علـم النفـس والدماغ
 
 
2013/10/16

العدالة حس فطري ودوره في التطور


تجربة
الشعور الفطري بالعدالة، عند الانسان، مهم للغاية للاقتصاد العالمي، لهذا السبب نجد انه أصبح موضع اهتمام الاقتصادي الالماني ارنست فيهر Ernst Fehr, والحاصل على جائزة نوبل.

في مختبره في جامعة زيوريخ يجري تجاربه مستخدما طلبة لايعلمون عن بعضهما البعض شيئا. تفاصيل التجربة ان الطالب الاول يحصل على مبلغ من المال وعليه ان يتقاسمه مع طالب ثان، على ان يكون بخيل قدر الامكان. إذا وافق الطالب الثاني على المبلغ المُقدم له يحتفظ كلا الطالبان بالمال وإلا لا أحد منهما يحصل على شئ. هذه الفاعلية جرى تسميتها " اللعبة الاخيرة".
نتائج العروض المقدمة من اشخاص التجربة تظهر ان ثلثي العروض تقع في حدود 40-50% من المبلغ الكلي. كما ان اكثر من نصف العروض التي تحت خط العشرين بالمئة، من المبلغ الكلي، يجري رفضها.
لربما ذلك لايبدو غريبا، غير ان هذه النتائج تتعارض مع الصورة الاقتصادية الكلاسيكية عن الانسان التي تعرض الانسان (Homo economicus) على انه ساعي نحو اكبر قدر ممكن من الربح. مثل هكذا كائن يجب ان يرى ان قطعة من النقود افضل من اللاشئ على اي حال، وبالتالي عليه الموافقة على الدوام. ومع ذلك يختار البعض ان " يدفع" من اجل توجيه لطمة للعارض الغير عادل.

ارنست فيهر قضى اعواما في دراسة حس العدالة. بالتعاون مع خبراء الدماغ تمكن من البرهنة ان اشخاص التجربة يصبحون اكثر رغبة بقبول عروض سيئة للغاية بعد التعرض لتنشيط مغناطيسي يشوش نشاط الدماغ في الفص الجبهوي. في الواقع يستمر الاشخاص الذين تعرضوا للتنشيط المغناطيسي في اعتبار العرض سئ. والفرق الوحيد ان التحفيز المغناطيسي يعطل النبض الدماغي على القيام برد فعل.

في فيلم عن وال ستريت من عام 1987 قال الملياردير Gordon gecko, أن" يكون المرء شحيح هو الموقف الصحيح. الشحة تعطي فعالية. الشحة توضح وتنفذ للاعماق وتلتقط جوهر فكرة التطور".
في ذات الوقت كتب فيهر مقالا علميا عن البطالة حيث عكس فيه حس العدالة. وفيه اشار الى انه وحتى في الدول التي لاتملك قوانين متطورة من النادر ان يقوم ارباب العمل بعرض اجور أقل من المتعارف عليها اجتماعيا، على الرغم من انه يقال ان العاطلين عن العمل على استعداد للقبول بأي شئ. كيف يمكن للامور ان تكون على هذا الشكل؟

الفكرة الرئيسية في مقال فيهر العلمي ان المستخدمين سيقومون بعمل سئ إذا كانوا يعتقدون ان الاجور غير عادلة. هذا الامر يتفهمه ويتقبله رب العمل ولهذا السبب يتفادى تخفيض الاجور او تعيين شخص براتب اقل كثيرا من المتعارف عليه في الفرع الصناعي المعني.

غير ان هذا التفسير البسيط واجه معارضة شديدة، بحيث ان فيهر فشل في العثور على مجلة علمية تقبل بنشر مقاله، على الرغم من انه ارسل المقال الى الكثير من المجلات العلمية.

فيهر اشار الى ان الاقتصاد سيعاني كثيرا اذا كان الاخرون غير سعداء لكونهم يحصلون على اجور يعتقدون انها اقل من الاجور العادلة. غير انه عند بناء موديل لكيفية عمل السوق فأن العدالة ليست عامل يمكن أخذه بعين الاعتبار. تحقيق الحد الاقصى من الفائد للفرد، كقاعدة على شكل نقود محسوسة في المحفظة، تتلائم أكثر مع القواعد الاقتصادية الغير مكتوبة، حسب فيهر.

غير ان فيهر لم يستسلم لرأي المجلات والاوساط الاقتصادية. لقد بدأ في دراسة احاسيس الانسان لمفهوم العدالة في تجارب مختلفة حدودها تقع بين الاقتصاد والبسيكولوجيا والعلوم العصبية، ليصبح مؤسس حقل الاقتصاد العصبي، (neuroekonomi).

في واحدة من اخر تجاربه قام بأعطاء الهرمون الذكري التيستوستيرون الى النساء المشاركات في التجربة واللواتي يقع على عاتقهن تقديم عرض تقسيم المال في تحدي "اللعبة الاخيرة". (F&F 2/2012).
العديد من التجارب على الفئران والجرذان وحيوانات اخرى اظهرت ان هرمون التيستوستيرون يجعل الحيوانات عدائية، بحيث ان ذلك أدى الى نشوء اعتقادات شعبية ان التيستسيرون يجعل الانسان محب لنفسه وفاقد الاحساس بالاحرين.
غير ان تجارب لعبة التحدي اظهرت ان اللواتي جرى حقنهن بالهرمون الذكري كانوا اكثر طراوة وسخاء من اللواتي جرى حقنهن بمحلول سكري. في ذات الوقت، نجد أن النساء اللواتي جرى اخبارهن انهن حصلوا على حقنة الهرمون الذكري، كانوا أكثر تشددا بغض النظر عما إذا كانوا فعلا حصلوا على الهرمون أم لا.
لهذه الاسباب نجد ان فريق البحث استنتج ان التأثير البيلوجي للهرمون الذكري هو تحفيز سعي الصعود في الهرم الاجتماعي. بالنسبة للانسان يمكن لهذه الاستراتيجية ان تعطي افضلية في تقليل من مخاطر الاحباط في العلاقة مع الاخرين.

في العلاقات الاجتماعية الانسان يملك افضليات كثيرة. بالمقارنة مع الحيوان نحن نسبقهم في فن التعاون بمجموعات كبيرة بدون ان نملك روابط قرابة مع الاخرين.
يقول فيهر:" بالفعل يوجد بشر انانيين في غالبية افعالهم ، يمارسون العمل الجماعي فقط عندما يكونوا مجبرين. غير ان الخطأ الاكبر مع نظريات الاقتصاد الكلاسيكي انه ينطلق من ضرورة اجبار الجميع. هذا الامر لايعكس الواقع".
كمثال على ذلك يمكن اخذ المُدعي العام في ايطاليا الذي اتخذ موقف ضد المافيا على الرغم من انه يجازف هو وعائلته بالموت. كان في امكانهم اتخاذ موقف اخر. الامر نفسه نجده في الشخص الصيني الذي وقف امام الدبابات في ساحة الزرقاء في بكين في ربيع عام 1989.
هؤلاء نجد تصرفاتهم غيرية، ولو تمكنوا من النجاح لجلب ذلك الخير الى للجميع وليس فقط لنفسه.

المجتمعات الحديثة تقاد من مؤسسات تقدم افضلية للتعاون مثل المحاكم وجهاز الشرطة والقوانين والقواعد التي تجبر المواطنين على تنفيذ ماتعاهدوا عليه. غير ان هذه المؤسسات ابداعات حديثة في تاريخ البشرية. بمعنى اخر فأن القسم الاكبر من رد الفعل البشري لازال يعتمد على الغيرية التي يعود تاريخها الى فجر البشرية. ولهذا السبب فأن الاقتصاد الحديث يضع نفسه في مأزق.
يقول:" إذا انطلقنا من ضرورة اجبار الجميع على ان يكونوا غير انانيين سيكون من الصعب تفسير الاسباب التي أدت الى ظهور المؤسسات.
لماذا سيعير الاناني اهتماما ببناء مؤسسات جيدة؟".

يبدو ان فيهر لايثيره ان الكثير من الييلوجيين يرون ان الانسان، الذي في الظاهر يتصرف تصرفات غير انانية في الواقع يقدم افضليات لنفسه او لاقربائه، مثلا من خلال بناء سمعة طيبة يمكن استغلالها في المستقبل.
يقول فيهر:" البرهان الاخير على عدم الانانية نأتي به من الحروب حيث الجندي يقذف بنفسه فوق الرمانة عوضا عن الهروب، وبذلك يحمي اصدقائه من الموت. مثل هذا الامر قد حدث فعلا. ان الذي يضحي بحياته بالتأكيد لامستقبل له، وبالتالي فالفعل لايمكن ان يقدم اية افضلية لاحقة".

افعال غير انانية بتطرف اقل جرى رؤيتها في المختبر. في احد الاختبارات كان بإمكان المشاركين معاقبة من ينتقل بالباص مجانا على حساب المساهمين الاخرين في مشروع تعاوني مشترك. مقابل كل وحدة نقدية يدفعها المساهم الراغب بتطبيق العدالة يدفع الاناني مقابلها ثلاثة وحدات.
هذه الامكانية يستغلها المشاركون بطيبة خاطر من اجل معاقبة المنتهك على الرغم من انهم لايرونه وانما يرون نتائج اعماله على شكل ارقام ورموز على شاشة الكمبيوتر، وحتى اذا كان الامر متعلق بصفقة واحدة لن يكون بعدها لهم معه اية علاقة. بذلك نرى ان الانسان على استعداد للدفع من اجل تطبيق العدالة على الرغم من ان ذلك يتضمن خسارة مباشرة له ايضا.
هذه الرغبة تختلف من شخص الى اخر. من فترة قصيرة اكتشف فريق البحث ان الشخص الذي يسعى اكثر للدفع، من اجل تطبيق العدالة ومعاقبة الاناني، يملك نشاطا اقل في يمين الفص الجبهوي بالمقارنة مع الاخرين.

مع الوقت اصبح بيهر اكثر اهتماما لرؤية كيفية تأثير نشاط الدماغ على القرارات الاقتصادية. لقد تمكن من البرهنة على ان بخة ،في الانف، من هرمون oxytocin, يجعل الانسان اكثر مصداقية في الاعمال التجارية مع الاخرين الغير معروفين لهم. كما عثر على أن فعاليات فيزيائية في الدماغ تتغير عندما يقوم المرء بكسر وعد قطعه على نفسه.
يقول فيهر:" اني أحلم ان اقوم بوضع موديل للنشاطات الدماغية تعكس توقعات السلوك والتفرد والحالة الاجتماعية خلال الخمس سنوات القادمة".

يرفض فيهر اعتبار نفسه اشتراكي انطلاقا من ان الاشتراكيين يعتقدون بقدرة كبيرة للدولة، الى حد غير واقعي، في اقامة النظام الاجتماعي العادل. " غير انه نحتاج الى دولة الازدهار الاجتماعي حيث الجميع يملك ضمان صحي. أن قسم من السكان لايملك ضمان صحي في الولايات المتحدة أمر لايمكن القبول به" يقول فيهر.

يعتقد فيهر ان البحث العلمي قادر على تغيير العالم، لهذا السبب انشأ شركة استشارية لمساعدة الشركات والمؤسسات في اخذ حس العدالة في عين الاعتبار. احدى الدول العربية ( التي رفض ذكر اسمها) كانت من بين زبائنه، إذ يرغبون في تغيير القيم في جهاز الشرطة. ومن بين زبائنه يوجد زعماء دينيين. في مؤتمر مع البوذيين جرى مناقشة فيما إذا كان للغيرية دور في المنظومة الاقتصادية.
يقول فيهر:" بعد الازمة الاقتصادية العالمية اصبح الكثيرون يعتقدون ان العالم يدار كليا من قبل الجشعين والطماعين، في حين ان الامر ليس كذلك. من المهم التذكر انه يوجد ايضا الغيرية في العائلة وفي مكان العمل وبين الاصدقاء وفي المنظمات. وبدون ذلك سيكون العالم مكان سئ للغاية."

مصادر:
Forskning och framsteg, nr3, 2011, p.41