الفيزياء والكون
 
 
2014/03/03

أفلاك الكواكب، هل تغيرت منذ النشوء؟


نشوء الكواكب
نشوء الكواكب
اليوم تدور جميع كواكب المجموعة الشمسية بنظام وبمدارات مستقرة حول الشمس، غير ان الامر لم يكن كذلك في الماضي. في فرضية جديدة، بناء على سيناريو جرى بناءه في قاعدة معلومات كمبيوترية، تظهر لنا تاريخ نشوء المجموعة الشمسية بصورة مختلفة دراماتيكا. هذه الصورة الجديدة تحصل على مصداقيتها من كونها تقدم لنا اجوبة على ظواهر لازالت بدون اجابات ومنها مثلا اسباب طول أفلاك الكواكب الغازية ومصدر ماء الارض وغرابة حجم المريخ.

اليوم نرى ان النظام يسود في المجموعة الشمسية. ثمانية كواكب وبضعة اجسام كونية أصغر تدور حول الشمس. في الافلاك الداخلية تدور الكواكب الحجرية الاربعة (ميركوريس، فينوس، الارض ومارس) في حين ان الافلاك الخارجة تحتوي على الكواكب الغازية الاربعة العملاقة (جوبيتر، ساتورنوس اورانوس ونبتون). بين الكواكب الداخلية يدور كتل من النيازك في الحزام النيزكي في حين نجد حزام كويبر، مجموعة من النيازك والشهب وكواكب قزمية، على الحدود الخارجية للمجموعة الشمسية.

على مدى 300 سنة كان العلماء يعتقدون ان المجموعة الشمسية نشأت عندما انهارت سحابة كونية وبدأت بالدوران حول نفسها. عام 1734 وصف الفيلسوف السويدي امانويل سويدينبيرغ كيفية نشوء الشمس والكواكب من السحابة وفيما بعد، في القرن السابع عشر، طور العالمان ايمانوييل كانت وبيره سيمون لابلاس هذا الموديل. اعتمادا على نظرية الجاذبية لنيوتن توصلوا الى أن مكونات السحابة الغازية توزعت بشكل غير منتظم، في نقاط كان التركيز أكبر من بقية المساحات، وفيها توحدت الذرات الحارة مع بعضها وأصبحت تنمو أكبر. وقصد كانت ولابلاس ان الكواكب ظهرت في اماكنها التي هي عليه الان.

وفي الكتب المدرسية لازال وصف نشوء الكواكب بذات الشكل، مما يستدعي أعادة النظر فيها، إذ وحتى لو أن الكواكب نشأت عن اتحاد غبار السحابة الكونية الا ان الامر كأن أكثر ديناميكية مما نعتقد.
في عام 2005 اراد الفلكي الايطالي Alessandro Morbidelli, العامل في المرصد الفلكي كوته د ازور الواقع في منطقة نيس، اراد اماطة اللثام عن الاسباب وراء وجود عدد هائل من الفوهات على سطح القمر، وبالتحديد عن اسباب ازدياد عدد النيازك الهاطلة على سطح القمر بعد 600 مليون سنة من نشوء الكواكب.

تمكن العلماء من وضع موديل قادر على تفسير اسباب ظهور مرحلة من الفوضى في البدايات المبكرة. على مدى نصف مليار سنة كانت الكواكب الضخمة الاربعة في فلك منسجم مع بعضها ، غير انهم تأثروا بقوى قادمة من حزام كويبر من اقاصي حدود المجموعة الشمسية اجبرتهم على تغيير اماكن افلاكهم.

الكوكبين الغازيين اورانوس ونبتينوس اصبح لهما مساران طويلان بحيث أن طريقهما دخل داخل حزام كوبير مما أدى الى بعثرة الاجسام الكونية هناك وقذف قسم منها الى داحل المجموعة الشمسية. تسبب ذلك في فوضى في حزام النيازك الداخلي بين مارس وجوبيتر. لذلك بدأت النيازك والشهب تهطل على القمر وبقية الكواكب الداخلية بما فيهم الارض. غير أن 3,9 مليار سنة ازالت اثار القسم الاكبر من الاحداث.

الكواكب ومحور دورانها
محور حركة الكواكب حول نفسها
هذه الفرضية اطلق عليها (Nice Model). معطيات معقدة جرى تلقيمها للكمبيوتر لتظهر صورة حركة الكواكب منذ النشوء، ومجمل الاحداث تعطي تفسيرا منطقيا لغالبية الاسئلة. من هذه الاسئلة موضوع اسباب صغر حزام كوبير بالمقارنة مع بنى مماثلة في مجموعات شمسية اخرى ولماذا تملك الكواكب الغازية عددا كبيرا من الاقمار.
في السنوات الاخيرة عثر العلماء على أكثر من مئة قمر صغير تحوم في افلاك بعيدة للغاية حول الكواكب العملاقة، غالبا عكس دوران الكواكب حول محورها. هذه الاقمار الغير منتظمة اصبحت اقمارا بالذات بسبب توسع افلاك العملاقين الى الحدود الخارجية للمجموعة الشمسية.
وإضافة الى ذلك يوضح الموديل كيفية تموضع السحابة الكروية Oort cloud على الحدود السحيقة للمجموعة الشمسية، وهي المنطقة التي تأتي منها غالبية الشهب. ان الاجوبة التي يقدمها الموديل وتتطابقها مع الواقع جعل الموديل مقبولا من غالبية العلماء.

غير ان ليس جميع الاسئلة حصلت على اجوبتها، اذ بعضها لازال يحصل على اجابات غير مستقرة. مثلا لازال من غير المعلوم المكان الذي ولد فيه نبتونوس واورونوس وفيما إذا تبادل هذان الكوكبان اماكنهما في خضم الفوضى التي نشأت قبل 4 مليارات سنة.

عام 2011 جرى توسيع موديل نايس بفرضية جديدة تسمى Grand Tack, بما يعني تقريبا " التغييرات الكبرى". حسب هذه الفرضية هاجرت اكبر كواكب المجموعة الشمسية (جوبيتر وساتورنوس) مبكرا في تاريخ المجموعة الشمسية الى داخل المجموعة في اتجاه الشمس، قبل ان يغيروا اتجاهاتهم ويعاودوا المسير الى فلك في الطرف الخارجي للمجموعة. بعد تحولات دراماتيكية انتهى بهم المطاف الى الافلاك الحالية.

الترسيم الكمبيوتري أظهر ان حركة الكواكب الى داخل وخارج المجموعة أمر طبيعي للغاية. كوكب غازي هائل ومولود حديثا يتأثر بسرعة بالسحابة الغازية وبفضل ذلك يندفع الى الداخل نحو الشمس. جوبيتر نمى بسرعة هائلة على مدى بضعة ملايين من السنوات بفضل وقوعه في مكان ملائم. مع ساتورنوس اقترب الكوكبان، على مدى 100 الف عام، من الشمس، في ذات الوقت كانت الكواكب الحجرية لازالت في بداياتها. جوبتير قام بضغط مكونات الكواكب الحجرية ليتركهم في حزام من مواد بنائهم الاولية. في وسط الحزام كانت تركيز المواد الاعلى ولذلك، بين الكوكبين فينوس والارض، كان النمو الاكبر بالمقارنة مع الاطراف.

من الاسئلة التي اجاب عليها الترسيم الكمبيوتري هو أسباب صغر كوكب المريخ بالمقارنة مع الارض، حيث ان الارض اثقل من المريخ بتسعة مرات وتملك ضعف حجمه. المنطق يشير الى ان الكواكب التي تتشكل في وسط صفيحة السحابة الكونية يجب ان تكون الاكبر في حين ان كواكب الاطراف ستكون الاصغر. غير ان واقع المجموعة الشمسية اليوم لايعكس ذلك إذا كانت اماكن الكواكب الحالية هي نفسها الاماكن التي نشأت فيها منذ الولادة. ولكن، لو ظهر أن الكواكب الداخلية قد نشأت من حلقة سحابية صغيرة عندها سيصح الامر وسيصبح السؤال كيف انضغطت المكونات الصغيرة في هذه السحابة الداخلية؟.
حسب الموديل الكمبيوتري يظهر لنا ان الكوكب جوبيتر هاجر، في البدايات المبكرة، في اتجاه مركز المجموعة وسبب وجوده هناك تجمع وتركز حزام من المادة الاولية، ليخلق السحابة الفرعية من المواد الاولية. في ذلك الوقت كانت الكواكب الداخلية لم تنشأ بعد، ولكن الظروف الجديدة اطلقت اسباب بدأ تشكلهم بوجود جوبيتر قربهم وتحت تأثيره، عدا كوكب المريخ الذي كان خارج الحزام.

ومن الاسئلة الاخرى التي يجيب الموديل عليها سؤال غاية في الاهمية وتحديدا المصدر الذي جاء منه الماء الى الارض. نشأت الارض في بقعة جافة من المجموعة الشمسية وماكان يجب ان يكون فيها ماء. غير ان هجرت الكواكب الغازية مبتعدة عن الشمس ادى الى نشر مواد بناء الكواكب الحجرية في في اجواء المجوعة الشمسية وقسم منها اصبح حجر البناء للكواكب الداخلية. والحسابات تشير الى ان مابين 1-2% من حجم الارض جاء من نيازك وشهب من الحافة الخارجية للمجموعة الشمسية والتي تحتوي ع لى الماء. هذا الامر يفسر مصدر وحجم كمية الماء على الارض.
في البدايات كان حزام من الكريات الصخرية في المدارات الداخلية في حين توجد كريات جليدية في المدارات الخارجية. بدخول الكواكب الغازية العملاقة الى الحزام الداخلي بعثرت الحزام الصخري وقذفته في اتجاه الطرف الخارجي. عند عودة الكواكب نحو الخارج من جديد قذفت قسم من الكرات الصلجية والصخرية على السواء الى الداخل.

الفوهات الهائلة على سطح القمر نشأت في فترة المطر النيزكي الذي حدث قبل اربعة مليارات سنة. ذلك بسبب ان التوازن اختل بعد ان اصبحت مدارات اورانوس ونبتونوس واسعة للغاية تصل الى اعماق حزام كوبير. بسبب ذلك انقذفت الكتل في مختلف الانحاء وقسم كبير منها سقط على الكواكب الصخرية. وهذا التغيير في مدار الكواكب العملاقة بسبب اختلال التوازن ادى الى ان مجارات الكواكب العملاقة تصبح اهليجية وليس دائرية كما يفترض بها ان تكون.