إزاحة الانثى في قصيدة الخليقة البابلية
يطمح الفن - على ما يقول
الفيلسوف الفرنسي جيل
دولوزفي كتابه «ألف هضبة» - «إلى
تحرير قوى الكون الغافية
وتنسيقها». وتكاد تنطبق هذه
المقولة على اشتغال كاتب
بابلي سبقنا بنحو أربعة آلاف
عام، وكتب قصيدة الخليقة
البابلية التي نعثر فيها على
صور مثلى للفوضى الأولية
والعماء الكوني والركود
والصمت والخواء، ومحاولة
كاتب القصيدة تقديم مثال
أسطوري عن تهدئة القوى
الكونية وتنسيقها وترتيب
العالم من عناصرها، مثلما
يقدم الهزيمة الأولى للأنوثة
في صراع السلطة بين الآلهة.
قدمت المخيلة البابلية
تصوراتها عن الأمر «قبل أن
تسمى السماء باسم أو تذكر
الأرض باسم» في قصيدة الخليقة
البابلية «إينوما إيليش».
وتتحدث « إينوما إيليش- حينما
في العلى» عن الصراعات
الدامية بين سلطة الأمومة في
أول تجلياتها الأسطورية بشخص
تيامات – وبين سلطة الأبوة
ممثلة بالإله مردوخ ابن الإله
إيا وزوجته دمكينا، ترد صيغ
كثيرة لموضوعة الخليقة في
الفكر الرافديني القديم سواء
كان سومريا أو بابليا، فمنها
من تنسب للعالم أصولا كونية
تتعلق بالإله آنو، إله السماء
السومري، بينما تتجه بعض
القصائد إلى إعطاء الإله أنكي
إله المياه العذبة، دورا
أساسيا في خلق العالم. وثمة
أساطير رافدينية أخرى تشير
إلى أن الإنسان ولد تلقائيا
من الأرض، بينما تتحدث بعض
الأساطير عن الإله آنو الذي
ولد من إخصاب السماء للأرض: «عندما
ولد الإله آنو زمن الفيض، حطم
البشر التراب كما يفعل العشب»،
وفي مدينة «نفرّ» مقر عبادة
الإله إنليل، أشارت الأسطورة
إلى أن إنليل خلق الإنسان
وصاغه بيديه، إلا أن قصيدة
الخليقة البابلية «حينما في
العلى - إينوما ايليش» احتلت
الصدارة في قيمتها الأدبية
وأهميتها في الفكر الأسطوري
الرافديني لأنها تحدثت عن
الإله مردوخ، شفيع بابل زمن
ازدهار الحضارة البابلية.