السلفية الوهابية
 
 


 سفه وسذاجة الفكر


2010 / 10 / 14

جلس بلهاء العصر العباسي من المسلمين واخترعوا قصة كانت مزحة في بدايتها ثم انقلبت الي كوميديا ثم الي تراجيديا ثم الي مسخرة تاريخية لم يعد من الممكن السيطرة علي تداعياتها ونتائجها حتي يومنا. إنها محنه خلق القرآن.
ولن نتطرق اليها كمشكلة لاننا لسنا بصدد تكرار البلاهة بل الي فهم العقل الابله الذي اخترع تلك المحنة ليصبح هو ذاته في محنة. ولان الفكر العربي ميت بكونه مكدس بالاجابات الجاهزة والحلول الناجزة المستقرة التي وفرها له الاسلام كمحطة نهائية وكحتمية تماثل حتمية اخوانهم المراكسة فان جميع اشكاليات الحياه القديمة والجديدة والمستجده لا نجد لها حلا واحدا يخرجها من الظلمات الي النور ضمن كل تلك الحلول الجاهزة والمستقرة في كتب استقرت علي انها نهاية للتاريخ.

فتراكم المشاكل طوال تاريخ الاسلام هو إذن ناتج من نتائج العقل العربي بالانغلاق علي ذاته في دائرة محكمة يحصنها بنص مقدس لكنه غير فاعل، لانه ليس في حاجة الي اي شئ ومكتفي بالاجابات التي تقال له حيث لم يفرط الكتاب في شئ. لهذا اصبح التدهور العام في حياة شعوب المنطقة امرا حتمي. فقضية خلق القرآن هو اول ما طرق باب العقل عند المسلمون العرب، فتعاملوا معها كما يتعامل السفهاء من الناس، لكن ان يشترك فيها المأمون وابن حنبل والمعتزلة فان الحكم بالسفاهة هنا والبلاهة يطول راس الدولة وفقهاء الشريعة وفلاسفة المجتمع.


أخذ المأمون الامر في بدايته علي انه عرض من عروض القيان او الغلمان والجواري ضربا بالدفوف رقصا وطربا لامتاعه كما يحدثنا تاريخ الخلافة الاسلامية من مجون ومفاسد داخل القصور وخارجها. فكانت تعقد حلقات النقاش امامه ويتباري الفريقين ويقدم كل منهم الادلة علي مسالة الخلق من عدمه. وطبيعي ان تكون الذات الالهية موضع نقاش وجدل فهي صاحبة النص كما يعتقد اهل ذلك الزمان، او في قول آخر حسب ما تواضعوا عليه طالما حقق مصلحة لهم.
لم تكن تلك العروض بعيدة أو مختلفة عن عروض المبارزات الشعرية في اسواق قريش حيث يتباري الشعراء ويتراهن الناس وتمضي الامور قتلا للاوقات وتبديدا للهموم. كان الشعر قبل الاسلام مناط الحوار والحامل لارث البداوة العربية والموثق للاحداث ومحور المبارزات. فالشعر كان بعيدا عن القدسية ولا يحل حلالا ولا يحرم حراما. اما في مجلس الخليفة فاصبح ما يحتكم اليه الناس باعتباره الحامل للاجابات الجاهزة والحلول الناجعة موضع تساؤل مع كل اخفاق او فشل رغم قدسيته. وهو ما اضطر الناس الي البحث لاول مرة وبشكل مستتر عن صدقيه هذا النص ومدي صلاحيته وبالتالي بدأ الشك بايمانهم في ذواتهم المسلمة. فما ان اكتشف الجميع خطر هذه المناظرات حتي شرعت السيوف ونصبت المشانق وافردت النطوع للجلد والخوزقة.


لم يكن سهلا التجرؤ لاعلان الشك بعد الايمان والا فقد الخليفة كرسي عرشه وباتت ثروته موضع نهب وتقسيم من قبل اصحابها الاصليين في عواصم الخلافة. لهذا هرب العقل المتسائل الي مشكلة جانبية تحوم حول النص فهو المتهم الاول ولا سبيل لتفاديه الا بوضع السؤال بشكل لا خطر منه. وانطلي الامر علي الخليفة ووجدها فرصة لتغيير مشاهد الرقص من الغواني والقيان الي الرقص علي اقوال ونصوص الاديان بين الفقهاء والمشايخ رغم انهم جميعا من المسلمين..
كان السؤال: هل القرآن أزلي ام مخلوق؟ ولان ذلك الزمان كان خاليا من العقلاء فلم نجد من يطرح السؤال الاهم، إذا كان العلماء والمشايخ في حيرة من النص، فعلي اي اساس آمن البسطاء من الناس ولاي سبب قدم هؤلاء الذين يحكمون من خارج الاوطان ولم يقيموا اي عدل؟

فلو انه كلام الله كما يعتقد الناس لاصبح جزءا منه وبالتالي فازليته لا شك فيها، فالله ازلي وخالق كل شئ قبل ان يخلق اي شئ، وهذا ما تقول به العقيدة الاسلامية. اما الفريق الاخر فلم يكن دوجمائيا الي هذا الحد المتصلب فاقام براهين من داخل النص علي انه مخلوق وحاجوا ابن حنبل بان آيات تبرئة عائشة من واقعة صفوان ابن المعطل لم تكن لتاتي لولا حدوث واقعة حديث الافك الذي اذاعه عبد الله ابن ابي سلول واكده بعض من الناس في طريق العودة من غزوة بني المصطلق. وقال فيه حسان ابن ثابت شاعر الرسول شعرا مما جعله عرضة لتطبيق الحد عليه فيما بعد. فالخلق في الاحداث والمواقف علي الارض في ذلك الزمان يستلزم الخلق في النصوص بالتبعية. ثم استشهدوا بما جاء في سورة التحريم في واقعة استعادة الجارية بعد ان طلق النبي كل نسائه دفعة واحده. فلولا تحريم الجارية المستجد ولولا طلاقه لزوجاته جميعا دفعة واحدة لما اصبح هناك ضرورة للقول بسورة التحريم فكيف تصبح جزءا من الذات الالهية الازلية. وجاء بعض من الذين يستحبون اعتبار احداثا اسطورة كنزول الملائكة للقتال لولا خروج خروج ابي سفيان للحرب تامينا لقوافله وما تبعها من احداث.
لكن الاخطر والذي لم يخطر علي بال اناس هذا الزمان ان تلك اللغة بطيبيعتها ومفرداتها ليست اصلا ازلية او قديمة قدم الفرعونية اوالفارسية او الصينية فهي ليست اكثر من ركام وفضلات الالفاظ والاحرف العبرانية والسريانية والارامية ومعها كثير من الديموطيقية المصرية الحاملة للفكر الديني الاقدم تاريخيا. اي انها من مستحدثات اقوام وحضارات لم نجد في الاسلام إنصافا لها.


يعود ابن حنبل ويرد الكرة عليهم بانه لولا علم الله لما هو مقدر سلفا وخلقه مسبقا لما هو حادث وواقع لاصبح النص مخلوقا، فهل ينكر المعتزلة علم الله؟ عند هذه النقطة اصبح امر العقيدة في الدولة العباسية علي المحك. فادخال علم الله في الحوار ينبئ السامعين بان هذا العلم قد سبق كل شئ مما يجعل وجودهم وصراعهم علي الايمان من عدمه ليس اكثر من مسرحية هزليه لان ما يجري يوما بيوم هو مقدر ومعلوم سلفا ليس سوي سيناريو يعاد عرضه بعد ان هيئت الارض لعرضه بشكل مسرحي.


هكذا دارت سجالات وحوارات الاطراف والخليفة يقهقه ويشرب مع ندمائه وتسعد اساريره سرا، فكيف اصبح خليفة بفعل نص لا يعلم احد هل هو محدث ام ازلي وهل ما فيه من مستجدات قد توقفت بينما مستجات الامويين والعباسيين بل والراشدين ايضا لم تكن لها من نهاية. فاين النصوص التي لولاها لما قتل عمر وعثمان وعلي والحسين وبنو امية ودارت ايضا دوائر القتل علي العباسيين وحتي الان في كل بلد مسلم.

وعندما وصل خبر المجادلات والسجالات الي العامة من الناس ادلوا هم ايضا بدلوهم، اليسوا مسلمين ولهم الحق في القول بحقيقة القرآن وخاصة ان علماء الامة وندماء الخليفة في حيرة من امرهم. فكيف أنهم كعامة الناس مطالبون بسؤال اهل الذكر إذا غم عليهم امر او فتوي، بينما اهل الذكر واقعون في مازق الاصول وليس الفروع.
فيما بعد سميت تلك الواقعة "محنة خلق القرآن" لا لسبب الا بان ابن حنبل – الذي ساد فكره المنغلق الازلي - تم حبسة ثم تعذيبه لان الخليفة كان مع الرائ بخلق القرآن مما يدفع بالشك في عقيدة الخليفة ذاته. فما الذي يضيره من ازليته إذا كانت الامور كلها تجري بين يديه وعلي مزاجه هو الشخصي. ويحكم بما يراه هو ضاربا بالنصوص المخلوقة أو الازلية عرض الحائط. فلا النص قال بالحبس او بالجلد لابن حنبل لو انه مخلوق او ازلي اللهم الا مزاج ليالي الانس والفرفشة العباسية علي ايقاع الغلمان والقيان. فالمحنة هي محنة ابن حنبل وليست محنة خلق القرآن ذلك لان الذي ساد هو فكر ابن حنبل فيما بعد وكما سنري.


قويت السلفية السنية المؤسسة علي اقوال ابن حنبل بعد هذه الحادثة حيث خرج بعدها بحوالي قرنين ابو حامد الغزالي ليضع نهاية لكل شئ. فاصبحت ازلية القرآن من الثوابت الدينية العقائدية وكان ابن حنبل هو أول من ذكر كلمة سلف عند احتجاجه على الاعتقاد بخلق القرآن الكريم، ثم أخذها عنه ابن تيمية بعدها حيث أكد أن السلف من المسلمين هم بمثابة الفلاسفة والعلماء في الاسلام.

وبقيت السلفية في عقل المشرعين من رجال الدين الاسلامي الي يومنا هذا وتبنتها الحركة الوهابية التي تربط عقل المسلم وسلوكه بالسلف وبالعنف. فلا يكاد احد الوهابيين الحديث عن الاسلام الا وكان العنف والجهاد والحرب كاول ما ينطق به ويجيزه للدعوة. حيث يقول احدهم ممن حازوا فضائية انه ما شرع الجهاد الا من اجل الدعوة ويكررها كثيرا في احاديثه. فما تطالب به السلفية الوهابية حاليا يخالف ما جاء ترسخ في عقل المسلمين بان الاسلام دين رحمة.


تتلمذ ابن عبد الوهاب علي فكر ابن تيمية الممؤسس علي فقه ابن حنبل، ف رغم ان ابن عبد الوهاب ليس فقيها بل هو اقرب الي الملا عمر في افغانستان حيث مارس العنف للعنف باعتبار ان الردع كفيل بزرع الايمان عملا بحديث لا نعلم له تاصيلا ان الاسلام شجرة لا تروي الا بالدم. ولعل سلوك ابن عبد الوهاب حسب كتب التاريخ وما فعله مع اتباعة في بلاد العراق ومواطن المقدسات الشيعية ما يقشعر له الابدان. ناهيك عن حروبه لاهل بلده في الحجاز وشمال غرب جزيرة العرب. هادفا إلى اتباع آرائه ومبادئ حركته السلفية التي هي في الأساس مبنية على فقه وآراء ابن تيمية وابن حنبل.

إن اول انطباع عن آراء وفكر محمد بن عبدالوهاب هو تشدده مع العنف المسلح بشكل دائم وذلك عند التعامل مع النصوص إلى درجة التوجس والحذر من أي رأي فكري مخالف. وهو ما يذكرنا ثانية بما جري من تشدد بعد مناظرات خلق القرآن العباسية. فتفضيله للنصوص والآراء الفقهية بمعناها الواسع حتى ولو اشتملت على أحاديث لا تمت للعقل بصلة هو امر ناتج عن فشل ابن حنبل والاشاعرة قديما من حسم قضية واضحة لا لبس فيها وهي قضية خلق القرآن. لهذا ظهرت مقولة غريبة الشأن تخدم ازلية النص وتعصف بالمستجدات مهما كانت ضرورتها وتقول: العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب. ويرددد تلك المقولة من يلبسون جلد الوهابية علي الفضائيات دون تصريح بنواياهم من تعطيل للعقل مع التشكيك في صحه وقدره العقل علي فهم العالم.