التاريــخ
 
 
28/01/2016


تاريخ نشوء الاثنية والقومية الكردية


اكراد من بداية القرن العشرين
الاكراد، ينتمون الى مجموعة اثنيات شمال غرب ايران القديمة. من المثير أن كلمة كرد واكراد كان العرب المحتلين هم اول من اطلقها واستخدمها كأسم على جميع القبائل البدوية المتنقلة في الهضبة الايرانية. غير ان الكلمة نفسها ليست عربية وانما التقطها العرب من الفرس، فهي كلمة فارسية وتعني " البدو " بالمعنى الاجتماعي للكلمة، اي بالضبط ماكانت تعنيه كلمة " العرب" للشعوب المتحضرة المجاورة لهم (راجع د. جواد علي:" المفصل في تاريخ العرب") ، بما يعني ان العرب عرفوا القبائل التي كان الفرس يطلقون عليهم وصف " بدو" واستخدموا الكلمة كأسم عوضا عن صفة تماما كما حدث مع مصطلح "العرب/البدو" لينشأ من الصفة الاجتماعية اسما قومياً يوحد قبائل البدو المختلفة في قومية واحدة.
العرب أنفسهم ألفوا اعتقاداتهم الخاصة عن معنى كلمة كرد، وكعادتهم جعلوا الاسم ذو اصول عربية.
ذكر الراغب الاصفهاني أن عمر بن الخطاب رضي االله عنه روى عن النبي صلى االله عليه وسلم أنه قال: الأكراد جيل الجن كشف عنهم الغطاء! وإنما سموا الأكراد لأن سليمان عليه السلام لما غزا الهند، سبى منهم ثمانين جارية وأسكنهم جزيرة، فخرجت الجن من البحر فواقعوهن، فحمل منهم أربعون جارية، فأخبر سليمان بذلك فأمر بأن يخرجن من الجزيرة إلى أرض فارس، فولدن أربعين غلاماً، فلما كثروا أخذوا في الفساد وقطع الطرق، فشكوا ذلك إلى سليمان فقال: أكردوهم إلى الجبال! فسموا بذلك أكراداً. ( الراغب الاصفهاني، محاضرات الادباء، ذم النبط واهل الرساتيق)
ذلك لايمنع ان اصل الكلمة يمكن ان تكون مقتبسة من اسم قبيلة او منطقة مثلا Cyrtii or of Corduene. الكلمة الاولى (كيرتي) كانت تطلق على قبيلة من قبائل الميديين القدماء، كانت تقطن في فارس القديمة. حسب المؤرخ Rüdiger Schmitt, كانت هذه القبيلة تسكن ، بشكل رئيسي، في جبل اتروباتان (شمال شرق ايران قرب البحر الكاسبيسكي (قزوين)) وكانت من القبائل المتنقلة والتي تعيش على السلب.
حسب الانسكلوبيديا البريطانية لعام 1911، كان التعبير الثاني ، كوردوينه، الاسم الاقدم لمنطقة بوتان Bohtan (now Şırnak Province)، واقعة جنوب شرق تركيا اليوم.
في المصادر الاشورية اشير اليها بتعبير بيت كاردو وصفوها بأنها دولة صغيرة تعمل عمل المنطقة العازلة بين المملكة الارمنية والمملكة الفارسية، جنوب بحيرة وان الجبلية. وظهرت هذه المملكة على حطام المملكة السلوقية (312 قبل الميلاد - 63 قبل الميلاد) ، وهي واحدة من اجزاء مملكة الاسكندر الاكبر المقدونية، التي كانت في صراع مع المملكة الرومانية. وعلى الرغم من ان بيت كاردو كانت جزء من الامبراطورية الرومانية الا انها تمتعت بسيادة. ويبدو انها استفادت من الصراع بين السلوقين والرومان لتمارس استقلال تام في الفترة مابين 189-90 قبل الميلاد. ومن المعروف ان سكان هذه المنطقة كانت تتوجه بالعبادة الى رب الحوريين تيشوب، والحوريون قبائل تتكلم اللهجات القوقازية، حاربت الاشوريين وحتى المصريين.

المؤرخ الاغريقي خينوفون Xenophon's Anabasis ذكر وجود شعب يسمى كاردوتشوي Carduchoi، يقطن غرب تيغريس في عام 401 قبل الميلاد. كانوا من اعداء ملك فارس ومع ذلك قاتلوا جيش الاغريق وكلفوهم ضحايا اكثر من حربهم مع الفرس، بسبب تكتيكات حرب العصابات والرمي بالسهام عن بعد. والمؤرخ الارغريقي Hecataeus of Miletus ايضا ذكرهم بأسم Gordi عام 520 قبل الميلاد.

في المصادر الارمينية نجد ان كتاب تارغوم The targumim ،وهو كتاب فقه وتفسير للتلمود اليهودي، اعتبر ان ارارات واقعة في كاردونه Corduene وليس في قلب ارمينيا. هذا المكان يعتبر المكان الذي رسى فيه مركب نوح، حسب ميثالوجيا الطوفان. حسب الآقداة، وهو كتاب تفسير وقصص وحكمة ومدح، من كتابات الحاخامات، رسى نوح في كاردونه في ارمينيا.

في المصادر الرومانية يذكر المؤرخ والفيلسوف والجغرافي الروماني سترابو Strabo (64 قبل الميلاد 24 بعد الميلاد) منطقة بأسم Gordyaean (تبدو باللفظ الارميني، حيث يان تعني ابن) ويحددها على انها في المنطقة الواقعة بين ديار بكر وموش. كما ذكر اهم مدنها وهم Sareisa , Satalca and Pinaca (northwest of Bezabde ), آشار الى ان سكانها هم احفاد الكوردشيان القدماء (وايضا بلفظ ارميني)، Carduchians. وحسب سترابو كانوا موهوبين في بناء الحصون، كما ذكر ان بلادهم فيها " نفط". ويذكر سترابو ان كرديان اكتسبوا اسمهم من Gordys son of Triptolemus, والذي ساهم في البحث عن "لو" ثم استوطن Gordyaea district of Phrygia.
تريبتوليموس، الذي آشرنا اليه سابقا، مأخوذ من الميثالوجيا الاغريقية. غير انني لم أعثر على هذه العلاقة.

فرهاد سوم الثالث امبراطور البارثيين في الفترة بين 70-57 قبل الميلاد والملك تيغران الثاني العظيم ملك ارمينيا، كلاهما كانا يدعيان السيادة على مقاطعة كردونة، غير ان المقاطعة جرى احتلالها من قبل جنود القائد الروماني بومباي. السكان المحليون، ويطلق عليهم اسم Gordyeni لم يدافعوا عن السيادة الارمنية بسبب، وحسب المؤرخ الروماني Lucius Mestrius Plutarchus (46-120 ميلادي) ، ان الملك الارمني دمر مدنهم واجبرهم على النزوح. سبب ذلك ان Zarbienus, ملك مقاطعة كورديني، في عام 69 قبل الميلاد، قام بتنظيم مؤامرة سرية للانتفاضة ضد ملك الارمن. لقد قام بالاتصال بالقائد الروماني Appius Claudius للحصول على دعم روما. غير ان المخطط فشل وقام ملك الارمن بقتل الملك زاربينوس. بعد دخول الرومان الى المقاطعة قام الحاكم الروماني Lucius Licinius Lucullus بوضع نصب لتكريم زاربينوس، وشارك في حفلة تأبين مؤثرة وقدم بأسمه العطايا، المسلوبة من ملك الارمن، وسمى زاربينوس بصديقه وصديق الرومان، في حين اصبح هو حاكم مقاطعة كوردونه.
لمدة 200 سنة كان كوردينه ينتمي الى مملكة ارارات في حين خضع للمملكة الارمنية 250 سنة تقريبا وخلال هذه الفترة اسم المقاطعة اخذ التعبيرات التالية:
Korduq (or Korduk), Kordiq Nerkin, Kordiq Verin, Kordiq Mijin, Tshauk, Aitvanq, Vorsirank (or Orsirank), Aigarq, Motolanq, Kartuniq, Albag.

في القرن الثالث ميلادي قام الرومان بأنتزاع المنطقة من جديد، وجرى توقيع اعتراف رسمي بانتماء المقاطعة الى روما بين الامبراطور الروماني Diocletianus وفارس. وشكل الامبراطور قوة عسكرية ابناءها من المنطقة بأسم Ala XV Flavia Carduenorum , بما يدلل على ان سكان المنطقة يعتبرون من الحلفاء.
بعد هزيمة نرسيه، سابع ملوك الساسانيين، عام 296 ميلادي، جرى عقد اتفاقية سلام بين الطرفين، ومن بين بنودها ان السهوب شمال بلاد مابين الرافدين ، مع سنجار ومرتفعات الجبال على الضفة الغربية لدجلة بما فيه منطقة كوردينه، تكون للغالب (روما).
اسم المنطقة يجري ذكره مرة اخرى في وثائق الطرفين في وصف الحملة التي جرت بين شابور الثاني ، الملك الساساني العاشر وحكم بين 309-379 ميلادي، والرومان تحت قيادة الامبراطور جوليان اوستاتا وبعد موته الامبراطور يوفيان. لقد اضطر الرومان الى الانسحاب من خلال مقاطعة كوردينه بعد ان فشلوا في حصار ستسيفون.
في ربيع عام 360 قام الملك الساساني شابور الثاني بحملة لاحتلال مدينة سنجار (شمال غرب الموصل). وقد سقطت المدينة بعد بضعة ايام من الحصار. فتابع شابور حملته على الضفة الشرقية لنهر دجلة حتى وصل الى، حاليا، المثلث السوري التركي العراقي: جزيرة بوتان. كانت المدينة مسيجة بسور ثنائي وتحميها ثلاثة ليغوينات والكثير من رماة السهام الجبليين. في النتيجة سقطت المدينة وجرى ذبح جميع حماتها انتقاما على جلادتهم.
في عام 363 جرى توقيع اتفاقية بموجبها تنازل الامبراطور يوفيان عن اربعة مقاطعات بما فيهم مقاطعة كوردوينه ومقاطعة ارزانيه ومدن نصيبين وسنجار. بعد هذه الهزيمة بدأ الاغريق بالهجرة من هذه المناطق بسبب الملاحقات التي تعرض لها المسيحيون من قبل شابور والزرادشتيين.
عام 578، تمكن الامبراطور البيزنطي Flavius ​​Mauricius Tiberius Augustus من الانتصار على الجيش الساساني بقيادة كسرى الاول وتمكن من استعادة كوردونه وضمها الى المملكة البيزنطية.
حسب الخوارزمي، تمكن العرب من احتلال المنطقة عام 640 الى جانب نصيبين وطور عبدين، والاخير منطقة مقدسة للسريان والاشوريين، على الحدود مع سوريا والاسم يعني بالسريانية جبل العابدين، حيث كان مكانا لتعميد الكهنة.

كرديات بدويات من نهاية القرن التاسع عشر
مصطلح الكرد كقومية استخدم في القرن السادس عشر من قبل شرف خان بدليسي وهو امير كردي من امراء امارة بيتليس ( الان في شرق تركيا)، والتي انشأتها قبيلة روزاكي على اراضي احتلتها من جورجيا بعد الانتصار على الملك دافيد كوروبلاتس الثالث، ملك جورجيا، في القرن العاشر. استمرت الامارة مستقلة نسبيا حتى عام 1596. غير ان شرف خان بدليسي مشهور أكثر كمؤرخ وكاتب وشاعر، وفي عهد الصفويين، حيث عاش وتعلم في وسط ايران قرب قوم، كتب عام 1597 كتاب " شرف نامه"، ليصبح أشهر مؤلفاته، وهو كتاب يبحث في تاريخ الامارات الكردية، ليصبح أهم مصدر للتاريخ الكردي.

تعبير الكرد، حسب استخدام دبليسي له، يتناول أربعة مجموعات من مجموعات الاثنيات الايرانية البدوية هي الكرمانجيين واللوريين والغورانيين والكالهوريين (ايل كالهر)، وجميعهم يتكلمون لهجات ولغات مختلفة.
الكالهوريين يقطنون كارمنشاه وغالبيتهم شيعة في حين ان البقية كانوا يعتنقون الديانة الكردية القديمة اليارسانية (يار تعني المحبوب وسان تعني ذو الشأن، وهناك تفسيرات اخرى) او اهل الحق او الكاكائية، وهي احدى فروع الديانة اليزدانية القديمة (يزدان اسم الخالق). وفي الاصل ديانة سنسكريتية جرى تجديدها بفضل مااوحي الى سلطان سهاك، الذي ولد في القرن الرابع عشر من عذراء، مثل مريم العذراء وابنها المسيح تماما. جرى ذلك في مدينة البارزانية التي تقع في شمال اربيل، ومات في القرن الخامس عشر. وحسب "قرآن" اهل الحق كان سلطان سهاك حفيد للامام موسى الكاظم عن طريق أمه الخاتون رزبار بنت حسين وأبوه الشيخ عيسى برزنجه اي. فيما بعد انتقل سهاك الى محافظة آفرومان الايرانية Avroman. حسب اتباعه كان سهاك رسول حمل لاتباعه المرتبة الرابعة من حقيقة الحق وفتح لهم جسر روحاني للسمو. نشر سهاك قرآنه المسمى " كلام سرانجام"، والذي يعتبرونه كلام الله، نزل باللغة الغورانية الظاظية، وهي لغة تنتشر في جبال هورامان، وهي لغة، في احرفها الصوتية تتشارك مع الكرمنجي والسوراني.
وغالبية الادب اليارساني القديم مكتوب باللغة الغورانية. وتعبير " غوراني" يحتمل انه منحدر من كلمة قديمة من كتاب الافيستا الزرادشتي وهي gairi, وتعني الجبل، وهو تعبير راسخ في الوعي الكردي. وتعبير هورامي ايضا يعتقد ان اصله من اسم إله ورد ذكره في الافيستا هو اهورا مازدا، Ahura Mazda. (للمزيد عن دين اهل الحق راجع الحاشية الاولى)

لودويغ باول، الباحث اللغوي، يشير الى ان قبائل الكرمنجي والغوراني والكالهور يتشابهون لغويا ولذلك يمكن اعتبارهم، جزئياً، المصدر الذي انحدر منه اكراد اليوم، في حين ان اللور ليسوا مجموعة كردية ولاتنتمي الى المجموعة اللغوية لشمال غرب ايران وانما الى مجموعة جنوب غرب ايران.
Ludwig Paul ("HISTORY OF THE KURDISH LANGUAGE" , Encyclopedia Iranica (2008))

احدى الاستشهادات التي وردت عن طريق صالح زارا، احد قادة الكرد السوريين، نقلا عن المؤرخ ديفيد ماكدويل، تؤكد من جديد الاتفاق العام على ان الاكراد، في الاصل، مجموعات مختلفة من القبائل "حيث يقول أن : الأكراد هم خليط من قبائل الهوريين والميتانيين والسوباريين والميديين، والباحث سيدني سميث اعتبر السوباريون هم الهوريين نفسهم الذي حكموا في القرن الثامن عشر قبل الميلاد حتى منطقة غرب الفرات، وما يزال ضريح النبي هورو موجود في منطقة عفرين الكردية. المملكة الهورية الميتانية اثارها موجودة قرب راس العين وكانت عاصمتهم (اشي كاني) في القرن السادس عشر قبل الميلاد". انتهى الاقتباس. مصدر الاقتباس


من هنا نرى كيف أن الكثير من الباحثون يتفقون على ان المجموعات الاولى، على الارجح، ذات منابت مختلفة يدخل فيها العديد من القبائل والاثنيات القديمة بما فيه الغوطيين والسيبيريين والقردوشيين واللولوبين، وحتى ارمن واتراك. ومع ان بعضهم انقرضوا كأقوام الا ان ذلك لايغير من الامر شيئا.


الحاشية الاولى
تقوم الديانة الكردية اليارسانية لجماعة اهل الحق على الايمان بانقسام العالم الى عالمين، باطني وظاهري، وعلى المبادئ الرئيسية التالية:
1-الاركان الاربعة في المرتبة الرابعة التي جاءت بها الحقيقة هي: الطهارة، الحكمة،التعفف والترهب.
2-الايمان بقدرة الخالق على التجلي بشكل انساني
3-جبرائيل يقود جميع من يرغب في الوصول الى الهداية.
4-سبعة ملائكة اول من خُلق هي المتوكلة بهداية الناس
5-المنقذين، من اعلى الهرم السماوي يتجلون على الارض وعلى بقية المستويات
6-مبدأ تطور الحياة للوصول الى الكمال.
واليارسانيين يرفضون الانقسام الى كاست وطبقات، بما يميزهم عن الايزيدية والزرادشتية. بعض اليارسانيين يعتقدون انهم امتداد للاسلام، ويؤمنون بعلي بن ابي طالب كنموذج على الحق والبعض يعتبرهم من الباطنيين الصوفيين.



قبيلة بارزان
الميديين والقضاء على المملكة الاشورية