علـم النفـس والدماغ
 
 

نظرة في سيكولوجية الانهيار في الاسلام المتصدع


لا شيء يعزّي الإنسان أكثر من الإنضواء تحتَ "كلٍ" ما، يخفّف عنه تداعيات العالم الخارجي وتحدياته، وما يربط الطفل بعالم أسرته هو ذاته ما يشدّ المتدين نحو أنا كليّ " أمة" أو "مجتمع ملّة" أو "مجموعة عقائدية" ، كما أن أي دين في هذا العالم، يَعدُ المرء ضمنياً بذلك الشعور من الحماية، وحتى تلك الأديان التي لا تُلقي بالاً لمسألة الجماعة، كالبوذية مثلاً، تعدُ الفرد بدورها بايقاظ احساسات كونية تأملية بداخله تتسم بالشمولية ،و بكلمة أخرى، إن التديّن من الناحية السايكولوجية هو احساس طفولي اتجاه المجتمع والعالم ككل، والحاجة لنفي الشعور بالخطر سواء بالنسبة لتحديات الحاضر أو المجهول القادم، وهذا الذوبان للأنا ضمن أنا جمعية يخلقُ لدى الإنسان جملة من التصورات من أهمها أن الحزمة الدوغمائية أو العقائدية التي تراها الملّة، هي بمثابة العالم الموضوعي بيقينه وعيانه، فلا يدانيها شكٌ مطلقاً، أما التصور الآخر فلأن الأنا منغمس كلياً بالجماعة، فإن أيّة رضّة أو هزّة تتعرض لها الملّة تثير هواجس حول قيامةٍ قريبة أونهاية الزمان واقتراب الفناء، والهزّة بطبيعة الحال يولدها عدى عن العامل الخارجي، التصدّع الذي يطرأ على المجتمع- الملّة من داخله مع مرور الوقت، كما أن الإنسان المتدين يعيش نظرياً بحالة وعي لكنه عملياً كما يخبرنا (يونغ) يقفُ تحت الرجع الآتي من الخافية الجمعية و اللاوعي مباشرة.ويخبرنا (لاكان) عن العلاقة الفنتازية التي تربط الأنا بالعالم الخارجي، فعلى الرغم من أنها تكون موجودة بنسب متفاوتة عند الجميع، إلا أنها عند المتدين تأخذ طابع الانقطاع عن الواقع بشكل كامل، فالأنا عنده يتمثّل العالم من خلال تصورات مستعارة من الثقافة الدينية كلياً، فأيما حادث على مستوى الكون والطبيعة هو مرتبط بشكل رئيسي بما " قد أُخبرنا عنه في كُتبنا" وأنه واقع يوماً ما، كعلامة أو إشارة للنهاية أو بداية حدث ما. وكذلك الحال بالنسبة للمتغيرات الأخرى، وبطبيعة الحال فإن هذا الافتراق النهائي عن الواقع يتفاقم إلى مستوى فصامي كامل.
لكن متى يستشرس المؤمن؟ متى يتحول لقنبلة بشرية؟ 
حقيقة يبدو أن الإيحاء الدائم الذي يغذّيه المجتمع في المتدين، يمرُّ بأطوار أساسية، ويمكن الاستعانة باطوار صعود الحضارة وسقوطها عند ابن خلدون أوآرنولد توينبي لتقريب الفكرة أكثر، فالدين في نشأته ينمو ويصعد وينتشر بشكل أفقي مريع وكأنما هو الخلاص بعينه الذي كان الناس بانتظار قدومه ليرفع عنهم عذاباتهم ويضع عنهم أوزارهم بشكل نهائي، ثم يأخذ بالنمو وترسيخ وجوده وديمومته، من خلال استيلائه على السلطة وعمل كل ما يمكن عمله لتأسيس عوامل البقاء والاستمرار واستعمال القوة والبطش والعنف لضم مزيد من المؤمنين ترغيباً وترهيباً، وفي هذه الأثناء يكون الإيحاء الذي يغذيه المجتمع في المؤمن على أشده وفي كماله وغايته القصوى، فهو مركز العالم ونقطته المحورية، لكن لن يلبث طويلاً حتى تصعد التناقضات الاجتماعية التي أقحمها الدين السياسي عنوة في حظيرته خلال فترة التوسع إلى السطح، وهنا يبدأ المجتمع-الملة بالتشرذم والانقسام وبالتالي سيتباين الإيحاء الديني، حتى يترسخ الشرخ نهائياً ويؤلف كل جزء من المجتمع المنقسم مجموعته الاجتماعية- المذهبية الخاصة، ولأن كل فئة ستتمسك بما عندها و تستعصم به، وستمنع حدوث أي تغيير يعرضّها للتشرذم فيما بينها، ستدخل لابد في حالة من الجمود والركود والعجز عن الخلق والإبداع، مما سيجعلها عرضة للانحلال التدريجي والعجز عن مواجهة سير العالم في الخارج، و ستزداد تقوقعاً وانكماشاً – كما كانت ردة فعل المسلمين إزاء الحداثة الغربية- مع بروز تيارات انقلابية تدعو إلى التخلي عن الجمل بما حمل، مما سيؤدي لردات فعل جنونية من قبل من وكلوا أنفسهم حماة للأمة وللهوية وللعقيدة، ولن يجابهوا إلا بالقوة والعنف والبطش نحو مزيد من التصدّع الكامل تدريجياً في المجتمع-الملة، وهذا التطور هو الذي يسبق الانهيار الكامل ونحن نعيش بالنسبة للإسلام في هذا الطور تحديداً.
إذن فإن تصدّع مجتمع الملة يُفقد المتدين قوة الإيحاء التي كانت تغذيه في السابق، إنه يبحث عن طريقة في رأب هذا الصدع، طريقة تخوله أن ينام مساءً ولا يفكر بماذا سيرد على من سيتحدى معتقداته في الغد، في البيت أو الشارع أو العمل، بالقول أو بالفعل، لقد استفذ الكثير من طاقته الفكرية دون جدوى، فهو ضمنياً يدرك أن معتقداته ليست بمقولات عقلية حتى يستخدم المنطق للإقناع، ومع ذلك فهي حقائق موضوعية وإلا فكيف يؤمن بها كل هذا العدد الغفير من الناس لقد مات عليها الآباء وقتل عليها من قتل من الشهداء، في حين يشكك بها البعض، إن ".. الأسطورة التي تتلى على مسامعه تجعله يشعر بأن الماضي والحاضر والمستقبل هو من مقولها وما توحي به وتعبر عنه، كما يقول ليفي شتراوس.." إذن لابد أنه ثمة مؤامرة ما عليه وعلى مجتمعه، إن واجب التخلص من أولئك المشككين لواجب نبيل، به يُرأب الصدع، فيعود كل من سولت له نفسه خفية أن " يفارق الجماعة " على حد تعبير محمد في الحديث، إلى جادة الحق والصواب – أي يقين المتدين- وإما أن يُبعث به إلى عالم الآخرة، نعم ثمة حياة آخرة وثمة هناك الإله الذي ينتظر أن يعاقب أو يثيب، إن فعل القتل هو فعل تطهري وليس انتقامي، إنني إذ أقتلكم أجنبكم شقاء الدنيا ككفار وإن الحدّ الذي أمارسه عليكم سيهيئكم للغفران في عالم الآخرة، إن سيفي سكّ غفران لكنكم لا تعلمون، وإن السيارة المفخخة هي معمودية، إنها ستارة من الدخان لإخفاء مشهد التحلل الذي لا أستطيع أن أنظر إليه، إن مقهى مختلط أو مدرسة مختلطة، أو نادٍ ليلي، ليجعلني أشعر وكأن الأرض تتشقق من تحتي وتنهار، فهذه الأشياء تسحبني إلى عالم أضيع فيه، إلى عالم لا أنتمي إليه رغم إغرائه، وتخلق في داخلي تناقضاً لا أرى أي أمل في تجاوزه ما لم أحاول رأب الصدع، فالإجماع الكلي على حقائقي يتصدع. 
من هنا عالم النفس يونغ يعتقد بأن المتدين لابد أن يستشرس ، فهو يشعر بدنو الأجل، لأن الجماعة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وعندها سينكشف نفسياً، فنرى أنه سيتحول إلى الماضي وسيتلمس الإيحاء المفقود في كتب السلف وهذا ما سيجعل من الشرخ بينه وبين عصره انزياحاً وانفصالاً لا اتصال فيه، فيميل إلى الانطواء بداية، و يحاول أن يجعل من مظهره أيضاً موحياً بانتمائه إلى العصر الذي يتغذى من إيحائه، وطبعاً كلما زاد في تشرب هذا الإيحاء كلما كان صدامه مع واقعه وعصره أشدّ وأقسى ليصل إلى مرحلة الرفض الكامل لعصره فإما أن يحاول إعادة العجلة إلى العصر المنشود وإما أن يقضي على حياته انتحاراً محاولاً تكبيد هذا المجتمع أكبر قدر ممكن من الضحايا، فهو عملياً ينتقم لنفسه، لغربته ولإحساسه لاحقاً بالنبذ لمظهره ولفكره المتخلف. لقد أنكرتموني طويلاً وقد حان الوقت لتتذكروني إلى الأبد بلعن أو بطعن لا يهم، ففيما أنا أقبض جزاء صبري ووحدتي وحزني في الجنة، كل لعناتكم لن تكون بالنسبة لي ذات قيمة.
أما عن يقينه فهو لم يعد بحاجة حتى للجماعة لتؤكد يقينه بأفكار انترومورفية أو مؤنسنة، إنه تقريباً قاب قوسين أو أدني من مرتبة النبوة، ربما قريباً يوحى إليه، وعليه أن يمارس وصايته على جماعته المؤمنة أيضاً، إنه بحاجة لإعادة الاستيلاء على السلطة، لتطبيق الأحكام وقتل أولئك الذين يصدّعون الملة، ومن يعترض من صحبه فهو متهم بتصديع الجماعة خاصته ويستحق القتل بجريرته ، إنها الردة.
إن العنف هنا يوجه بشكل رئيسي باتجاه عدوين، العدو الداخلي الذي صدّع الجماعة والملة وهو الأخطر، والعدو الخارجي الذي يسعى لتغييرنا أي لإبادتنا ثقافياً، فينبغي عليَّ إذن أن أقيم الحد على أولئك الذين يطعنوني في ظهري فيما أنا أحاول تحطيم العدو الخارجي والذود عن حياض الأمة ، ليس عندي من الحضارة ما استطيع أن أواجه به ذلك العدو المتربص بي وبثقافتي، فالحل تحطيمه وحضارته – يمكن مراجعة آراء الشيخ السلفي سفر الحوالي بهذا الصدد ومسكوتها : ضرورة سقوط الغرب لأنه يبتلعنا! أما مقولها : انهيار الحضارة الغربية وشيك لمخالفتها عادات وشرع الإسلام! – تفجيره وتفخيخه إذن، طباعة ملايين النسخ المترجمة من كتبنا ودفع الأموال الطائلة كعطايا وهبات ، الإغراء المادي والمعنوي، ليس مهماً كيف، المهم أن نستدرجه إلى حيث نقف نحن من سلم الحضارة، أن ينزل إلينا إلى حضيضنا ويتماهى معنا، فنحن آيلون إلى السقوط لا محالة ولا نريد أن نسقط وحدنا.لذا فإن أكبر عزاء لنقصنا هو دخول الغربيين في الإسلام، إنه تأكيد لمقولاتنا حول تفوقنا الروحي في مقابل تفوقهم المادي السطحي الساذج، إننا سنكشف لهم سطحية هذه المادة التي يموضعون الوجود عليها، وكم هي ناقصة فيما نحن نمتلك التفسير الأكمل والرسالة الأسمى، نعم تراثنا وقرآننا هو منجم للذهب، فيه كل تلك العلوم التي يتبجحون بها علينا، إننا خير أمة. وأولئك الذين خرجوا من بيننا ينادون باستيراد نظم الغرب إلينا، إنما يسلمون بانحطاطنا ويعرون حقيقتنا ويكشفون حضيضنا، لذلك يتوجب علينا إذن أن ننكل بهم أشد تنكيل. فإنما نحن معذبون بذنوبنا وسكوتنا وبالسفهاء الذين يأخذنا الله بجريرتهم، وعلينا أن نغير ذلك بالعنف والاستيلاء على السلطة، واستعادة عصر السلف الذي نتغذى من إيحائه.
و لا بد – بحسب رأي فرويد – لمن يشعر بان العصر هو مصدر ألمه الوحيد، من أي يقطع كل صلة له بهذا العصر، أن يتعمد إساءة فهمه، ليكون رفضه له منطقياً بحسبه، والطريق طبعاً مفتوحة إلى خارج التاريخ وإلى هوامشه، حيث يتسكع هناك القابضون على جمر دينهم، في انتظار الفرصة المواتية لتحطيم هذا التاريخ عندما لا يعود بالإمكان احتمال العزلة أكثر من ذلك.
إن الذنب الأكبر يقع على عاتق المفكرين والكتاب والأدباء، فهؤلاء يسددون سهام نقدهم لثوابتنا وأسس حضارتنا العظيمة، إنهم يسلبوننا كل ما نملك بلا شفقة، لا تعجبهم أخبار سلفنا ولا فتوحاتهم ولا الدول التي أنشؤوها، فتراهم يتحايلون لتكذيب كل ما يبعث على الفخر والزهو فيها، أما الأدباء المحدثين فهؤلاء خونة طابور خامس – من الطريف أن نستحضر أقوال الشيخ محمود شاكر في مطلع القرن العشرين في خضم سجاله مع طه حسين ولويس عوض وغيرهما – إن عقيدة الفن عند هؤلاء لا تتقيد بمصلحة الجماعة، فأدباء الطابور الخامس الذين اتخذوا لأنفسهم شعاراً من حرية الفن، وحرية الأدب وحرية التعبيرعن ثورة النفس، "المشتهية المستكلبة"! هم أعدى أعداء شعبنا المسكين (...) إن الحقيقة العظيمة التي أعطتنا إياها الجماعة هي الحياء من ناحية والتقليد من ناحية أخرى ! (..) إن الغرب يريد القضاء على هوية الأمة المسلمة وإلحاقها بحضارته، حضارة الدمار والخراب .. انتهى..
طبعاً كلام الشيخ عن "غرب الدمار والخراب" يدخل في ذات السياق الذي نتحدث عنه، فالغرب مصطنع وسطحي ومدّمر ومتهالك وخاوي، ومتحلل ومنحل، بينما صروحنا الروحية تطاول السماء، إنها تتأسس فوق هويتنا المسلمة العظيمة، وما يفعله الأدباء هؤلاء والكتاب والمفكرين الحداثويين إنما هو رفع للراية البيضاء ، راية الاستسلام من خلف أظهرنا، وغدراً بنا، وكشفاً لمؤخراتنا..! و لو انتظرتم قليلاً لسوف نعيد لهذه الأمة أمجادها، ولسوف نقدّم عشرات بل وآلاف مؤلفة من الكتب عن الشعر الجاهلي ودارسات عن جحا وحمقى ابن الجوزي وعن النحو والصرف في اللغة، دعونا نكون كائنات لغوية لامانع ، طالما اننا نبقي على علاقة الندية بل علاقة التفوق على الغرب الفاجر القذر، دعونا لا نري هذا الغرب أننا نتبعه حذو النعل بالنعل، فلنأخذ منهم التكنولوجيا - فرسول الله مات وفي محفظته دراهم يهودية استدانها!- ولا نعطيهم أي تنازل في المقابل ، فلنفكر بهذه الطريقة إذن وهذا منطقنا واستدلالنا :
مقدمة كبرى : كل علوم الغرب في عصر النهضة أتت في سياق اطلاع هؤلاء على علوم المسلمين. 
مقدمة صغرى : الثورة الصناعية أتت مترتبة على عصر النهضة.
استهبال : إذن المسلمين من اخترعوا الآلة البخارية!
خاتمة : 
إن نهاية أو صعود أو استمرار أية ثقافة يعتمد بشكل أساسي على انفتاحها وليونتها بمعنى قدرتها على التملص من المتغيرات التاريخية الجذرية اقتصادية كانت أم سياسية وبالتالي اجتماعية، وطبعاً لا تتملص إلا بأن تتنازل عن نفسها شيئاً فشيئاً لتتحول أخيراً إلى فلكلور يرتبط بالذاكرة أكثر من ارتباطه بالحاضر، وبالمتحفية لا الديناميكية، وهذا مآل أي دين أو ثقافة ما فيوماً ما ستخرج مسننات آلياتها الأيديولوجية عن الخدمة، لكن عندما لا تمتلك هذه الثقافة أو الدين أية ليونة فإن شرف التحول إلى فلكلور طيب في ذاكرة الشعوب، يصبح مطلباً غاية في الصعوبة، إننا نشهد اليوم ابتلاع الإسلام العسكراتي والسلفي والانغلاقي للإسلام الشعبي أو المدني أو المعتدل- على الأقل كانت الأصناف الثلاثة الأخيرة بمثابة كذبة سمجة بيضاء- في محاولة يائسة للانكماش والمحافظة على ما تبقى ومواجهة الصدع الداخلي، في إطار انقطاع كامل بين المتدين وعصره، لكن هذا النوع من الانكماش والانغلاق والعنف ، أحدث المزيد من التصدع وخلق موجات كبيرة من الردة سيما في صفوف الشباب حيث تبدو أمام أعدادهم الردة المزعومة في عهد أبي بكر كنقطة في بحر، وقياساً بالأعوام الماضية فإن صعود الإسلام السياسي وانتشار الحركات والتنظيمات الأصولية وتطبيقها للأحكام الشرعية التي كانت مغيبة عن ذهن العامة والوسط، لقلة استعمالها وتطبيقها، كل ذلك بالجملة خلق ردات فعل هائلة باتجاه اللادينية والإلحاد، فالله يبدو من خلال أحكامه، كمجرم يتلذذ بقتل ضحيته وتقطيعه وصلبه ورجمه وجلده، وخلال السنوات القليلة القادمة سنشهد ولاريب وصول الشرخ داخل مجتمعاتنا إلى تمامه بين اللادينية كأغلبية على ضفة والأصولية على ضفة أخرى، دون وجود ما يطفو في الوسط، تمهيداً للانتحار النهائي للأصولية بصدامها الكامل مع العالم – وقد بدأ بشكل تدريجي اعتباراً من عقد السبعينيات من القرن الماضي- ولنقل أخيراً مع توينبي أن الثقافات في طورها الأخير تقضي انتحاراً.




مصادر:
عن الحوار المتمدن