التاريــخ
 
 
28/01/2016


مدينة نينوى، من الاكديين الى داعش


مدينة نينوى
نينوى واحدة من أقدم مدن العالم القديم. توجد دلائل على انه جرى سكن المنطقة حضريا قبل منذ 6000 سنة قبل الميلاد وبعد ذلك بحوالي 3000 سنةاصبحت المدينة المركز الرئيسي لعبادة الربة عشتار. المدينة المبكرة جرى تصميمها على منحدر ولذلك تضررت من مجموعة اهتزازات ارضية. هذه الاهتزازات حطمت معبد عشتار الاول والذي جرى اعادة بناءه عام 2260 قبل الميلاد بفضل الملك الاكدي مانيشتوسو Manishtusu.
وعندما قام العموريين بأحتلال الموقع قام ملكهم شمشي آدو الاول (Shamshi-Addu; 1274-1245 BCE) بترميم المعبد وترك كتابات تصف اعماله العمرانية، وقام ايضا ببناء قصر ومعبد اخر اضافة الى الاسوار الاولى حول المدينة.
كما قام ببناء مدينة نمرود ويطلق عليها ايضا اسماء اخرى مثل كالح او كالخو (بعض المصادر تشير الى ان كالخو مدينة اخرى، لربما بجانب نمرود، او قسم جديد اضيف للمدينة الاصلية).

نمت المدينة بسرعة وازدادت اهميتها الى ان جاء الملك سنحاريب (704-681 قبل الميلاد) فضمها الى مملكته الاشورية.
والملك سنحاريب هو ابن الملك سرجون الثاني الذي مات في المعركة، ولما كان الموت في المعارك يعتبر عارا، لأن ذلك عقوبة من احد الالهة، وبالتالي تعبير عن أن آلالهة لاترغب للملك بالانتصار. فقد اراد الملك الجديد ان يبعد نفسه عن الملك القديم قدر الامكان. لهذا السبب تخلى عن عاصمة سرجون الثانية الجديدة Dur-Sharrukin (modern day Khorsabad, Iraq) ونقل عاصمته الى نينوى وذلك منذ لحظة تنصيبه على العرش.
وفي العاصمة الجديدة قام ببناء اسوار كبيرة حول المدينة لها 15 بوابة، وبنى الحدائق العامة وشق قنوات الري وبنى الجسور وحسن بنية المدينة. كما بنى قصرا من تسعة غرف وسماه " قصر لانظير له"، وهو نفس التعبير الذي استخدمه والده في وصف قصره في مدينة قوش آباد، وهو التعبير الذي استمر استخدامه في القصص الشعبية والوعي الديني الجمعي حتى اليوم.
المؤرخ Gwendolyn Leick يصف المدينة بالكلمات التالية:" نينوى، بسكانها من مختلف انحاء المملكة الاشورية ، كانت واحدة من أجمل المدن في الشرق المبكر بحدائقها ومعابدها وقصرها الكبير".
كانت نينوى مصممة بدقة تحتوي على قنوات لايصال ماء الشرب وحتى لري الحدائق ، وهو أمر لم تكن تملكه اية مدينة اخرى. في الواقع يوجد مؤرخين يدعون ان الحدائق المعلقة كانت في نينوى وليس بابل، وانها تعود لعصر الملك سنحاريب.
يقول المؤرخ Christopher Scarre :
" قصر سنحاريب يملك كل مايملكه المنزل بمقاييس كبيرة : حراسة واسعة، احجار مزخرفة تثير الدهشة (اكثر من 2000 بلاطة مزخرفة في 71 غرفة). حدائقه ايضا كانت متميزة. في احدى الابحاث الصادرة عن المختص بالاشوريات في المتحف البريطاني ستيفاني دالي (Stephanie Dalley) اقترح ان هذه الحدائق هي المعنية بتعبير الحدائق المعلقة، واحدى عجائب العالم السبعة في الزمن القديم. الكتاب اللاحقون ( وعلى الاخص كتاب التوراة) نسبوا الحدائق المعلقة الى بابل، غير ان الابحاث الواسعة فشلت في العثور على اي آثر لها هناك. اهتمام سنحاريب المنقطع النظير بحدائق القصر التي خلقها في نينوى تتوافق أكثر مع وصف الحدائق المعلقة في الكثير من النقاط".

بعد سنحاريب جاء ابنه ايسار هادون Esarhaddon (reigned 681-669 BCE) واستمر على خطى والده في الغزو والاعمار. وبعد مقتله في حملته على مصر استلمت السلطة أمه زاكوتو Zakutu ( Naqia - c. 701-c.668 BCE) ( زاكوتو الاسم الاكدي لزوجة سنحاريب، واسمها الاشوري ناجيا) وهي جدة الملك آشور بن بعل، الى ان اصبح ملكا على البلاد (668-627 f.Kr.) .
قام سنحاريب ببناء قصرا جديدا ومكتبة هائلة، حتى بالمقاييس الحالية، حيث كانت مكتبته تحتوي على 30 الف صفيحة طينية. وفي عهده اصبحت نينوى اجمل واكبر وجذبت اليها العلماء والكتاب والحرفيين. في مكتبة اشور بنيبعل عثر على قاموس لمقارنة الكلمات بين اللغة السومرية واللغة الاكدية وعلى الكثير من الاساطير السومرية القديمة والتي تتشابه مع اساطير التوراة.
مات آشور بنيبعل عام 627 قبل الميلاد ليبدأ الصراع بين ابنائه على السلطة. كانت المملكة الاشورية من الكبر بحيث صعب التحكم بها والكثير من مناطق المملكة كانت تنتظر فرصتها للانتفاضة على الاشوريين. يقول المؤرخ Simon Anglim :
" وعلى الرغم من ان الجيش الاشوري كان يحظى بالهيبة إلا أنه كان مكروه. في الربع الاخير من المئة السابعة قبل الميلاد كانت كل اطراف الامبراطورية في انتفاضة. لم يكن الصراع من اجل الحرية وانما تعبيرا عن الكراهية وطلبا للثأر."
في ذلك الوقت اتحدت قبائل الفرس مع الميديين والحثيين والبابليين في تحالف عسكري ضد الاشوريين، واجتاحوا المملكة من كل الاطراف. عام 612 قبل الميلاد جرى نهب مدينة نينوى واحرقت، ومن ثم قامت القبائل الغازية بتقسيم المملكة بين بعضها البعض. عقب ذلك اصبحت المنطقة شبه خالية من السكان واندثرت نينوى وانطمرت معالمها.

عام 627 ميلادي كانت منطقة نينوى ساحة لموقعة عسكرية حاسمة بين قوات البيزنطيين وقوات الساسانيين الفرس، لتنتهي بانتصار البيزنطيين. بنتيجة ذلك وقعت المنطقة، بما فيه مجمل بلاد فارس، تحت سيطرة البيزنطيين، وحرم على الفرس امتلاك جيش عسكري منظم، بما سمح لقبائل العرب القادمة من الصحراء بالانتصار على الفرس عام 637 ميلادي، ليختفي كل ذكر للمدينة.
بقيت المدينة معروفة لنا بفضل العصر المسيحي حيث لعبت دورا مركزيا في كتاب يوحنا ( سفر يوحنا)، المذكور في التوراة. هذا الكتاب جرت كتابته قبل بضعة مئات من السنوات من حكم الملك العبري جيروبوام الثاني Jeroboam II (786-746 BCE).
كتاب يوحنا جرت كتابته مابين 400-500 قبل الميلاد ويشير الى احداث جرت قبل عهد الملك العبري جيروبوام بمئة عام. وفي هذا الكتاب يظهر ان المدينة حماها الرب من غضبه في حين ان كتابات اخرى في التوراة تشير الى ان تدمير المدينة جرت بأرادة الرب (نبوءة التوراة هذه جرى كتابتها بعد تدمير المدينة واعيد صياغة النص ليتطابق مع الاحداث وكأن النبوءة صدقت).

الضريح القديم للنبي يونس، حسب الاساطير
سفر طوبيا ( طوبيا عبرية، من كلمتين، وتعني الاله الطيب) التوراتي جرى كتابته في نينوى وفي انجيل ماتيس (0:41) و لوكاس (11:32) يعيدون الاشارة الى المدينة. وتماما مثل بابل، لم تقوم النصوص التوراتية أبدا بذكر شئ ايجابي عن نينوى في حين كان التركيز على رب العبرانيين. في الواقع التوراة والانجيل لم يذكروا اية ميزة ايجابية للحضارة الاشورية او البابلية.
سفر ناحوم Nahum 3: 7 كتبه النبي ناحوم الالقوشي، ( ناحوم كلمة عبرية وتعني المعز) وفيه نبوئته التي تقول:" و يكون كل من يراك يهرب منك و يقول خربت نينوى من يرثي لها من اين اطلب لك معزين"
ومع ذلك فأن نينوى كانت اكثر المدن تقدما في عصرها، فكريا وحضاريا، وبالتأكيد كان هناك الكثيرين من الذين حزنوا على دمار المدينة.

بقيت اطلال المدينة مطمورة تحت التراب الى ان اكتشفها الباحث Austin Henry Layard in 1846 and 1847 CE. وفيما بعد استمرت الابحاث والحفريات من قبل Campbell Thompson and George Smith.
تتألف المنطقة من تلتين الاولة تلة قونيج والثانية تلة النبي يونس ( يوحنا) وفيها قصر آشور آحي يدينا. وتلة النبي يونس لم يجري التنقيب فيها بسبب وجود مقبرة وضريح النبي يونس عليها، على اعتبار انه من مقدسات المسلمين، مع انه لاتوجد اية حقيقة تاريخية تدعم هذه الادعاءات. غير ان داعش قامت بتدمير الضريح عام 2015. وقبل ذلك، في التسعينات، في عصر صدام حسين، جرى نهب التلة وسرقت بعض اللوحات التي عُرضت في الاسواق العالمية للبيع. وبما أن التلة كانت مهددة من تقدم البناء الذي احاط بها من كل الجهات، لذلك كانت توجد على لائحة اليونيسكو بين المناطق العشرة الاوائل المهددة منذ عام 2010، ولكن ذلك لم يشفع لها من التعرض للتدمير على ايدي داعش

مدينة نينوى
مدينة آشور
نمرود
بابل
Kalhu
العموريين
القوش
 
اربيل