نظريات فلسفية
 
 


 بين الفيزياء والميتافيزياء



أين تكمن علَّة "التمدُّد الكوني"؟

إنَّها تكمن في "الكثافة العظمى" لِمَا يسمَّى "الذرَّة البدائية"، التي نشأ عنها الكون، فهذه هي التي تسبَّبت بتمدُّده السريع.

والكون، في طفولته، اجتاز مرحلة قصيرة مِنَ "التمدُّد الأسرع"، فتضخَّم وانتفخ حجمه، الذي كان أقل مِنْ حجم "البروتون"، ليبلغ، في "جزء صغير مِنَ الثانية"، حجم "كرة القدم".

ويُنْظَر إلى فرضية أو فكرة "التضخُّم" Inflation التي طوَّرها ألن غيث وأندري ليندا وبول ستاينهاردت على أنَّها التطور الأهم في التفكير الكوزمولوجي منذ اكتشاف أنَّ الكون، الذي وُلِدَ مِنْ "نقطة لا نهائية الكثافة" أو مِنَ "المفرد" Singularity في حالة تمدُّد، تسبَّب بها "الانفجار العظيم".

ومع تزايد تمدُّد الكون، برد أكثر الهيدروجين والهيليوم، فتكثَّفا أكثر، فظهرت، بالتالي، النجوم والمجرَّات. هذه "الكثافة العظمى" هي التي أنتجت تلك القوَّة المضادة لها، فكان "الانفجار العظيم" لهذه "الذرة البدائية"، فـ"التمدُّد الأسرع" للكون.

ويتضح مِنْ ذلك، أيضاً، أنَّ وجود عنصري الهيدروجين والهيليوم سبق وجود النجوم والمجرَّات، التي نشأت وتكوَّنت بفضل تكاثف هذين العنصرين.

كم مِنْ نوى ذرَّات الهيليوم تكوَّن (مِنَ البروتونات والنيوترونات) عند ولادة الكون مِنْ هذه الكرة الناريَّة ذات "الكثافة العظمى"؟ الحسابات أظهرت أنَّ نسبة الهيليوم المُنْتَج في "الانفجار العظيم" تُحدِّدَها درجة حرارة هذه الكرة الناريَّة، فالحرارة الكونية كانت في الثانية الأولى بَعْدَ "لحظة الخَلْق" 10 مليار درجة، ثمَّ مليار درجة بَعْدَ 100 ثانية، ثمَّ 170 مليون درجة بَعْدَ ساعة واحدة. وعلى سبيل المقارنة، نشير إلى أنَّ حرارة قلب الشمس تبلغ، الآن، نحو 15 مليون درجة.

معظم مادة الهيليوم في الكون أُنْتِج بَعْدَ ثلاث دقائق مِنَ "الانفجار الكبير"، أي بعدما بلغت برودة الكون الحد الكافي لإنتاج نوى هذا الغاز. بَعْدَ ذلك، وفي بواطن النجوم، أُنْتِج نحو 1 أو 2% مِنْ غاز الهيليوم.

الـ "Big Bang" هو آلية خَلْق الكون مِنْ "لا شيء" كما يزعمون. وهنالك مِنَ الكوزمولوجيين مَنْ يعتقد بأنَّ أكواناً عديدة (وليس كوننا فحسب) يمكن أنْ تُخْلَقَ مِنْ "لا شيء Nothing"، عبر "Big Bang" خاص بها، لتختفي مِنَ الوجود سريعاً، أي لتعود إلى الـ "Nothing"، عبر "انسحاق كبير" Big Crunch.

وفي زعمهم، أيضاً، أنَّ هذه العملية مِنَ الخَلْقِ والفناء تَحْدُث، دائماً، ومِنْ دون أنْ يكون هناك خرق لقانون حفظ المادة. وكل كون مِنْ هذه الأكوان (أو غالبيتها) إنَّما يتألَّف مِنْ بحر مِنَ الإلكترونات Electrons والنيوترينات Neutrinos والفوتونات Photons. كم عدد الأكوان "الميتة"؟ جوابهم :"العدد لا نهائي"!

الـ "فَوْفضائي" Hyperspace

الفلسفة المثالية، تُقرُّ بوجود "عالمين منفصلين انفصالاً مطلقاً"، هما "الطبيعة"، أو "العالم المادي"، و"العالم اللا مادي"، أو "عالم ما وراء (ما فوق) الطبيعة".Hyperphysical وبما يشبه هذا التصوُّر الفلسفي المثالي، تحدَّث كوزمولوجيون عن فضاء غير فضائنا، يتَّسم بطابع "ميتافيزيقي" أسموه "Hyperspace".

وهذا الفضاء "فَوْق الفضائي (فَوْفضائي)"، أو "وراء الفضائي"، أو الـ "لا فضائي"، ليس بجزء مِنْ كوننا، فهو لا يقع على "سطح البالون الكوني"، الذي فيه، أو عليه، فحسب، يقع كوننا، بمجرَّاته وفضائه..

إنَّهم يقولون بأنْ ليس للكون مِنْ "مركز" مشابه لمركز الكرة الأرضية، وبأنَّ "سطح الكون"، أو "سطح البالون الكوني"، لا يمكن أنْ يشتمل على "مركز" الكون، فهل يجوز، بَعْدَ ذلك، القول بوجود مركز للكون؟ عن هذا السؤال "الفيزيائي" يجيبون إجابة "ميتافيزيقية" ولكن بـ "لغة فيزيائية"!

في هذه الإجابة يقولون إنَّ "مركز" الكون يقع في "فضاء" يسمُّونه "Hyperspace". هذا "الفضاء" (الميتافيزيقي) يقع بعيداً عن "سطح البالون الكون"، أي عن كوننا. وبناءً على ذلك، يُوْجَد "مركز" للكون، ولكنَّه لا يُوْجَد، ولا يمكن أنْ يُوْجَد، بحسب وجهة نظرهم، في كوننا، الذي له ثلاثة أبعاد مكانية!

الكون إنَّما يتمدَّد "في" هذا "الفضاء (الخرافي)" غير الموجود في كوننا، والذي يسمُّونه "Hyperspace" ويعتبرونه "البُعْد (المكاني) الرابع"، غير المرئي أو غير المنظور!

وهذا النوع مِنَ الفضاء يشمل، في رأيهم، كل فضاء يتألَّف مِنْ أكثر مِنْ ثلاثة أبعاد. وهُم يعتقدون أنَّ "المكان ـ الزمان" Space – Time في مرحلة الطفولة مِنْ عُمْر الكون، كان مؤلَّفاً مِنْ عشرة أبعاد.

وهكذا نسجوا مِنْ ظاهرتي "تمدُّد الكون" و"انحناء الفضاء (أو المكان)" هذه الخرافة التي يلبسونها لبوساً فيزيائياً وكوزمولوجياً. وثمَّة كوزمولوجيون يقولون بكون له 4 أو 5 أبعاد أو 11 بُعْداً!

في مثال Analogy "نملة تعيش وتتحرَّك على سطح بالون، منقَّط، ينتفخ في استمرار"، لا يستطيع هذا الكائن الحيُّ (النملة) أنْ يرى الفضاء المحيط بالبالون، والذي فيه يكبر ويتمدَّد البالون، ولا الفضاء الذي في داخل البالون، والذي كلَّما انتفخ البالون أكثر كَبُرَ حجمه (أي حجم الفضاء في داخل البالون).

والنملة ذاتها لا تستطيع أنْ تتحرَّك (أنْ تنتقل مِنْ موضع إلى موضع) إلا على السطح مِنَ البالون، والذي بالنسبة إليها يُعدُّ الفضاء الوحيد الذي فيه تعيش وتتحرَّك، وكأنْ لا وجود (بالنسبة إليها) للفضاء المحيط بالبالون، وللفضاء الذي في داخله. هذا الفضاء وذاك إنَّما هما الـ "Hyperspace" بالنسبة إلى النملة، التي تفهم تمدُّد الفضاء على أنَّه اتِّساع المسافة بين نقطتين على سطح البالون نتيجة انتفاخه أكثر.

ليس لهذا الـ "Hyperspace" مِنْ وجودٍ بالنسبة إلى النملة، وإنْ كان موجوداً بالفعل، فالفضاء، الذي في مقدورها أنْ تتحرَّك وتنتقل فيه، هو وحده الموجود بالنسبة إليها. وهذا الفضاء هو السطح المؤلَّف مِنْ "بُعْدين اثنين" فحسب. أمَّا "البُعْد الثالث"، أو هذا الـ "Hyperspace"، فلا يقع في متناول إدراكها وفهمها.

الكون، بالنسبة إلى هذه النملة، لا وجود له إلا حيث في مقدورها أنْ ترى، أنْ تعيش وأنْ تتحرَّك وتنتقل، أي لا وجود له إلا على "سطح البالون" المؤلَّف مِنْ بُعْدين فقط.

إنَّها لا ترى ولا تُدرِك الفضاء المحيط بالبالون، أو الفضاء الذي في داخله، وليس في مقدورها أبداً الانتقال إلى هذا الفضاء أو ذاك، وكأنَّها في "أسْرٍ فيزيائي أبدي" على سطح البالون.

النملة في مقدورها أنْ تتحرَّك على "سطح البالون" في "خط مستقيم"، بالنسبة إليها فحسب وليس بالنسبة إلى "مراقِب خارجي"، وفي "خط منحنٍ". في مقدورها أنْ تتحرَّك في اتِّجاه "يمين ـ يسار"، أو في اتِّجاه "أمام ـ وراء"، ولكنْ لن يكون في مقدورها أبداً أنْ تتحرَّك في اتِّجاه "أعلى ـ أسفل".

نحن البشر، فحسب، ولكوننا نعيش ضمن "فضاء مِنْ ثلاثة أبعاد"، نستطيع أنْ نرى "كوْن النملة"، أي سطح البالون، على حقيقته الموضوعية، فهذا البالون "محدود" Finite (و"غير محدود" Infinite بالنسبة إلى النملة بسبب الشكل الكروي لسطحه) ويتمدَّد في "البُعْد الثالث"، كما أنَّ الـ "Big Bang" الخاص بـ "كون النملة" يقع في مركز البالون، أي في "البُعْد الثالث" أيضاً. ولنتذكَّر أنَّ "البُعْد المكاني الثالث" هو الذي يسمح لنا بأنْ نتحرَّك في اتِّجاه "أعلى ـ أسفل".

ونحن البشر مثل النملة، نعيش ونتحرَّك وننتقل ضمن كون يقع كله على "السطح" مِنَ "الكرة الكونية". وكوننا هذا يختلف عن "كون النملة" في كونه مؤلَّف مِنْ ثلاثة أبعاد وليس مِنْ بُعدين فحسب. ونحن مثل النملة ليس في مقدورنا أنْ نعيش ونتحرَّك وننتقل إلا ضمن كوننا الذي يقع كله على السطح مِنَ "الكرة الكونية" والمؤلَّف مِنْ ثلاثة أبعاد، فالـ "Hyperspace" الخاص بنا، والمفترَض، لا يمكننا أبداً إدراكه أو الانتقال إليه، وكأنَّ حاجزا يستحيل اختراقه يفصل بينه وبين كوننا، فالفضاء المحيط ببالوننا الكوني، والفضاء الذي يقع في داخله، أي حيث الـ "Big Bang" الخاص بكوننا، إنَّما يقعان، على افتراض أنَّهما موجودان بالفعل، حيث لا يمكننا أبداً إدراكهما أو الوصول والانتقال إليهما، فنحن البشر مع عقولنا ذات الأبعاد الثلاثة، في "أسْرٍ فيزيائي أبدي" على سطح بالوننا الكوني بأبعاده الثلاثة.

إنَّ الجواب عن سؤال "أين يقع الـ Big Bang؟" هو: "يقع في الـ Hyperspace"، أي أنَّه لا يقع على السطح مِنْ بالوننا الكوني، مهما صغر أو كبر حجم هذا البالون.

هذا الـ Hyperspace الخاص بكوننا إنَّما هو "البُعْد (المكاني) الرابع" الذي حَوْلَه ينحني ويتقوَّس كوننا المؤلَّف مِنْ ثلاثة أبعاد (طول وعرض وارتفاع). وهذا "البُعْد الرابع" إنَّما هو الفضاء في داخل بالوننا الكوني، أي الفضاء بين مركز هذا البالون وسطحه، والذي لا ينتمي إلى كوننا ولا يُعدُّ جزءاً منه؛ لأنَّ كوننا كله يقع على سطح البالون فحسب.

ونحن البشر نرتبط، بأدمغتنا وعيوننا وحركتنا.. بهذا السطح فحسب، فنحن، مع كوننا، لا نتبادل أي تأثير مع ذاك "البُعْد الرابع". إنَّنا لا نراه، ولا ندركه، ولا نتَّصل به، ولا نصل إليه. لا نُرْسِل إليه أي شيء، ولا نستقبل منه أي شيء.

في الكرة الأرضية يقع "البُعْد الثالث" بين مركزها وسطحها، الذي ينحني في اتِّجاه هذا البُعْد الثالث، أي حَوْلَه. وسطح الكرة الكونية المؤلَّف مِنْ ثلاثة أبعاد ينحني هو أيضاً، ولكن في اتِّجاه (أو حول) البُعْد الرابع، الذي يقع بين مركز الكرة الكونية وسطحها.

مركز الأرض لا يقع على سطحها وإنَّما في داخلها. إنَّكَ لن تشير إلى مركز الأرض عندما تشير بإصبعكَ شمالاً أو جنوباً، شرقاً أو غرباً. إنَّكَ تشير إليه عندما تشير بإصبعكَ إلى "أسفل" أو إلى "تحت".

أمَّا مركز الكون فيقع في "البُعْد الرابع"، الذي في اتِّجاهه (أو حَوْلَه) ينحني الكون. إنَّه يقع في الـ "Hyperspace". هذا يعني أنَّ مركز الكون لا يقع (لا يُوْجَد) في كوننا المؤلَّف مِنْ ثلاثة أبعاد مكانيَّة، والذي يُوْجَد كله على السطح مِنْ الكرة الكونية.

إنَّ كوننا في تمدُّد مستمر، فأين يُوْجْد مركز هذا التمدُّد؟ إنَّه لا يُوْجَد في كوننا، فأنتَ لا يمكنكَ أنْ تشير إليه عندما تشير بإصبعكَ شمالاً أو جنوباً، شرقاً أو غرباً، إلى أعلى أو إلى أسفل، فالكون إنَّما يتمدَّد في الـ" فَوْفضائي" Hyperspace أي في اتِّجاه (أو حَوْل) البُعْد الرابع، غير المرئي (غير الظاهر وغير المنظور). إنَّه يتمدَّد حَوْل "البُعْد المكاني الرابع"، الذي لا وجود له في كوننا. وإنَّه يتمدَّد، أيضاً، في فضاء لا وجود له في كوننا.

الـ "Hyperspace" ينبغي لنا فهمه على أنه شبيه بـ "البُعْد المكاني السِرِّي". وهناك مِنَ الكوزمولوجيين مَنْ يستعمل هذا المفهوم (Hyperspace ) في وصف الكون في مرحلة طفولته، ففي هذه المرحلة، وبحسب زعمهم، كان الـ "Space – Time" يتألَّف مِنْ 10 أبعاد. ولو كان البشر موجودون في تلك المرحلة لَمَا أدْركوا مِنْ أبعاده تلك غير ثلاثة (طول وعرض وسُمْك) هي التي يُدْرِكونها في كوننا الحالي.

على سطح بالوننا الكوني، نستطيع التحرُّك في "خط مستقيم"، بالنسبة إلينا فحسب وليس بالنسبة إلى "مراقِب خارجي"، وفي "خط منحنٍ". ونستطيع التحرُّك في الاتِّجاهات الآتية: "يمين ـ يسار"، "أمام ـ وراء"، "أعلى ـ أسفل". ونحن نستطيع التحرُّك في اتِّجاه "أعلى ـ أسفل"؛ لأنَّ سطح بالوننا الكوني مؤلَّف مِنْ ثلاثة أبعاد.

تصوُّر كوزمولوجي مضاد

لنتصوَّر "غشاء" بالوننا الكوني على أنَّه شيء يشبه "طبقة كثيفة متَّصلة مِنَ الغيم تتوسط الغلاف الجوَّي للكرة الأرضية". "تحت" هذه الطبقة و"فوقها" يُوْجَد هواء وبخار ماء كثافته أقلَّ كثيراً مِنْ بخار الماء (أو مِنْ قطرات الماء) التي تتألَّف منها طبقة الغيم تلك.

ولنتصوَّر أنَّ هذه الطبقة، التي هي في منزلة كوننا كله، والتي تنحني حول سطح الكرة الأرضية كله، تشتمل على مجرَّتين (متقابلتين) فحسب، هما: "المجرَّة ـ A" و"المجرَّة ـ B".

ولنتصوَّر أنَّنا نركب "طائرة"، تسير ضمن هذه الطبقة مِنَ الغيم، وأنَّ في مقدور هذه الطائرة أنْ تسير في سرعة عادية، وفي سرعة قريبة مِنْ سرعة الضوء، كما في مقدورها، أيضاً، أنْ تسير في "خط مستقيم"، وفي "خط منحنٍ"، وفي الاتِّجاهات كافة.

مهما كانت سرعة الطائرة، ومهما كان الاتِّجاه الذي تسير فيه، ومهما كان الزمان الذي تستغرقه رحلتها، فإنَّها لن ترى، دائماً، إلا إحدى المجرَّتين، ولن تصل إلا إلى إحدى المجرَّتين.

"المراقِب الخارجي"، أي الموجود خارج طبقة الغيم تلك، يرى الطائرة عاجزة عجزاً مطلقاً عن أنْ تخرج مِنْ طبقة الغيم أكان هذا الخروج في اتِّجاه "أعلى" أم في اتِّجاه "أسفل". هذا "المراقِب" يرى أنَّ هذه الطبقة "تتوسط" ما يشبه "الغلاف الجوي" للكرة الأرضية، ولكنَّه، في الوقت نفسه، يرى الطائرة عاجزة عن مغادرة "طبقة الغيم"، وكأنَّها تتحرَّك ضمن "سجن فضائي أبدي" لا مهرب منه، فالاتِّصال مقطوع بين كوننا في ذلك "الغشاء"، أو في تلك "الطبقة مِنَ الغيم"، وبين كل ما يقع ضمن "الفضاء في داخل البالون الكوني" وضمن "الفضاء الخارجي المحيط بهذا البالون"، فهذا الفضاء وذاك هما الـ "Hyperspace"، أي أنَّهما ليسا بجزء مِنْ كوننا، وقد يشتملان على أكوان عديدة، ولكنْ ليس في مقدورنا الاتِّصال بها إلا عبر "ظواهر كونية" ما زالت افتراضية مثل الـ "wormhole".

فَلْنَنْظُر، الآن، إلى الكون، أو إلى كوننا، على أنَّه "كُرَة" أو "بالون منتفخ"، ولنتصوَّر أنَّ كل ما في كوننا مِنْ مادة، مِنْ كتلة وطاقة وقوى، مِنْ مجرَّات ونجوم وكواكب.. ، يقع، فحسب، على سطح هذا البالون. وَلْنَنْظُر إلى هذا السطح على أنَّه "غشاء فضائي"، يضم "المادة" كلَّها، ويتَّسِع ويتمدَّد في استمرار، فتتَّسع، بالتالي، المسافة بين المجرَّات.

ولكنْ دعونا، في الوقت نفسه، نرى (أي نتخيَّل) فضاءً في داخل البالون، وفضاءً آخر محيط به، وكأنَّه يفصل بين كوننا وأكوان أخرى.

دعونا ننظر إلى "الغشاء الفضائي" على أنَّه "فضاء مُركَّز ومُكثَّف"، مقارنةً بـ "الفضاء الداخلي"، الذي ليس ثمَّة ما يمنع مِنْ أنْ ننظر إلى مركزه على أنَّه موضع تتركَّز فيه المادة أو الكتلة والطاقة تركُّزاً شديداً، ومقارنةً، أيضاً، بـ "الفضاء الخارجي"، الذي ليس ثمَّة ما يمنع، أيضاً، مِنْ أنْ نرى فيه أكوان أُخرى.

ودعونا ننظر إلى "الغشاء الفضائي" على أنَّه المجال الذي فيه، وبه، تُحبس (تُعتقل وتُسجن) المادة مِنْ مجرَّات ونجوم، مِنْ أجسام وجسيمات، فلا يُسمَح لها بالحركة (بالسيْر والانتقال) إلا فيه وضمنه.

ودعونا نرى، أي نتخيَّل، "ثغرات (منافذ، مداخل ومخارج)" في جدار هذا "السجن الفضائي"، تسمح بشيء مِنَ "التبادل المادي"، فيهرب جزء مِنَ المادة مِنْ هذا "السجن الفضائي" إلى "الفضاء الداخلي"، تارةً، وإلى "الفضاء الخارجي" طوراً، ويأتي إليه جزء مِنَ المادة مِنْ "داخل البالون" ومِنْ "خارجه" في الطريقة ذاتها. أمَّا إذا ضربنا صفحاً عن تلك "الثغرات" فَلْنَفْهَم هذا "التبادل المادي" على أنَّه مِنْ فعل قوى فيزيائية معيَّنة.

"الاتِّصال المادي" بين كوننا أو فضائنا وبين كلٍّ مِنَ "الفضاء في داخل البالون" و"الفضاء في خارجه والمحيط به" قد يكون ضعيفاً، ولكنَّ ضعفه لا يعني أنَّه معدوم الوجود.

هذا "الغشاء الفضائي" ليس بالمجال الذي تتساوى وتتماثل فيه "الجاذبية"، فبعضه تتركَّز وتتكثَّف وتشتدُّ فيه الجاذبية، وبعضه تتخلخل فيه الجاذبية وتضعف. حيث تتركَّز الجاذبية تُكرَه "الأجسام" على السير في خطوط منحنية. أمَّا حيث تضعف فيقلُّ الانحناء في هذه الخطوط، أي ترجح "كفَّة الاستقامة" فيها على "كفَّة الانحناء".

إنَّ الجسم المتحرِّك في الفضاء لا يمكنه الإفلات مِنَ الوقوع في مصيدة هذا المسار المنحني أو ذاك إلا بامتلاكه ما يكفي مِنَ "الطاقة الحركية". والجسم المتحرِّك في الفضاء إنَّما ينتقل مِنْ موضع إلى موضع وكأنَّه يسير فوق أسطح كروية فضائية متفاوتة الانحناء والتقوُّس، فهذا السطح الكروي الفضائي أكثر أو أقل انحناءً مِنْ ذاك.

المسارات في الفضاء ليست منحنية انحناءً مطلقاً، وليست مستقيمة استقامةً مطلقة، ففي المنحني منها شيء مِنَ الاستقامة، وفي المستقيم منها شيء مِنَ الانحناء، فهذان الضدَّان ("الانحناء" و"الاستقامة") متَّحدان اتِّحاداً عضوياً، تارةً ترجح كفَّة هذا وطوراً ترجح كفَّة ذاك. والسير في خط مستقيم هو السير في المسار الأقصر.

في الفضاء يمكننا السير في خط مستقيم، ولكن مِنْ غير أنْ ننسى أنَّ الخط المستقيم في الفضاء المنحني هو أيضاً منحني. بالنسبة إليكَ، أنتَ تسير في خط مستقيم، ولكن بالنسبة إلى مراقِب بعيد، أنتَ تسير في خطٍ منحنٍ، أو على سطح كروي. ونحن لو أمعنَّا النظر في الخط المنحني (والشديد الانحناء) لوجدنا شيئاً (أو قدراً) مِنَ "الاستقامة" في كل جزء مِنْ أجزائه. وكلَّما صَغُرَ هذا الجزء رأينا فيه استقامة أكثر.

مستقبل التمدُّد الكوني

كيف نعرف مستقبل "التمدُّد الكوني"؟ عن هذا السؤال يجيبون قائلين: المهمة سهلة مِنْ حيث المبدأ، فكل ما ينبغي لنا معرفته، حتى نعرف مستقبل "التمدُّد الكوني"، هو "مقدار كتلة الكون"!

هذه "الفرضية الخاطئة" هي التي قادتهم إلى النظر إلى الأمور في هذه الطريقة. لقد افترضوا أنَّ للكون، أي لـ "العالم المادي" برمَّته، "مقداراً محدوداً مِنَ الكتلة"، يمكن، عاجلاً أو آجلاً، التوصُّل إلى حسابه ومعرفته، فنعرف، بالتالي، هل سيستمر الكون في التمدُّد إلى الأبد، أم سيبلغ في تمدُّده حدَّاً أقصى يتوقَّف عنده إلى الأبد، أم سيتحوَّل تمدُّده، بعد أنْ يتوقَّف عند حدٍّ معيَّن، إلى انكماش.

هُم يقولون، في معرِض تأكيدهم لبساطة الحل لهذه المسألة، إنَّه يكفي أنْ نحسب مقدار كتلة النجوم والغاز والغبار في مجرَّة ما، وأنْ نضرب الرقم الذي حصلنا عليه بعدد مجرَّات الكون، حتى نتوصَّل إلى معرفة مقدار كتلة الكون.

حسناً، فليجيبوننا عن السؤالين الآتيين: كم عدد مجرَّات الكون؟ هل هذا العدد نهائي غير قابل، أبداً، للزيادة؟ لقد أخطأوا في "المقدِّمات"، فكيف يمكنهم التوصُّل إلى "استنتاجات صحيحة"؟!

ظاهرة "تمدُّد الكون" واستمراره في التمدُّد، وفي تمدُّدٍ متسارِع، أثارت لدى الكوزمولوجيين السؤال عمَّا إذا كان لهذا التمدُّد مِنْ نهاية. وقالوا، في محاولتهم التوصُّل إلى إجابة نهائية عن هذا السؤال، إنَّ كتلة الكون إذا كانت أقل مِنْ مقدار معيَّن فإنَّ الكون سيستمر في التمدُّد إلى الأبد.

ولكنْ، أمَا كان حريَّاً بهم أنْ يسألوا أنفسهم السؤال الآتي: هل كان ممكناً (فيزيائياً) أنْ يتمدَّد الكون هذا التمدُّد لو أنَّ كتلته أقل مِنْ ذلك المقدار؟ أعتقد أنَّها لو كانت أقل لَمَا تمدَّد الكون كما تمدَّد حتى الآن.

إنَّهم يتخيَّلون مستقبل تمدُّد الكون عَبْرَ هذا المثال الذي يوردون: إذا قذفتَ بحجر في الهواء فإنَّ هذا الحجر سيرتفع ليسقط، مِنْ ثمَّ، حتماً، إلا إذا قذفتَ به بقوَّة تجعله يتحرَّك، صعوداً، في سرعة تفوق "سرعة الهروب" مِنَ الجاذبية الأرضية.

هُم، في هذا المثال، إنَّما يفترضون أنَّ القوَّة الدافعة إلى التمدُّد الكوني ستظل متغلِّبة على قوَّة الجذب الكوني إذا كانت كتلة الكون، أو كثافته، أقل مِنْ مقدار معيَّن.

إنَّ الافتراض الذي كان ينبغي لهم أنْ يفترضوه هو أنَّ الكون في تمدُّده يشبه حجراً مقذوفاً لن يتمكَّن أبداً مِنَ الإفلات مِنْ جاذبية الأرض مهما ارتفع، فالقوَّة الدافعة إلى التمدُّد الكوني لا تدفع الكون إلى التمدُّد (عَبْرَ التغلُّب على الجاذبية الكونية) مِنْ دون أنْ تَخْلِق، في الوقت ذاته، عوامل الانكماش الكوني.

هل الكون "مفتوح (سيستمر في تمدُّده إلى الأبد)" أم "مغلق (سينكمش ويتقلَّص ثانية)" ؟ حتى الآن، لا جواب نهائياً حاسماً عن هذا السؤال الكبير الذي يثيره نموذج "الكون المتمدِّد". هذا الجواب لن يكون قَبْلَ معرفة "كثافة الكتلة" في الكون، التي يمكن حسابها أو تقديرها مِنْ خلال ضرب كتلة المجرَّة بعدد المجرَّات في الكون.

لقد أجرى علماء الفلك هذا الحساب، فوجدوا أنَّ هذه الكثافة لا تزيد عن 5 أو 10 في المئة ممَّا يسمُّونه "الكتلة الحرجة".

هذه الكثافة الضئيلة توصَّلوا إليها إذ حسبوا كتلة "المادة المضيئة" في الكون. ثمَّ افترضوا، مِنْ أجل رفع هذه النسبة، وجود مقدار هائل مِنَ "المادة المظلمة" Dark Matter في داخل كل "مجموعة مجرية"، وليس في داخل كل مجرَّة مرئية فحسب، فإذا كانت كتلة "المادة المضيئة" في المجرَّات هي كل كتلة الكون فإنَّ الكون يكون، في هذه الحال، مِنَ النمط "المفتوح".

وإلى أنْ يتوصَّلوا إلى فَهْمٍ مُرْضٍ لظاهرة "الكتلة المفقودة" Missing Mass هذه، ستظل معرفة مصير الكون (يتمدَّد إلى الأبد أم يشرع ينكمش ثانية) متعذرة.

في حسابهم، الذي توصَّلوا بفضله إلى تلك الكثافة الضئيلة، إنَّما استندوا إلى معطيات خاطئة فيزيائياً، ويعود خطؤها إلى تصوُّر كوزمولوجي وفلسفي خاطئ.. تصوُّر جعلهم ينظرون إلى الكون، أي إلى "العالم المادي" برمَّته، على أنَّه "محدود" في "الكتلة" و"المدى"، فنحن وإنْ تمكَّنا مِنْ معرفة متوسط مقدار "الكتلة" في "المجرَّة" فلن نتوصَّل، أبداً، إلى معرفة "العدد النهائي (أو التقريبي)" للمجرَّات في الكون، أي في كل "العالم المادي، فالكون "غير المحدود" إنَّما يستمدُّ جزءاً مِنْ معنى صفته هذه مِنْ أنَّ مجرَّاته لا عدَّ لها ولا حصر.

حتى تلك المجرَّات التي نراها، الآن، بفضل التلسكوبات المتطورة ولاسيَّما التلسكوب "هابل" ليست سوى جزء ضئيل مِنَ المجرَّات التي سنراها مستقبلا.

البحث عن "كثافة الكتلة" في الكون لا يصحُّ ولا يجوز إلا إذا عرفنا، أوَّلاً، "مقدار الكتلة" في الكون و"حجم الكون". هذان العاملان الأوَّليان لم نعرفهما، ولن نعرفهما أبداً؛ لأنَّ "المقدار" و"الحجم" مطلقان!

إنَّنا إذا ما سافرنا في الفضاء في أي اتِّجاه فإنَّنا لن نبلغ أبداً النهاية (أو الحافة) النسبية للكون مهما كانت هائلة المسافة التي قطعناها ونقطعها؛ ذلك لأنَّ تمدُّد الكون هو الوجه الآخر لتمدُّد الفضاء بين المجرَّات (إذا ما نَظَرْنا إلى "المجرَّة" على أنَّها شيء يشبه "الجزيء الكوني") فالمسافة التي نريد اجتيازها بين هذه المجرَّة وتلك لن تظل ثابتة، فهي ستتَّسع في استمرار. إنَّنا، في هذه الحال، كَمَنْ يحاوِلُ اجتياز طريق "متحرِّكة"، تزداد طولاً!

إنَّنا لن نعود أبداً إلى "نقطة الانطلاق"، التي هي ذاتها نهاية الرحلة الفضائية على سطح الكرة الكونية الضخمة، إلا إذا سِرْنا في سرعة تسمح لنا باجتياز "المحيط المتَّسع" لـ "الدائرة الكونية".

إذا كانت أبْعَد مجرَّة نراها، الآن، يبلغ عمرها مليار سنة (صبيَّة) فأين هي "الآن"؟ وهل مازالت على قيد الحياة؟ كل ما نعرفه، وما يمكننا معرفته، هو أنَّ الضوء، الذي غادر جسماً (مجرَّة مثلاً) بَعْدَ مليار سنة مِنَ "الانفجار العظيم"، ووصل إلى الأرض الآن، مجتازاً مسافة قدرها 14 مليار سنة، مثلاً، قد سافر قاطعاً هذه المسافة.

أين هي هذه المجرَّة الآن؟ ربَّما اختفت مِنَ الوجود.. ربَّما التهمها كون آخر مجاور لكوننا، ولِمَ لا؟!

إنَّ سؤال "هل كوننا مفتوح أم مغلق؟" لا مبرِّر له؛ ذلك لأنَّ كوننا، وحتى لا تَدْخُل استنتاجات نظرية "الانفجار العظيم" في نزاع منطقي مع مقدِّماتها، لا يمكن إلا أنْ يكون مغلقاً. لماذا؟ لأنَّ "الكون المغلق" هو وحده ما يفسِّر ويعلِّل وجود "الجسم البدائي"، الذي يقلُّ في حجمه عن حجم نواة الذرَّة، والذي منه جاء كوننا الحالي، بحسب نظرية "الانفجار الكبير"، فإذا كان هذا الجسم لم يأتِ مِنْ تقلُّص أو انكماش كوني سابق فمِنْ أين أتى؟!

كوننا الحالي، الذي هو في حالة تمدُّد مستمرٍ ومتسارِعٍ، لا بدَّ له مِنْ أنْ يبلغ في تمدُّده حدَّاً أقصى ليشرع، مِنْ ثمَّ، في التقلُّص والانكماش، وصولاً إلى "الجسم البدائي"، فـ "قوَّة الجاذبية الكونية" ستتغلَّب، في آخر المطاف، على "قوَّة التمدُّد الكوني"؛ لأنَّ مقدار كتلة الكون يسمح لها، أو سيسمح لها، بإحراز تلك الغلبة.

أمَّا سبب قول ذلك فيكمن في فرضية أنَّ كتلة كوننا ثابتة المقدار، لا تزيد ولا تنقص. وهذه الفرضية لا يستقيم منطقها إلا إذا ارتبطت عضوياً بفرضيَّة مِنْ فرضيتين: فرضية "أنَّ كوننا هو الكون الوحيد"، وفرضية "أنَّ كوننا يعجز عجزاً فيزيائياً مطلقاً عن تبادل المادة مع كون آخر أو مع أكوان أُخرى".

وغني عن البيان أنَّ "انهيار كوننا على ذاته"، بَعْدَ تحوُّل تمدُّده إلى تقلُّص، هو "النتيجة المنطقية" التي تقود إليها مقدِّمة "كتلة الكون الثابتة المقدار" فمِنْ أين تأتي "الزيادة" في الكتلة الكونية، والى أين يذهب "النقص"، إذا ما قلنا بفكرة "وحدانية الكون"، أو بفكرة "انعدام التبادل المادي بين كوننا وبين كون آخر أو أكوان أُخرى"، وإذا ما ظللنا على اعتقادنا بقانون "حفظ المادة"؟!

إنَّ مَنْ فسَّر نشوء الكون بانفجار "الجسم البدائي" لن يظلَّ واقفاً على ارض الفيزياء والعِلْم إلا إذا قال، في الوقت نفسه، بنظرية "الكون المغلق"!




مصادر: