علـم الاجتمـاع
 
 
2012/11/15


 ضريح الولي، والميت كلب


في شبابي كنت اسمع رواية شائعة، لاادرى مدى الحقيقة فيها، كنت اعتبرها نكتة، كانت تتحدث عن شخصين مسافرين مع حمارهم. في الطريق يموت الحمار فيدفناه معا ويذهب كل منهما في طريقه. في السنة التالية جاء احدهم ماراً من المكان نفسه فشاهد ضريح وعليه اعلام، فدخل اليه ليجد صاحبه القديم جالسا وهو يضع لفة على رأسه، وقد اصبح راعيا الحضرة، ويأتيه الزوار بالتبرعات والاضاحي. عندما طلب منه تقاسم التبرعات رفض صاحبه وهدده انه سيجلب على نفسه انتقام الولي. فأجابه:" تقصد الحمار الذي دفناه سوياً"؟".
وعند بحثي في غوغول مستخدما كلمة " ضريح حمار" ظهرت لي العديد من القصص الجديدة في هذا الشأن. غير ان قصة مماثلة ، حقيقية، موجودة في التراث المسيحي الاوروبي. والفرق بين قصصنا وقصصهم هو الفرق بين الماضي والحاضر.

فترة طويلة بقيت الكنيسة ترسل دعاتها في انحاء اوروبا، لمحاربة بقايا الاديان والاعتقادات والتقاليد القديمة. كان الرهبان الدومينيكان والفرنسيسكان يلعبون دور يشابه دور " هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر" الوهابية وأتباع الحسبة والدعاة في العصر الراهن. كانوا ذراع الكنيسة الكاثوليكية. حوالي عام 1231 أوكل اليهم البابا غرغيوريوس التاسع مهمة " التفتيش". كان من واجبهم التجول والتأكد فيما إذا كان الفلاحون مسيحين جيدين ام انهم يمارسون الخرافات وامور تتعلق بعقائد قديمة.

Sankt Guinefort
Sankt Guinefort
الراهب الدومينكاني Êtienne of Bourbon من ضمن المكلفين بالتفتيش ، لم يصدق أذنيه وهو يسمع المرأة العجوز تروي بأيمان كامل عن المعجزات التي كانت تجري في الغابة خارج قرية فرنسية تسمى Villars-les-Dombes. الكثير من النساء كانوا ينصتون للرواية ويؤكدون ان الامهات كن يرافقن ابناءهن المرضى الى حد خطير، وعند الوصول الى الحرش كانوا يعقدون قطعة قماش من ملابس الطفل على شجرة من الشجيرات. أما إذا تركن الطفل هناك ايضا، وعُدن اليه بعد بضعة ايام، فأنه سيشفى بمعجزة، بفضل سانت غوينيفورت (Sankt Guinefort), حيث كان ضريحها منتصب هناك.

هذه القديسة كانت مجهولة تماما لدى الراهب الدومينكاني، والرواية ينضح منها رائحة الخرافة، التي جاء للقضاء عليها. لهذا السبب شعر ان من واجبه القيام بالمزيد من الاستطلاعات. بعد بضعة ايام من البحث تكونت لديه صورة عن مجرى الاحداث. يكتب الراهب الدومينكاني في تقريره قائلا" في البداية أعتقدت ان الكلام يجري عن قديس انسان، لذلك استمريت بسؤال الناس. في النهاية فهمت ان الامر يدور عن كلب". (De Supersticione).

حسب سكان قرية دومبس فإن الكلب (القديس) غوينيفورت قتل، بدون ذنب او سبب، من قبل صاحبه الذي ينتمي الى طبقة النبلاء. عندما كان النبيل في رحلة صيد بقي الكلب في البيت يحرس ابن النبيل الذي كان طفلا يستلقي في سريره. عندما عاد النبيل الى البيت رأى على فم الكلب دم،. فأرتعب وغضب وسحب سيفه وقتل الكلب بضربة واحدة إذ انه أعتقد ان الكلب قد قتل الطفل. غير ان الطفل كان سليم والدم على فم الكلب جاء من افعى قتلها الكلب ليحمي الطفل. النبيل خجل مما فعل، وقام بدفن الكلب المخلص في بئر قديم وزرع حوله الورود، ورفع عنده لوحة تذكارية.

لم يطول الوقت حتى بدأ الناس يحضرون الى الضريح لقراءة الدعوات. كانوا يعتقدون بقوة ان هذه الدعوات ستعطي اطفالهم الصحة. لقد كان غوينيفورت، في أعينهم، حامي الاطفال.

كانت القصة مثيرة للاعجاب ولكنها لم تؤثر في الراهب الدومينيكاني الذي كان مصرا على إقتلاع رأس الكفر. حسب معتقدات الكنيسة الكاثوليكية، يمكن للبشر وحدهم ان يكونوا اولياء، وليس الحيوان. لذلك قام الراهب المحتسب بأمر صاحب الارض بقطع أشجار الحرش في منطقة الطقوس. احجار ضريح الولي الكاذب جرى هدمها وتم نبش القبر واخراج جثمان الكلب وحرقها. وكل من جازف بالاستمرار بزيارة المكان يتعرض للغرامة الثقيلة أو مصادرة املاكه.

كان الراهب الدومينكاني فخورا بالانجازات التي قدمها للعقيدة وعاد عام 1262 الى مدينة ليون، معتقدا انه تمكن من إنتزاع الايمان بالقدس المزيف من قلوب الناس. غير ان الكاثوليك في جنوب اوروبا استمروا بالايمان بالولي الصالح الكلب غوينيفورت.

بسرعة نسيت الكنيسة طقوس تقديس ضريح الكلب في حين ان الفلاحين الفقراء، لم يتمكنوا من نسيان العمل النبيل للكلب، الذي اصبح رمزا في صراعهم مع جوع وموت الاطفال الرضع.

في منطقة Villars-les-Dombes كانت تنتشر الاراضي المغمورة بالماء والبركات تسمح بتكاثر البعوض وانتشار الملاريا. في الواقع ان غمر اراضي الفلاحين بالماء كان بنتيجة نشاط احد النبلاء الذي رغب برفع مستوى المياه ليتمكن من انتاج اسماك من اجل بيعها في فترة الفصح المسيحي، لكون الصيام يحرم عليهم اكل اللحم ولكن ليس أكل السمك. هذا الطمع لدى الاغنياء أدى الى انتشار الامراض والمجاعة تضرر منه بالدرجة الاولى اطفال الفقراء في المنطقة.

غير ان سمعة غوينيفورت على شفاء الاطفال المرضى انتشرت بسرعة الى بقية اطراف فرنسا. في القرن الثالث عشر اندمجت رواية الكلب المخلص غوينيورت مع أسطورة عن أنسان برأس كلب غونيفورتو Guniforto, وهي اسطورة عن قديس حقيقي تعترف به الكنيسة وكان قد مات بسهم. على مدى المئة عام اللاحقة كان يجري الدعاء لغونيفورتو-غوينفورت في كنائس فرنسا الجنوبية وفي مدن بافيا وميلانو الايطاليتين. كان الاعتقاد ان هذا القدس الصالح فعال على الاخص في مكافحة الطاعون.

فقط منذ عام 1879 ارتأى المؤرشف الكنسي لويس اوغسطين فايسليريه Louis Augustin Vayssiêre, ان من الضروري إعادة النظر في خلفية هذا القديس. لقد عثر على الوثائق التي كتبها المُحتسب الدومينيكاني ايتينيه وقرر إعادة دراستهم. كان اهتمامه نابع من كون الاحداث جرت في المنطقة التي ينتمي اليها. وبعد التدقيق ظهر له ان الفلاحين في المنطقة لازالوا حتى الان يذهبون للدعاء الى ضريح الولي، عالمين انه في الاصل كلب. فايسليريه آشار الى ان ذلك ممارسات جاهلية بوضوح " السكان يمارسون عبادة اصنام".

سيعتقد المرء ان الكنيسة ستقوم على الفور بإدانة "الخاطئين" ولكن ماحصل هو العكس تماما. عام 1886 كتب الخوري J. Delaigue مداخلة استنتج من خلالها ان المحتسب الدومينيكاني أخطأ في حقيقة الامور وجرى خداعه.

حسب الخوري ديدلاغو كان هناك بعض المازحين الذين ارادو ان يضحكوا قليلا فأقنعوا المحتسب الدومينيكاني ان الحجاج كانوا يتوجهون بالدعاء لكلب. بمعى اخر فالحجاج لايمكن ان يعتبروا خطاة لانهم، في حقيقة الامر، كانوا يتوجهون بالدعوات الى انسان. بل ويجب بناء كنيسة فوق الضريح الشريف حتى يتاح للمؤمنين بالقدس سانت غوينيفورت ان يهنئوا ويزداد عددهم، حسب اقتراح ديلاغو.

لم يجري بناء كنيسة، ولكن التيار بقي قويا. حتى بدايات القرن التاسع عشر كانت النساء لازالن يأتين الى الضريح للدعاء طالبات شفاء اطفالهن الرضع. كانوا يلقون بقطع نقدية مالية على الضريح تماما كما يحدث اليوم على اضرحة الائمة. كما كانوا يضعون احذية اطفال على الضريح على أمل ان يساعد ذلك على نمو الاطفال الى مرحلة المشي.

حوالي عام 1930ماتت طقوس عبادة الكلب، على الاغلب بسبب تغير مستوى الحياة في المنطقة وبقية اوروبا، وأضمحلال امراض الاطفال الى حدود دنيا. اليوم، في اوروبا، لم يعد الفلاحون محتاجون الى عبادة ائمة وقديسين وأولياء من اجل جلب السعادة لهم وحمايتهم من الفقر والكوارث وشفائهم من الامراض.

Reprobus Sankt Kristoffer
Reprobus / Sankt Kristoffer
في الواقع عبادة غوينفورت ليست عبادة الكلب الوحيد في تاريخ ايقونات الكنيسة الكاثوليكية، إذ توجد عبادة اقدم منها، تعود الى القرن المئتين. قبل ان يتحول القديس سانت كريستوفير Sankt Kristoffer, الى المسيحية كان، حسب الارثوذكسيين (اصحاب العقيدة الصافية) شخص بطول مترين ومن آكلة البشر وله رأس كلب. حسب الاسطورة، وكان اسمه Reprobus. قرر ريبروبوس ان يخدم السيد الاعظم بين الجميع. في البداية ذهب الى الملك الذي كان يعتبر اكبر الملوك. غير ان كريستوفير اصيب بالخيبة عندما علم ان الملك يخاف من الشيطان. لذلك ذهب الى الشيطان لعرض خدماته، على إعتبار انه الاقوى. ولكنه أكتشف أن الشيطان يخاف يسوع المسيح، ولذلك فهم ان المسيح هو الاعظم، لذلك قرر الانتقال الى خدمة المسيح. لذلك بحث عن راهب ليرشده، والراهب قال له ان بالامكان خدمة الناس، من خلال مساعدتهم على عبور النهر، فيكون قد خدم المسيح. في احدى المرات كان ينقل طفل. في الخطوة الاولى كان الطفل خفيف الوزن، ومع كل خطوة كان الوزن يزداد حتى اصبح لايطاق، عندها سأله: من انت؟ الطفل اجاب: انا المسيح، الذي يحمل خطايا الانسان. عندها قام المسيح بتعميد ريبروبوس. بعد ذلك غير اسمه من ريبروس ( تعني بالانكليزية الشرير) ال كريستوفر (تعني حامل المسيح)، ليصبح كريستوفر القديس الذي حمل المخلص.

الييزنطيين كانوا يصورون ايقونة القديس كريستوفير وهو برأس كلب. مع الزمن اختفى هذا التصوير واصبحت الكنيسة ترسم ايقوناته برأس رجل وهو يحمل طفل عبر نهر.

العراق والاضرحة
ضريح النبي عزرا
ضريح النبي عزرا في العمارة
في العراق هناك وله خاص بالاضرحة، إلى درجة انه حتى الاضرحة اليهودية اصبحت اليوم مزارات للمسلمين. في العمارة مثلا، هناك ضريح النبي عزرا. الحاخام اليهودي بشير زالان هو القيم على الضريح، وقد ورث مهنته عن ابوه، ولكن الزوار اصبحوا اليوم من الشيعة. صورة الصدر معلقة في قاعة الضريح، والزوار يقدمون النزور. واحد المقاولين قام بالتبرع للضريح من اجل ترميمه، بعد ان اصبحت الطائفة اليهودية لاوجود لها عمليا على ارض العراق، بعد عمليات الفرهود والاباحة والترحيل القسري. يحاول البعض التشنيع على الزوار لقيامهم بريارة ضريح يهودي، مع ان انبياء اليهود هم انبياء الله ايضا، وانبياء للمسلمين، فلماذا لايجوز للمسلم زيارة ضريح نبي من انبياء الله؟

وجه اخر للصورة. في ستينات القرن الماضي، كان هناك ضريـح يقع بجـوار جســر المهدي في منطقة الدورة. كان يســمى بضريح حليم، ويردد البعض بكل هيبة بأنه حليم ابن المثنى ابن ســيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه. كان الناس ، وعلى الاخص النساء، يذهبون للتبرك بهذا الضريح ويلقون الدراهم على قبره، لتقوم بجمعها احدى العجائز التي تشرف على هذا الضريح. بعد وفاة هذه العجوز اهمل الضريح واصبح مأوى للشذاذ من المشردين الســكارى، من جرعات العرق المستكي الذي يشترونه خلسة من السيد ابو روني في سوق حي الاثوريين المجاور. بعده يسلتقون نياما في الضريح وعلى القبر، وجميع اهل منطقة المهدي يعلمون ذلك.
في مطلع الثمانينات قامت الدولة بالتحري عن المزارات والاضرحة، ولم تتمكن من تبيان حقيقة هذا الضريح، لذلك صدرت الاوامر الى أمانة بغداد لقلع واجتثاث هذا الضريح، فأرسلت شفلا الى هناك. علق البعض بان الشفل سوف يصاب بالكسر والعطب في حالة اقترابه من الضريح. غير أن الشفل أطاح به وقلعه وقلب محتوياته. كان الناظرين يعتقدون انه ستظهر عظاما لهيكل بشري، ولكن كم كانت الدهشة بالغة عندما لم يتبين من هذا القبر سوى كومة من الطابوق، من بقايا مهدمة. اشتعل الضحك بين المشاهدين وسخروا من بعضهم البعض، وعلق احدهم قائلا فعلا كنّا نحن جهلة و ( ازواج) فمنذ اكثر من خمسين سنة نقوم بتقديس كومة الطابوق هذه ونتظرع اليها خشية ونتصورها ضريحا لولي صالح واحسرتي على كمية الدراهم التي نلقي بها اليه ونحن بأحــوج اليها من غيرنا (عدنان عباس، من سكنة حي المهدي)