نظريات فلسفية
 
 
2014/03/03


معضلة علم الله في المنهج العقلي الاسلامي


وماتسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب و لايابس إلا في كتاب مبين" (الانعام، 59).
هذه الاية تقول ان الله يعلم كل شئ، غير انها تبيح القول أن هذا العلم في كتاب مبين، وليس في ذات الله. هذا الصراع يقدم لنا نموذجا على المنهج العقلي في التطبيق لسد الثغرات

مسألة علم الله وما يترتب على ذلك، بما يمس الزمان والمكان والازلية، اثارت صراعا فكريا، في عصور الازدهار الفكري بالطبع.
دعونا نتمعن في الاية التالية:
وإذا قضى أمرا فأنما يقول له كن فيكون ( البقرة، 114)
اثارت هذه الاية جوانب من معضلة تصور الله في العقل الاسلامي. ظاهرها يقول ان الشئ لم يكن حتى قال الله له كن فكان. لاحظوا أن " كن" تأتي بصيغة الامر، فلمن كان الامر موجها اذا كان الشئ لازال لاشئ قبل ان يصدر اليه الامر بالكينونة؟ وإذا كان شئ فلماذا سيقول له كن وهو كائن؟ عالج الطبري هذا الاشكال بأنه "قرر" بأنه لم يكن يوجد زمان ليكون هناك مبرر للفصل بين لحظة الامر ولحظة الكينونة، فالفكرة والمشيئة والحدوث تطابقت في اللحظة نفسها.. ويحاول البعض التوضيح بالاستعانة بفيزياء الكم لافهامنا طريق الغاء المعضلة الزمنية بين الامر والوجود، بالقول ان الزمن كان افتراضي والخلق من اللاشئ ليس بينه وبين الحدوث زمن. غير ان هذا التفسير، الذي لايعكسه النص المقدس على الرغم من ان كاتبه الافضل، يقوم على خلط الامور بين " العلم بالشئ" قبل وجوده، وبين "حدوث" لحظة تطلب اصدار الامر للخلق، وإلا ماهو الفرق بين ماقبل الخلق ومابعدالخلق؟ بمعنى اخر متى قرر الله ان يخلق ماخلق، ثم نفذ ماقرر، فيكون عالما بما سيأتي قبل ان يأتي وبعد ان يأتي والفترة الذي سيبقى فيه الحدث فاعلا؟. ومهما كان الامر سيعني ذلك بالضرورة ليس فقط تواتر زمني بين ماقبل ومابعد وبين المشيئة واللامشيئة وانما ايضا اختلاف مباشر في حالة علم الله.

في القرآن وكمية كبيرة من الحديث توجد اوصاف هذا " الحدوث" بصورة مذهلة: "ماأصاب من مصيبة في الارض وفي أنفسكم الا في كتاب من قبل ان نبرأها". ( الحديد، 22) اي كل شئ مكتوب قبل خلق الانفس، وبالتالي هناك لحظة ماقبل ومابعد. بمعنى اخر هناك قرارات صادرة في لحظة ما.
وفي الحديث (72) يقول:" قدر الله مقادير الخلق قبل ان يخلق السموات والارض بخمسين الف سنة ، وعرشه على الماء" ( القدر للقريابي، ومجموع فتاوي ابن تيمية ص 136).
وفي حديث :" أول ماخلق الله القلم، فقال: اكتب. فقال: ماأكتب؟ فقال : أكتب مايكون الى يوم القيامة". (مجموع فتاوي ابن تيمية، ص 137)

المعتزلة والجهمية، فهموا المعضلة مبكرا، وفهموا قواعد اللعبة العقلية الغائية. لقد خرجوا من هذه المسألة بنفي الصفات بتاتا عن الله، على عكس السلفية وبدرجة أقل السنة والشيعة ( فقهاء المذاهب الاربعة اختلفت مع ابن تيمية بسبب ايمانه بالتجسيد).
المعتزلة والجهمية كانوا ينفون جميع الصفات فينفون إمكانية رؤية الله على الرغم من الاية التي تقول:" تحيتهم يوم يلقونه سلام" (الاحزاب، 44) وقوله:" وجوه يومئذ ناضرة. الى ربها ناظرة" ( القيامة، 22-23). ويقول:" يوم يكشف عن ساق فيدعون الى السجود فلايستطيعون" ( القلم، 42). وفيها قال ابن عباس: إذا خفي عليكم شئ في القرآن فأبتغوه في الشعر. فجعل ساق بمعنى الكرب وشدة لقول الشاعر: وقامت بنا الحرب على ساق.
ولكن الحديث يقول:" إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر ، لاتضامون في رؤيته" ( البخاري، 7434، 530). وابن القيم في الصواعق ان معنى الاية أن الله يكشف عن ساقه فيخرون له سجدا، إعتمادا على نص حديث الشفاعة الطويل (252/1-253) ومثل ذلك يقول ابن تيمية.

حسين مروة، في كتابه (النزعات المادية للتاريخ) يعرض علينا معالجة جهم لمعضلة علم الله، وضرورة الهروب من المعضلة بالقول ان علم الله حادث ومنفصل عن الله، على اعتبار ان علم الله هو صفة من الصفات، مثل اي صفة اخرى، والله منزه عن الصفات التي هي من سمات المخلوق. ولكنه لايستطيع نفي العلم عن الله لانه بذلك سيثبت له الجهل. لذلك يستخدم المنهج العقلي اللغوي للخروج من هذه المعضلة.
يقول جهم:" لو كان علم الله تعالى لم يزل ( اي موجود منذ الازل) لكان لايخلو عن أن يكون هو الله او غيره. فأن كان علم الله غير الله غير الله وهو لم يزل ( اي وهو ازلي) فهذا تشريك لله تعالى (اي جعل علم الله شريكا لله لانه يصبح هناك ازليان: الله وعلمه) وايجاب الازلية لغير الله، وهذا كفر، (ذلك يبدو برهان بالارهاب، فعدم الامكانية ليس لعدمها بذاته وانما من خلال التلويح بتهمة الكفر لقائلها). وأن كان هو الله فالله علم ( اي يصبح معنى الله العلم) وهذا الحاد. (ابن حزم، " الفصل في الملل والنحل"، ج12، ص127 ومايليها)

ويقول ابو الفتح محمد عبد الكريم الخراساني المشهور بلقب الشهرستاني أن جهم يثبت لله علوما حادثة لا في محل. ثم ينقل عن جهم انه يقول:" لايجوز ان يعلم الله الشئ قبل خلقه لانه لو علم ثم خلق أفبقى علمه على ماكان أم لم يبق؟ فأن بقى فهو جهل، فأن العلم بأن سيوجد (الشئ) غير العلم بأنه قد وجد. وأن لم يبقى فقد تغير.والمتغير مخلوق ليس بقديم". ويقول:" وإذا ثبت حدوث فليس يخلو: أما أن يحدث -اي علم الله - في ذاته تعالى، وذلك مايؤدي الى التغير في ذاته وان يكون ( الله) محلا للحوادث. وأما أن يحدث في محل فيكون المحل موضوفا به لا الباري تعالى فتعني انه لامحل له". ويشير الشهرستاني الى ان موقف جهم مثل موقف هشام بن الحكم. كما يشير الى ان جهم " اثبت علوما حادثة بعدد الموجودات المعلومات"، (الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، 79-80، ط القاهرة).

ويفسر لنا حسين مروة مقاصد جهم، فيقول:
ويقصد جهم ان علم الله بالشئ قبل وجود الشئ كان علما بما سيوجد اما بعد وجود الشئ فعلا فالعلم به حينئذ انه سيوجد مخالف للواقع، لان هذا الشئ لايصح الان ان يقال انه سيوجد بل ينبغي ان يكون العلم الصحيح علما بأنه وجد بالفعل. ولذلك يكون العلم الاول بعد خلق الشئ قد زال موضوعه فينبغي ان يزول هو ايضا ويحل محله موضوعه هو الشئ الذي " قد وجد" لا الشئ الذي سيوجد. وعلى هذا إذا بقي العلم الاول على حاله كان مخالفا للواقع، اي جهلا.
وإذا كان العلم الاول ، اي علم ماسيوجد ، قد تغير فصار علماً ب ماوجد فأن علم الله قد تغير.
ومادام علم الله قد تغير، فمعنى ذلك انه حصل له مايحصل لكل حادث غير ازلي، وهو التغيير، لان الازلي لايتغير. فيثبت ان علم الله غير قديم، اي غير ازلي.
وإذا كان المحل الذي يحدث فيه علم الله هو ذات الله نفسها، فأن ذلك يؤدي الى حدوث تغيير في ذات الله، لان ذاته كانت خالية من هذا العلم سابقا ثم انشغلت بهذا بعد حدوثه، فحصل فيها التغير اذن، وهو غير ممكن، لان الذات الالهية ازلية، والازلي لايحصل له التغيير مطلقا. وثانيا يؤدي الى القول حينئذ بأن الذات الالهية مكان للحوادث ، وهذا غير ممكن ايضا، لان الذي يكون محلا للحوادث يكون محدودا بالمكانية، والله غير محدود.
ومادام لايمكن القول ان علم الله لايحدث في ذات الله للسببين المذكورين، فلابد من القول بانه يحدث في محل هو غير ذات الله.
وإذا قلنا ان علم الله يحدث في مكان فهذا المحل يصبح موصوفا بهذا العلم، اي يصبح هذا العلم صفة للمحل الذي حدث فيه، فيقال ان هذا المحل عالم مع ان العالم هو الله.
ومادام قد ظهر انه لايجوز ان يحدث علم الله في ذات الله ولا في محل معين غير ذات الله فقد انتهينا الى حتمية ان علم الله لامحل له.

ان جهم يقدم نموذج مذهل على المنهج العقلي في التطبيق، حيث يمكن تصميم جميع اجزاء الفكرة حسب الغائية المطلوبة، فيلغي او يضيف، بحيث يصل الى درجة القول بأمكانية وجود الحادث في غير مكان، لمجرد ضرورة عزله عن شخصية الله، في داخل تصوراتنا، من حيث ان الله ايضا في غير مكان، وكل ذلك حتى تتوافق عوامل القصة السردية وللخلاض من المعضلة المنطقية، التي نشأت لاحقا لعصر محمد، بعد استيعاب مفردات الفلسفة الاغريقية والشرقية. أن مثل هكذا منطق، حيث الحلول يمكن اخراجها من مصباح علاء الدين، لايعطي الامكانية للطعن بأي قصة من قصصه، فكل الادعاءات تأخذ مصداقيتها من الراوي ومدى سعة خياله. هذا بالذات العمود الفقري للمنهج العقلي).
الا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ( الملك، 14).

والغريب أن أهل السنة تقدس اليوم صحيح البخاري وتعتبره مصدر النصف الثاني من دينها، على الرغم من أن " أحمد بن حنبل " قد كفر البخاري عندما ذهب إلى تكفير من يقول بخلق القرآن، فأفتى قائلا: " والقرآن كلام الله ليس بمخلوق, فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر, ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل, ومن زعم أن تلفّظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوق والقرآن كلام الله فهو جهمي, ومن لم يكفر هؤلاء القوم والقائلين بخلق القرآن وكلام الله فهو مثلهم - كافر – " (راجع: كتاب السنة لأحمد بن حنبل, 3, 53 ) ، و المعروف أن البخاري قد خرج طريدا ً من نيسابور لأنه كان من القائلين بخلق القرآن ، وقد استتابه علماء نيسابور فلم يستتب ‘ وبهذا وبحسب مذهب اهل السنة وامامهم ابن حنبل تكون عقيدة البخاري فاسدة أيما فساد، فهل يكون " الصحيح" صحيحا وصاحبه فاسد العقيدة الى حد الكفر؟ .


علم الله في العقيدة الطحاوية