علـم النفـس والدماغ
 
 
2012/01/10


 دماغ البسيكوباتي والقيم الاخلاقية


الوجه الاخر للبسيكوبات
البسيكوبات يملك وجها طيبا واخر سيئاً
خلف وجه بشوش ومتعاون يسعى المضطرب عقليا الى إرضاء رغباته الخاصة بدون ان يعير اي اهتمام للنتائج المترتبة على ذلك او للقواعد الاجتماعية الاساسية في العلاقة مع الاخرين. ويمكن القول انه حوالي واحد بالمئة من السكان يملك ضمير وتعاطف منخفض بحيث انهم قد يحصلون من الطبيب على تشخيص بسيكوبات"، (تقريبا تعني: مضطرب عقلي مزمن).

بعد ممارساتهم الفظيعة الخالية من اي اعتبار للاخرين، يدافعون عن انفسهم غالبا، من خلال القاء اللوم على الضحية او بطريقة تعكس عدم احساسهم بأي مسؤولية. وحتى عندما يكون البسيكوبات في ظاهره، فاقد لكل نوع من انواع التعاطف، لايبدو عليه (او عليها) بوضوح انه لايفهم مايترتب على افعاله او انه واعي الى انه سبب الالم للضحية.

الكثير من الدلائل تشير الى ان البسيكوبات يستطيع قراءة مشاعر الاخرين او التفريق بين الصح والخطأ ولكنه يستخدم هذه المعرفة فكريا ونظريا بدون ان يكون لديه احساس فيها.

في تجربة حقلية من عام 2010 استنتجت الباحثة Maaike Cima من جامعة ماستريخت ،هولندا، ان البسيكوبات بالفعل يستطيع التفريق بين الصح والخطأ ولكنه لايشعر بأي معنى لذلك. الباحثة تضع ثلاثة مجموعات امام ثلة من المعضلات الاخلاقية ، التي إما كانت ذو طبيعة احساسية شعورية او مادية. اشخاص التجربة عبارة عن مجموعتين من سجناء محكومين بجرائم القتل والعنف والاغتصاب، وفقط مجموعة واحدة منهم حاصلة على تشخيص بسيكوبات، في حين ان المجموعة الثالثة كانت من اشخاص معافاة وبدون خلفية جنائية.

عائشة الافغانية
عائشة الافغانية قطع زوجها انفها واذنها
بدون تأنيب ضمير
النتائج اظهرت ان هناك فروقات صغيرة للغاية في مفاهيم افراد المجموعات الثلاثة عن القيم الاخلاقية. تماما مثل البقية كان البسيكوبات يوافقون، بشكل عام، على انه اخلاقيا مشجوب بشكل اكبر عمل شئ يؤدي الى تعريض الاخرين الى انتهاكات واضرار نفسية بالمقارنة مع عمل شئ يؤدي الى اضرار مادية.

البسيكوبات رفضوا بشدة الامتناع عن نقل شخص مصاب الى المستشفى، لمجرد ان الدم سيوسخ السيارة ولكنهم، بالمقارنة مع المجموعتين الاخريين، كانوا اكثر قبولا للتضحية بشخص واحد لانقاذ مجموعة من الناس، مثلا خنق طفل من اجل ان لايكشف للاعداء مكان الجنود المختبئين.

بمعنى ان البسيكوبات واعيين تماما انهم يتعدون على قاعدة اجتماعية ويفعلون شئ يستحق الشجب، ولكن ذلك لايؤثر عليهم بنفس القدر الذي يؤثر على الاخرين ولا يسبب لهم تأنيب ضمير. هذا الامر حث بقية الباحثين على النظر في دماغ البسيكوبات من اجل معرفة آلية عمله ورؤية طريقة ردود الافعال في الظروف التي تسبب انطلاق مشاعر قوية لدى الاشخاص العاديين.

Carla Harenski, نشرت عام 2010 نتائج احدى دراستها ، وفيها البسيكوبات والغير بسيكوبات من السجناء جرى تصوير نشاط دماغهم خلال تطلعهم على صور ذات طبيعة اخلاقية من مختلف المستويات. الصور كانت منقسمة الى ثلاث اقسام ، حيث المجموعة الاولى من الصور كانت صادمة اخلاقيا. مجموعة اخرى من الصور كانت ايضا صادمة ولكنها خالية من الطيف الاخلاقي، في حين ان المجموعة الثالثة كانت حيادية.

في ذات الوقت الذي ينظر فيه اشخاص التجربة الى الصور يقومون بتقييمها واعطاءها درجة المعضلة الاخلاقية التي تقدمها. نتائج التجربة اظهرت، كسابقتها، ان المساجين البسيكوبات لايملكون قيم اخلاقية تختلف عن زملائهم من بقية المساجين. ولكن عند دراسة نتائج تصوير نشاطات الدماغ اثناء تقدير الصور وجد العلماء اختلافات واضحة.

صورة لموقف اخلاقي صادم
هل هذا الفعل اخلاقي ام لا؟
عند الغير بسيكوبات من السجناء تنشط موقعين صغيرين في القشرة الدماغية بسبب النظر الى الصور الصادمة اخلاقيا في حين ان نشاط هذه المناطق اختفى عند النظر الى بقية الصور. عند الاشخاص البسيكوبات لم يظهر اي اختلاف على الاطلاق اثناء النظر الى مجموعات الصور الثلاث. في المنطقة الدماغية المسماة anterior temporal cortex, ATC, الواقع في الفص الصدغي انبعث نشاط عالي متساوي خلال رؤية الانواع الثلاثة من الصور، من قبل البسيكوبات، في حين ان هذه المناطق تنشطت عند الاشخاص العاديين فقط عند رؤية الصور الصادمة اخلاقيا، في حين جميع الصور لم تنشط المنطقة المسماة ventromediala prefrontala cotex, VPC, في الفص الجبهوي.

والباحثون يعتبرون ان المنطقة VPC مسؤولة عن معالجة الخوف والقدرة على اتخاذ القرارات الخطيرة. ان تكون الصور التي تتضمن مواقف اخلاقية صادمة لم تنشط في هذه المنطقة في دماغ الاشخاص البسيكوبات يمكن ان يكون جزء من التفسير على عدم امتناعهم عن القيام بعمل مشجوب، وحتى على الرغم من علمهم انهم يسببون الخوف ومشاعر ضارة اخرى لدى الضحية.
تفسير مشابه يمكن اعطاءه لظاهرة النشاط في الفص الصدغي، إذ يجري وصف المنطقة كنوع من جرس الانذار ينطلق عند تجاوز حد اخلاقي. عند الغير مضطربين عقليا ينطلق التحذير فقط عند الصور الصادمة اخلاقيا في حين عند البسيكابات على الدوام منطلق ولهذا السبب لايحذر، عندما يتجاوزون الحدود فعلا.

وحتى النشاطات في المنطقتان الاخريتان كانتا مختلفتان لدى كلا المجموعتان. عندما رأى اشخاص التجربة الصور الذين قاموا بتقديرها على انها صادمة اخلاقيا ، انخفض النشاط الدماغي بالتسلسل عند البسيكوبات في قسم اخر من الفص الصدغي الايمن، في حين عند الغير بسيكوبات ازداد النشاط في الاميغدالا في النصف الايمن من الدماغ. الاميغدالا تشارك في معايشات المشاعر مثلا الخوف، في حين ان منطقة الصدغ تشارك في القدرة التي تجعلنا نفهم ان الاخرين لديهم مفاهيم وتمنيات اخرى مختلفة عن مفاهيمنا كأشخاص. بذلك فإن البسيكوبات لايفهم مشاعر الخوف التي تنشأ عند الاخرين عندما يتجاوزون الحدود الاخلاقية.

الحمض لتشويه الوجوه
رفضت تزوجه فسكب عليها الحمض
خاصية نقص القدرة على المعايشة التي يتميز بها البسيكوبات جرى دراستها بشكل خاص من قبل Simone Shamay-Tsoory, من جامعة حيفا في اسرائيل. عام 2011 قامت الباحثة بدراسة المساجين من البسيكوبات ولكنها لم تقم فقط بمقارنتهم بالاصحاء ولكن ايضا بالمرضى الذي تضرر اجزاء من دماغهم بسبب الحوادث.

التجربة اجتبرت قدرات المعايشة عند المشاركين بالتجربة والنتائج اظهرت ان البسيكوبات تمايزت كثيرا عن البقية الاصحاء في نقطة خاصة. لقد كانوا سيئين للغاية في ان يفهموا ويقارنوا مشاعر العديد من الاشخاص في وقت واحد. وعلى العكس كانوا اسوء قليلا او حتى افضل عندما يتعلق الامر بتنفيذ معايشات لاتحتاج الا الى التفكير المنطقي وليس الاحساسي.

استنتاج مثير اخر للباحثة الاسرائيلية ان البسيكوبات على الدوام يجيب بنفس الاجابات التي يجيب بها المصاب في منطقة الفص الجبهوي المسماة orbitofrontala cortex, OFC. هذه المنطقة تلعب دورا رئيسيا في اتخاذ القرارات التي تمس المشاعر وامكانية التفاعل لصالح الذات ، وتضرر هذه المنطقة ينشأ عنه سلوكية مميزة لأصحابها.

الاخصائييون يعلمون ان منطقة OFC تعمل مباشرة مع مراكز اخرى في الدماغ وهي مراكز مساهمة مباشرة في معالجة المشاعر. مثلا مركز الاميجدالا والذي حسب ابحاث Carla Harenski يتوقف عن العمل بشكل طبيعي عند البسيكوبات. وإذا علمنا ان الاميجدالا ضرورة من اجل فك شيفرة مشاعر الاخرين وان منطقة OFC تستخدم هذه المعلومات من اجل تقرير رد فعل مناسب ، فمن المعقول إعتبار ان اي ضرر في اي مركز من هذه المراكز سيترتب عليها ممارسات مميزة ضمن مواصفات البسيكوبات.

هذه النظرية حضت خبراء اخريين على اختبار دماغ البسكوبات بطرق جديدة. عوضا عن البحث عن مناطق دماغية تعمل بشكل غير طبيعي بحث الخبراء عن مناطق دماغية سيل المعلومات اليها ومنها يجري بطريقة غير طبيعية.

في دراستين من عام 2009 و 2011 قام الباحث ميتشيل غرايغ Michael Craig, وزملائه من كوليدج الملكية في لندن بإختبار طرق الاتصال في الدماغ عند البسيكوبات، من المحكومين بالقتل والاغتصاب المتكرر. الدراسة الاولى اظهرت انه بالذات قناة الاتصال بين OFC والاميجدالا كانت ضعيفة بصورة ملحوظة عند البسيكوبات بالمقارنة مع الاصحاء. على الاخص الارتباط مع النصف الايمن من الدماغ، الامر الذي يتطابق مع معرفتنا المسبقة ان مثل هذا التضرر في الاتصال بين الميجدالا والنصف الايمن هو الذي يؤدي الى البسيكوباتية. وعند مقارنة البسيكوبات مع بعضهم البعض ظهر انه كلما زادت الاتصالات سوء بين الميجدالا و OFC، كلما ظهرت مظاهر البسيكوبات اكثر وضوحا واعمق.

الدراسة الثانية اظهرت ان في دماغ البسيكوبات يوجد ضمور عام في المادة البيضاء التي تربط بين OFC والاميجدالا ومركز البصر في الدماغ. ودراسات اخرى تشير الى انه في حال تضرر الاتصال بين هذه المراكز يفقد الشخص المصاب القدرة على فهم الانطباعات البصرية التي تعبر عن المشاعر. هنا تدخل الوجوه التي يظهر عليها الخوف او الالم او الاسى او طلب الرحمة او الدهشة والقرف والاحتقار. من هنا نستنتج انه وحتى إذا كان ضمور خط الاتصال ليس كبيرا إلا انه جزء من تفسير اسباب الانحراف.

وعلى الرغم من ان الدراسات المشار اليها، تقدم تفسيرا جيدا لاسباب عدم قدرة البسيكوبات على فهم مشاعر الاخرين الا انها لاتفسر بشكل مباشر لماذا يقوم البسيكوبات غالبا بتنفيذ انتهاكات فاحشة. عندما يقوم اختصاصيي الاعصاب بتشخيص البسيكوبات يجرون ذلك من خلال طريقة تفصل بين خاصتين رئيسيتين (عليتين) مميزتين. الاولى تسمى احيانا "تسليط الذعر" ومن خصائص هذه الشخصية نقص القدرة على فهم مشاعر الاخرين وانعدام الشعور بالذنب والقدرة على الكذب والرغبة بالتسلط. والثانية توصف "بالاندفاع المرضي واللااجتماعي" ومظاهرها تتوجه نحو الاخرين بالاندفاع العدائي للتتدخل في حياتهم الشخصية وفقدان السيطرة على الذات وعدم القدرة على الانتظار وعدم الشعور بالمسؤولية واللامبالاة. اعضاء هذه المجموعة على الاخص غالبيتهم يملكون خصائص بسهولة يمكن ان تصل بهم الى ارتكاب الجنايات، والعديد من الاختبارات اظهرت ان غالبية البسيكوبات الجنائيين يملكون هذه الخصائص.

مركز المكافآة في الدماغ يدخل في مكوناته مايُعرف بإسم nuclus accumbens (NAss), وهذا بدوره يشارك بسلوكية الاندفاع المرضي. عندما NAss يفرز الدوبامين نشعر بالمتعة فيدفعنا الى طلب المزيد وبذلك يحرضنا على القيام بالعمل، لتصبح الدوبامين كالجزرة امام الحمار. إذا كان NAss نشيط للغاية سيحرضنا على القيام بأفعال مندفعة تسبق إمكانية الانصات الى صوت العقل القادم من مركز وزن القرارات. بهذا الشكل يلعب NAss دورا مركزيا في الادمان على المتعة، بجميع اشكاله. عام 2010 جرى نشر نتائج دراسة للباحث الامريكي Joshua Buckholtz تشير الى ان المركز الدماغي المشار اليه يبدو انه يشارك ايضا في تحفيز سلوك البسيكوبات الاندفاعي والجنائي. بل واكثر من ذلك، ظهر ان مقدار الاندفاع يتناسب طردا مع مقدار الدوبامين المنبعث في الدماغ، ليصبح بالامكان قياس مقدار اللاأجتماعية والاندفاعية عند كل شخص على حدى. وعلى العموم فالشخص البسيكوبات ينطلق عنده كمية اكبر من الدوبامين بالمقارنة مع الشخص الطبيعي، ولذلك مُحفز على الدوام للبحث عن سلوكية تعطيه مكافأته.

اخطاء الخلق
البسيكوبات مسؤولية اخطاء الخالق
لهذه الاسباب يرى الخبراء ان اخطاء في عدة مراكز دماغية تساهم في خلق بسيكوبات لاتوجد لديه موانع طبيعية تعيقه عن القيام بأعمال جنائية. اخطاء الخلق في مركز او عدة مراكز دماغية او طرق الاتصال بينهم تضعف قدرة المعني على فك شيفرة التعابير الشعورية التي تنبعث عن الاخرين ، بحيث انه لايفهم ان اعماله العدائية تؤدي الى وضع الاخرين في مواقف صعبة. وحتى لو كان البسيكوبات قادر على الفهم النظري ان الاخر مرتعب ، لاتتحرك لديه اي تعاطف وانما على العكس تنبعث لديه الدوبامين تحفزه على تكرار التهديد والاستمرار فيه بل وحتى الوصول الى عمل جنائي.

وعلى الرغم من ان الاختصاصيين اصبحوا يفهمون الاسباب التي تقف خلف البسيكوبات الا انه لايوجد لديهم اي حل فعال، لا طبي ولا نفسي ولا جراحي. غير ان نتائج الدراسات الاخيرة تعطينا الامل بتطوير طريقة علاج فعال في المستقبل القريب.