السلفية الوهابية
 
 


 لبنات التفسير السلفي بين النفي والاثبات

الجزء الثاني
اذن، فالمؤشرات تدلنا الى واقع محرز كما نصت عليه بعض روايات صحيح البخاري وهو ان فهم على واهل البيت لمعاني القرآن كان من النمط الخاص بهم ((438))، وابن تيمية الذي وصفناه مؤسسا للتفسير السلفي لا يذكر الامام على(ع)في معرض ترجمته للصحابة في التفسير السلفي، بينما يعد عبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عباس من ذوي العلم التام بمعارف القرآن ((439))، كذلك فعل الدكتور الذهبي، حيث وضع ترجمته للامام على(ع) بعد ابن عباس وابن مسعود، مع انه يعترف بانه:

(اعلم الصحابة بمواقع التنزيل ومعرفة التاويل)، وان ابن عباس قال عنه: (ما اخذت من تفسير القرآن فعن على بن ابي طالب)، حتى قال: (وغير هذا كثير من الاثار التي تشهد له » اي لعلى «بانه كان صدر المفسرين والمؤيد فيهم ((440)) رابعا دعوى نفي التعارض في آراء السلف التفسيرية نفى السلفيون بغية تدعيم مباني التفسير السلفي وجود التعارض في آراء السلف، ولهذا قال ابن تيمية:.

(ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو وان كان في التابعين اكثر منه في الصحابة، فهو قليل بالنسبة الى من بعدهم، وكلما كان العصر اشرق كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه اكثر) ((441)) .

وانطلاقا من هذا المبدا قدم ابن تيمية بعض نماذج الاختلاف في اقوال الصحابة محولا التوفيق بينها فوصفها بالتنوع الفكري، وهي فكرة تابعه فيها انصاره فروجوا لها ((443)) ((442)) وقد اوعز الذهبي منشا الاختلاف الى تفاوت الصحابة في ادوات الفهم والاستنباط ((444))، لكن الواقع المشهود لا يؤيدهذه الفكرة بتاتا، لا سيما اذا كان اختلاف السلف في مسالة كترجيح النقل على العقل، والتفويض على التاويل، فهي اختلافات من نوع الاضداد، وسياتي بيانه.

خامسا ترجيح التفويض على التاويل والنقل على العقل كان من بين مدعيات المذهب السلفي واتجاهه التفسيري القول بالتفويض، وهو الامساك عن التاويل في مقابل ظواهرالايات والروايات، بدعوى عمق معانيها وقصور الفكر عن الاحاطة بها، من قبيل: الايات والروايات الواردة في صفات الحق تعالى، يقول النووي:

(وهو مذهب معظم السلف او كلهم انه لا يتكلم في معناها »الصفات الالهية «، بل يقولون يجب علينا ان نؤمن بها ونعتقد لهامعنى يليق بجلال اللّه تعالى) ((445)) .

وعلى ذلك مضى ابو المعالي الجويني، فنسب للسلف امتناعهم عن التاويل والابقاء على الظواهر وتفويض المعاني الى اللّه آعز وجل : (فالاولى الاتباع وترك الابتداع) ((446)) .

واختصر الذهبي عبارته في سير اعلام النبلاء، فقال:

(اما السلف فما خاضوا في التاويل، بل آمنوا وكفوا وفوضوا علم ذلك الى اللّه ورسولهـ) ((447)) .

وهذا هو راي ابن حجر العسقلاني في شرح صحيح البخاري، والترمذي وآخرين ((449)) . ((448)) وكتب القرطبي في معرض تفسيره مفهوم الوزن من سورة الاعراف آية (8) نقلا عن القشيري: (وقد اجمعت الامة في الصدر الاول على الاخذ بهذه الظواهر من غير تاويل، واذا اجمعوا على منع التاويل وجب الاخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصا) ((450)) .

لكن، هذه دعوى لا توافقها الشواهد التاريخية، منها ما اورده القرطبي نفسه في شرح معنى الوزن، حيث قال بان مجاهداوالضحاك من التابعين كانا قد اخذا في ذلك بمعنى (العدل والقضاء)، وقال الطبري في تفسير آية (يكشف عن ساق):(قال جماعة من الصحابة والتابعين من اهل التاويل: يبدو عن امر شديد) ((451)) . كذلك نقل ابن الجوزي عن ابن عباس آالصحابي، ومجاهد وابراهيم النخعي وقتادة من التابعين وجمهور العلماء في معنى الاية ذاتها فقال: (اي يكشف عن شدة) ((452)).

وتتجلى المسالة اكثر في تفسير آية (الى ربها ناظرة) كما سيمر بنا، حيث لجا جماعة من المفسرين صحابة وتابعين آالى التاويل هنا، فنفوا اصل الرؤية الحسية ((453)) .

اما الدكتور صرصور، فقد خلص بعد تتبع جملة من الادلة الى القول:

(ليس الامر كما يقال من التزام الصحابة الصمت تجاه المتشابه من الايات، وانما كانت طريقتهم ان لا يخوضوا فيما ليس لهم به علم، لا ان يفوض الحكم في كل آية متشابهة) ((454)) .

يظهر ان جنوح الجمهور الى نسبة التفويض الى السلف جاء دفاعا عن موقف الخلفاء الثلاثة، وقلة بضاعتهم في المعارف القرآنية، وتحريمهم الخوض فيها ((455))، الامر الذي نتج عنه حكم (اللاادرية) بحق سائر الصحابة، فتاسس مذهبي(التفويض) ونسب للسلف.

على اي حال، يبقى التاويل هو مذهب السلف وليس التفويض، الا فيما تعجز مداركهم عن التاويل فيه، وهذا ليس مختصابيات الصفات فقط. ويمكننا من خلال موضوع (رؤية الحق تعالى) رصد اهم الاسس في معادلة التفسير السلفي ونقدها،من قبيل:

ترسيم حدود الدليل العقلي في التفسير النقلي، ومدى ضرورة الالتزام بالظواهر النقلية، وصحة او سقم دعوى نفي التعارض في اقوال السلف.

يقع راي الشيعة والمعتزلة في رؤية الحق تعالى على طرفي نقيض مع راي الاشاعرة في المسالة ذاتها، فالشيعة والمعتزلة ينفون اصل الرؤية الحسية بجميع اشكالها، مستندين في ذلك الى الادلة العقلية والنقلية معا. وتقول الاشاعرة باحتمال الرؤية في الدنيا وقطعيتها في الاخرة، مستندين في ذلك الى ظواهر الايات، وما يعدونه متواترا من نصوص، مضافا لعقيدة السلف فيهذا الجانب.

لا شك ان هذا النزاع التقليدي جاء نتيجة لبعض المبتنيات والمسلمات التي تبلورت خلف كواليس الحقب والفترات المتباعدة، وهنا تكمن اهمية البحث في موضوع (رؤية الحق تعالى) من خلال رصد تلك المباني والمسلمات الكلامية والتفسيرية، وما يمكن ان يوجه اليها من نقود، ذلك لان هذا الموضوع هيا مساحة لتعارض الاراء فيما بينها، وهو اكثرالمواضيع اتصالا بالاتجاه السلفي في التفسير، ومن خلاله سيتسنى لنا الموازنة بين تضارب آراء الفريقين وخلفياته.

ولهذا نجد الدكتور الذهبي الذي كان قد قسم التفسير بالراي الى ممدوح ومذموم، لم يغفل موضوع رؤية الباري في معرض دفاعه عن التفاسير اشعرية الهوى او سلفيته سيرا على نهج ابن تيمية ((456))، ومن خلاله حاول توجيه نقوده الى تفسيرمجمع البيان ((457))، وامالي المرتضى ((458))، وتفسير شبر ((459)) وغيرها، متهما الجميع بالاخذ عن الفكر الاعتزالي في نفي مبدا رؤية الباري الحسية، وعدها من تفاسير الراي المذمومة.

واستدل التفتازاني بالاجماع والنص على وقوع الرؤية، فقال:

(اما الاجماع فاتفاق الامة قبل حدوث المخالفين على وقوع الرؤية، وكون الايات والاحاديث الواردة فيها على ظواهرها، حتى روى حديث الرؤية احد وعشرون رجلا من كبارالصحابة، واما النص فمن الكتاب قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة (#) الى ربها ناظرة)((460)).

اما الاشاعرة الذين يعدون انفسهم امتدادا لافكار السلف، فقد صنفت رسائلهم الاعتقادية في الرؤية ضمن عقائدهم ((461)).وقد اخذ المفسرون عنهم الفكرة فتمسكوا بظاهر الايات في اثبات رؤية الباري، ولم يثنهم عن موقفهم شي نظرا لوفرة الروايات الواردة فيهذا المجال، فهم يقولون بتواترها من ((462))، وبنسبة القول بوقوع الرؤية الى السلف من جانب جانب آخر ((463)) اما الطبري (ت/310هـ) الذي تقدم بيان منزلة تفسيره عند اهل السنة، نظرا لنقله اقوال السلف وميولاته السلفية ((464))،فقد رجح، من تعارض بعض الروايات، القول بالرؤية ((465))، وقد صرح ابن كثير (ت/774هـ) الذي ابدى رغبة شديدة في تفسيره بروايات السلف التفسيرية، وبالسعي الى تفسير كلام اللّه وفقا لاحاديث وآثار السلف، مع الجرح والتعديل فيها((466))، بتاييده لراي الاشاعرة في الاقتصار على ظاهر الروايات، وعد اعمال اي نوع من التاويل ابطالا لاية (الى ربهاناظرة) ((467)) .

القرطبي (ت/677) كذلك فسر قوله تعالى: (الى ربها ناظرة) بالرؤية الحسية استدلالا بظاهر الاية، والروايات القطعية،وراي جمهور العلماء ((468)) .

لقد اكتفى مفسرو الاشاعرة باصل الرؤية في يوم القيامة دون الخوض في التفاصيل، وذلك وفاء والتزاما بالاخبار والاثار.فهذا ابو الحسن الاشعري يكتفي بالقول: (ان اللّه يرى في الاخرة بالابصار ((469))، وهكذا فعل كل من ابن كثير ((470))،والقرطبي ((471))، والبيضاوي ((472))، ولم يقدموا تعليقا او شرحا على الموضوع. لكن المحرز من عبائر الجميع تعارض فكرتهم مع فكر اصحاب القول بالتجسيم، فالمجسمة والكرامية يزعمون: (ان للّه نعوذ باللّه جسما يمكن رؤيته في مكان محدد وجهة معينة) ((473))، وهي نظرية لطالما نفوها اشاعرة اهل السنة من اتباع السلف عن انفسهم، الامر الذي يعكس ان الرؤية عندهم منزهة عن الجهة والمكان. وبهذا صرح التفتازاني (ت/793هـ) في معرض رصده الاجمالي لبدايات الاعتقاد بالرؤية بين علماء الاشاعرة، فقال:

(ذهب اهل السنة الى ان اللّه تعالى يجوز ان يرى، وان المؤمنين في الجنة يرونه منزها عن المقابلة والجهة والمكان)((474))، وفي ذلك قال التابعي (ابن عطية العوفي): (هم ينظرون الى اللّه لا تحيط ابصارهم به من عظمتهـ) ((475)) .

كما جاء في وصية ابي حنيفة التي دونت اواخر القرن الثاني حسب بعض المحققين ((476)) بيان للمقصود من مفهوم الرؤية: (نحن نسلم بل قاء اهل عدن باللّه تعالى، لكنه لقاء دون جهة ومكان). وقد عرف شارح الوصية مفهوم (اللقاء) هنابالمشاهدة البصرية ((477)) .

البيهقي (ت/458هـ) بدوره نفى الجهة في الرؤية ايضا ((478))، ولعل هذه المفردات هي التي دعت الاشاعرة الى حمل شعار (انه يرى بلا كيف). وان كان الزمخشري وغيره وصفه بالجهل المقنع ((479)) .

على اية حال، فاهل السنة من الاشاعرة قالوا بامكانية وقوع الرؤية في الدنيا وقطعيتها في الاخرة، خلافا لراي الشيعة والمعتزلة من جهة، وخلافا للكرامية والمجسمة من جهة اخرى، من حيث نفي الاشاعرة للمكان والكيف عن تلك الرؤية.

بعد تقديم وجهات النظر في مسالة الرؤية، ننتقل الى تحليل وتقييم مباني التفسير السلفي من خلال هذه المسالة، ونلخصهافي النقاط التالية

1- لقد وضع الدليل العقلي على الرؤية مفسري الاشاعرة من السلفيين امام اشكاليات سديدة، تنبه لها بعضهم كالفخرالرازي، حيث عقب على تقريره للدليل العقلي بصورة اجمالية بقوله: (وهذه الدلالة ضعيفة) ((480))، وبعد استعراضه المناقشات العقلية غير المجدية انتهى للقول:

(والمعتمد في المسالة الدلائل السمعية) ((481)) .

ابن خلدون ايضا انتقد الدليل العقلي بقوله: (وما يمكن الاستناد اليه فيهذا الباب هو الادلة النقلية كقوله تعالى: (الى ربهاناظرة)) ((482)) . كما عد كل من السيالكوتي والجلبي في شرحهما على (مواقف الايجي) حكم العقل قاصرا لا قيمة له في اثبات الرؤية ((483))، وببطلان حكم العقل تعود الاصالة للدليل النقلي، فيستعيد النقل مكانته في التفسير السلفي، اي ان الاستدلالات العقلية لم تستطع تهميش دور النقل.

2- لم يحاول الاشاعرة السلفيون الاستشهاد بية (رب ارني انظر اليك) (الاعراف/143) في معرض اثباتهم لرؤية الباري رؤية منزهة عن الجهة والمقابلة، لانهم كانوا بصدد توظيفها في غرض آخر هو اثبات امكانية الرؤية في الدنيا، اما دليلهم في اثبات الرؤية القطعية في الاخرة فجاء من خلال الاية (الى ربها ناظرة). لكن امكان الرؤية الدنيوية منزهة عن الجهة والمقابلة يكاد يكون من الامور المستحيلة، لذا فهناك فارق جوهري بين الرؤية الاولى والثانية، بحيث ان وقوع احدها لايثبت امكانية وقوع الاخرى.

وعليه، اما ان تذعن الاشاعرة بمذهب المجسمة والكرامية او ان يتراجعوا عن الاستشهاد بية (رب ارني..). وكان من بين الذين تمسكوا بهذه الاية: ابو الحسن الاشعري ((484))، وابو بكر الباقلاني ((485))، ومحمد الغزالي، وعبد الكريم الشهرستاني . ((486))

3- لا ينكر اشاعرة الاتجاه السلفي دور العقل بوصفه عنصرا ادراكيا في تفسير الوحي، فان منشا حجية العقل في التفسيرالسلفي مؤسس على مبدا السيرة العقلائية، اي ان اللّه تعالى اودع مقاصده في ظواهر الايات بما يتلائم والحوار العقلائي،والسيرة العقلائية تقضي بضرورة الاعتماد على عقل المخاطب في افهامه المراد.

اذن، فمتى ما كان فهم العقل في دائرة اصول الخطاب فهو حجة. على ان طائفة من اهل السنة (اهل الحديث) كانت قدرفضت حجية العقل بهذا المعنى المتقدم ((487))، ومع ان الاشاعرة يلومون على المعتزلة والشيعة عملهم بالعقل ((488))، ويقدمون الصحيح من اقوال الصحابة اذا ما وقع التعارض بين النقل والعقل، وامتنع الجمع والتوفيق ((489))، الا انهم وخلافالهذا التصور يعتقدون نوعا ما بحجية العقل، لانهم وعلى العكس من المجسمة والكرامية نفوا جسمية الحق ومكانيته بدليل عقلي ((490))، ولم يكن لهم مناص في تفسير ظاهر (الى ربها ناظرة)، وما ورد من روايات دالة على رؤية الحق تعالى، من اعمال التاويل في نفي الجهة والمكان عن تلك الرؤية.

4- يتحفظ السلفيون من التاويل بجميع اشكاله ما لم يستند الى اقوال السلف، وبهذا يؤاخذون على المعتزلة والشيعة تاويلهم بعض الايات، وكان ينبغي عليهم ان لا يغضوا الطرف عن بعض الحقائق، من قبيل: ما ذهبت اليه المعتزلة والشيعة في معنى النظر في الاية (الى ربها ناظرة) ونفي دلالته على الرؤية البصرية، واذا كان ظاهر الاية لا يوحي بهذا، فلا معنى لاستبعاده.فمفهوم (النظر) عندهم ليس من الرؤية، بل ولا يلتقي حتى مع ابسط معانيها، وانما هو بمعنى الانتظار والسبب في طريق الرؤية دون ان تستوفي العلة شروطها للتحقق . ((491)) اذن، ليس هناك تاويل يذكر لكي يؤاخذ عليه، وحتى ان كان التاويل موجودا، فالاشاعرة انفسهم قد خضعوا له كما مرآنفا في نفي الجهة والمكان، وعملوا بالتاويل العقلي في تفسير الاية ذاتها. وانصياعا وراء ذلك اولوا بعض رواياتهم ايضا.

5- يعتقد بعض السلفيين ان اللّه يهب المؤمنين في الاخرة باصرة تختلف عن العين المجردة في الدنيا، بحيث ان النظر بتلك الباصرة يعدل، او هي ضرب من الرؤية القلبية منزهة عن المادة والجهة والمقابلة، وقد تنبه التفتازاني لهذا الموضوع فقال فيه:

(ان لزوم المقابلة والجهة ممتنع، وانما الرؤية نوع من الادراك يخلقه اللّه متى شاء، ولاى شاء) ((492)) .

ومن هذا المنطلق راح الرازي يستنبط ادلته على وقوع رؤية الباري يوم القيامة من رواية لضرار بن عمرو الكوفي، قال فيها:

(وانما يرى بحاسة سادسة يخلقها اللّه يوم القيامة) ((493))، كذلك نقل الطبري عن بعضهم خبر الحاسة السادسة التي بهاسيرى الباري ((494)) .

واذا سلمنا باصل الفكرة، تعينت علينا العودة الى تحديد اطر الخلاف بين الفرق الاسلامية، لان القول بهكذا نوع من الرؤية سيكون خارجا عن دائرة الخلاف. وعليه، لن يكون خلاف الاشاعرة مع الشيعة والمعتزلة الا خلافا لفظيا وحسب. وان كان الاشاعرة يتمسكون بظاهر الروايات في اثبات مدعياتهم، والحال ان ظاهرها هنا ينص على العين المجردة ((495))، الامرالذي اضطرهم هذه المرة الى العمل بتاويل ظاهر الروايات والعزوب عن العمل بظواهرها، كما حصل من قبل في ظاهر آية(الى ربها ناظرة)، مع ان اسس فكر الاشاعرة السلفي لا يسمح بهذه الدلالات اطلاقا.

6- اخيرا، لا صحة للاجماع المزعوم من قبل البعض بخصوص راي السلف بوقوع رؤية الباري، وليس ذلك الا محاولة منهم لتدعيم نظريتهم براء السلف ((496)) . بل، وحسب الطبرسي ((497)) والقاضي عبد الجبار ((498)) كانت هناك طائفة من مفسري الصحابة والتابعين تنفي الرؤية جملة وتفصيلا. فهذا الطبراني ينقل عن عكرمة، والضحاك، وعطا عن ابن عباس في معنى الاية فيقول: اي (الى ثواب ربما ناظرة) ((499))، ونقل الطبري عن ابي صالح ومجاهد باسانيد متعددة عبارة: (لايراه من خلقه شي... يرى ولا يراه شي) ((500)) .

وكان مجاهد قد اخذ تفسير القرآن عن ابن عباس (ت/102هـ)، وعلى تفسيره اعتمد سفيان الثوري والشافعي والبخاري واحمد بن حنبل ((501))، وهذا راي كل من منصور السدي، وعكرمة، وحسن البصري ايضا ((502)) .

كما روى انس بن مالك عن الرسول(ص)قوله: (ينظرون الى ربهم بلا كيفية ولا حد محدود، ولا صفة معلومة) ((503))،وعن عائشة زوج النبي(ص) نقل البخاري ومسلم روايات نفت فيها حصول رؤية الرسول للباري ليلة المعراج مستشهدة بقوله تعالى: (لا تدركه الابصار) ((504)) . كما روى مسلم والترمذي نفي ابن عباس للرؤية البصرية ليلة المعراج، وفسرهابالرؤية القلبية ((505))، وعن ابي ذر ايضا انه قال: سالت رسول اللّه:(ص)هل رايت ربك؟ قال: رايت نورا) ((506)) . تاسيساعلى ذلك تبقى مسالة الرؤية من المسائل الخلافية بين السلف وفي مقدمتهم الصحابة، ولا مجال للتوفيق بين آرائهم المتعارضة او وصف ذلك التعارض بالتنوع من جهة، والوحدة من جهة اخرى.