علـم النفـس والدماغ
 
 
22/08/2015

الهلوسة وعلاقتها بالثقافة والدين


الهلوسة والسراب
مصدر كلمة هلوسة من اللاتينية وتعني الدوخان. والهلوسة هي نشوء رؤى وانطباعات ليس بسبب الحواس عن العالم الخارجي وانما بسبب اضطرابات نفسية وعقلية داخلية.
والهلوسة يمكن ان تنشأ على اعتقاد ان الحواس تسمع اصوات وترى صور وتشم روائح وتلمس اجساد، مع انها كلها لاوجود لها.
وتختلف الهلوسة عن السراب في ان السراب نتيجة اضطرابات في الحواس، في حين ان الهلوسة نتيجة اضطرابات في المنظومة العصبية والدماغية.
يعايش المرء انطباعات الهلوسة على انها انعكاس حقيقي وفيزيائي للعالم الخارجي ولايستطيع الشخص المعني تصور انها نتاج خيالي وعقلي تحدث في دماغه وحده.
مايميز غالبية المصابون بالهلوسة ان جميع مفاهيهم ومعاني تصرفاتهم تصبح قادمة من معايشاتهم الدهنية وتضعف قدراتهم على رؤية العالم الموضوعي، ليصبح العالم الفيزيائي يخدم العالم الهلوسي.
ومع ان الكثير من الامراض النفسية، مثل الشيزوفرينيا، يمكن ان تسبب الهلوسة الا ان ابحاث جديدة تشير الى ان حتى الاشخاص السليمين عقليا يمكن ان يصابوا بالهلوسة. ذلك بنتيجة دراسة 31 الف شخص من 18 بلد مختلف.
حوالي 1800 منهم هلوس ، على الاقل، مرة واحدة خلال حياته. في حين ان الاشخاص الذي اصيبوا بعدة اضطرابات في آن واحد تعرضوا لهلوسة متنوعة سمعية وبصرية في آن واحد. هذه الدراسة قامت بها جامعة كوين لاند الاسترالية وجامعة هارفارد الامريكية بمشاركة الباحث John McGrath ونشرت في جريدة JAMA Psychiatry
ذلك يبرهن على ان الهلوسة شائعة للغاية في جميع المجتمعات وبين مختلف الاطياف.
يقول الرسول: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ ، فَقُلْتُ : زَمِّلُونِي ، زَمِّلُونِي رواه البخاري (4641) ومسلم (161) .
ويقول: احيانا يأتيني مثل صلصة الجرس ، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ماقال، واحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعيي مايقول ( الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده، محمود ماضي، دار الدعوة، القاهرة، 1996، ص50)
ومن الامراض والمؤثرات التي تسبب الهلوسة هناك:
الشيزوفرينيا مثلا تسبب الهلوسة السمعية المزمنة (auditiva) او الهلوسة الحاسية (taktila)، حيث جميع المحيطين يكونوا اشرار يطاردون المصاب.
مرض melankoli ( عارض من عوارض الكآبة العميقة) في حالاته القوية يمكن ايضا ان يؤدي الى الهلوسة.
والمخدرات، بما فيه القات، يمكن ايضا ان تخلق عوارض هلوسية سمعية وبصرية وحاسية..
حالة تسمى Delirium، تحدث بسبب ارتجاج الدماغ او التسمم او الخوف او ارتفاع درجة حرارة الجسم، تؤدي اييضا الى الهلوسة. كما ان هذه الحالة يمكن ان تصاب المدمن على الكحول او المخدرات بعد فترة من الانقطاع عن استخدام المؤثرات، غالبا هلوسة في رؤية مناظر مرعبة وحدة في المشاعر.
والصرع ايضا يمكن ان يؤدي الى هلوسة بسيطة او معقدة. البسيطة هي ان يرى صواعق مثلا، والمعقدة عندما يرى سيناريو كامل من الاحداث.
الرؤية الهلوسية تسمى pseudohallucination لان الرآي لايستطيع التفريق بينها وبين الواقع. بالنسبة له هي حقيقة وقعت فعلا.

هل هناك علاقة بين الهلوسة وثقافة المهلوس؟
هل هناك علاقة بين الهلوسة وظهور الاديان؟
دراسة حديثة للباحثة Tanya Luhrmann من جامعة ستانفورد اظهرت ان مضمون الاصوات والرؤى تختلف بين الاشخاص المصابون بالشيزوفرينيا، حسب البلدان.
جميع المصابون من الولايات المتحدة الامركية يعتبرون الاصوات غير حقيقية وانها بسبب المرض. 14 من 20 من هؤلاء يفهمون الاصوات، التي تبدو غالبا غاضبة، على انها تطالبهم بأيذاء الاخرين. ولا واحد من هذه المجموعة سمع اصوات ايجابية المضمون.
في عينة البحث يدخل ايضا عشرون شخصا من الهند وعشرون من افريقيا. في العينة الهندية كانت الاصوات لطيفة وعادة إما تقدم نصائح طيبة او انها اصوات من الاجداد الموتى او الاحياء، تتكلم عن الحياة وكيفية تدبير الامور.
فقط اربعة مرضى سمعوا اصوات تدعوهم الى ايذاء الاخرين.
في العينة الافريقية يسمع هؤلاء العشرون اصواتا من الالهة المسيحية او الالهة المحلية. عشرة منهم يصفون الاصوات بأنها إيجابية تماما. فقط اثنان يسمعون اصواتا تطالبهم بأيذاء الاخرين.
غالبية اشخاص البحث مؤمنين، بما فيهم الامريكان، لذلك الايمان وحده لايوضح هذه الفوارق، لذلك لابد ان الاختلافات بسبب الثقافة، اي محتوى الاعتقاد وليس مجرد الاعتقاد بذاته.
في الغرب ينظر المجتمع الى الوعي على انه القلعة التي تحمي فكر الفرد الخاص، في حين ان الشيزوفرينيا، تُفهم، بما فيه من المُصاب نفسه، على انها "دماغ خربان". بذلك يصبح المرض عدو ضار، وبدوره يؤثر على الطريقة التي يظهر بها. في دول مثل الهند وغانا تكون العلاقات الاجتماعية سابقة على حق الفرد، حيث الارواح والظواهر مافوق الطبيعية جزء من العلاقة الاجتماعية.
لاشك ان الفرد لايستطيع اختيار الغاء الاصوات الصادرة عن الهلوسة ولكنه يفهمها في اطار مفاهيمه الاجتماعية والدينية العامة لتصبح اصوات خيرة وتريد الصالح العام، لتصبح جزء من مجتمع المهلوس وثقافته.
نشر البحث في جريدة British Journal of Psychiarty

دعوة لشرب كأس من الشاي مع الله
الكثير يتوجهون لله بالدعاء، ويستمرون في دعوته بدون ملل، مع انه نادرا مايحقق شئ من الدعوات.. بحيث ان احد الاذكياء قال انه دعى الله ان يمنحه دراجة، ولكنه اكتشف ان الامور لاتتم بهذه الطريقة فسرق دراجة ودعى الله ان يسامحه.
بطبيعة الحال هناك الكثير من الذين تحول دعائهم اليومي الى حديث ودي مع الله. مسامرة يومية هادئة..هذا مالاحظته الباحثة Tanya Luhrmann في الولايات المتحدة الامريكية.
يعتقدون ان الله خلق الانسان من اجل ان يمتلك علاقة وتواصل معه. هل كان الله يشعر بالوحدة قبل الخلق؟
وإذا كان الامر كذلك الا يعني ذلك ان علينا الجلوس مع الله والتسامر معه في وحدته، حول كوب من الشاي مثلا؟
هذه العلاقة الشخصية بين الله والفرد يعايشها ملايين الامريكيين، وعلى الاغلب ليس في امريكا وحدها. انها مفيدة للكثيرين من الذين يعايشون الوحدة الفيزيائية او العاطفية او النفسية.. نوع من العلاج النفسي
الانسان المحبط ، الانسان الوحيد، الانسان المخدوع والبسيط، الانسان الفقير، ليس له الا الله يواسيه ويخفف عنه معاناته على امل ان يكون العوض في الاخرة. امل مناسب للفقير والمخدوع والضعيف واللص والنصاب على السواء. انه يساعد على تهدئة المجتمعات.
كتاب "Purpose Driven Life" يقول ان الله سيكون افضل اصدقائك، وقد تم بيع 25 مليون نسخة من الكتاب.
عام 2008 اشار Pew Foundation الى ان ربع الامريكيين قالوا انهم حصلوا على معجزة الهية. وهذه ليست المرة الاولى التي يسيطر فيها الحس الديني على تفكير الامريكيين. مرت عهود سابقة كان المؤرخين يطلقون عليها " فترة الصحوة" وهي نفس التسمية التي اطلقها شيوخ السلفية السعوديون على فترة النهوض الديني في العالم العربي قبل ان تقضي عليهم السلطة السعودية وتمنعهم من الكلام. ( كنت اعتقد ان " الصحوة" ابداع سلفي، ولكن يبدو انهم سرقوا التسمية من التاريخ الامريكي)..
يزداد التوجه الى علاقة شخصية قوة ووضوحا مع الله مع ازدياد الشك وازدياد الصدام مع المعضلات العصرية. وتشير الباحثة Tanya Luhrmann في مقالها ان بسيكولوجي التطور ادعوا ان اسس الدين تم اعادة توجيهها بواسطة الانساق الفكرية بحيث تجعل الاعتقاد بشخصية غير مرئية امر طبيعي ومنطقي.
غير ان هناك فرق كبير بين الاعتقاد بوجود شخصية غير مرئية وبين الجلوس على الطاولة والتحدث مع هذه الشخصية وكأنك لاتتحدث مع الهواء.
ملاحظاتي ( الباحثة) ان الايمان بالله يتطلب عمل، يتطلب جهد يتطلب ذكاء. ان الذين يستخدمون الفنتازية عليهم التعامل مع تصوراتهم بجدية تماما مثل اية حقيقة اخرى. ماتعتقد به يجب معاملته معاملة ماتراه وتسمعه وتمسك به.
مااراه (الباحثة) ان الدعاء غير الناس ، ليس في اخلاقهم ومشاعرهم، وانما وغير طريقتهم في استخدام الفنتازية، بحيث جعل الاعتقاد حقيقة. لقد اصبحوا يعتقدون ان الله يرد الكلام بالكلام بحيث اصبحوا يشعرون ان الله يجلس بجانبهم. لقد تغيرت طريقة التفكير بحيث اصبحوا يعتقدون ان مايرونه في الفنتازيا هو ذات الحقيقة. هذه الطريقة في التصور تعود بنا الى العصور البدائية الاولى عندما زرادشت و ابراهيم وموسى ويونس ومحمد ومسيلمة ومحمد بهاء الدين تكلموا مباشرة الى ربهم.
الحدود بين الخيال والحقيقة تنتهي في ذهن الايمان..

مصادر:
حول الهلوسة
الهلوسة تصيب السليم
عندما يتكلم الله معك
الشيزوفرينيا والثقافة
الايمان بالروح في الحجر
النساء اكثر التصاقا بالله
الاختلافات الثقافية في الهلوسة