الفيزياء والكون
 
 


 من اين جاءت كواكب المجموعة الشمسية


النظرية التي كانت سائدة سابقا عن طريقة تشكل ونشوء مجموعتنا الشمسية تقول ان الكواكب قد تشكلت من السحابة الكونية ذاتها التي تشكلت منها الشمس، جيث نشأت الشمس اولا في الوسط، وبعدها اندمجت بقايا الاحجار والمادة لتكون الكواكب. ولكن دراسة فرنسية جديدة ادت الى ارجحة هذه النظرية. النتائج الاولية لهذه الدراسات تظهر ان الكواكب الكبيرة بعد المريخ لايمكن ان يكونوا قد نشؤا من نفس المادة التي نشأت منها الشمس والكواكب الداخلية.

نحن نعلم ان الشمس تستهلك كل يوم حوالي 100 مليار طن من الطاقة، وهو حساب للمادة التي تتحول الى طاقة في المفاعل الشمسي الهائل. هذه الانفجارات المستمرة تطلق رياح شمسية الى الكون بسرعة تصل الى حوالي 800 كيلومتر في الثانية. الرياح الشمسية قادرة على تعطيل الاقمار الاصطناعية التي تدور حول الارض، والعواصف المغناطيسية التي تنشأ قادرة على اغلاق خطوط اتصالات الانترنيت على الارض.

الشمس التي تصل درجة حرارتها الداخلية الى مافوق 15 مليون درجة مئوية وتصل درجة الحرارة على سطحها الى 5 ملايين درجة مئوية، يصعب للغاية دراستها. ولكن العلماء متفقين على ان الشمس ولدت من التحام السحابة الونية قبل 4،5 مليار سنة، وقادرة على تفسير مصدر واسباب ظهور المجموعة الشمسية، بما فيه كوكب الارض.

في اوغسطس من عام 2001 ارسلت ناسا قمرا اصطناعيا جينيسيس Genesis, من اجل ان يبحث عن المزيد من المعلومات. القمر الصناعي قضى 800 يوما قرب الشمس، في ظروف غاية في الصعوبة، في سعيه لجمع مادة الدراسة. اولى نتائج هذه الدراسة جاءت من المختبر الفرنسي فاندويفره ليس نانسي. في هذا المختبر جرت دراسة الآزوت الذي تم جلبه من مدارات قريبة للشمس وجرت مقارنته بالازوت الموجود على الارض. لقد ظهر انه نفس الازوت الموجود على الارض وعلى بقية الكواكب الداخلية. من كوكب جوبيتر والى مابعده يختلف الازوت هناك عن الازوت الشمسي.

هذه النتائج تتناقض والنظرية التي تقول ان جميع الكواكب في مجموعتنا الشمسية ذو اصل واحد.. حسب هذه النظرية نشأت المجموعة الشمسية بكاملها من سحابة كونية واحدة، كانت تدور حول شمسنا في طفولتها الاولى والتحمت ذراتها لتشكل الكواكب.

والان يتساؤل العلماء، هل كانت هناك سحابة كونية اخرى انجذبت من منطقة اخرى وشكلت الكواكب الخارجية ام ان هناك عامل كيميائي اخر لعب دورا في ذلك، ولازال مجهول لنا؟

أن نقوم بدراسة عينات صغيرة نستخدمها من اجل ان نستخرج استنتاجات عن اجسام كبيرة بمستوى الكواكب، طريقة تملك العديد من المشاكل. رئيس احد مراكز الابحاث الفرنسية البروفيسور Bernard Marty, يشبه الوضع بأنه مثل دراسة كيف تُقلى البيضة خلال بضعة ايام من اجل استخراج استنتاج حول كيف كان شكلها عندما خرجت من مؤخرة الدجاجة. من اجل ان يتمكن مختبر البروفيسور مارتي ان ينضم الى مجموعة ناسا للابحاث الفضائية كان مضطرا الى توسيع اهتمامات المختبر عام 1997، ليضم الكيمياء الكونية ايضا، ولهذا السبب تم الاستحصال على جهاز لتحليل المادة على المستوى الذري. هذا الجهاز قادر على التفريق بين الايسوتوب لجميع المواذ الاساسية مهما كان مستوى تركيزها وبدقة عالية. (الايسوتوب هو عدد النيترونات في الذرة. المواد الاساسية تصنف حسب عدد بروتوناتها، في حين يمكن ان تملك ذرات مختلفة من مادة واحدة اعداد مختلفة من النيترونات يساعد كدليل على تشخيصها).

هذا الجهاز نجح في تحقيق انجازين كبيرين، الاول في دراسة آثار الرياح الشمسية على احجار القمر التي جُلبت الى الارض في خلال برنامج ابوللو، الثاني في دراسة عن الغازات الكريمة التي جمعها القمر الصناعي ستاردوست Stardust, من محيط الشهاب Wild-2, عام 2006.

عندما حصل المختبر الفرنسي على الموافقة للعمل مع ناسا قرر القيام بدراسة النماذج التي سيجلبها Genesis وبالذات القيام بتحليل الازوت ونوعيته. الازوت هو المادة الشائعة الثالثة في الكون وتشكل 80% من محتويات الهواء. تماما كأغلبية بقية المواد الاساسية يملك الازوت عدة انواع من الايسوتوب. من خلال تحليل مكونات ذرة الازوت ومقارنتها مع ذرات آزوت مجلوبة من اجسام كونية اخرى يمكن استخلاض درجة قرابتهم مع بعض، تقريبا كما يحدث عند مقارنة DNA, لتحديد القرابة عند الاحياء. ولم يبقى الان الا انتظار النماذج للتحليل.

القمر الصناعي Genesis تم ارساله الى الفضاء عام 2001 ووضع في مدار حول الشمس وعلى بعد 1،5 مليون كيلومتر عنها، وهي نقطة تكون فيها قوى الجاذبية للارض والشمس متعادلة. من تاريخ 3 ديسمبر عام 2001 الى تاريخ 1 ابريل عام 2004 قام القمر الصناعي بجمع جزيئات منطلقة من الشمس.

مهمة القمر الصناعي جرت حسب ماهو مخطط لها الى حين لحظة الهبوط على الارض، حيث فشلت المظلات التي عليها كبح سرعة السقوط، بالانفتاح. طائرات الهيليكوبتر التي كان عليهما احضار القمر الصناعي اصبحوا شهود على اصطدامه بالارض بسرعة 160 كيلومتر في الساعة. الحاوية تحطمت ومحتوياتها مست جو الارض، مما افقدها قيمتها العلمية. آمال العلماء تحطمت إضافة الى التكلفة التي وصلت الى 300 مليون دولار.

على الرغم ذلك تمكن مهندسيي مركز يوهانسون للفضاء الاوقع في هوستين من إنتقاء والتقاط بعض النماذج الغير متضررة وتوجهت الى المختبرات لاستخلاص طريقة لإنقاذ النماذج واخضاعهم للدراسة. هذه النمذج ارسلت الى العديد من المختبرات بما فيه المختبر الفرنسي. لقد احتاج المعهد الى سنتين من العمل للوصول الى طريقة تضمن استبعاد اي تلوث حاصل.

من خلال استخدم الليزر إضافة الى masspektrograf, ، تمكن المختبر الفرنسي من تحييد التلوث وتحليل العينات وجعلها صالحة من جديد، من حلال العثور على الاماكن الثخينة في العينة بحيث ان الموضع يسمح بإزالة الطبقة العليا الملوثة لإتصالها مع جو الارض بدون إحداث ضرر للطبقة اللاحقة. الابعاد الصغيرة للعملية سبب الكثير من العراقيل، إذ ان الامر تعلق بإزاحة طبقة تصل سماكتها الى جزئين من المليون جزئ من الميللميتر، إضافة الى ان ذلك حدث في منطقة مفرغة من الهواء.

بعد النجاح في تنظيف العينات قام العلماء بنحليلها ليظهر ان الازوت يتطابق مع الازوت الموجود في الكواكب الداخلية. هذا الامر جعل الباحثين يستنتجون بثقة ان الارض والمريخ والزهرة وكوكب الميركوريوس لهم نشؤا من نفس مصدر نشوء الشمس، في حين ان الكواكب الخارجية (جوبيتر، ساتورنوس، اورانوس و نيبتون) يملكون نوع اخر من الازوت.

هذا يعني ان اعضاء مجموعتنا الشمسية لهم مصادر مختلفة، وبالتالي فالنظرية السابقة عن المصدر الواحد غير صحيحة. كيف حدث ذلك؟ العالم بيرنارد مارتي يضع فرضيتين محتملتين لتفسير هذا الامر: اما ان المجموعة الشمسية تشكلت من سحابتين كونيتين مختلفتين، وإما تحت تأثير عملية إشعاعية، لازالت مجهولة بالنسبة لنا، تغيرت تركيبة الازوت اثناء نشوء المجموعة الشمسية.

هذا الاكتشاف لايشير فقط الى قلة معلوماتنا عن اصل المجموعة الشمسية وانما يثير الانتباه الى اختلاف اخر في مجموعتنا الشمسية. بقية المجموعات الشمسة التي تمكنا من استقراءها تكون الكواكب الغازية الهائلة في مدار قريب الى الشمس التي يدورون حولها، في حين ان الامر على العكس في مجموعتنا الشمسية.



مصادر:
Genesis Mission's Hard Impact
masspektroskopi
Genesis
astrowebb
ناسا
2/2008 84-87