السلفية الوهابية
 
 
2010/09/20


 لماذا تحرص الدولة على بقاء الهيئة؟




(1)


يردد بعض الكتاب والمثقفين السعوديين وغيرهم أن استبدال شرطة الآداب أو الشرطة المجتمعية بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أحد الحلول المتاحة للتخلص من تجاوزات رجال الحسبة داعمين مطالبهم بأن الشرطة قادرة على القضاء على المظاهر المخلة بالأخلاق(?) وسوف تكشف الوقائع في هذا الجزء الأخير من الملف أن بقاء الحسبة بمسماها الحالي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) مقصود لذاته عند من بيدهم مقاليد الحكم من أبناء عبدالعزيز آل سعود، وأن التفكير بتكليف جهات أخرى تتولى مسؤولية الرقابة على الأخلاق وتتولى ضبط المجتمع لن يفي بالغرض من وجود الهيئة، فمهما ضعفت الهيئة أو تدنى أداؤها أو أنشئ نظام لها يحصرها في دائرة ضيقة فلا بد أن تبقى حاملة لهذا الاسم المفعم بالدلالات، إنه كالتميمة التي يُحتمى بها لدرء الشرور وتجنب مصارع السوء، ولكن هذا ليس كافياً فوجودها قائمة غير مجد ما لم يصحبه بين الفينة والأخرى صخب وجدل يعلن للآخرين أن هذا الإفصاح ليس إلا نياشين يفاخر بها الملوك وولاة الأمر القائمون بأمر الله، يمنحهم الرضى عن الذات والشعور العميق بحفظ الأمانةما والوفاء بالعهد. حتى وإن قامت الحكومة بالتوقيع على عشرات الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان، هذا ''هو البير وغطاه'' وما عداه فهو قابل للتفكير، ويبدو أنه على أولئك الذين يفكرون بإحداث تغيير ما أن يعملوا ضمن ثقب الإبرة هذا، أو لا، فلهم السخط ورجع صدى أسئلتهم المعذبة، فاليأس والصمت الأبدي، ما لم تحدث معجزة في فلسفة الحكم تخرق ناموس التقاليد العريقة في هذه السلالة، ولكن المعجزات ختمت بآخر الرسل، ولا أنبياء يلوحون في الأفق



لكن كيف مارس ملوك المملكة العربية السعودية الاحتساب على مجتمعهم؟ في هذه الحلقة الأخيرة من هذه الدراسة استعراض تاريخي لخطابات الملوك ونصائحهم، وتسليط للضوء على اللحظات التاريخية والظروف السياسية والاجتماعية التي أنتجت تلك الخطابات والقرارات التي أعقبتها، كما نتناول بشكل خاطف رؤية الأمراء من أبناء عبدالعزيز وأحفاده في جهاز الحسبة وهي من دون استثناء تسلك نهجا واحداً وتقتفي سنة الآباء التي لا تتبدل



في العام 1988 قمت أنا وصديق لي بالتوجه إلى مكتب رئيس هيئات القصيم في مقرها القديم في حي المعهد العلمي، ومع إنني لا أذكر بالتحديد السبب الذي دفعنا لذلك ولا المنكر الذي بعث الحماسة فينا، ولكنني أذكر أنه قابلنا ببرود وقال لنا بصوته المهيب كلمة واحدة ''ليس بيدي أن أفعل شيئاً'' نفض يده في الهواء، وأقبل على أوراقه التي بين يديه، فضلنا بعدها أن نسحب أنفسنا. كان رئيس الهيئات هذا عالم دين ومدرساً سابقاً في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. لم نستسلم فقمنا بكتابة شكوى أخرى لمرجعه في الرياض ختمناها باستيائنا من لقائه مستندين فيها على كلمة وجهها الملك سعود إلى شعبه دعا فيها السعوديين إلى التوبة إلى الله والمحافظة على الصلاة وحذر فيها من ارتكاب عدد من الآثام، وشجعهم فيها على الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعم رجال الحسبة. كانت تلك تكئة منا لتعزيز مطالبنا ولو وقع في أيدينا حينها وثائق أخرى للملوك اللاحقين لكنا قد ألحقناها بها


وصية الملك عبدالعزيز لولي عهده
في 19 مايو/ أيار 1933 وجه الملك عبدالعزيز برقية إلى نجله الأمير سعود قبل أخذ البيعة له بولاية العهد يوصيه بالحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتب له الأمير سعود جواباً بعدها بيوم واحد يتعهد له بذلك'' وإن كان (الله) يعلم مني ضد ذلك فأسأله تعالى أن يكفي المسلمين شري وأن يرد كيدي وكيد كل كائد على المسلمين إلى نحره




وفي 20 فبراير/ شباط ,1958 ألقى الملك سعود خطاباً في مدينة الظهران على العلماء والقضاة والأمراء ورؤساء هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أكد فيه على المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومساعدة هيئات الأمر بالمعروف ونصرتهم ''فاتقوا الله وقوموا بما ألزمكم الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا شيء واجب على الجميع وأنا ألزمكم وأكلفكم بذلك طاعة لله ورسوله وبراءة للذمة'' ثم ألقى خطاباً آخر مشابهاً له في 26 مارس/ آذار


تحول ثقافي يثير استياء العلماء
وفي عهد الملك سعود قامت الحكومة بإنشاء مدارس البنات، والسماح بالأغاني الوطنية في الراديو، وفتح المجال على مصراعيه لشتى الكتب والمجلات التي قوبلت باستياء كبير وسخط من المفتي ورئيس القضاة الشيخ محمد بن إبراهيم الذي حذر مما تحمله من دعوة إلى الانقلابات وزندقة وصور خليعة




كما جرى التوسع أيضا في فتح الثانويات التي كانت مصدر استياء للمطاوعة والعلماء كما سبق الإشارة إليه لوجود المدرسين العرب الذين وفدوا محملين برؤى القومية والاشتراكية



وكان لهذا التغير ثمنه وانعكاساته على المجتمع حتى في نظرته لعلوم الدين فقد أنشئت المعاهد العلمية الدينية وكان من أسبابه انصراف الناس عن تلقي العلم في المساجد إما لتفضيلهم الدراسة في مدارس الحكومة التابعة لدائرة المعارف، وإما لانشغالهم بطلب الرزق بعد تدفق خيرات النفط


كبح جماح الشباب بإطلاق يد رجال الهيئة
وفي أجواء هذا التغير الكبير الذي استمر لما يزيد عن عقدين عاش الحكم أزمته في التوفيق بين العصرنة والوفاء لمبادئه، بين التشبث بتطبيق الشريعة وفق المذهب الوهابي، وبين الاندماج مع العالم المتمدن، بين كبح الشباب المتطلع إلى التحرر ومفاهيم العدالة الاجتماعية، وبين إخضاعهم لطاعة ولاة الأمر، فمنحت الحكومة العلماء والمطاوعة وأعضاء الهيئة فسحة لممارسة وظيفة الحسبة في نطاق ضيق انصب بؤسه على الشباب المتطلع إلى التغير بشكل أساس. ويبدو لي أن خطاب الملك سعود السالف -وهو يعلن براءة ذمته أمام رجال الدين في إلقائه المسؤولية عليهم لإزالة المنكرات- الحماسة في رجال الحسبة والمطاوعة وانطلقوا يمشطون المدن والضواحي بحثاً عن فرائس، وكم كان العلماء وأتباعهم من رجال الحسبة محظوظين وهم يساهمون في فترة حرجة فكرياً وسياسياً منذ الخمسينات وحتى نهاية الستينات في اجتثاث الأفكار الهدامة والتنقيب عن الكتب الثورية والزندقة والتلصص على المدرسين الأجانب للإيقاع بهم وطردهم من البلاد بعد أن ينالوا عقوبتهم




إصلاح الهيئة في أواخر عهد الملك سعود وتحولات مجتمعية
جاء في البيان الوزاري الذي ألقاه الأمير فيصل بن عبدالعزيز في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني ,1962 أن حكومة صاحب الجلالة (الملك سعود) قررت ''أن تقوم حالاً بإصلاح وضع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يتماشى مع الأهداف السامية الرفيعة التي وضعت أساساً من أجلها، وبما يضمن اجتثاث بواعث المنكر من قلوب الناس ما استطعنا إليه سبيلاً''، وبعد أن تولى فيصل الملك كان من أهم مرتكزات سياسته إصلاح وضع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يتماشى مع الأهداف الإسلامية




لكن إصلاح الجهاز اقتصر على التنظيم الإداري، وافتتاح مراكز جديدة في عدد من مدن وقرى المملكة وتخصيص ميزانية للهيئة وزيادة عدد الأعضاء، ألحق به بعد ذلك انتزاع بعض الصلاحيات من الهيئة وتقاسمتها عدد من الوزارات والدوائر، وأما إصلاح عقلية الهيئة والفكر الذي تدار به فليس لدينا ما يثبت ذلك فقد بقي رؤساء الهيئات الكبار والنافذون في أماكنهم وبقي رئيس الهيئات في المملكة الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ في منصبه حتى وفاته العام ,1976 وبالإمكان الرجوع إلى عدد من اللقاءات التي أجرتها ''مجلة الحسبة'' مع عدد من أعضاء الهيئة القدامى وغالبهم ممن جرى توظيفهم بعد قرار الإصلاح المشار إليه



انتشرت في تلك الحقبة قصات الشعر الحديثة للشباب ولبس القلائد وساعات الذهب للذكور، وتجرأت النساء في لبس القصير و''الكرتة''، وشاع حلق الشباب للحاهم وتطويلهم الثيابَ بشكل غير معهود، وانتشرت الطقاقات المتخصصات في الأعراس[8] وسمحت الحكومة بإذاعة أغاني الفنانات في الراديو، ثم أنشئت محطة التلفزيون بعدها، وعملت بعض النساء في مجال الخدمة الاجتماعية، وأصبحت المضيفات يقمن بخدمة المسافرين في الخطوط، ووقعت حوادث تصادم بين الهيئة وبعض المتخلفين عن الصلاة



لقد اكتسح التحول شتى مناحي الحياة مما أقض مضاجع العلماء[10]. ومع إنشاء الراديو أجهضت أول بادرة لتوفير أصوات فقهية أخرى تنحو نحو التيسير وتخيير المستفتين بين المذاهب الفقهية الأربعة، وباءت محاولة مدير الإذاعة السعودية إبراهيم الشورى بالفشل وتوقف برنامجه ''تعلم واسأل'' بتحريض من ابن باز



واستحدثت الحكومة الأنظمة والقوانين وأنشأت اللجان القانونية التي تتولى الفصل في الخلافات المالية[12] وتشجع أمراء المدن والقرى في الوقت نفسه على رفض تطفل القضاة في شؤونهم الإدارية



وفي الثامن من سبتمبر/ أيلول 1965 شارك الأمير خالد بن مساعد بن عبدالعزيز مع مجموعة من الأخوان المطاوعة في تجمع واحتجاج أمام مبنى أول محطة للتليفزيون في الرياض، وقتل الأمير خالد في بيته في حي الخزان في الرياض إثر مواجهة أمنية[14]. وأصدر الشيخ عبدالله ابن محمد بن حميد فتواه الشهيرة بتحريم التلفزيون[15]. منع بعدها ابن حميد لفترة من وظيفته وجرى التضييق عليه. وفي العام 1965 أنشأت الحكومة الجهاز الديني في الحرس الوطني ومن مهماته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع مناطق تجمعات الحرس الوطني


الفيصـل نجـم الصحافـــة الأجنبـية
و«رائد الإصلاح» يحتسب على شعبه
في العامين 1966-,1967 كان الملك فيصل بن عبدالعزيز حديث الصحافة الأجنبية. فقد نشرت مجلتا ''نيوزويك'' و''تايم'' الأميركيتين ومجلة ''لاريفودي دو موند'' الفرنسية مقابلات وتقارير عن السياسة الإصلاحية للملك فيصل الذي قال كلمة عميقة الدلالة في لقائه مع ''تايم'' في يونيو/حزيران 1967 ''إن الثورة يمكن أن تصدر من العرش كما من زنازين المتآمرين في السجون



وفي العام 1967 قام مجموعة من المطاوعة في المدينة بالاحتساب على المنكرات في الأسواق بتكسير الصور وإتلاف تماثيل عروض الأزياء، وفيها قامت الهيئة في مدينة ''بريدة'' بمعاقبة مدرس سوري بتعليقه منكساً من رجليه لمدة عشرين ساعة بسبب انتقاده لطريقة سوق الناس إلى الصلاة في المسجد بالقوة وفي العام نفسه كانت صالات السينما في الأندية الرياضية مثاراً لغضب العلماء، وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه أيضاً قرئ على الأمة في المساجد ونشر في الجرائد وأذيع في الراديو خطاب للملك فيصل أظهر فيه استياءه من انتشار التقاليد الأجنبية التي لا تتوافق مع الدين الإسلامي وتقاليد المجتمع السعودي، وذكر منها ملابس النساء غير المحتشمة التي تبرز المفاتن، ومظاهر الميوعة على الشباب والتي لا تتفق مع صفات الرجولة والأخلاق الحميدة، ووجه تحذيراً إلى الأجانب المقيمين في البلاد بأن عليهم الالتزام بتقاليد البلاد في مظهرهم وتصرفاتهم، وذكر بأن أوامره صدرت إلى رجال الحسبة بالتعاون مع رجال الأمن بملاحظة هذه الأمور واتخاذ جميع الإجراءات للقضاء على تلك المظاهر المنكرة، وحذر بأن التأديب الرادع أيضاً سيتناول أولياء أمور المخالفين



في تلك الأجواء أو قبلها بقليل كتب علماء الرياض نصيحة جماعية إلى الملك فيصل ناب عنهم فيها المفتي محمد بن إبراهيم ورفعوها إلى الملك. وفي تلك الفترة ولدت ''الجماعة السلفية المحتسبة'' في المدينة المنورة فوق سهل في الحرة الشرقية برعاية روحية من نائب رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبدالعزيز بن باز، وكان جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي أحد المؤسسين لها. استمرت الجماعة حتى نهاية 1976 وبفضل ابن باز وأبوبكر الجزائري وبرضى من العرش وبمتابعة من الأمير فهد وزير الداخلية أمكن السيطرة على قياد الجماعة، حيث اقتصرت جهودها على النصح في مساجد القرى وفي الهجر والبوادي، والاهتمام بالحديث والسنة النبوية. وفي زيارة الملك فيصل للجامعة الإسلامية العام ,1973 قام الشيخ ابن باز بتسليمه مذكرة حوت ملاحظاته حول ''واجب صون الإعلام السعودي من الانحراف من المزالق التي سبق إليها الآخرون


الملك خالد مؤمن يأمر بالمعروف..
وجهيمان يحث الخطى نحو الثورة
في الخامس من ديسمبر/ كانون الأول 1975 وجه الملك خالد بعد توليه الحكم نصيحة لـ''من يراه من المسلمين'' أوصى فيها بـ''التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر'' ثم وجه رسالة أخرى بعد ذلك بعام تضمنت تحذير المقيمين من مخالفة تقاليد البلاد وأنظمته في التصرفات والمظهر، وقال إنه أصدر أوامره إلى هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتطبيق توجيهاته وفي تلك الفترة انتقل الشيخ ابن باز إلى الرياض بعد وفاة المفتي محمد بن إبراهيم بخمس سنوات، حيث صدر القرار السامي بتعيينه رئيساً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. وفي السبعينات بدأت الأمور تأخذ منحى الاستقرار، ولم تعد محاربة الأفكار الناصرية واليسار تشكل كابوساً يقض مضاجع الحكم. بعد هزيمة ,1967 كان ثمة جنين ملتح يتخلق. أما سياسة التعليم الجديدة التي أرسى معالمها المهاجرون من العرب اللاجئين بدعم من المؤسسة الدينية الرسمية، فقد كانت تسير على خطى ثابتة، ولكنها لن تؤتي أكلها وتجنى ثمارها إلا في بداية الثمانينات بعد طوفان احتلال الحرام بالتوازي مع هذا كانت الجماعة السلفية المحتسبة تنحو منحى آخر، حيث بدأت منذ 1976 معالم الانشقاق فيها، وأصبح انتقاد العلماء وسياسة الحكومة يتزايد يوماً بعد يوم، استأثر جهيمان العتيبي بمعظم شباب الجماعة والأعضاء الجدد، وصدرت رسائل الجماعة التي كتب جهيمان معظمها تشجب الواقع المظلم وتنتقد ظهور المنكرات وتفشي المعاصي وفساد الحكم ومداهنة العلماء، وبعد صدامات وسجالات ومنافرة مع العلماء الرسميين، أخفق ابن باز في السيطرة على الجماعة، وقامت الحكومة بسجن عشرات منهم في .1978
احتلال الحرم وحقبة احتساب جديدة
في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1979 قام 250 مسلحاً من أعضاء الجماعة بقيادة جهيمان العتيبي باحتلال الحرم المكي وإعلان ظهور مهدي آخر الزمان، قضي على التمرد بعد أسبوعين ونفذ فيهم الإعدام في العام نفسه. لقد كان لاحتلال الحرم والتشكيك بمصداقية الحكم ومدى تطبيقه للشريعة والرسالة التي حملها أولئك المتمردون تأثير كبير وعميق انعكس على الحكم والمجتمع والثقافة والتعليم، فمنعت وزارة الإعلام ظهور المغنيات في التلفزيون، بعد أن كان المجتمع السعودي يسهر ليلة الجمعة على حفلات أم كلثوم لساعات، وبدأت المراكز الصيفية بالتحول التدريجي نحو التوبة، وانتشرت جمعيات التوعية الإسلامية في التعليم ومكاتب التوجيه للشباب في الرياض، وحلق تحفيظ القرآن الكريم، فتولى قيادة سفينة النجاة المطاوعة الجدد الذين تلقوا تعليمهم في الجامعات، وورثت اللحى المتوضئة، مكان أسلافهم ومراكزهم ومناطق نفوذهم. وحل سيد قطب وحسن البنا مكان طه حسين والعقاد، وأصبحت أدبيات الإخوان المسلمين وتضحياتهم ومعاناتهم مع الأنظمة والأناشيد الإسلامية وخطب القطان، بديلاً لعبدالباسط وأشرطة الخليفي و''قصة يوسف'' للريس التي كان عوام نجد لا يعرفون غيرها في شهر رمضان، وغابت طلة سميرة توفيق وفايزة أحمد وصباح وأغنية فيروز في عشر ذي الحجة عن مكة وأهلها الصيدا، وحتى الأدبيات الكلاسيكية للوهابية ومؤلفات علمائها الكبار لم يعد لها حضور يذكر إلا في حلق التعليم في المساجد



ومع أن اسم جهيمان لستة عشر عاماً أعقبت قصة احتلال الحرم، كان مرادفاً ''للشر'' لا ينطق، وإنما يلمح إليه من طرف خفي في أحاديث العامة وفي الإعلام، إلا أن تأثيره كان جلياً وعميقاً. وتعمقت لدى الحكم قناعة راسخة بأن حبل النجاة في استذكار ''آية التمكين'' وامتثال وصية المؤسس وجوهر الحكم وسنة الملوك من قبل: العودة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر


ففي 23 يناير/كانون الثاني ,1981 وجه الملك خالد بن عبدالعزيز نصيحة إلى الأمة بعد احتلال الحرم بسنة وشهرين تقريباً، توسع فيها بالحديث عن أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مستشهداً بآيات قرآنية وأحاديث عن الرسول، والتحذير من التساهل فيه وأن التفريط بذلك سبب في تفشي المنكرات، وأنه سبب ضياع الناشئة وتجرئهم على ارتكاب المحارم. صدر نظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تلك السنة ولكن الهيئة بقيت بعقليتها التقليدية ولم يطرأ أي تغير يذكر حتى اليوم. وفي 1982 قام الملك فهد بتوجيه نصيحة إلى كبار موظفي الدولة يحثهم فيها على أهمية أداء الصلاة جماعة في الدوائر الحكومية، ويحذر كبار الموظفين من التهاون في أداء صلاة الجماعة[21]. أعقبتها نصيحة أخرى مشابهة في 1991 عقب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، وفي نهاية الثمانينات طمحت القيادات الشابة في الهيئة إلى أداء أدوار أكثر وتولي مهمات أوسع، وسعت حثيثاُ بشكل تصاعدي لتوسيع صلاحياتها جاء في أحد خطابات الملك فهد ''إننا قطعنا على أنفسنا العهد أن نتحمل مسؤولية الدعوة كأمة مسلمة واجبها أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر'' وفي كلمة أخرى أكد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القواعد التي ترتكز عليها العقيدة الإسلامية، وهي مبعث فخر لهذه البلاد


وإذا أخذنا مثالاً واحداً من الأمراء الكبار فإن الأمير سلمان بن عبدالعزيز أحد الرعاة التقليديين للهيئة والداعمين لها أفصح لأعضاء الهيئة بأنه ''يقدر ما يواجهونه من مشاكل وصعوبات، ويطمئنهم بأنه معهم في الميدان
وقد أشيع عن الأمير محمد بن عبدالعزيز أنه كان يقوم بالاحتساب على جيرانه في الحي بكتابة نصائح يحثهم فيها على المحافظة على صلاة الجماعة



الأحفاد على خطى الآباء
يعتبر الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز أمير منطقة عسير سابقاً ورئيس مؤسسة الفكر العربي، مثقفاً ومستنيراً وفناناً تشكيلياً وصديقاً للفنانين، وقد أكد في كلمته أمام رؤساء هيئات منطقة مكة المكرمة في 19 أغسطس/آب الماضي بعد تعيينه أميراً على المنطقة الغربية على أن الدولة ستبقى تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وسيبقى المجتمع يأمر بالمعروف، ويتمثل بالأخلاق الإسلامية الحميدة
(2)







وبعد اللقاء بشهر واحد أصدر موافقته على تطبيق توصيات الهيئة في جدة بمنع الشباب من القصات الغريبة وتطويل الشعر، وارتداء الملابس المنافية للآداب وضبط المتسكعين من الشباب في ساعات متأخرة، وتطبيق العقوبات الصارمة على ''المكابر''[25]. وهي تذكرنا بتوجيهات والده الملك فيصل في 1967 السالفة حول ظاهرة ميوعة الشباب وتكليفه لرجال الحسبة بالقضاء عليها


وفي العام 1994 ألقى أمير المنطقة الشرقية محمد بن فهد بن عبدالعزيز كلمة في حفل افتتاح المبنى الجديد لمقر هيئات المنطقة الشرقية أكد فيها أن دعم جهاز الهيئة يأتي من منطلق أهمية التواصي بالمعروف، مشيداً بالتعاون القائم بين الهيئات والحاكم الإداري


ويأتي التأكيد على الشرف الكبير الذي يتصف به رجال الحسبة في إعلان أمير منطقة القصيم فيصل بن بندر بن عبدالعزيز عن فخره بأن يكون فرداً من الهيئة، وأن توجيهات القيادة العليا تنص على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركيزة أساسية وثابتة في هذه البلاد لا يمكن الحياد عنها


إنه إرث يلهج به شباب الأسرة المالكة الذين اختاروا الطواعة، ولنأخذ مثالين أحدهما لأمير حديث عهد بـ''الالتزام'' وهو خالد بن طلال بن عبدالعزيز الذي أخذ على عاتقه مهمة الدفاع عن الهيئة ومنح لنفسه حقاً لا يتجاسر عليه غيره ممن لا ينتمون للأسرة المالكة بالظهور عبر وسائل الإعلام والمشاركة في التعليق على بعض القضايا الدينية


والمثال الآخر لأمير متدين منذ يفاعته وهو نايف بن ممدوح بن عبدالعزيز. فقد نشر في صفحته على الشبكة مقالاً شبه فيه من يكره الهيئة بكره المدمنين لجهاز مكافحة المخدرات، ودعا أولئك الذين لا يستطيعون أن يكونوا من رجال الحسبة أن يكفوا ألسنتهم عن رجال نذروا أنفسهم وأمضوا أعمارهم وأفنوا حياتهم لحماية أعراض المسلمين


وقد كانت الصحف السعودية منذ منتصف التسعينات تنقل أخبار الدعم الذي يقدمه الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز للهيئات، بدعم دوريات الحسبة بعشرات السيارات من سيارات الصالون، كما انه يقوم بزيارة مراكز الهيئة مؤكداً دعم خادم الحرمين لرجال الحسبة


خاتمة
إن هدفي من هذا الاستعراض لكلمات ونصائح ملوك آل سعود بدءاً بالمؤسس هو استجلاء حقيقة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد الدعائم التي قامت عليها الدولة، و''ركن'' لا يتصور زواله أو محاولة العبث به أو مجرد التفكير في وجوده، مهما كان مستوى ممارسته على أرض الواقع، كما يتضح أن ثمة إيماناً عميقاً لا يتزعزع لديهم بأن استمرار هذه الشعيرة هو من استمرار بقاء الحكم، بل هي جزء من ماهيته، لا يتصور زواله إلا بزوالها، ويكون التركيز والتأكيد على هذا في الخطاب الرسمي فاقعاً أثناء أو عقب الظروف التي تتصف بالقلق أو التشكيك في الشرعية كما حصل في ,1967 و,1981 وتصريحات وزير الداخلية الأمير نايف منذ 2002 والتي تكررت حتى يوليو/تموز 2007 عقب كل إثارة إعلامية لانتهاكات الهيئة، لهذا جاء تأكيد الأمير نايف في كلمته في مؤتمر صحافي عقده في 8 يونيو/حزيران 2007 على أن الأمر بالمعروف ركن من أركان الإسلام



فالإسلام - في تصور أمير هو أحد أركان الحكم- نظرياً متماه بشكل يصعب فصله عن تطبيق وممارسة الحكم الوهابي له في الواقع. صحيح أن هناك من ذهب من علماء السلف إلى أن الأمر بالمعروف هو الركن السادس في الإسلام، لكنها كانت تعني عند الأمير شيئاً آخر فـالإسلام يعادل فلسفة الحكم ومدى ممارسته في الواقع كما هو في السعودية. وآية التمكين القرآنية التي تقول ''الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر'' هي دستور لأولئك المستخلفين من النخبة الذين خصهم الله بالملك. والثلاث المذكورة في الآية تجد صداها في مواعظ العرش والمناسبات الرسمية السابق ذكرها، حيث تتضمن غالباً ذكر الصلاة والحث على المحافظة عليها والحسبة. لقد مرت السعودية بمرحلتين كانتا فرصتين ذهبيتين لإحداث تغيير جذري ثقافي واجتماعي وسياسي كان سيعكس آثاره العميقة على جهاز الحسبة وعقلية المؤسسة الدينية برمتها، أولاهما معظم سنوات حكم الملك سعود حتى ,1962 وقد تراءى للبعض بأن الفترة التي أعقبت احتلال الحرم 1979 كانت فرصة مواتية لإحداث تغييرات كبرى، ويبدو لي أنها كانت فترة أوبة وعودة احتاجت إلى لحظات استفاقة من هول الصدمة والعودة إلى تصحيح الذات، ومع مزاج الحكم المنكسر الأواب كانت الثورة الخمينية، وإغواء الجهاد الأفغاني يدفعان نحو صحوة دينية برعاية الدولة سيقود دفتها الوهابيون الجدد


والفرصة الأخرى منذ 1991 وحتى 1996 وهي السنوات الخمس الأولى لفترة رئاسة السعيد للهيئات التي امتدت عشر سنوات، فقد ورث منصب آل الشيخ، وجاء بدعم كبير من الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز قبل أن تتدهور صحته، وكان السعيد يتمتع بصفات استثنائية لا تتوافر في من سبقه ولا من جاء بعده، ولكن ما حدث بعد منتصف التسعينات وحتى لحظة كتابتي هذه هو قصة أخرى، تجاذبت فيها عوامل كثيرة دينية وسياسية وتحولت فيها الهيئة وحقيقة دورها ورقة توظف في صراعات كسر العظم، وسوقاً للمزايدات شارك فيها حتى الممثلون والفنانون من خصوم الهيئة في سنواتهم الغابرة


وفي شهر سبتمبر/أيلول الماضي وقعت حادثتان إحداهما صدور أمر الأمير سلمان أمير منطقة الرياض بدعم الهيئة بـ 240 عضواً من قوات ''المجاهدين'' التابعين للحرس الوطني وعدد من ''اخويا'' الحاكم الإداري يتجولون مع أعضاء الهيئة في الأسواق شهر رمضان.]23[ وفي الشهر نفسه كشفت الهيئة عن تشغيلها لتقنية ''البلوتوث'' الدعوي بعد أن كان أعضاؤها يتلفون كاميرات الجوال ويتلصصون على الهواتف الخلوية بحثاً عن أفلام مخلة


إنه الماضي في الحاضر، والحداثة التي تعمل سحرها في عقليات تعيش الألفية الثالثة بإرثها الموغل في القدم، فارضة أنماطاً من التدين والإيمان تضاهي الموضات عروض الأزياء