معرفة الإله او مفهوم الالوهية في الفكر الزنجوإفريقي
الجزء الثالث من الفصل الخامس
د/
القربان أو الأضحية :
من المناسب وضع اعتبار خاص للقرابين كشعائر ,
إذ هي الوسيلة المفضلة للتواصل مع الإلهي
والقوى فوق طبيعية , بل نستطيع القول أن
القرابين هي نقطة ارتكاز العديد من الشعائر
الدينية الأخرى مهما كانت أهميتها .ويكون
المضحي إما رب أسرة يقيم الطقوس أمام مجموعة
صغيرة , أو "راهبا " متخصصا وعلى اطلاع
عال , يقدم الأضحية أمام جمع غفير بمناسبة
احتفال شعائري كبير .
كما من المناسب رفع الغموض عن التضحية , إذ
ومنذ زمن طويل تم تحريف معناها أو لنقل الجهل
به , فالتفسير السطحي الأكثر انتشارا يذهب
لاعتبار التضحية نوعا من التضرع أو استدعاء
للعناية الإلهية عبر عملية قتل إنسان أو
حيوان , وأن رفاث الأضحية يروق للإله أو
الآلهة .
في حين أن التضحية بإفريقيا تشكل نظاما
مختلفا , إنها اتصال في جوهرها , هي تقرُّب و
انتماء ـ إن صح التشبيه ـ للتحول القرباني
الذي يحتفل به المسيحيون ومنذ موت المسيح .
التضحية وكما تقول فيفيانا باك : ترهين للحدث
الأول , هي لقاء واتحاد وإحياء للإنسان مع
وعبر القوة الفوقية التي تَسُود وجوده
بوساطة آلهة الخلق والآلهة الدنيا والجن,
والذين يعتبرون بدورهم تجسيدا لتدخل الإله
الأسمى , الإله المطلق . بعيدة هي التضحية عن
أن تكون تدميرا خالصا وبسيطا للحياة من أجل
انتصار ورضى الإلهي , هي استعادة للحياة من
خلال تفاعل واتحاد القوى التي يتم تخليصها
عبر الأضحية .
يبدو حسب الدراسات ـ غير المكتملة لحد الآن ـ
المخصصة للتضحية , معناها ودورها في الديانة
الإفريقية , أن اختيار الضحية يتم استنادا
للأماكن والأساطير , وطبقا للتصورات
النشأكونية للزنجوأفارقة , فتقديم تيس أو كبش
أو دجاجتين كأضحية , أو حتى إنسان كما كان
الحال قديما ( مازالت سارية ممراسات تقديم
أضحيات بشرية , وهو ما عاينته شخصيا في شرائط
فيديو بساحل العاج /المترجم ) يخضع لاعتبار
القوة الفاعلة والخاصة بكائن حي بعينه
والمجسد لإله أو جن ما , هذه القوة المنبعثة
بدورها عن الإله المطلق . على من يريد فهم
الديانة الإفريقية اعتبار كونها تعبيرا عن
فكر كلي مندمج , فالعالم بالنسبة للإفريقي
كلّ ٌ غير قابل للتجزيء , يضم اللامرئي والكون
والإنسان , وتتمثل وظيعة الأخير بالمقابل في
أن يكون هذا الكل وفي كل لحظة قويا ومتماسكا
ومتساميا .
فعل التضحية هو الأجدى بامتياز لتحقيق هذه
الغاية , لنعد لفيفيانا باك حيث تفكك المراحل
المتتابعة للتضحية, وكما هي متبعة لحد اليوم :
" أولا , يخطر المضحي عبر الصلاة القوة
العليا , سواء تعلق الأمر بالإله مباشرة أو
مرورا بقوة وسيطة : إلهية أو جن , ثم يذبح
المضحي الأضحية ليسيل دمها على مادة أو شيء (مذبح
) والذي يملك مسبقا القوة الصادرة عن القدرة
العليا , سواء كانت هذه القوة حاضرة في المذبح
باستمرار , أم تم استدعاءها بواسطة الصلاة
المذكورة . فعل الموت يفرق بين الجثة
والعناصر الحية , فالروح تنضم وتندمج في
المذبح , وتظل هناك إلى أن تبعث , والقوة
الموجودة في الدم تظل في المذبح مؤقتا , حيث
تأتي القدرة الأعلى ل "تشربها " , حينها
تزرع الأخيرة قوتها في المذبح , وهي اللحظة
التي يتحقق فيها ارتباط التضحية والهدف منها
, إذ ـ من جهة ـ تتغذى القدرة العليا من قوة
الأضحية , ومن جهة أخرى تمرر قوتها هي في
الجثة والتي سيتغذى منها المضحي ; بعد ذلك
تصعد القوة الإلهية من المذبح إلى الأضحية
جهة الكبد تخصيصا ; وأخيرا يتناول المضحي
الكبد أو أي جزء من الأضحية ليتمثل بذلك
القوة الموجودة فيها .
بذلك تكون التضحية اتحادا أو تجميعا أو تقوية
تماثلية للقوى , حيث تغذي الواحدة منها
الأخرى عن طريق تناول الأضحية " يعتقد
العديد من الأفارقة , أنه حين تقديم الأضحية ـ
رمزيا ـ فإن المضحي يضحي بنفسه أولا , هذا
الاتحاد بين عنصري الأضحية يتم تمثله
والتعبير عنه أيضا عند الزواج .