السلفية الوهابية
 
 


 المنهج السلفي في تفسير القرآن




القرآن الكريم مصدر الاسلام الاول، ودستوره الخالد، ولا ريب ان فهمه بشكل سليم هو غاية كل مسلم، وهو الثمرة العلمية المرجوة من تدبره، بغية الوصول الى الالتزام باحكامه وتوجيهاته ايمانا وعملا ودعوة.

ويظهر في غير موضع من كتاب اللّه، ان اللّه سبحانه وتعالى حثنا على النظر في كتابه، وتدبر معانيه، واستنباط احكامه وحكمه. ولا شك ان الامر الذي يساعد على الفهم السوي السليم للقرآن هو «حسن تفسيره بما يبين مقاصده ويوضح معانيه، ويكشف اللثام عما فيه من كنوز واسرار، ويفتح مغاليقه للعقول والقلوب» ((391)).

ومن هنا، فاننا لا نستغرب ان السلف كان لهم هذا الانكباب والاقبال المنقطع النظير على تفسير كتاب اللّه. فقد تركوا لناهذا الكم الهائل من التراث التفسيري، والذي ما تزال مكتباتنا تزخر به في هذه الايام.

ويلحظ للوهلة الاولى، ان المفسرين تعددت مشاربهم، وتنوعت مناهجهم، في طريقة تناولهم لتفسير كتاب اللّه تعالى.فمنهم من غلب عليه جانب التفسير بالاثر كالطبري وابن كثير، او جانب التفسير البياني كالزمخشري وابو السعود، اوالتفسير الفقهي كالقرطبي والجصاص، ونحو ذلك. فغنى عن البيان، ان اكثر التفاسير القديمة، صرفت عنايتها الى ناحية معينة، كالنظر في اساليب القرآن، وما اشتمل عليه من انواع البلاغة، او التوسع في بيان وجوه الاعراب ومدلولات الالفاظ واستعمالاتها، او تتبع القصص من غير تفريق ولا تنقيح، او استنباط الاحكام الفقهية، او القول في اصول العقائد ومقارعة اهل الزيف والضلال، ونحو ذلك من الاتجاهات الخاصة التي يعد التوغل فيها والانصراف اليها مدعاة للخروج عن المقصودمن الكتاب الالهي.

ولا شك ان هذا التراث الذي تركه المفسرون يعد ثروة علمية، لا يمكن الاستغناء عنها، ولا بد لكل مطلع على تفسيركتاب اللّه، ان ينظر فيها ويستخرج كنوزها، لان ذلك معين على حسن الفهم، وسعة الادراك، وبعد النظر.

ولكن على الرغم من حاجتنا الماسة لكل هذه التفاسير، فان الامر يتطلب وقفة لمراجعة وتهذيب الكثير منها، لما داخلهامن غث، ولما شابها من كدر. فحقيق على مفسري كتاب اللّه، الذي تعهد اللّه بحفظه، ان يتجاوبوا مع هذه الحقيقة، فيجنبواتفاسيرهم كل ما فيها من ريبة، ويطرحوا عنها كل ما شوه جمالها وانقص بهاءها.

والدعوة الى تنقية كتب التفسير ليست دعوة الى بدعة او ضلالة، لان تهذيب كتب التفسير بتنقيتها من الاسرائيليات،مطلب مهم من مطالب التعامل مع التراث، وذلك «لاننا بحاجة الى ان يكون التعامل مع القرآن، دونما هذا العازل الردي،الذي تدخل بين القارئ وبين النص المقدس ...

وهو العازل المتمثل في الاسرائيليات» ((392)).

يضاف الى ذلك، ان التفاسير دخل فيها كثير من القصص التي كانت تعد لونا من الوان الوعظ، ولكن هذه القصص بعد مروروقت من الزمن، تحولت الى حقائق ثابتة في نظر بعض الناس، مما يؤكد الجهد الواجب بذله في تحقيق هذه الكتابات.

ولعل ادراك ابن تيمية لهذه الحقيقة هو ما جعله يرسم لنفسه منهجا خاصا في التفسير، يقوم على اساس الدراسة النقدية لكتب التفسير، والتمييز في المنقول والمعقول بين الحق والباطل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الاقاويل، فكان يقول:

«وربما اطلعت على الاية الواحدة في نحو مائة تفسير، ثم اسال اللّه تعالى الفهم» ((393)).

ويقول: «ان الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح والحق المبين. والعلم اما نقل مصدق عن معصوم، واما قول عليه دليل معلوم، وما سوى ذلك اما مزيف مردود، واما موقوف لا يعلم انه بهرج ولا منقود». ((394)) فقد تسرب الى تراثنا التفسيري الكثير من الروايات التي شوهت وجهه وكدرت صفاءه، بما تحمل من خرافات واباطيل راجت بضاعتها بين اليهود والنصارى، ثم ارادوا ترويجها بين المسلمين. وكان اليهودية حين منيت امام دعوة الاسلام بالهزيمة العسكرية، ارادت ان تقاوم الاسلام بسلاح آخر يعوضها عن هزيمتها، وذلك هو الغزو الثقافي، فدست اسرائيلياتهاالمنكرة، في غفلة من الزمن، فلم تمض برهة حتى غصت بها كتب المسلمين.

والامثلة على الروايات السقيمة التي حشيت بها كتب التفسير كثيرة، لا يكاد يخلو منها تفسير من هذه التفاسير. فمن غريب هذه الاسرائيليات وعجيبها، ما نقراه في كثير من كتب التفسير عند النظر في بعض آيات سورة ص مما يترفع القلم عن تدوينه((395)) .

وهناك روايات اخرى ضعيفة كان الاجدر ان ينزه عنها كتاب اللّه، ولا بد ان تطرح من كتب التفسير. فهناك رواية لاحمد في مسنده نقلها ابن كثير في تفسيره، جاء فيها: عن زر، قال لي ابى بن كعب: «كم تقرؤون سورة الاحزاب؟ فقلت:بضعا وسبعين آية. قال: لقد قراتها مع رسول اللّه (ص)مثل البقرة او اكثر منها، وان فيها آية الرجم ((396))».

قال الغزالي معلقا على هذه الرواية: «وهذا كلام سقيم، فان اللّه لا ينزل وحيا يملا اربعين صفحة، ثم ينسخه او يحذف منه اربعا وثلاثين ويستبقي ست صفحات وحسب» ((397)).(على الرغم من ان المشكلة ليست في ان هناك من ادعى انها نسخت، وانما لم يبقى على قيد الحياة من يتذكرها فيرويها)

ومن جانب آخر، فانه بالرغم من تقديرنا لهذه التفاسير، وعظيم احترامنا لجهود علمائنا فيها، الا انه يجب علينا الا نتخذها قوالب جاهزة جامدة، ونتناسى بذلك روح العصر الذي نعيش فيه، فان اللّه سبحانه وتعالى تعبدنا بالفاظ كتابه الكريم ولم يتعبدنا بالفاظ المفسرين واقوالهم. لذلك فانه لا بد لنا ان نتعلم فن الجمع بين الاصالة والمعاصرة، لانهما امران متلازمان،«فان من ينشد الاصالة بدون المعاصرة، كمن ينشد المعاصرة بدون الاصالة، الاول مقلد والثاني تابع، بل كلاهما تابع ومقلد» ((398)).

فمن آيات اعجاز القرآن وخلوده، اننا نستمد منه في كل عصر ما يمكننا من مواجهة الاراء المستحدثة والقضاياالمستجدة، فالقرآن كتاب كل زمان وكل مكان. لذلك فانه يجب علينا ان لا نتوقف عند ما كتبه السابقون، بل لا بد من امعان النظر في كتاب اللّه واعمال الفكر فيه في كل عصر، لانه كتاب حى لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد.

وهذه حقيقة اقرها الامام الرازي من قبل، حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى: (فان خفتم الا تعدلوا فواحدة)(النساء:3): «اءثبت في اصول الفقه، اءن المتقدمين اذا ذكروا وجها في تفسير الاية، فذلك لا يمنع المتاخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها. ولولا ذلك لصارت الدقائق التي استنبطها المتاخرون في التفسير مردودة باطلة، وذلك لا يقوله الا مقلدخلف» ((399)).

وممن دان بهذا الراي، ودعا الى تجديد التفسير القرآني، واعادة النظر في مقاصده البعيدة السامية، الشيخ محمد عبده، الذي يقول: «قد يدعي بعض اهل العصر، انه لا حاجة الى التفسير والنظر في القرآن، لان الائمة السابقين نظروا في الكتاب والسنة واستنبطوا الاحكام منها، فما علينا الا ان ننظر في كتبهم ونستغني بها، وهكذا زعم بعضهم. ولو صح هذا الزعم لكان طلب التفسير عبثا يضيع به الوقت سدى ... خاطب اللّه بالقرآن من كان في زمن التنزيل، ولم يوجه الخطاب لهم لخصوصية في اشخاصهم، بل لانهم من افراد النوع الانساني الذي اءنزل القرآن لهدايته. يقول تعالى: (يا اءيها الناس اتقوا ربكم) (الحج:1)، فهل يعقل ان يرضى منا بان لا نفهم قوله هذا، ونكتفي بالنظر في قول ناظر فيه، ولم ياتنا وحى من اللّه بوجوب اتباعه لا جملة ولا تفصيلا؟ كلا، انه يجب على كل واحد من الناس ان يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته» ((400)).

ولكن على من يدعي التجديد، ان يدرك المنهج الامثل في تفسير القرآن، والذي يقوم على اصول راسخة، وقواعد شامخة،تتمثل في خطوات معلومة، ومعالم مرسومة، وضوابط بينة يجب مراعاتها والالتزام بها، حتى تتضح للمفسر الغاية، وتستقيم له الطريق. فلا بد للمفسر ان يجمع بين الرواية والدراية، فيفسر القرآن بالقرآن، وبصحيح السنة، وينظر في اقوال الصحابة والتابعين، ولا ينسى مراعاة السياق واسباب الن -زول، وعليه قبل كل ذلك ان يكون عالما باللغة التي نزل بها القرآن.

ومما تجدر الاشارة اليه هنا، ان فكر السلف في التفسير لم يكن بمناى عن الصراعات الفكرية التي كانت تدور في عصركل مفسر. وكثيرا ما كان هذا المفسر او ذاك يمثل اتجاها معينا، فهو بالتالي كان ناصرا ومؤيدا لفكرته واتجاهه، ونرى ان ذلك انعكس بشكل واضح وملموس على تفسيره، حتى دخلت الى التفسير بعض التاويلات الفاسدة الباطلة التي ما جاءت الا لتساند فكرة ما. حتى قال بعض الشيعة في تفسير قوله تعالى:

(تبت يدا ابي لهب وتب) (المسد: 1): هما ابو بكر وعمر.كما اعتمد الجبرية على مثل قوله تعالى: (واللّه خلقكم وما تعملون) (الصافات: 96) في اعتبار الانسان مسيرا لا ارادة له ولا اختيار، وانه كريشة في مهب الريح تحركها الاقدار كيف تشاء. وحتى الزمخشري صاحب الفكر المعتزلي، لم يخل تفسيره من بعض الشطحات الاعتزالية. وهناك تفسيرات اخرى غريبة للقاديانية والبهائية وغيرهما.

لذلك فانه لا بد لنا من ان نعي هذه الحقيقة المهمة، حتى ندرك مرامى كل مفسر عندما نتعامل مع تفسيره، فلا نتعامل مع مفسر دون ان نحيط ولو لماما بطبيعة الصراعات الفكرية التي عايشها، حتى نجعل من عقولنا ميزانا نقوم به ما يصدر عنه.

نستنتج مما سبق، ان التراث التفسيري الذي تركه لنا السلف، من الاهمية بمكان، بحيث لا يستغني عنه طالب علم، اوراغب في الغوص الى معاني القرآن الكريم. الا ان ذلك لا يبرر لنا الجمود على هذا التراث، بل لا بد من تحقيقه وتنقيته من الشوائب والانحرافات. ثم لا بد لنا من الابداع والتجديد، وذلك بان ننظر في القرآن بنظرة العصر الذي نعيش فيه، والواقع الذي نحياه، فان لكل زمن ظروفه الخاصة، التي تميزه عن غيره، والقرآن كتاب اللّه للناس كافة، منذ نزوله على سيدنامحمد(ص) وحتى قيام الساعة.