التعصب والاصولية الدينية
الجزء الرابع
الدوجما
تكون في أزمة لحظة نقدها .
تأملات فلسفية في التعصب.
في مقدمة موجزة كتبها د . مراد وهبة أستاذ
الفلسفة المصري لكتاب جون لوك ( رسالة في
التسامح ) قرأت ما أعتبره رأيا ينسف فكرة
التسامح من أساسها و يذهب إلى أن مكافحة
التعصب بنقده على مستوى الوعي كما نفعل في هذا
الشريط و نظرائه هو نشاط قليل أو منعدم الجدوى
!، هذا الإحباط دفعني في البداية إلى تجاهل
هذا الرأي مقتنعا بأنه يقع في مجال فلسفي خارج
فضاء هذه الدراسة التي تنتمي أساسا إلى
الدراسات السوسيولوجية ،و لكني وجدت أن
الأمانة العلمية تفرض أن أعرض هذا الرأي حتى
لو أسيء توظيفه لصالح أفكار مضادة للإنسانية
كالأصولية الدينية .
يبرر د . مراد وهبه رأيه ذلك بأن النقد على
مستوى الوعي لا يكشف الخلفية الحقيقية للتعصب
، وهي القوى اللامعقولة الخفية ، هذه القوى هي
التابو أو الممنوع ، ومن المعروف أن الإنسان
البدائي هو الذي ابتكر فكرة التابو كمرتكز
أساسي لمنظومته المعرفية ،و التابو يعني أن
أشخاصا أو حيوانات و جماد قد عزلت عن العالم
الطبيعي و أصبحت مقدسة ومن المحرمات التي لا
يمكن المس بها ، و هو بالتالي ( التابو) غير
قابل للنقد ، والتابو متجذر في صميم اللاوعي
الجمعي للأفراد ، و هو ينطوي على أمر مطلق و
لكنه سلبي مثل ( لا تقتل ) ،و هكذا يمكن أن نرى
أن التابو هو الفعل الممنوع ، و هناك من يرى
أننا لو طرحنا هذه الأفكار في إطار التاريخ
البشري لحصلنا على القضية التالية ( التعصب هو
النتيجة الحتمية لمفهوم التابو ) ، و بالتالي
نعود إلى الرأي الذي طرحه البعض بأن التعصب
غريزي متجذر في أعمق المناطق من اللاوعي
البشري .
هل التسامح ممكن ؟.
يرى مراد وهبة أن التسامح ممكن فقط في المرحلة
الإنتقالية من وضع قائم Status quoإلى وضع قادم Pro
quo ، إن أي وضع إجتماعي يرقى إلى مستوى المطلق
فإنه يتعصب ضد أي اتجاه ينشد تغيير الوضع
القائم فالمطلق ( الدوجما ) تكون في أزمة لحظة
نقدها وهي تصدر هذه الأزمة لكل مفاصل المجتمع
. و هناك علاقة عضوية بين الدوجما و تجميد
الوضع القائم. و فرصة التسامح لا توجد في
الوضع القائم ولا الوضع القادم بل في فترة
اللاوضع ، فهل يمكن لهذه لفترة الإنتقالية أن
تكون دائمة ؟.
هل هذه الأفكار تجعل التسامح مستحيلا ؟، أفضل
ألا أرى الوضع هكذا ، فقط أعتقد أنه من
الضروري تصعيد القضية برمتها إلى مستوى آخر
من الوعي المعرفي وهذا يخرج عن أهداف هذا
الموضوع .
، هنا حاولت أن أضع على
الورق ظاهرة حيرتني دائما هي التعصب المنتشر في مصر ، وهو التعصب نفسه
الذي أرى نيرانه حولنا في كل مكان عربي ، في العالم كله ينقسم الناس إلى
يمين و يسار ، مع وضد العولمة و... و و لكن في مصر لا يوجد سوى حزبان ..
المسلمون و الأقباط وكأن الحروب الصليبية سوف تندلع مع بداية الشهر القادم
، بل حتى مع الحروب الصليبية لم ينقسم الشعب المصري على أسس التعصب الديني
كما يحدث الآن ، هل يمكن أن أتحدث عن الشيعة و السنة ،هل يمكن أن نتحدث عن
التعصب ضد المصريين في الدول العربية ، بل وحتى التعصب ضد العرب أنفسهم في
كل بلد عربي !.
أتسائل بلا توقف طالما نحمل كل خصائصنا الظاهرية
بالميلاد و بدون مساهمة منا فلم نلام على ماهو مفروض علينا .. الدين و
اللون و الجنس و المواطنة و المذهب ؟، ظل هذا السؤال البسيط يحيرني ،و ما
هذا الشريط سوى محاولة كي أجد إجابة عند العلوم الإجتماعية و أن أشرك أكبر
عدد من الزملاء في حيرتي لعلهم يملكون أفكارا تنير لنا ولو جزءا من طريق
يزداد إظلاما كلما توغلنا فيه .
مقاومة التعصب .
من الطبيعي أن يكون
التغلب على التعصب يمر بالقضاء على أسباب انتشاره الأساسية كالفقر و الجهل
و الإنعزال و تغيير الأفكار النمطية السلبية تجاه الآخر ، و لكن تلك
الإجراءات العامة لن تكون كافية بدون إجراءات موجهة خصيصا من أجل التغلب
على التعصب ، وهناك إجراءات يقترحها علماء الإجتماع و يمكن أن نلمسها بل و
نقترحها من واقع خبرتنا العملية منها .
1. الإتصال المباشر بين
الجماعات. هذا الإتصال يسهم في تخفيف حدة الأفكار النمطية ، و من المعروف
حتى على مستوى الخبرة الفردية أن التقارب و التفاعل يزيد من المودة ، وهذا
نلمسه بين الزملاء في الجامعة أو في الفرق الرياضية و في زمالة السلاح بين
ضباط و الجنود في الجيوش ، و لكي يكون هذا الإتصال ناجحا يجب أن يكون
هادفا كأن يتعاون الفرقاء في تحقيق هدف واحد ،و أن يتم ذلك بشكل حر غير
رسمي أو مقيد ، كما يجب أن يتم توعية الجميع بتحاشي المعتقدات النمطية
السابقة ، كذلك أن يتم بين أكفاء متساويين اجتماعيا و ثقافيا و ... (1) .
2.
البرامج التربوية .من المعروف أن التعصب يقل بين خريجي الجامعات عن غيرهم
، كما تلعب البرامج و الأساليب التربوية الصحيحة دورا هاما في مكافحة
التعصب ، و هنا تلعب الأسرة المتحضرة دورا حيويا في هذا المجال ، و قد
استخدمت أمريكا بنجاح البرامج التعليمية في مكافحة التعصب و التمييز
العنصري ضد السود .
3. المشاركة في صنع القرار .يكون احتمال خفض التعصب
كبيرا عندما يشترك في القرار أكبر عدد من ممثلي الجماعات المختلفة ، و هذا
في حد ذاته سبب هام كي يتغلب الأقباط على سلبيتهم السياسية .
4.
التزويد بالمعلومات عن الآخرين . فالمعرفة هي ضد التعصب ،و عندما يتعلم
المسلم مثلا تاريخ الكنيسة أو المسيحية في العالم سيكون تعامله مع المسيحي
خاليا من الأفكار النمطية السلبية ، و بدلا من أن يكون لامباليا أو معاديا
للمسيحي سوف يزداد إهتمامه بهم ،و العكس أيضا صحيح ، هذا النوع من
المعلومات يجب أن يستقى من مصادر أصلية ، وهذا يختلف عن المعلومات السطحية
التي يستقيها البعض من مصادر مغرضة من أجل توظيفها في مساجلات طائفية كما
يفعل بعض الصبية و الشباب على الشبكة .
5. العلاج النفسي للمتعصبين .
إذا تميز التعصب بوجود مظاهر القلق و التوتر وعدم الإستقرار الإنفعالي كما
هو الحال مع الجماعات الإسلامية الإرهابية ، يجب أن ننظر للتعصب في هذه
الحالة على كونه مرضا و أنه يحتاج إلى العلاج النفسي المباشر للإضطرابات
الانفعالية التي يعاني منها المتعصب ، ولا يقتصر الأمر على الحوارات
الدينية و دفعهم للمراجعة الفقهية كما حدث بالفعل ، فكثير من المتعصبين
مرضى نفسيين منفصمين إجتماعيا و سيعودون للإرهاب الذي أصبح نمطا سلوكيا
مرة أخرى لو لم يتم عزلهم وعلاجهم نفسيا .
هذه مجموعة من المقترحات المبدئية أتمنى أن يثريها الزملاء .
(
1 ) إن لي شخصيا أكثر من تجربة عظيمة أفتخر بها ، أتذكر منها أنه عندما
شرعنا في تأسيس حزب المستقبل مع فرج فوده ، و رغم صغر الحزب وأنه نشأ في
مناخ الفتنة الطائفية التي أشعلها السادات ، إلا أنه سرعان ما تحول الحزب
إلى قلعة للوحدة الوطنية ، فلن يمكنك معرفة ديانة أحد من المناقشات
الدائرة ، بل كانت بطاقة العضوية تخلو من خانة الديانة و عندما حاولنا عمل
حصر على أساس ديني كي نرد على دعايات الإسلاميين بأن الحزب مسيحي طائفي لم
نوفق لأننا لم نستطع الإهتداء إلى معرفة ديانة الكثيرين من مجرد الإسم ! ،
و لعل من أجمل ما أتذكره هو ما قاله لي شاب قبطي تعرفت عليه وقتها ، وهو
الذي ألف كلمات نشيد حزب المستقبل ( لحنه هاني شنوده ) ، قال أنه كان يعد
أوراق الهجرة للولايات المتحدة ،و لكنه أوقف كل شيء من أجل المشاركة في
تأسيس الحزب ، أتذكر أيضا أنه أثناء إنتخابات المجلس التشريعي ،و كان فرج
مرشحا عن شبرا و كنت أساهم في حملته الإنتخابية ،وفي الأيام الأخيرة كنت
أقيم بشكل دائم في شبرا و في منزل صديق لنا قبطي بين أسرته (والدته و أخيه
) و في الصباح استيقظت على صوت القرآن في الراديو ، فاعتقدت أن ذلك تحية
لي ، و أخبرت صديقي القبطي أني غير معتاد على سماع القرآن في الصباح ،و
لكنه أكد لي أن تلك عادة والدته ، فهي تقول أن ذلك كله كلام الله وهو بركة
، فقلت له مداعبا أن والدته اكثر إسلاما مني ،وهذه حقيقة بالفعل