السلفية الوهابية
 
 


 السلفية، عرض ونقد

الجزء الرابع

6 - اتباع اسلوب العنف ((382)) والترهيب لتحقيق الغايات والمطالب، ورفض النقد الذاتي:

يستوقفني بقوة نمط من اشكال هذا الخطاب الديني السلفي الطاغي حاليا على معظم ساحات واتجاهات العمل في عالمناالعربي والاسلامي، وهذا النمط هو ما ينتهجه الخطاب السلفي المتطرف من اساليب الترهيب والتخويف والتكفير والرجم بالغيب، لا بل ان منهم من نصب نفسه حاكما يحاكم الناس بمظاهرهم، وكانه يعلم ما في قلوبهم وضمائرهم ونواياهم، كي يقيس على ضوء ذلك ايمانهم ويحاكمهم بما في صدورهم. ومنهم من اتخذ نفسه منبرا يصدر فتاوى الحلال والحرام، ويضع الخطوط الحمراء والخضراء، ويصرح بالفتاوى لسفك دم هذا وذاك. وان كنت لا افهم ما الفائدة التي ينتهجها الداعية اوالخطيب نفسه من ممارسة هذا الشكل غير الانساني في الخطاب الديني، مع ان القاعدة الفقهية تقول: الاصل في الاشياءالاباحة ما لم يرد دليل او نص شرعي من القرآن والسنة.

ونحن في عالمنا الاسلامي لم نستطع بعد ان نخرج من عصر الانحطاط والعنف والتكفير((383)) الذي يلفنا، ولم تنتصرعندنا قوى العقلانية والاعتدال والتنوير بعد.. وهذه حقيقة بديهية لا يفيد في شي ان نخفيها. وبالتالي نحن عندما ننتقد هذاالمناخ القاتم المسيطر علينا فلا يعني ابدا ان كل انتقاداتنا - او حتى انتقادات غيرنا - للخطابات الاسلامية خاطئة، بل ربماافادت المسلمين ودفعتهم لكي يفتحوا اعينهم، ويروا الحقائق امامهم، ويقوموا بالنقد الذاتي لانفسهم كما فعل الاوروبيون بدءا من عصر النهضة ثم بالاخص بدءا من عصر التنوير في القرن الثامن عشر. هذه حقيقة اصبحت بديهية لكل من يرى ويسمع.

وقضايا مثل النهضة والتطور والحداثة المطلوبة لعالمنا العربي اصبحت الان في قلب الاهتمام العالمي، وعلى راس جدول الدول الكبرى التي ادركت مؤخرا ان امنها وازدهار حضارتها يرتبط ارتباطا مباشرا بضرورة النظر الايجابي لمشاكل وهواجس المنطقة، واصبح يتاثر سلبا باستمرار وجود مجتمعات متاخرة في اي جزء من العالم الذي يزداد ترابطا.

لكن الذي حدث - ولا يزال - هو ان كثيرا من نخبنا (المثقفة!!) لم تدرك بعد حجم التحولات الدولية، ومخاطر سياسة رفض الاندراج في العصر الحديث والبقاء على تخوم جبال الوهم والتنظير الكلامي، فلا النقد الحقيقي مورس الا ما ندر،ولا المراجعة الجدية لمفاهيمها القديمة - التي لم تعد صالحة للاستخدام في هذا العصر - انطلقت، بل بقينا اسرى اشتراطات ونصوص مفاهيمية جامدة، فبقيت الوطنية تقاس بمدى العداء للشيطان الاكبر والاصغر، وبمدى رفض الهيمنة الامبريالية ومواجهة مخططات ونظريات المؤامرة ((384))، كما بقي الدين محكوما بهواجس الهوية المهددة بالاندثار في زحمة العولمة والحداثة، وو.. الخ.

وفي تصوري ان كل العراقيل التي توضع في طريق التقدم والتنمية لا يمكن ان تقرا الا كمحاولة قوى الاعاقة من مثقفي السلطة ووعاظ السلاطين للهروب من استحقاقات التغيير ومقتضيات الاصلاح والتنمية.

ان تلك القوى تعمل باستمرار على مواجهة ورفض كل ما هو جديد وحديث تحت ذريعة انتهاكه للهوية والتراث، كماانها لا تزال تشتغل على استيلاد الظروف وتعميق الاسباب التي ساهمت في تعزيز وجودها وهيمنة خطابها الديماغوجي على واقعنا الديني والثقافي عموما.. وهي: افتقادنا للديمقراطية والتعددية السياسية، وشيوع الاستبداد والفساد، وانعدام فرص العمل لاجيال الشباب، وانتشار التخلف الفكري والفقر والجهل وعدم التوجه لحل المشكلات القائمة والصراعات العبثية التي هدرت كثيرا من مواهب وطاقات اهل المنطقة.

والطاقة الاهم هي تفعيل وعي وارادة شبابنا العربي المسلم والاستخدام الفعال لمواهبهم في طريق العمل الصالح والنافع لمجتمعهم ككل، ام ما يحدث على الارض فهو عكس ذلك تماما، اذ نلاحظ كيف يهجر كثير من شبابنا بلدانهم واوطانهم الحقيقية ويرتمون في حضن اوطان وهمية.. وحتى الان لا يزال هناك سؤال لم نعثر له على جواب بعد، وباسلوب ومنهجية علمية، وهو: لماذا يتحول هذا الشاب البري الفرح، المتفائل الوديع المؤدب، المقبل على الحياة، المحب لمدرسته واسرته واترابه، الى ارهابي او مشروع ارهابي متوحش، يكره الحياة، ويعشق الدم والدمار، وصناعة الموت، ولا يبالي في مواجهته،بل يتطلع اليه عبر بدعة سموها «زفة الشهيد»؟! هذا السؤال والاجابة عنه، يمثلان البداية للانتصار على الارهاب كظاهرة اجتماعية.

في الحقيقة لا تزال الثقافة التي يتلقاها شبابنا تقليدية جامدة غير قادرة على تقديم اجابات شافية لهم عن واقع الحياة والعصر، وتجري عندنا باستمرار عملية غسل دماغ حقيقية تجري لهذا الشاب على نطاق واسع يقوم بها كثير من رموزونخب ثقافتنا الاسلامية تتمحور حول استراتيجية تجنيدية اغرائية يتلقاها بشكل يومي هذا الفرد، وهنا مصدر القلق المتواصل..

اولا: انه في وجود سيل متدفق من الافكار الدينية المختلفة ونوع من التربية الاسلامية التي يعمل اصحابها على قضاياالتنشئة الاجتماعية لجيل الاطفال، ممهدين السبيل ل - «الصائدين» لسهولة الاقناع، والتجنيد، والتجييش، وبالشحن العاطفي والنفسي، وغسيل الادمغة، وبث السموم الفكرية.

وثانيا: نحن لم نسع جديا وبطريقة علمية الى التعرف على الاساس الفكري والاجتماعي الذي ينتج هذه الشرائح في المجتمع، وبالتالي لا نتوفر - حتى الان - على مناهج تتضمن وسائل مضادة، تحول دون ان يتحول طفل مسالم له وجوده وطموحه واحلامه ودنياه الخاصة، الى مشروع عنف وارهاب في المستقبل، يملك القدرة على تدمير حياته وحياة الاخرين بقسوة، هكذا بكل برود، ودون تردد! وقد نجح هذا الخطاب السلفي المتطرف في جذب انتباه الشباب وشدهم اليه، لانه بقي «الوحيد» في الساحة، اذ لم يجدالشاب امامه خطابا دعويا جذابا، صادرا من المؤسسة الدينية الراسخة، يمكن ان يقدم له اجابات شافية وواعية، متوازنة راشدة، تهديه لموقعه ودوره الطبيعي كانسان في الكون والحياة، يكون اكثر استجابة لحيرته في المسائل الكبرى التي تواجهه كشاب، يدلف الى اعتاب الالفية الثالثة! في حين كان خطاب القيادات الشبابية الدعوية المتشددة سريعا ومبادرا في اعطاء هؤلاء الشباب ما يعينهم على فهم ما يدور حولهم من احداث، فذاع صيتهم على حساب المرجعيات الدينية العاقلة والواعية المعروفة، التي بقي خطابها محصورا في قضايا الدين البعيدة عن الحزبية والتنظيمية، وقليلا ما يتطرق لقضايااجتماعية وسياسية كبرى الا توجيها وارشادا ومن دون الاستغراق فيهما، مما افقد تلك المرجعيات الدينية قدرتهاالتوجيهية الارشادية على الشباب، وحتى شعبيتها المعتادة، وتوارت عن الانظار.

رابعا - خاتمة البحث العقل والحرية والتنمية في مواجهة الخطاب السلفي يعيش العرب والمسلمون في عصرنا الراهن - كما اسلفنا - اوضاعا مصيرية صعبة لا يحسدون عليها، وهذا ما يظهر لناعند التامل والتدقيق في ارقام واحصائيات ومؤشرات ضعف عملية التنمية البشرية في العالم العربي استنادا الى معظم، ان لم يكن كل، مؤشرات هذه العملية.

والجزء الظاهر من هذه المشكلة يتمثل في الفقر واللامساواة، لكن الفقر في الحقيقة ليس سوى جزء من المشكلة. فالى جانبه هناك مؤشرات كثيرة على:

-ضعف مستوى الرعاية الصحية.

-وثمة انحسار واضح في فرص التعليم الجيد.

-وهناك غياب كامل او ضعف مزمن في سياسات الامان الاجتماعي او غيابه بالكامل.

-اما الحرمان واللامساواة في القدرات والفرص، فهما اكثر استشراء من فقر الدخل او اللامساواة الاقتصادية، اذ تشيرالاحصاءات الى ان نسبة الحرمان، بمعايير التنمية الانسانية الاساسية، تبلغ حوالي 32.4% من اجمالي السكان في العالم العربي((385)) .

ولا شك في ان هذه الصورة الاجمالية للدول العربية تخفي التفاوت الكبير بين اوضاعها وتقدمها نحو تحقيق الاهداف الانمائية للالفية الثالثة .((386)) وهكذا، فان التنمية الشاملة هي المفتاح الحقيقي للحصول على القوة والسلطة، واساس هذه القوة حرية الفرد والمجتمعات،وبالتالي للوصول الى اي مستقبل فاعل او مثمر يمكن ان يكون بانتظار العرب خلال العقدين المقبلين، ودون الشروع في اتخاذ خطوات واثقة في طريق التنمية (وبناء صرح الحرية الكبير)، فانه من المؤكد ان مستقبل العرب لن يكون افضل من حاضرهم.

ولكن كيف يمكن للتنمية الشاملة ان تنطلق في عالمنا العربي والاسلامي في ظل وجود عاملين ضاغطين للغاية:

الاول: داخلي، وهو سيطرة خطابين وواقعين مازومين، خطاب السلطة الرسمية المستبدة القامعة لكل ما ومن يؤثر على امتيازاتها وسلطانها وهيمنتها وطغيانها، وخطاب تعبوي شعبوي (ثقافوي) ديني سلفي متشدد، يستعدي العالم ضده،هاجسه الاساسي والجوهري تقسيم هذا العالم الى فسطاطين، وتكفير (وربما الحكم بالموت) باقي الملل والمذاهب والحركات التي تعارضه في معتقده الديني او رايه السياسي او الفكري.

والثاني: خارجي، ويتمثل في جملة التحديات المصيرية التي تحيط بعالمنا حاليا. وهي من الضخامة والهول ما لا يستطيع احد ان يقف في وجهها تماما كالسيل الجارف، ولا بد له من الانفتاح عليها والتكيف معها، على عكس ما نعمل عليه نحن العرب والمسلمون، حيث نواجه تلك المتغيرات الكبيرة بادوات قديمة ووسائل شبه بدائية نعيد من خلالها انتاج الهزيمة والازمات على النحو الاسوا والافدح. لاننا غالبا لا نحسن ادارة مشاكلنا، وسوس خلافاتنا بعقلية مدنية تداولية متوازنة.

اننا نعتقد ان جذر العطالة فيما هو واقع حاليا - في كل هذه المساحة الكبيرة من العجز والاحباط والتردي والتفكك المسيطرة في عالمنا العربي والاسلامي - يعود الى النمط الثقافي المهيمن، واعني به مرجعيات المعنى وانماط الرؤية السائدة المنتجة للفكر والثقافة التي تخطط لحياة الناس والمجتمعات.

فالفكر عندنا له قوالبه ومسبقاته وقواعده واحكامه واستراتيجياته، ولكنه فكر يولد مزيدا من العجز والخواء والجهل والتسلط والاستبداد، لاننا اساسا نتعامل مع الفكر والتفكير - الذي كان من المفترض ان نمارس عبره علاقة ايجابية خصبة، منتجة وفعالة، مثمرة ومتطورة، مع الذات ومع الاخر - بصورة متحجرة ومنغلقة احادية وحتمية وخيالية وفردوسية،نادرا ما تجد فيها شيئا حيا من الواقع.

وواقع (بل وفكر) هو على تلك الصورة غير المنتجة، بل المتكلة، سينتج كوارث وازمات متتالية. ولا يكفي ان نقول:

ان الاقدار هي السبب الدائم والمصدر الحقيقي لتلك الكوارث، كما يصور اصحاب ورموز تلك المرجعيات السلفية.. بل هي ازمات من انتاجنا، صنعناها بعقولنا ومقولاتنا وتصنيفاتنا ومرجعياتنا المهيمنة على واقعنا الثقافي منذ قرون عديدة، والتي لا تزال تتحكم في الخطابات ليس لتبدع وتنتج وتطور وتحسن، ولكن لكي تعيق وتلغم وتضع العراقيل والعوائق((387)) في وجه اي فكر او معرفة او مشروع حضاري انساني مدني يعلي من شان الانسان فردا ومحورا اساسيا للكون والحياة.

طبعا، نحن عندما ننقد التراث والخطاب السلفي بفكره ودعاته، ونظهر عجزه عن العيش المنتج والفعال في العصر الحديث،وعدم قدرته على بناء معرفة مستقبلية حقيقية نافعة للانسان والحياة، ان ذلك لا ينبغي ان يحجم تفكيرنا النقدي عن الوجه الاخر للداعية التراثي السلفي، وهو المثقف الحداثي العربي الذي بقي يتعاطى وينتج مفاهيم الحداثة والتطور والحرية والاستنارة والتقدم من موقع المتلقي والمتاثر ومن دون ان يطورها ويبتكر صيغ جديدة تتعدى محيطه الجغرافي.

لانه اساسا لم يشتغل في المعرفة الحديثة من موقع الخلق والابتكار، وانما من موقع المبشر والمخلص والمروج والمقلد.

الامرالذي جعله (اي المثقف الحداثي العربي) متعبدا لنصوص الحداثة من غير طول تفكير، ومؤلها لافكارها وهويتها من دون تجربة ومعاناة وتامل.

وهذا النقد - حقيقة - لا ينطبق على مجموع مثقفينا ومفكرينا الحداثيين، حيث ان فيهم المبدع المطور والمنتج في شتى ميادين وحقول المعرفة والثقافة والفنون. ولكن هذه الفئة قليلة وضعيفة وغير مؤثرة حتى الان، على عكس الكثرة الغالبة من اولئك الوعاظ عبدة النصوص والاوثان الفكرية الذين يسيطرون على الفضاء والهواء والسلطة التي باتت مضطرة في الاونة ان تقربهم منها وتفتح مجالات العمل (والانتاج!) امامهم ليمارسوا من خلال ذلك افظع فنون التضليل والتزييف والشعوذة الثقافية والتعمية الايديولوجية والتهويل الديني.

بناء عليه فان المشكلة تحددت، وهي في الاساس ثقافية معرفية، ولكن تجلياتها الواقعية يمكن اجمالها في الاتي:

؟ مجتمعات عربية واسلامية ممزقة، وتعيش صراعا وتدافعا مريرا حول الحكم والسيادة، لا تقترب فيه ابدا من تحكيم لغة الحوار، ومنطق التراضي والتدافع السلمي.

؟ فشل ذريع للسلطات السياسية الرسمية الحاكمة في ادارة قضايا الوطن المحلية (تحقيق التنمية الشاملة، توفيرالحريات، القضاء على الفقر والبطالة.. الخ)، اضافة الى فشلها في قضايا الوطن الخارجية مثل قضية فلسطين.

؟ وجود بون شاسع وانقطاع واسع بين حاكم غير شرعي (فرض نفسه بالقوة والقهر، واعتبر ان السلطة حق طبيعي له ولذريته وحاشيته) وبين محكوم مستضعف (مطارد وملاحق وعاجز عن تحقيق الحد الادنى من متطلبات وجوده الانساني الطبيعي)، فقد الثقة في نظمه واجهزته الحاكمة، لانها لم تقم لخياره وزنا، وتجاوزت حدود العدل في الحكم والقسط.

؟ خوف تلك القيادات الدائم من شعوبها، مما يجعلها تتحسب للثورات في كل وقت.. او بتعبير معاوية نفسه: «فان نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري اتكون لنا الدائرة ام علينا».. اي سيادة ثقافة الخوف والخوف المتبادل.

؟ سيادة العلاقات النفاقية والتملقية - اذا صح التعبير - بين الحاكم والمحكوم، واظهار كل منهما للاخر غير ما يبطن،نظرا لانسداد ابواب التعاون الحر، وانعدام التناصح النزيه.

ولعلنا لا نغالي كثيرا عندما نؤكد على ان مشهد الخوف والاحباط والياس والظلم والاستضعاف هو من المشاهد الاكثرحضورا وتاثيرا على حركة الانسان العربي الذي مارست بحقه الدولة العربية الحديثة افظع انواع القسوة والعنف الموزع ماديا ورمزيا على معظم امتدادات وكتل هذه الامة البشرية والطبيعية.. بحيث باتت منافذ التغيير شبه معدومة في ظل هيمنة وسيطرة تلك النخب التابعة والعاجزة كل العجز عن ادارة شؤونه.

ويبدو لنا هنا ان تعميق ثقافة الخوف والرعب والقلق السلبي - الممتدة افقيا وعموديا في جسم الامة منذ بداية ازمة الخلافة والحكم الاسلامي الاول - كان من الاهداف الرئيسة التي كانت تسعى دول الاستقلال الاولى (الوريثة الشرعية لانظمة القمع والطغيان التاريخية) - وكل النظم السياسية (سلطات الهزيمة) التي جاءت بعدها، والتي ارتكزت سياساتهاجميعا على ثلاثية:

القمع والافقار والتجهيل - الى تحقيقها بالقوة على ارض الواقع المعاش.. فكانت النتيجة النهائية لكل تلك المقدمات المازومة ان نظمنا السياسية المتلاحقة لم تتفرغ لشي كما تفرغت للتحكم بموارد الامة، ونهبها بالكامل،والسيطرة على مفاصل السلطة والثروة والقوة والمعرفة في كل مواقعها، محتكرين بذلك كل الراسمال المادي والمعنوي المتبقي لافراد المجتمع والامة.. فكان ان وقع الافقار المقصود على الشعب.

لان الفقير لا يجرؤ دائما على رفع راسه (اصلا هو لا يستطيع فعل ذلك)، كما ان الجائع لا يعرف السياسة، ولا وقت عنده للحديث والاستماع للسياسة والسياسيين، حيث انه مشغول كليا بتحصيل لقمة العيش وكفاف اليوم (اللهم اعطنا خبزناكفاف يومنا).. وهكذا يبدا هذا الفقير الجائع والمحروم - مع مرور الايام - بفقدان انسانيته، ونسيان ذاته وفاعليته الوجودية،ويختصر الى جملة من الغرائز والمكبوتات، بما يؤدي لاحقا الى تدمير القيم السامية والاخلاق الحميدة والمثل العليا التي طالما تفاخر بها، واعتز بانتمائه اليها.. وهكذا كانت النتيجة ايضا ان وصلنا الى حافة الهاوية على كل المستويات والاصعدة الاخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وفي ظل هذا الوضع لا يمكن للفرد المصاب بالوهن النفسي والضعف الذاتي العضوي تحقيق الاستشفاء الذاتي لوحده، بل انه بحاجة ماسة لمن ياخذ بيده قبل كل شي، وبالمثل لا يمكن لبلادنا النهوض بدون مساعدة عاجلة وسريعة من الحضارات الاخرى.

اننا نعتقد ان شعوبنا العربية والاسلامية تواقة للاصلاح والتغيير بالدرجة التي قد تفرض عليها ان تغض النظر عن مصدرالتغيير وآلياته واساليبه.. ويبدو ان انعدام التغيير الداخلي وفقدان الثقة بالنظم والحكومات القائمة في العالمين العربي والاسلامي - وكذلك ان كل مبادرات الاصلاح الداخلية (ان وجدت اصلا) تتم وتبنى في غرف مظلمة وقوالب جامدة بعيداعن هموم الناس وتطلعاتهم وارادتهم - هو الذي يدفع تلك الشعوب باتجاه قبول التغيير الخارجي حتى لو جاء بيد عمرو(الغرب وامريكا).

والواضح امامنا - في هذا الاتجاه - ان هناك حقيقتين يعايشهما الناس في مجتمعاتنا، وقد انتقلت تاثيراتهما الى البلدان الاخرى:

الاولى: وصول حال العرب والمسلمين الى هذه الدرجة المتدنية من الانحطاط والتخلف بمختلف مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وو..الخ، نتيجة السياسات الفوقية الظالمة التي طبقتها النخب السياسية والاقتصادية العربية والاسلامية الفاسدة عبر العقود الاربعة الماضية، والتي كانت تحظ ى - حتى عهد قريب - برضى المصالح والسياسات الدولية المتفصلة مع نظيرتها المحلية.

الثانية: نمو حركات العنف والتدمير الدينية السلفية في مناخ الترهل والفساد والاستبداد السياسي والتخلف الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه اجتماعنا السياسي والديني، والناتج اساسا عن هيمنة ثقافة عربية واسلامية نصية متعصبة تؤمن بالعنف كخيار اوحد للوصول الى مصالحها وغاياتها((388))، وتضفي طابع القدسية على فكرها ومنظومتها المعرفية، وتلغي اي حلول وسط مع اي كان، كان من ابرز انجازاتها سابقا قتل وتدمير معظم افكار ورموز الخير والسلام والعدالة في تاريخنا الاسلامي.. حيث انه - وبعد عصر الرسول(ص) - تعمقت ثقافة العصبية والقبلية، وترسخت انماط تقليدية عصبوية في طبيعة الحكم السياسي كالحكم الوراثي، وخلافة الحق الالهي المقدس.. اي تحول الاسلام - على ايدي زعامات الانحراف والجور - الى ملك سلطوي عضوض .

ولا شك ان ضغط هاتين الحقيقتين سيدفع العالم العربي والدولي كله نحو تبني خيارات ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية محلية وعالمية يمكن ان تضع حدا لاستشراء مظاهر العنف والفوضى، ونمو الارهاب والجريمة الدولية والتطرف الفكري والعملي في المشهد المعاصر.. من اجل تحقيق مجتمع:

-تسوده قيم الحوار والعقل والعدل.

-يحترم فيه الانسان من حيث انه خليفة اللّه في الارض.

-مجتمع يتحمل الناس فيه بعضهم البعض، وتسوده وجهات نظر متعددة ومختلفة.

-مجتمع يشعر فيه الانسان عمليا بانه سيد نفسه، ولا فرق بينه وبين قيادته الا بتوزيع الادوار وتعدد واختلاف المسؤوليات.

-مجتمع يتبنى النقد والمحاسبة الذاتية الحضارية عنوانا لحركته وتطوره.

ونحن نعتقد ان انجاز تلك القيم الرائعة لن يتحقق الا بعد مواجهة افكار ورموز اقليات التخلف والاستبداد (القابضة بقوة الحديد والنار على عروش السلطة والسياسة والاقتصاد في عالمنا العربي والاسلامي) واقامة حكم تعددي وديمقراطي صالح وعادل منتخب مباشرة من قبل الشعب، وبارادة هذا الشعب الحرة.. بعيدا عن سيطرة مظاهر وثقافة التطرف والتزمت والغاء الاخر من خلال بناء مجتمع معرفي، وتوسيع المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية امام كل افراد المجتمع.

طبعا، هذه كلها توصيفات للمطلوب من اجل الخروج من المازق، ولكن مناخ وفضاء تلك التطلعات والاهداف الكبرى،واطارها وقاعدتها الاساسية تكمن في ضرورة تغيير طبيعة المعنى المعرفي لمهمتنا الوجودية بما فيها تغيير كثير من ادواتناوعدتنا المفاهيمية المعرفية المسيطرة حاليا. بما يؤدي الى تغيير الطريقة والوجهة السائدة حاليا التي اثبت الزمن والتاريخ والممارسة العملية عقمها وفشلها مما جعلنا نعيش على الهامش الدولي والوجودي((389)) .

ويجب ان يكون واضحا للجميع هنا ان النقد الذي نمارسه ليس جلدا للذات او تجريحا للنفس - كما نؤكد دائما - بمقدارما هو محاولة جدية فاعلة للوقوف المتامل امام المشكلة كما هي على الارض، لكي يتوفر لدينا عنصري الوعي والقدرة على اجتراح الحلول، وبناء القدرات وفتح مغاليق الفكر والواقع. خصوصا بعد ان اتخمتنا مشاريع التنمية والتحديث العربية والاسلامية - من اقصى اليمين الى اقصى اليسار - بنضالاتها الفاشلة ودفاعاتها العقيمة التي الحقت بنا العديد من الضرروالخسائر اكثر بكثير مما تسببت به للخصوم والاعداء.

ان احوج ما تحتاجه بلادنا - في مواجهة متغيرات وتحديات العالم كله، وقد اصبح المتغير هو الثابت الوحيد فيه - هوالعمل على ادارة هوياتنا وافكارنا وثرواتنا وعلاقاتنا بالعالم بابتكار الجديد من الصيغ والمهام او الطرق والوسائل والسبل((390)) .

اما ثقافة التطرف والعنف والتعصب والكره والخوف والعداء والصدام والقتل والانشداد الى الوراء وعبادة الاسماء والافكار، فملها عربيا او عالميا تفخيخ العلاقات بين البشر، والانتقال من مازق الى سواه، ومن صدمة الى اخرى،ومن خسارة الى خسارة اكثر فداحة.