التاريــخ
 
 
28/05/2011


الوباء الذي قضى على اوروبا


انتشار الطاعون
خارطة انتشار الطاعون
عرف العرب الطاعون في مراحل مبكرة إذ ذكره عمر بن الخطاب (راجع الحاشية الاولى) ولربما اشارة القرآن الى "الحجارة السجيل" تعني مرض الطاعون ايضا، غير انه، على مايبدو كان جديدا على غالبية اقسام اوروبا ( راجع الحاشية الثانية)، إذ عرفته اوروبا للمرة الاولى، على الاغلب، في القرن الثالث عشر لتمر بوباء غير مسبوق. وسكان القارة الاوروبية تساقطوا كالذباب ضحية لهذا المرض بحيث ان اقسام كبيرة من القارة اصبحت خالية من السكان الى درجة الاعتقاد ان يوم القيامة قد حلت. في القرن الثامن عشر قرر الاطباء ان الوباء كان طاعون نشرته الجرذان. لاحقا جرى التشكيك في هذه الفرضية، ولكن تحليل الحمض النووي يلقي اضواء جديدة.

البداية كانت في الصين عام 1334. وباء طاعون بدأ في الانتشار ببطء نحو الغرب، على الاغلب بفضل طريق الحرير والتجارة الزاهرة. بعد يضعة سنوات، تحديدا في عام 1346، كان المغول في مسيرة فتوحاتهم نحو اواسط اسيا ومع الحملة المنغولية التي كانت تحصار مدينة كافا، وصل الوباء الى البحر الاسود. .

بعدما بدأ جنود المغول بالتساقط كالذباب فهم القائد المغولي انه لم يعد بالامكان كسب الحملة، فقرر الانسحاب. غير انه ترك ورائه هدية لاتنسى. لقد قام بتقديم المنجنيقات الى قرب اسوار المدينة ليقذف اجساد جنوده الميتة بالوباء الى داخل الاسوار ناقلا العدوى الى المدينة. ذلك يعني انهم لاحظوا ان العدوى تنتشر من شخص الى آخر، ومن خلال هذه " الحرب البيلوجية" اشعل عملية عدوى هائلة اجتاحت مناطق جغرافية واسعة.

لم يمض الا وقت قليل حتى بدأت الجرزان بالموت الجماعي. بعد ذلك بدأ البشر يصابون بالمرض لتظهر على اجسادهم دمامل متقرحة تحت الابط وفي ثنيات مابين الساقين. بعد ثلاثة ايام يوم المصاب موتا مؤلما والبعض الاخر يموت بعد يوم واحد وهم يسعلون الدم. سكان مدينة كافا، التي كانت مستعمرة تجارية عائدة لجنوى الايطالية، اصيبوا بالذعر بعد انتشار المرض واصبح التجار والسكان يتتدافعون الى المراكب الراسية في الميناء، ليهربوا ناقلين معهم الوباء الى الاماكن الاخرى. من خلال البوسفور وبحيرة مرمرة والدردنيل انتقلوا الى البحر المتوسط. ومنذ دخول مراكبهم الى المتوسط كانت بعضها قد صارت مجرد مراكب اشباح تتقاذفها الامواج والتيارات بدون هدف وجميع ركابها من الاموات. وصل الوباء الى القسطنينية والاسكندرية وسوريا، ولكن اوروبا اصيبت بشكل خاص. احد المراكب تمكن بقية ركابه الاحياء من توجيهه الى ميناء ميسينا على جزيرة سيسيليا ليصل الطاعون الى جنوب اوروبا.

انتشر الوباء الى اعالي ايطاليا وسويسرا بايرن ثم الى اسبانيا وفرنسا وفي بداية عام 1348 كان قد توطد في مدينة افيغنون جنوب فرنسا، حيث مات في ليلة واحدة جميع خوارنة احد الاديرة.
بعد نصف سنة اخرى بدأ الوباء يحصد ضحاياه في شوارع باريس ثم هولندا والمانيا لعبر بعد ذلك القنال الى انكلترا.

في عام 1348 حملت التيارات البحرية احد المراكب الى شواطئ جيلاند الرملية في غرب الدانمارك، حيث غرز في الرمال. كان السكان المحليين ينظرون الى المركب الصامت، الذي لايصدر عنه اي اشارة على الحياة، بقلق وفضول. بعد ذلك صعدوا الى المركب ليجدوا ان جميع ركابه من الاموات. غير انهم استولوا على جميع حمولة المركب ونقلوها الى اليابسة ومعه الوباء. في السنة التالية كان الوباء قد عم غالبية الدانمارك. في الصيف ذاته وصل الوباء الى النرويج بالطريقة نفسها إذ ان مركب جاء من انكلترا الى ميناء بيرغين النرويجي ، على الاغلب كان لازال فيه بعض الاحياء لانه وصل الى الميناء الذي كان يقصده. بعد تفريغ المركب انتقل الوباء الى النرويج. عام 1350 انتقل الوباء الى السويد. كان الانتقال سريعا ونتائجه كارثية.

من المحتمل، ولازال الامر غير محسوم، انه لم يكن وباء لنوع واحد من الطاعون وانما اجتاحت اوروربا واسيا الانواع الثلاثة سوية: طاعون الدمامل، طاعون الرئة وطاعون الدم.

طاعون الدمامل
طاعون الدمامل
نسبة الموت عند الاصابة بطاعون الدمامل تصل الى 70% في حين ان النوعين الاخريين يؤديان الى نسب موت اعلى تصل الى 100%. وفترة الحضانة كانت طويلة للغاية الامر الذي سبب سرعة الانتشار. ولكن بعد ظهور الاعراض الشنيعة تصبح النهاية على الابواب بسرعة. الاعراض تبدأ بإرتفاع حساسية المفاصل وشعور بالبرد تنتهي بالحمى والتعرق قبل ان تبدأ الدمامل، التي يمكن ان تكون كبيرة بقدر التفاحة، بالظهور تحت الابط وبين الفخذين قبل ان تنتشر على كامل الجسم، وكأن المريض مقذوف بحجارة من سجيل. الدمامل ممتلئة بالدم والمصاب يموت في البضعة الايام التالية. كانت الناس تسير في الشوارع بلا هدى ورؤسها منحنية تعاني من الرعشة والحرارة والالام والتقيئ والبطون المنفوخة. الكثير منهم كانوا عراة والدمامل المتقرحة ظاهرة للعيان.

المرضى الذين ماتوا، بما يعتقده الاخصائيون انه طاعون الدم، يصابون ببقع سوداء فوق اجسامهم إذ انه تحدث انسدادات في الاوردة الدموية تؤدي الى موت الانسجة وسقوط الاعضاء (الجذام) غير ان دورة المرض تبقى على الاقل بنفس السرعة مثل النوع السابق والنهاية واحدة.

الامر نفسه بالنسبة لطاعون الرئة والذي ينتهي مئة بالمئة بالموت مع بعض الاستثناءات. مناطق كبيرة في القارة الاوروبية اصبحت خالية من السكان، إذ على الاقل ثلث سكان القارة قضوا حتفهم. فيما بعد جاءت موجات جديدة من الطاعون استمرت حتى منتصف القرن السابع عشر. على الاغلب مات حوالي 75 مليون اوروبي والناس كانت على الدوام تتساءل ماهي اسباب هذه اللعنة.

كما هي العادة يسارع الغالبية الى الجواب الاسهل: الله غضب على البشر ويعاقبهم على اخطائهم. مثل هذا الجواب تؤججه المؤسسة الدينية لاستخدامه سلاحا لاخضاع الناس وترسيخ سلطتها ومنعهم عن التفكير السليم. مع نقص العلم بالبكتريا والفيروسات والجهل والسذاجة كان من الطبيعي ان تستغل المؤسسات الدينية الامور لصالحها. الطاعو هو غضب من الله وعقابه على الفساد والفاحشة وعدم طاعة اولي الامر ورجال الدين، كان هو التفسير الشائع في العالم المسيحي والاسلامي على السواء. تحت تأثير هذه التفسيرات كان ليس من النادر ان نرى الافراد والجماعات تطلب العفو متضرعة بصوت عالي وهم يضربون ظهورهم بالسلاسل والدماء تسيل منهم، تماما على نفس الطريقة الشيعية اليوم. البعض الاخر كان يربط حبلا حول رقبته ويطوف حافيا مرتديا الاسمال.

غير ان البعض الاخر كان يرى ان مثل هذا التفسير يعني ان الله يعاقب على التعميم لايفرق بين عصاة ومؤمنين ولاعلاقة لتقديراته بالواقع لذلك نجدهم خرجوا عن طاعة الكنيسة ورجال الدين وبدؤا حياة العربدة الصاخبة مستمعتين بايامهم الباقية القليلة. وحسب المؤرخ Closener من ستراسبوغ اصبح الفلاحين المأجورين يرفضون العمل ويقضون ايامهم في مداعبة النساء والسكر غير عابئين بيوم الاخرة.

فيما بعد، بعد انتهاء الوباء، وقفت غالبية السكان الباقون على قيد الحياة ضد المجموعات التي راق لها الاستمرار بنمط الاستمتاع بالحياة ورأى السكان في سلوك هذه الجماعات ضرر بمصالحهم في العودة الى الحياة الكلاسيكية وساندهم البابا بإعلان لعنته عليهم لتموت الحركة وتختفي.

الطاعون رأف بالطائفة اليهودية كثيرا ، على الاغلب، بسبب انهم منعزلين عن المجتمع المسيحي ويعيشون في جيتو خاص بهم وطقوسهم الدينية تتطلب نظافة اعلى من التي كانت سائدة في المجتمعات المسيحية القديمة. غير ان بقاء الكثيرين من اليهود اصحاء اصبح مثير لسوء الظن. انتشرت الاشاعات ان تجار اليهود قاموا بتسميم الابار ونشروا الوباء من اجل اجتثاث المسيحيين. هذا الامر اثار الغضب فقامت انتفاضة ضد اليهود ادت الى قتل الكثير من اليهود ونهب املاكهم على نمط الفرهود ومجزرة اليهود في العراق عام 1941.

غير ان البابا ادعى ان الخارجين عن طاعة الكنيسة والساعين الى المتعة هم الذين نشروا الاشاعات الكاذبة ضد اليهود وحفزوا الكراهية وطالب بالتمسك بالهدوء والتعقل. بذلك شاع انه لاتوجد مبررات لتوجيه الاتهام الى جماعة اثنية وان المرض ظاهرة طبيعية تنتشر مع الهواء. لذلك اصبحوا يغلقون الابواب والنوافذ ويلبسون الاقنعة. فقط ريح الشمال كانت تعتبر صحية غير حاملة للامراض.

توجد الكثير من الملاحظات والاراء حول كيفية انتشار المرض وحول عوارضه، غير ان الكثير من التشخيصات والعوارض والرسوم قادمة الينا من فترة لم يكن فيه للعلم اي وزن والملاحظات غير دقيقة بحيث انه توجد مساحة كبيرة للالتباسات والظن والاجتهادات.

منذ قبل مائة عام كان الانطباع العام ان المرض تلعب فيه عوامل ثلاثة: البق والقمل والجرذان السوداء ونوع من البكتريا. وهذه الاستنتاجات جاءت بنتيجة الدراسات التي جرت في عام 1894 عند وباء هونغ كونغ وانتشر لبقية العالم. الفرنسيين ارسلوا عالم البكتريا Alexander Yersin, الذي اكتشف بكتريا الطاعون، وبنتيجة ذلك اطلق على البكتريا اسم Yersinia pestis.

البكتريا تصيب القوارض على العموم والجرذان على الخصوص وتنقل المرضالى الانسان عن طريق القمل من نوع Xenopsylla cheopis. والجرذ الاسود Rattus rattus كان في العصور الوسطى ، يعيش قريبا جدا من البشر في البيوت والمراكب، وتعتبر الناقل الرئيسي. غير ان الامر ليس بدون اعتراض.

بعد سنة او اكثر قليلا من وباء هونغ كونغ ظهر وباء الطاعون في الهند والسلطات شكلت لجنة لدراسة الموضوع بنتيجته قدمت تقريرها. لايوجد في التقرير مايدل على ان الطاعون المعني هو نفسه طاعون القرون الوسطى. على العكس كل الدلائل تشير الى مايعارض ذلك. طاعون الدمامل ينتشر بسرعة بطيئة نسبيا وهو عكس ماحصل في وباء القرون الوسطى. وفي كتاب " الموت الاسود" للكاتب غوردون توينغ (*) اشار الى ان الطقس في اوروبا في القرن الثالث عشر كان باردا بما لايسمح للجرذان السوداء بالحياة، حيث يقول:" طاعون الدم هو مرض استوائي في الواقع، إذ ان الوباء يحتاج من جهة الى درجة حرارة على الاقل 21 مئوية لمدة بضعة اسابيع ومن جهة ثانية ناقلين يعيشان في المناطق الدافئة هما الجرذ الاسود والقمل الخاص به".

الجرذ
الجرذ حامل القمل ناقل المرض
آيسلند، التي اصيبت ايضا بوباء العصور الوسطى، لم يكن يعيش فيها جرذان في ذلك الوقت وانما جاءت الجرذان اليها للمرة الاولى بعد 300 عام. وكل العوامل تشير الى ان اوروبا هي القارة الوحيدة التي يصعب على الطاعون العثور على موقع قدم فيها، من جهة لكون الفترة الوحيدة التي تملك القارة حرارة كافية هي في فترة صيف حار. وليس كل صيف تكون الحرارة فيه كافية لنمو البكتريا المعنية ومن جهة ثانية لعدم وجود قوارض تملك مناعة ضد المرض لتكون حاملة للمرض، في حين ان القارات الاخرى تملك مثل هذه القوارض. عند اصابة جرذان اوروبا بالمرض يموتوا بسرعة ولاتملك بكتريا الطاعون الوقت الكافي للانتقال الى الانسان.

الباحث صموئيل كوهن Samuel K Cohn, قام بدراسة تقرير اللجنة الهندية واشار الى انه في وباء القرون الوسطى الاوروبي لاتوجد ملاحظات عن حدوث موت جماعي للجرذان سبق حدوث الوباء ، على الرغم من ان ذلك ظاهرة شائعة متكررة في مثل هذا الوضع. ودراسة التقرير اظهرت ان 95% من المصابين في بومباي كان لديهم دملة واحدة فقط عند الفخذ. وطاعون الدمامل ليس معروف عنه ان نسبة الموت فيه مرتفعة للغاية ، إذ اقل من ثلاثة بالمئة من المصابين ماتوا في خلال الوباء. في وباء القرون الوسطى تحدثت الارقام لغة مختلفة.

الباحثة سوزان سكوت والبروفيسور كريستوفير دونكان (Susan Scott, Christopher Duncan), في دراستهم باسم " العودة من الموت الاسود" The Return of The Black Death, ان طاعون الدمامل، كما نعرفه اليوم، لم يصبح ابدا وباء شامل وانما وباء محلي. هذا الاستنتاج بعد دراسة وثائق بريطانية من القرن الخامس عشر الى القرن الثامن عشر، وتابعوا تطور كل حدث من هذا النوع. وقد لاحظوا ان فترة حضانة المرض 32 يوما ومنهم 10-15 يوم لا يظهر منهم اية اعراض، وفيها يكون المريض غير مُعدي. ولكن في الايام التالية يصبح مُعدي للغاية على الرغم من انه لايظهر انه مريض. بعد ذلك يحتاج الى خمسة ايام ليصل الى حد الموت.

كون فترة الحضانة تصل الى الشهر يعني ان المرض يملك مايكفي من الوقت لينتقل الى مسافات بعيدة وينتقل الى الاخرين على مسافات شاسعة. وحتى اليوم يشار الى ان الوباء جاء موجات متتابعة على مدى 300 سنة ولكنه في كل مرة كان تأثيره يصبح اضعف. وقد ازداد عدد الاشخاص الذين يملكون مناعة ضده مما يعني ان هناك طفرة على المستقبل CCR5-recept, delta-32-mutation. وهو عبارة عن تغيير جيني شائع في اوروبا اكثر من بقية انحاء العالم ولكن هذه المناعة تتعلق بالفيروس فقط وليس بالبكتريا مثل بكتريا الطاعون.
لكل ماسبق لايعتقد الباحثان سكوت و دونكان ان وباء القرون الوسطى جاء من القمل والبق والجرذان حاملا معه البكتريا وانما الاغلب ان فيروس هو السبب.

الطاعون
الطاعون
غير ان الامور تتغير من جديد. في السابق لم يكن الباحثون يملكون براهين من الحمض النووي، غير انه الان جاءت الاخبار من باحثين من جامعة توبينغين الالمانية انهم بالتعاون مع باحثين بريطانيين، فحصوا اقسام من هياكل عظمية تعود لمقبرة جماعية من العصور الوسطى وتمكنوا من إعادة بناء الحمض النووي لبكتريا طاعون العصر الوسيط. وفحص اخر لاسنان من 76 هيكل من مقبرة في فرنسا والمانيا وايطاليا وهولندا اثبت ان بكتريا الطاعون Yersinia pestis هي التي سبب وباء عام .1347

في السابق كان الاعتقاد ان بكتريا وباء العصر الوسيط كانت اكثر وحشية عن المنتشرة اليوم غير ان خارطة الجينوم اشارت الى عدم وجود اختلافات كبيرة. بذلك يكون سبب الاختلاف الكبير في التأثير ليس في البكتريا وانما في الانسان. ان الكثير ماتوا كان بسبب ان الاوروبيين لم يقابلوا الطاعون ابدا في السابق ولذلك لم يملكوا ضده اية مناعة. حسب البروفيسور الالماني Johannes Krause.


حاشية اولى
خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ذاهبا إلى بلاد الشام، وكان معه بعض الصحابة.وفي الطريق علم أن مرض الطاعون قد انتشر في الشام، وقتل كثيرا من الناس، فقرر الرجوع، ومنع من معه من دخول الشام.فقال له الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ فرد عليه أمير المؤمنين: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! ثم أضاف قائلاً: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله؛ أرأيت لو أن لك إبلا هبطت واديا له جهتان: إحداهما خصيبة (أي بها زرع وحشائش تصلح لأن ترعى فيها الإبل)، والأخرى جديبة (أي لا زرع فيهما، ولا تصلح لأن ترعى فيها الإبل)، أليس لو رعيت في الخصيبة رعيتها بقدر الله، ولو رعيت في الجديبة رعيتها بقدر الله؟
هذا على الرغم من ان الحديث الشريف يقول : (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا) [رواه ابن ماجه].

حاشية ثانية
الظن ان الطاعون انتشر في الدولة البيزنطية في القرن 400 قبل الميلاد ولكنه كان محدود جغرافيا. والخبراء اليوم غير واثقين انه كان طاعون، فالوصف ينطبق على العديد من الامراض، ولذلك هم محتارون بين ان يكون طاعون الدم او تيفوس البقع او الجمرة الخبيثة او الحصبة او الجدري او ايبولا.

حتى في عام 165 اصيبت وسط الامبراطورية الرومانية بوباء، حسب الوصف القديم له، قد ينطبق على الطاعون ايضا وثلث السكان ماتوا. وبعد مائة سنة اخرى اصيبت الامبراطورية بموجة جديدة من الوباء سببت لها الضعف، الامر الذي سمح للقبائل الجرمانية على الحدود الشمالية، بالانتصار. غير ان الاعتقاد انه لم يكن الطاعون وانما الجدري او الحصبة.

في عام 541 انتشر مرض الطاعون في الصين ووصل الوباء القاتل الى الامبراطورية البيزنطية. التقديرات تشير الى ان 50% من سكان الامبراطورية قد ماتوا الامر الذي وضع الاساس لانهيار الامبراطورية اللاحق امام المد الفارسي والعربي. وهذه الموجة من الوباء اصابت بالدرجة الاولى حوض المتوسط ولم تصل الى وسط وشمال اوروبا، الامر الذي يوضح اسباب عدم امتلاك سكان اوروبا لمناعة طبيعية ضد الطاعون عندما وصل اليها عام 1347.

Graham Twigg (*) اشار في كتابه ان الوباء الذي اصاب اوروبا لم يكن الطاعون وانما الجمرة الخبيثة، وزاد من سوء الوضع ضعف المناعة لدى الناس في ذلك الوقت والجوع بسبب زيادة عدد السكان. هذا الامر اتفق معه الباحث نورمان كانتور.

حاشية ثالثة
Thucydides’s History of the Peloponnesian War
ثوكيديدس كتب لنا تاريخ المعارك بين اثينا واسبارطة. وعلى الرغم من انه حاول وصف الامراض بكل دقة قدر المستطاع ، الا ان معاني المصطلحات في عهده تختلف كثيرا عن معاني مصطلحاتنا، حتى لو كانت نفس الكلمات. في حرب عام 1430 بين اثينا واسبارطة، حيث الاخيرة كانت بارعة في المعارك البرية في حين الاولى بارعة في المعارك البحرية، كان الاقتراح بنقل المدن الى قرب البحر ليتمكن الاسطول من المشاركة في الدفاع. لذلك انتقل السكان الى اثينا القريبة من الميناء والتي تملك منظومة مياه حلوة واخرى للمياه الوسخة. بعد سنة من الانتقال الى اثينا، وفي الصيف ظهر وباء الطاعون (Ancient Agora Plague) وكان الاسبارطيين قد احتلوا Attica. الاوبئة كانت ظاهرة شائعة في العالم القديم واخبار انتشار الوباء جاءت في البداية من مدينة Lemnos, ولكن لم تكن مثيرة للقلق. ويقال ان هذا النوع جاء في الاصل من اثيوبيا عبر مصر. في البداية انتشر المرض في اطراف المدينة حيث بيوت المهاجرين ثم دخل اثينا، ولكنه مرض حمل معه نسبة عالية من الموت. وصف المرض يقول انه كان يحدث التهاب في القصبات وارتفاع درجة الحرارة واحمرار والتهاب الاعين في حين ان الفم واللسان والصدر يزداد احمرارهم وتخرج عنهم روائح كريهة. بعد ذلك يبدأ سيلان الانف وتلتهب الرئة ويحدث سعال شديد. والغائط يصبح فيه طيف من الالوان. الجلد لم يكن مرتفع الحرارة ولكنه محمر حتى الاسويداد وبه جروح وحساس للغاية الى درجة انه كان من المستحيل وضع الملابس عليه. كانت الغالبية تقفز في الماء لتخفيف آلامها. الموت يأتي بعد 6-8 ايام من بداية المرض، وإذا تمكن مريض من البقاء بعد هذه الفترة ينشأ لديه جروح في الاحشاء، وبسبب الاسهال القوي تحدث آلام كبيرة، وفي النهاية يأتي الموت. في القسم القليل الناجي تظهر اعراض الغرغرينا في الاطراف والاعضاء التناسلية ويصابون بالعمى او التهاب الدماغ وفقدان الذاكرة، فلايعرفون انفسهم او اصدقائهم. واشار الى ان اكثر جوانب المرض خطورة انه يسبب الضياع بحيث ان المريض يفقد قوة ارادته وتختفي قدرة الجسم على الدفاع ويصبح العوبة بيد المرض.

ملاحظات اخرى عامة تركها لنا تشير الى ان الوباء كان يأتي في فترات الطقس الحار ويبدأ في المناطق المزدحمة خارج اثينا، على الاخص المنطقة المسماة Piraeus. لذلك نجد ان المناطق المزدحمة كان من الشائع فيها بناء بيوت العبادة و إقامة الطقوس الدينية طالبة من زيوس العظيم الرحمة بدون فائدة حتى تقرر الطبيعة تغير الطقس فيتصور الناس ان الرحمة اخيرا قد حلت وإنا اضاحيهم ودعواتهم لم تذهب عبثا.
اثناء الثلاث سنوات من الحرب ارسلت اثينا العديد من الحملات على مدن الاعداء ونقلت العدوى معها، غير ان الاعراض المذكورة اعلاه لازال من الصعب الاعتقاد انها اعراض الطاعون. )Richard Crawley, 1876)



(*) The Black Death: A Biological Reapparaisal, auther: Graham Twigg, 1984