نظريات فلسفية
 
 


 نقد الحجة الكونية واشكالية العلة والمعلول

القسم الرابع، الفصل الثالث

 نقد الحجة الكونية The cosmolgical argument ( أو اشكالية العلة و المعلول )


هذه الحجة تكاد تكون الحجة الأكثر قوة و اقناعاً لدى المؤمنين إلا أنها تحوي الكثير من الضعف وهي مفضوحة جداً حسب تعبير جوليان باجيني ...

تقول هذه الحجة : أن في الكون يوجد لكل شيء سبب ومسبب وعلة ومعلول وطالما هو الكون هكذا فلابد من وجود علة للكون لأن الكون لا يمكن أن يكون علة ذاته , يجب وجود علة له سابقة عليه وهي علة قد سببت هذا الكون وخلقته وأحسن المشرحين لهذا المنصب هو الله .

منطق هذه الحجة يشبه بالضبط أحد مبادئ المنطق العقلي وهو قانون السببية ( لكل حادثة سبب )
السببية ما زالت موجودة في العلم الحديث ولكنها تغيرت بشكل جذري لأنها أخذت منحاً جديداً من حيث أنها سببية تربط بين الحواث من خلال القوانين العامة .. هذه سببية منطقية أما سببية الدينيين سببية خرافية ....
إن الترابط بين السبب والمسبب في السببية العلمية المنطقية هو ترابط يعتمد على القانون
أما السببية الدينية كما قلنا في مثال شخص مات بحادث سيارة بسبب حسابات شخصية بين الله وهذا الإنسان هذه سببية لا أصل لها من الصحة بل مضحكة في كثير من الأحيان ..

وهذا الطرح الجديد نجده عند أنيشتاين في قوله " ان الانسان المقتنع تماماً بالعملية الشاملة لقانون السببية لا يمكن ان يفكر للحظة واحدة بفكرة وجود خالق الذي يتدخل في سياق او مجرى الاحداث بشرط انه يأخذ طبعاً فرضية السببية بشكل جدي تماماً , ان الكائن الذي يكافئ ويعاقب سيصبح غير مقنع بالنسبة للانسان لسبب بسيط هو ان نشاطات الانسان تنبع من الحاجة والضرورة الداخلية والخارجية ولهذا فهو الانسان غير مسؤول عنها كعدم مسؤوية اي جماد تمر من تحته حركة معنية ) - أنيشتاين والقضايا الفلسفية لفيزياء القرن العشرين -

يقول باجيني أيضاً في كتابه :

" لكن التجربة لا تعلمنا إلى عن الحادثات في الكون كما توجد فعلاً والخبرة الصامتة عما حدث قبل أن يوجد الكون أو في النقطة التي ظهر فيها إلى الوجود وهكذا على الرغم من أن الخبرة تعلمنا بأن لكل حادثة في داخل الكون علة لا تخبرنا ولا تستطيع إخبارنا أن الكون بمجموعه لابد أن تكون له علة "

عندما تحدثت لكم في الشق الأول من موضوعي بأن المنطق العقلي ضعيف لأن النتائج تلزم ضرورياً عن مقدمات بشكل صارم ... هذا ضعف بالمنطق العقلي
على سبيل المثال ولنأخذ الحجة الكونية ذاتها :

لكل حادثة لها مسبب ( علة لها ) - مقدمة أولى -
الكون حادثة - مقدمة ثانية -
إذاً الكون له علة - نتيجة -

هل رأيتم كيف المنطق العقلي يجبر المقدمات بنتائج بطريقة صارمة ... وأصلاً النتيجة متضمنة في المقدمات فهو لم يأتي بشيء جديد في نتائجه إذاًَ ..


ولندخل أكثر في صلب الحجة الكونية أو العلة و المعلول :

إذا كان لكل شيء علة و ومعلول بحسب المنطق العقلي وبما أن الكون له علة وهنا المرشح لهذا المنصب - الله - حينها نطبق منطق الحجة على العلة المسببة للكون ذاتها ... أي : من هو الذي سبب وجود العلة الموجدة للكون , وهنا دخلة بدائرة طويلة من الموجودات اللادليل على وجودها أصلاً , تقول لي الإله أوجد الكون فهو علة الوجود , أقول لك و ما علة وجود هذا الإله .... ؟؟


واعتراضات أخرى على الحجة ذاتها :

عندما نتكلم أن المنطق الكون ( القوانين المتغيرة التي تحكم أحداث الكون وعلائقه ) والمفاهيم العلمية ( الزمان و المكان والكم والكيف و السببية والصدفة والضرورة )
والحقائق الموجودة في الواقع ... كلها ولدت مع لحظة الانفجار أي أن الحقئاق موجود في الوجود في الكون ذاته , هذا يعني أن قبل لحظة الانفجار لم يكن هناك وعي ولا روح ولا معرفة ولا حقيقة ولا شيء ... ولا يوجد ما يؤكد وجود وعي أو ذات عارفة ( الله ) قبل لحظة الانفجار ...
عند لحظة الانفجار ولد الزمان والمكان واحداثيات الكون وكل شيء ....
ثم لو اعتبرنا بأن الله خارج اطار الزمان والمكان ( أي يعتبرونه المؤمنين : الجوهر المفارق للوجود )
و أيضاً لا يخضع للقوانين الكونية ولكن كيف يتدخل بالكون ؟؟
أي كيف يتدخل في ايطار سير الكون ؟؟؟ عندما سيتدخل في ايطار سير الكون سيدخل بالمنطق العلمي للكون
( السبب والمسبب والعلة والمعلول والزمان والمكان .... ) وبهذا يصبح كائناً يفنى ويولد أي أنه لا يصبح الوجود الحق المطلق أو يصبح مادة كأي مادة في الوجود !!

منهم من يعتبر بأن الله يتدخل بالوجود من دون أن يتأثر بقوانين الوجود ولكن شبهها لي أحد أصدقائي عندما كنا نتحدث في الموضوع ... بأنه لو صح ذلك .. لكان الله كما الشخص الذي يضع يده من الخارج في برميل ماء ويلعب بالسمكات ) البشر ) ولكنه عندما يضع يده في الماء تتأثر يده وتبتل وبهذا مستحيل أن يؤثر الله في الوجود من دون أن يتأثر .

إضافة كملحق:

يرى هيوم ( 1878 - 1958 ) أنّ غليان الماء ليس ناتج عن ارتفاع في درجة حرارة الماءبشكل موضوعي أي بشكل قانون مستقل بل يرى أنّه هناك مجرد سلسلة من الظواهر مرتبطة مع بعضها سابق ولا حق يفهمها العقل هكذا ... ولا يفهما العقل إذاً على أنها قانون بين الشيء والظاهرة.
ولكن اليس ارتباط سلسلة الظواهر هو الذي يسمى قانون؟

صحيح ولكن المثاليين الذاتيين يعتقدون كما أشرت أنا في موضوعي الأصلي أنها مجرد تسلسل أحداث لا تحمل طابع القوانين أي أن العقل يفهم غليان الماء على أنه مجرد تسلسل ظواهر مُدركة في العقل وليس ترابط بين الظاهر بشكل مستقل عن الوعي وارتفاع في درجة حرارة الماء بشكل قانون مستقل
لاحظ معي لو سمحت ما يقوله أينشتاين فهو يفصل تماماً بين النظرة المادية والمثالية الذاتية :

(( ان الفيزياء هي محاولة للسيطرة مفاهيمياً على الواقع كما هو وبشكل مستقل عن كونه مراقباً )) أينشتاين و القضايا الفلسفية لفيزياء القرن العشرين , ص 19

(( الايمان بوجود عالم خارجي مستقل عن الذات المدركة هو اساس علم الطبيعة .. ان الادراك الحسي يعطي فقط معلومات عن هذا العالم الخارجي ))

أينشتاين و القضايا الفلسفية لفيزياء القرن العشرين , ص 19

هذا الكلام لا يؤمن به المثالي الذاتي فهو يعتقد أنه الوجود يتمحور حول ما يدركه عقله فقط ولذلك ينطلق من ذاتيته ...
إنه ينطلق إذاً من ذاتيته أي من إدراك ذاتي للظواهر فهو لا يعتبر أنها موجودة بعيداً عن ادراكه فهو لا يقر بموضوعيتها المستقلة عن الوعي بمعنى أنه يعتقد المثالي الذاتي أنّ لا وجود للعالم الخارجي إلا من خلال إدراكه الذاتي لهذا لهذا العالم ( الوجود )
مع أنّه في الحقيقة غليان الماء سلسلة من الظواهر مرتبطة مع بعضها هذا صحيح
ولكنّ هل هذا الإرتباط يفهمه العقل على أنه مجرد ترابط تسلسلي يعتمد على الإدراك البشري فقط أم ترابط تسلسلي بين الظاهر مستقل عن الإدراك البشري أي موجود سوار أدركه العقل البشري أم لم يدركه
ينتج لدينا عند المثاليين الذاتيين أن النشاط المعرفي عند الإنسان مرهون بالإدراك الذاتي
وكل ما يجري في العالم هو وليد أحاسيس الإنسان ( النزعة : الأناوحدية )
إذاً المثالية الذاتية تربط بين الذات ( الإدراك البشري ) والموضوع ( العالم الخارجي )
على أنهما في وحدة لا انفصام لها .. إن العالم بحسب المثالية الذاتية لا يعكس إلا انفعالات الذات العارفة وأفعالها الذهنية والعملية
وبالمقارنة مع الفلسفة المادية :

صحيح أنّ النشاط المعرفي ينطلق من الذات الإنسانية ولكن الفلسفة المادية تقول أنه ليست الظواهر ترجع إلى الإدراك الذاتي البشري بل إلى قوانين تحكم العالم بشكل موضوعي , الذات البشرية فقط تكتشف هذه القوانين ... فقط تنقل معلومات ...
لأن الوعي يعكس العالم الخارجي فقط ... العالم الخارجي مستقل عن كون وعينا يراقب هذا العالم



مصادر: