التاريــخ
 
 
28-12-2015


تاريخ مدينتي اور واوروك السومرييتين


اور مدينة سومرية في جنوب مابين النهرين. حسب التوراة سميت المدينة على اسم الشخص الذي أسسها، غير ان ذلك لاصحة له، تماما كما انه لاصحة لادعاء التوراة ان ابراهام غادر هذه المدينة مع أهله وهاجر الى حاضرة الكنعانيين. بعض الباحثين يعتقدون ان ابراهام هاجر من مدينة اورا الواقعة الى الشمال قرب مدينة حران، وأن كاتب رواية التوراة خلط بين المدينتين.
وبغض النظر عن مدى صحة رواية التوراة فأن مدينة اور كانت ميناء يقع مباشرة على الخليج ، وعلى الاغلب، بدأت كقرية في العصر العبيدي حوالي 5000-4100 قبل الميلاد، لتصبح مدينة في 3800 قبل الميلاد. وبقيت مسكونة حتى 450 قبل الميلاد.

عام 1922 قام السير ليونارد ولي (Sir Leonard Wooley) بالتنقيب ليكتشف اول مقبرة ملكية، وليخرج بالادعاء انه عثر على اول اثار الطوفان العظيم، وهو الادعاء الذي جرى دحضه لاحقا.
في زمن عظمة المدينة، كانت المدينة واسعة للغاية وكانت تجارتها تصل الى الهند. اليوم تقع اطلال المدينة بعيدا عن الخليج الفارسي لكون الطمى التي حملتها فيضانات دجلة والفرات قد طمرت الخليج الى حدوده الحالية.

الحفريات تؤكد ان المدينة كانت غنية في عهودها المبكرة والرفاهية التي كان سكانها يتمتعون بها لم تكن معروفة في مدن الرافدين الاخرى. اسماء ملوك الاولى للمدينة معروفة لنا من صحيفة اسماء الملوك السومرية والكتابات التي جرى العثور عليها في المقبرة. ملوك الاسرة الثانية نعرف عنها ايضا الاسماء فقط بدون اية تفاصيل. ذلك لان الكتبة الاوائل ماكانوا يجدون قيمة بالكتابة عن البشر الزائلين وانما فقط عن الالهة الخالدة في حين ان حياة البشر كانت لخدمة الارض والالهة.
اشباه الالهة مثل جلجامش وايتانا، كانت اعمالهم الخالدة تستحق التدوين، اما اعمال الملوك الفانية فلم تكن تستحق الاهتمام، فهم عبيد الالهة مثلهم مثل اي فرد اخر، وهو المفهوم الذي ورثته الاديان حتى اليوم.
مع قدوم سرجون الاكدي تغير الامر، إذ ان سرجون ابن مقدسة من كاهنات معبد انانا والذي يأتي بالتزاوج مع الله، وقد جرى العثور عليه في مجرى النهر من قبل احد العاملين في قصر ملك مدينة كيش، بفضل من الربة آنانا ورحمتها. لذلك كانت حياته تستحق التدوين. وحفيده نارام سين اشاع انه وصل الى مراحل اعلى من جده واصبح الها بذاته. وبهذه الطريقة وضعوا مثالا للملوك اللاحقة لكيفية التحكم بالناس واستخدام الدين لاخضاع الرعية بطريقة فعالة حتى اليوم.

قمة ازدهار اور كان في عصر الاسرة الثالثة (2047-1750 قبل الميلاد). في هذه الفترة جرى بناء زقورة اور التي لاتزال آثارها باقية حتى اليوم، وفيها عُثر على خراطيش الكتابة المسمارية. اشهر ملوك الاسرة الثالثة كان الملك اور نامو (Ur-Nammu) وابنه شولغي (Shulgi) الذين اهتموا بتطور الفنون والنوعية واسسوا عصر النهضة السومرية.

الملك اور نامو كتب اول الشرائع، حوالي 300 سنة قبل ان يكتب حمورابي البابلي شريعته. كما قام بأدارة دولته انطلاقا من انه الاب الاعلى الذي يقف على اعلى الهرم الاجتماعي ويقود ابنائه نحو الغنى والخير والصحة الطيبة. تحت ادارة اور نامو جرى بناء القسم الاعظم من الزقورة وازدهرت التجارة والصناعة والفنون التي كانت سمة من سمات السومريين.
يشير المؤرخ Paul Kriwaczek الى انه من اجل ان تكون منظومة بطرياركية فعالة لابد للرعية ان تعتقد ان البطرياك يتمتع بالقوة والسلطة واكبر منهم، تماما كما ينظر الطفل الى والده. لهذا الغرض يقدم الملك نفسه كبطل مقارنة بسرجون العظيم ليشجع الرعية على اتباعه في سعيه نحو مجد الامة.
ابنه شولغي، في سعيه للتفوق على النتائج التي قدمها والده، دخل مسابقة جديدة. لقد ركض 160,6 كيلومتر ، بين العاصمة اور والمركز الديني نيبور ، ذهابا وايابا في يوم واحد، من اجل افتتاح المهرجان الديني في كلا المدينتين. في عهد شولغي وصلت مدينة اور الى قمة ازدهارها. من انجازاته بناء سور طوله 250 كيلومتر حول حدود سومر لمنع قبائل المتوحشين، بأسم مارتو او تيدنوم، من الاعتداء على المملكة. التوراة يسمي هذه القبائل باسم الاموريين. هذا السور استمر الاشراف عليه ورعايته من قبل ابن شولغي وابن ابنه وابن ابن ابنه، ولكن، في النهاية سقط امام هجمات القبائل البرية. لقد كان السور من الطول بحيث لم يكن بالامكان حراسته كما ان نهاياته لم تكن متصلة ببعضها.
عام 1750 قبل الميلاد قامت مملكة عيلام المجاورة باجتياح السور ونهبت اور وساقت اخر ملوك الاسرة الثالثة اسيرا، لتأتي نهاية السومريين.

نهاية مدينة اور
في العهد البابلي القديم (2000-1600 قبل الميلاد) كانت اور اهم المدن السومرية ومركز التعليم والفنون. حسب المؤرخ Gwendolyn Leick كان الملوك الذين استولوا على اور يحرصون على ابراز الاحترام لآلهة اور من خلال ترميم المعابد. وحتى ملوك الكيشيون (Kassite) القادمون من جبال زاغروس، والذين احتلوا المنطقة لاحقا، تابعوا ذات التقليد في احترام اديان السومريين تماما كما تابعه ملوك الاشوريين ايضا.
استمرت المدينة مسكونة حتى عصر الاخمينيين (550-330 قبل المسيح) ، غير أنه بسبب التغييرات البيئة والطقس بدأت هجرة واسعة نحو الشمال او نحو بلاد الكنعانيين، كما فعل ابراهام وعشيرته، حسب اعتقاد البعض. اضافة الى ذلك ضعفت اهمية اور مع ابتعادها عن شواطئ الخليج الفارسي لتنتهي الى اطلال حوالي 450 قبل الميلاد.

انطمرت المدينة تحت الرمال حتى جاء المكتشف Pietro della Valle 1625 CE والذي لاحظ كتابات غريبة على طابوق من الطين، والذي جرى تعريفه لاحقا بالكتابة المسمارية، كما لاحظ رسومات على اسطوانات، خرطوشات، لختم المباني او لكتابة الرسائل. عام 1853-1854 ميلادي جرت الحفريات الاولى من قبل John George Taylor لصالح المتحف البريطاني والذي لاحظ ان الكثير من الاطلال لربما قبور سكان بابل المفقودة.
الحفريات النهائية قام بها Sir Leonard Wooley, عام 1922-1934 ميلادي بتفويض من المتحف البريطاني. من ضمن اكتشافاته مقابر لستة ملوك من بينهم الملكة بوابي والمعروفة ايضا بأسم شوب آد (Puabi, Shub-ad) وكنزها. اكبر واغنى المقابر تسمى The Great Death Pit, حيث عُر فيها على ستة حراس و68 خادمة. كانوا يحملون اساور من الذهب والفضة، عدا واحدة منهن كانت لاتزال تمسك بالاسوارة الفضية في يدها، على مايبدو ماتت بتأثير الشراب السام قبل ان تلحق بوضع الاسوارة في مكانها الصحيح. كما عثروا على دلائل عن طريقة احتفال سكان اور بالانتصار على اعدائهم واحتفالاتهم في ايام السلم.

مدينة اوروك
Mask of Warka-Lady of Uruk
وجه ربة الخصب اينانا
اوروك كانت واحدة من أهم مدن وادي الرافدين، وفي لحظة تاريخية كانت الاهم على الاطلاق. حسب لائحة الملوك السومرية نشأت المدينة على يد الملك ين ميركار Enmerkar حوالي 4500 قبل الميلاد. تقع المدينة في جنوب منطقة السومريين وكانت تسمى باللغة الارامية ايريخ Erech ولذلك يعتقد ان هذا الاسم الارامي هو اصل تسمية البلد بأسم العراق.
تشتهر مدينة اوروك ببطلها الملك جلجامش العظيم وسعيه في البحث عن الخلود. تعتبر اوروك اول مدينة في العالم ينطبق عليها تعبير المدينة، اول مدينة مبنية من الحجر واحجار منحوتة وأصل الزقورات واول مدينة اخترعت الخرطوشة للكتابة ولختم الاملاك والوثائق. وعلى خلفية ان الاختام كانت تستخدم للتعريف بالاشخاس، مثل التوقيع اليوم، ومثل العلامة التجارية للمحافظة على السمعة، يمكننا القول ان في اوروك نشأ مفهوم الانفصال بين الفرد والجماعة، لتتكون الشخصية الفردية.
وقد بقيت المدينة مسكون بدون انقطاع من تاريخ تأسيسها والى عام 300 قبل الميلاد، حيث تركها سكانها لاسباب طبيعية وغير طبيعية. بقيت المدينة مطمورة تحت الرمال الى ان اكتشفها 1853 CE av William Loftus.

يطلق على التاريخ السابق للكتابة بالعصر العبيدي ، نسبة الى تل عبيد، وقد ابتدأ من تاريخ 5000-4100 قبل الميلاد. بعده يبدأ عصر اوروك (4100-2900 قبل الميلاد)، وهو العصر الذي بدأت فيه المدن بالنشوء في حوض الرافدين. عصر اوروك ينقسم الى 8 مراحل، حسب طبقات الاطلال. كانت المدينة في أوج عظمتها من في الفترة 4100 الى 3000 قبل الميلاد ولكن لا احد يعلم الاسباب. من حيث ان مدينة أور كانت تملك موقع اكثر أهمية، مباشرة على الخليج، يفترض ان اور وليس اوروك، هي التي يجب ان تلعب الدور الاكثر أهمية، ولكن الامر لم يكن كذلك.
الصناعات القادمة من اوروك أمكن العثور عليها في جميع انحاء وادي الرافدين. أحد الامثلة على ذلك، حسب المؤرخ Julian Reade، هو الصحن الفخاري الذي يشار اليه بتعبير beveled-rim bowl. هذا الصحن يبدو ان له وظيفة تجارية، وبالذات ليكون قياس للدفع، حيث يعطى العامل اجرته بالحبوب بمقدار مايتمكن الصحن من احتوائه ليكون أول معيار قياسي. والغريب انه كان يجري تحطيمه على الفور بعد اتمام عملية التبادل وكأن الصحن معيار لمرة واحدة. لهذا السبب جرى العثور على كميات كبيرة منه في كل مكان، من اوروك في الجنوب الى ماري في الشمال. في ذات الوقت يعتبر النموذج الاول على الانتاج الحرفي الكبير.

Facade of Inanna's Temple at Uruk
حائط معبد اينانا
كما جرى تقسيم المدينة الى قسمين، صوب أينانا وصوب آنو، على شرف الربة اينانا، ربة الخصب، وابوها آنو العظيم. القناع المشهور المسمى قناع الوركاء او `The Lady of Uruk' يعتقد انه تصور لوجه اينانا وكان جزء من عمل اكبر في معبد اينانا. صوب اينانا كان يحوطه سياج جميل من الطابوق ، ولكن ليس معلوما اذا كان السبب من اجل الطقوس او من اجل عزل صوب اينانا عن بقية المدينة.
المؤرخ Samuel Noah Kramer يعتقد ان السبب يمكن ان يكون بالترافق مع هبوط المستوى الاجتماعي للنساء وانتقاص حقوقهم عكسا مع ازدياد نفوذ الذكور على الدولة العسكرية.
اينانا لعبت دورا رئيسيا في ميثالوجيا وتاريخ اوروك لكونها هي التي سرقت الميه المقدس من الرب اينكي الذي سكن المدينة المقدسة اريدو وجاءت بها الى اوروك. هذه "المها" وظيفتها التمكن من فك رموز الكتابة المسمارية في الصحف التي كتبتها الالهة والتي تشكل الاساس للمعرفة التي امتلكتها الحضارة السومرية. نقل مها من مدينة الى مدينة هو نقل السلطة والمكانة الى اوروك. في اسطورة اينانا والحكمة الالهية، يحاول الاله اينكي استعادة الحكمة مها بعد ان اكتشف سرقتها ولكنه يفشل. بنتيجة ذلك ضعفت مكانة اريدو وارتفعت مكانة اوروك بسبب حكمة الربة وارادتها.

في الفترة اللاحقة على السلالة المبكرة (2900-2334 قبل الميلاد) بقيت اوروك محتفظة بدورها والقوى الجديدة صارت تحكم انطلاقا من المدينة. السور الذي كان يحيط بالمدينة، والذي يقال ان الملك جلجامش هو الذي بناه، كان لازال باقيا عندما تمكن الملك Eannutum من الاحتيال لاستلام السلطة وتأسيس حكم اسرته في عام 2500 قبل الميلاد. الملك الذي تلاه Lugal-Zage اختار اوروك عاصمة لامبراطوريته وسكنه. وفي عصر ازدهار الامبراطورية الاكدية استمر سرجون في الادارة من اوروك وجدد معابد آنو واينانا.

وحتى عندما فقدت المدينة اهميتها لصالح اور، في الفترة 2047-1750 قبل الميلاد استمرت على لعب دورا هاما. مع سقوط مدينة اور عام 1750 قبل الميلاد وسقوط سومر تحت اقدام العيلاميين والاموريين، بقيت اوروك وحدها الشاهدة على عصر سومر. واستمرت المدينة في العصر السلجوقي والبارثي في حين ان بقية مدن سومر كانت قد اصبحت تحت الرمال. عاشت المدينة فترة طويلة للغاية امتدت الى خمسة الاف سنة ولم تنتهي وتندثر الا بعد دخول العرب المسلمين الى ارض سومر في عام 630 ميلادي. ان المدينة عاشت هذه الفترة الطويلة، اطول من اي مدينة اخرى، وماتت فقط بعد دخول العرب المسلمين ، يدلل على موقعها الهام وحيوتها. لااحد يعلم لماذا لم تتمكن من معايشة زحف قبائل البدو العرب وانتهى تاريخها على ايديهم.

 
الامبراطورية الاخمينية
الكيشيين