللافت يكمن في تعقب 4 قادة تعاقبوا على زعامة التنظيم في جزيرة العرب ( السعودي يوسف العييري واليمني خالد حاج والسعودي عبدالعزيز المقرن والسعودي صالح العوفي) وأطاحت بهم تباعاً  في سنة وأربعة أشهر تقريبا  في فترة بدأت مع نهاية عام 2003 ومطلع العام 2005.

أما الحدث الأبرز على الإطلاق، فكان في شهر أبريل 2005 في مدينة الرس (450 كلم شمال الرياض)، والأمر هنا يتعلق باجتماع طارئ دعت له قيادات التنظيم في المملكة داخل منزل اختير بعناية فائقة وإستراتيجية، إذ أن المنزل يقع بين 13 منزلاً ملاصقاً له، وبمحاذاته مدرسة ابتدائية للبنات، وكان من المقرر أن يعقد الاجتماع خلال ساعات معدودة ومن ثم يعود القادة لقيادة خلاياهم في مناطق متعددة من المملكة، ولكن عامل المفاجأة كان في صالح الأمن السعودي الذي كان خلال لحظات يطوق الحي بأكمله ويرسل تحذيرات بالهجوم إن لم يسلم الجميع أنفسهم.

ولكن القادة عزموا على المواجهة التي صنفت بأنها الأعنف طوال مشوار التنظيم في البلاد السعودية، ومضت نحو 3  أيام متواصلة قبل أن ينتهي الاشتباك بمقتل 14 "قاعدياً" والقبض على 5 مصابين فيما استسلم طوعاً شخص واحد فقط.

الضربات السعودية المتتالية التي استهدفت قيادات التنظيم طالت أيضاً منظريهم من مشايخهم (ناصر الفهد و حمود الخالدي و علي الخضير)، تزامن ذلك مع التضييق وتجفيف منابع الدعم المالي من داخل وخارج المملكة، وهو ما أجبر غالبية الصف الثاني على المغادرة إلى دول أخرى وكان العراق هو الساحة الأنسب لمواصلة طريق عملياتهم، ولكن صعوبة الدخول إلى العراق التي زادت في السنوات الأخيرة دفع بسابقين ولاحقين إلى التوجه لجمهورية الاضطرابات الثلاثة اليمن، وبدؤوا من هناك رحلة جديدة كان آخرها رسائل الطائرات المفخخة.

الأخبار من حول العالم لا عنوان لها أكثر أهمية هذه الأيام من رسائل الطرود المفخخة، وهي رسائل بدأت بعد شهور من كلمة لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن قال فيها مخاطباً رئيس وشعب الولايات المتحدة "لو كان بالإمكان إيصال رسائلنا من خلال الكلام لما كنا أرسلناها في الطائرات"، تعليقاً على محاولة تفجير طائرة ديترويت عبر النيجيري عمر الفاروق في ديسمبر العام 2009 عشية عيد الميلاد.

ويتزامن مع كل خبر عن رسائل مفخخة وطرود القاعدة عنوان فرعي يقول بأن السعودية هي من حذرت الولايات المتحدة وأعطتها شفرة التهديد الطائر، وتزامن ذلك أيضاً مع تحذير سعودي لدول أوروبية، وهو ما يعني حتماً أن أسرار القاعدة باتت في جراب السعوديين، على الأقل في مرحلتهم الحالية التي شهدت تراجعات واسعة في صفوف التنظيم وبعضهم من القيادات في الشهور الأخيرة.
القاعدة فور انكشاف سر الطرود، شنت هجمة إعلامية عنيفة على المملكة، ووصف آخر بيان لها حكومتها بأنها عميلة للغرب لأنها أخبرتهم عن استهداف معبد يهودي في أميركا، فيما أصدر البيت الأبيض  بياناً يشيد فيه بجهود السعودية لمكافحة الإرهاب.

رسائل القاعدة فشلت في كل أهدافها المتوقعة، رغم أن القاعدة أعلنت تحملها مسؤولية إسقاط طائرة الشحن الأمريكية في دبي في سبتمبر الماضي، إلا أن الإمارات  ردت أمنياً ومدنياً أن ذلك لم يحدث وأن كل التحقيقات أثبت عرضية الحادث ولم تتعرض الطائرة لتفجير مطلقاً.

الأخبار من لندن تقول بأن السعودية حددت بدقة مكان زرع المتفجرات، وقال مسؤولون بريطانيون إن جابر الفيفي كان وراء المعلومات الثمينة التي قدمتها السعودية لأميركا وأوروبا حول المتفجرات الطائرة، وهو ما يؤكد أن التنظيم بات يعيش وضعاً صعباً في داخله قبل خارجه، ذلك لأن انكشاف معلومات بهذه السرية وتسليمها لأكبر خصومها في المنطقة سيبدو في نظرهم  اختراقاً بالغ الخطورة وعالي المستوى، ويبعث على مزيد من الارتباك والتوجس وإعادة خارطة التنسيق بين خلاياها وغربلة قياداتها.

وطوال السنوات الماضية، كانت حجة تنظيم القاعدة في تبرير تراجعات قيادييها ومنظريها الذي يخرجون في التلفزيون السعودي أو في بعض محطات التلفزة المختلفة أو على صفحات الجرائد، كانت الحجة أن من يؤسر لا تؤمن عليه الفتنة، وكان ذلك سبباً وجيهاً لديهم لتبرير تراجعات إخوانهم السابقين، كما قالوا ذلك عن قائدهم في اليمن محمد العوفي الذي سلم نفسه للأمن اليمني بالتنسيق مع سلطات المملكة في فبراير العام الماضي. لكن المعطيات الأخيرة وانكشاف عدد من المعلومات المهمة وخطط التنظيم المستقبلية، باتت أكبر أثراً من أن تغض الطرف عنها خطابات القاعدة، أو أن  تجد لها مبرراً يشابه قاعدتهم الشهيرة "الأسير لا تؤمن عليه الفتنة".

وكان الفيفي سلم نفسه للسلطات السعودية قبل نحو 3 أسابيع بعد أن كان عضواً بارزاً في قيادة التنظيم في اليمن، وهو يحمل الرقم 20 في آخر قائمة مطلوبين في السعودية، رغم أنه كان قد خضع لبرنامج الرعاية الحكومي السعودي (المناصحة) فور عودته من سجون غوانتانامو الذي قضى فيه 5 سنوات بدأت منذ اعتقاله في أفغانستان عام 2002.

ورغم أنه لا يمكن الجزم بإحدى حالتين من المحتمل أن يكون الفيفي اضطلع بهما، وأولهما أن يكون قد جندته السعودية داخل صفوف القاعدة واستقت منه كامل المعلومات المطلوبة وآخرها كشف الطرود المفخخة، والاحتمال الآخر هو أن يكون بالفعل تراجع عن أفكاره وقدم هذه المعلومات بقصد التأكيد على صدق تراجعه هذه المرة بعد أن هرب في المرة الأولى.

ولكن خصوم الاحتمال الأول يفندونه بأن الفيفي كان ضمن القيادات التي كانت في اليمن عندما حاول الانتحاري عبدالله عسيري اغتيال مساعد وزير الداخلية السعودي الأمير محمد بن نايف في أغسطس العام 2009 بعبوة زرعها في جسده.
أما خصوم الاحتمال الثاني فيبرهنون على أن الاستسلام بات مشهوداً في الفترة الأخيرة حتى من خارج اليمن مثلما ما حدث مع المطلوب بدر الشهري الذي أتى من باكستان طواعية قبل أكثر من  أسبوعين

ايلاف