التاريــخ
 
 


القمر الاب الاكبر



المجتمعات الذكورية (التي ساد فيها الرعاة) قدَّست آبائها الغابرين الذين ارتفعوا إلى السماء الى "الرؤية" الاوضح التي تتوجه اليها الانظار كل ليلة من اجل ان ترشدهم في طريقهم لتصبح الاكثر مصيرية واهمية ووحدها التي تليق بروح الاجداد ليحلَّوا في صورة الجرم السماوي الأوضح الذي يرعى البدو ليلاً في البوادي، ولذلك ليس من العجب ان أصبح القمر محل تقديس الإنسان الرعوي فيقدَّم له القرابين والأضاحي المتنوعة ويحظى بإحترامه وتعظيمه. "ولتشابه قرني التيس أو الخروف أو الثور وبين شكل الهلال فقد تصور الإنسان أن هذا الحيوان إن هو إلاَّ ممثل معبوده على الارض ومن ثم قام بذبحه في طقوس خاصة، ثم يأكله ليتوحده في حشاه وبطنه بتلك الأيام الغابرة مع معبوده. ويرى بعض الباحثين أن الطقوس القمرية تغلب على فعاليات الأضاحي التي قدمها أو يقدمها الإنسان حتى يومنا هذا. وبدلاً من ذبح الأبناء كقرابين للآلهة (كما حدث مع ابن النبي إبراهيم، أو مع عبدالله بن عبدالمطلب) فقد تحولت بعض الجماعات الانسانية لاحقاً الى النظر الى عملية الختان التي تُعد ذبحاً جزئياً على انها تضحية بديلة وشكل من اشكال الحفاظ على العهد إضافة الى إدخال ذبح ضحية من الحيوان. أما قرابين المجتمعات الأمومية ( الاقدم) فقد اتسمت بممارسة الجنس الجماعي أو مشتقاته لاستجداء الخصب والميلاد والحياة للأرض والناس في طقوس جماعية في فترات ظهور القمر البدر.

وبتداخل المجتمعات الذكورية والأمومية عن طريق الهجرات المتتابعة للبدو الرعاة الى المجتمعات الزراعية تداخلت الآلهة كذلك، فزوَّجها العباد، ليتزوج القمر -إله الرعاة- من الشمس إلهة المزارعين. وككل الزيجات، كان لابد من استعادة قصة الأب والأم الأولين، فلا يأتي بعد الزواج سوى الأولاد. وهكذا ظهرت الزهرة كثمرة لهذا الزواج المقدس، وبهذا اكتملت أضلاع الثالوث الإلهي. ولكن باختلاف المجتمعات تبادلت الشمس والزهرة الأدوار فتارة الابن، وتارة الزوجة. لكن القمر بقي دائماً الذكر المطلق لسيادة الذكور المطلقة في منطقة سيادة البدو الرعاة.

آلهة القمر في اليمن القديم:

ينتقي سيد القمني الثالوث الإلهي في الجنوب اليمني في بحثه هذا، ليركز على آلهة القمر هناك لأهميتها القصوى الذي سنتبينها لاحقاً.

يشير القمني إلى أن "سين" هو كبير آلهة حضرموت، وقد كان "سين" إله القمر كذلك في بلاد الرافدين القديمة، ووجدت آثار له في سيناء المصرية التي قيل أن اسمها مشتق من "سين". ويحلل القمني اسم "سين"، ليدلَّل أن النون في الاسم هي أداة التعريف في اللغة العربية الجنوبية، و"سي" تدل على الشياة عموماً والتي تطوراً لاحقاً إلى شاة. وبهذا يكون معنى إله القمر "سين"هو الإله التيس. والتيس كان رمزا للاله القمر على مايبدو بسبب ان قرونه تقدم شكلا قريبا من شكل القمر عندما يكون هلالا، ونرى ان التيس كان رمزا شائعا في الحضارات التي عبدت القمر منذ البابلية الاولى، وهناك العديد من اللقى التي تشير الى اهمية التيس المقدسة. ويرى بعض الباحثون أن "سين" عرف في القرآن الكريم تحت مصطلح "ياسين"، سين هو اسم إله القمر.. الياء أداة نداء.

وعبد المعينيون اليمنيون "ود" إله القمر، الذي يدل اسمه على الودود والعطوف. ولُقِّبَ هذا الإله بنعوت شتى منها صدوق (الصادق)، نهى (الحسن)، رضى (الراضي)، حكم (الحكيم)، رحمن (الرحمن)، حريمن (القدوس)، والملك، والعادل، والعزيز..إلخ. وقد نسب المعينيون أنفسهم للإله ود، فأصبحوا أبناء إله القمر ود، ليطلقوا على أنفسهم "هود"، والهاء هنا تفيد الانتساب والبنوة كما يورد القمني.

المقة:

المقة: اسم إله القمر السبأي، والسبئيون يعتبرون أنفسهم أبناء المقة. وهذا الاسم الإلهي الشهير في بلاد اليمن الذي ورد النقوش المكتشفة أكثر من ألف مرة أثار شهية الباحث في نفس سيد القمني لينقب أكثر في دلالة الاسم. وقد حدد القمني اشكاليتين في الاسم: هما (ال) في بداية الاسم الإلهي الذي لا يدل على التعريف في اللغات العربية الجنوبية والشمالية. ثم (التاة المربوطة) في نهاية المقة التي تدل تلقائياً على الأنثى في العربية الشمالية والجنوبية، إلاَّ ذلك ليس منطقياً للدلالة على إله ذكر.

يقرر القمني أن (ال) هي (إل) التي تعني باللغات الساميَّة الإله أو الله. ثم يلتفت إلى "مقة"، التي لجأ الباحثُ إلى نصوص قتبانية (تعود لحضارة يمنية) ليتجاوز إشكاليتها. فمن خلال تحليل النص: "مختن ملكن بمكي"، والتي تكون ترجمته كالتالي: "مذبح الملك بموضع مكي". يربط القمني بين "مكي" القتبانية ب"مقة" السبأئية، مع استذكاره "إل" أي إله. فيصبح معنى الكلمة "المقة" إله مقة أو إله مكة مع استدراك القمني أن شعب اليمن يقلب القاف إلى الكاف في لهجتهم، فتكون تصبح مقة=مكة. وكون "مقة" أو "مكة" هي موضع مذبح (معبد) مقدس (أي حَرَم)، فتكون ترجمة "المقة" هي إله الحَرَم المقدس بمكة.

ثالوث إل:

الزواج المقدس بين إل (إله السماء الذكر) واللات (إلهة الشمس الأنثى-التاء فيها للتأنيث) أنجب وليداً إلهياً يسمى (عثتر سمين) أي عثتر السماء، وقد أشارت له النصوص ب آزيزوس (العزيز) لتقدمه الشمس عند شروقها، ومونيموس (المنعم) لظهوره بعد الشمس عند غروبها. وقد أكمل الزهرة عند عرب الجنوب الثالوث المقدس. والعزيز أو العزين يقابله في العبرانية (عزيم) وهو الماعز، وخصوصاً التيس. هذا يعيد صفة الأب القمر كخروف أو تيس، ليؤكد حمل الابن (الزهرة) صفات الأب.

إلى مكة:

بعد انهيار سد مأرب نزحت القبائل اليمنية شمالاً. واستقرت خزاعة في المنطقة التي أصبحت تعرف اليوم ب"مكة". وكان طبيعياً أن تحمل هذه القبائل معتقداتها معها، نتج عن ذلك ارتحال "رب البيت" مع أصحابه ليتقدس له بيت جديد على الأرض في مكة!

والروايات الإسلامية تقول أن عمرو بن لحي الخزاعي (وخزاعة قبيلة يمنية) كان أول حاجب للحرم المكي، وربما هذه الرواية عكستْ الرواية الأقدم أن جرهم اليمنية كانت أول ساكني مكة بعدما ترك النبي إبراهيم ابنه إسماعيل وسارة في تلك الصحراء المجدبة. وهناك روايات تاريخية تحكي تعظيم ملوك اليمن للبيت الإلهي بالحجاز وطوافهم حوله، وتقديم الكساء اليماني للبيت. وكان اليمنيون هم أول من صنع باباً للبيت.

وبعد الاستقرار اليمني بمكة بمرور الزمن، حلت أداة التعريف في العربية العدنانية (الألف واللام) في أول الكلمة محل أداة التعريف في العربية القحطانية (ن) ليتحول (إل ن) إلى (الله). أما اللات فكانت الإلهة الزوجة الأم. إله الخصب الكنعاني الذي كان معروفاً ب"هـ بعل" فقد تغير لفظه تدريجياً في مكة بإهمال العين ليصبح "هبل" وليحل محل (عثتر سمين) الإله الابن. ويروي الإخباريون المسلمون قصة أن عمرو بن لحي الخزاعي عاد من الشام لمكة حاملاً معه هبل وإساف ونائلة، فوضع هبل في فناء الكعبة، وإساف على الصفا، ونائلة على المروة. وهناك رواية إسلامية أخرى تقول أن الحجر الأسود كان أبيضاً لكنه اسوَّد من مسِّ الحيض في الجاهلية، وهذا يشير إلى طقس جاهلي تؤديه النساء بلمس الحجر الأسود بدماء الحيض. ويكمل القمني "كان دم الحيض عند المرأة في اعتقاد الأقدمين هو سر الميلاد، فمن المرأة الدم، ومن الرجل المني، ومن الإله الروح. علماً أن الدورة الشهرية للمرأة تتوافق مع حركات القمر توافقاً بيناً، وكان "إل" هو إله القمر".

وتسجل الروايات الإسلامية حديثاً للرسول محمد متحدثاً عن مناسك الحج: "ابدأوا بما بدأ الله عزوجل به، فأتى الصفا فبدأ به، ثم طاف بين الصفا والمروة سبعاً..إلخ". وفي الإسلام احترام القمر، فتحوَّل (إل) أو الله اليماني إلى آية من آيات الله الإسلامي فوضع فوق المآذن مع رمز الزهرة النجمة، وظلت الشهور قمرية والحج قمرياً، والصيام قمرياً بدوياً كامل الجوع بعكس الصيام الزراعي (ويكون أكل الخضروات والفواكه ومشتقاتها مباحاً فيه) كما هو في المسيحية وكان الحث لصيام الأيام البيض حينما يكون القمر مكتملاً.

إل العِبري:

ويبدو أن "إل" هاجرَ كذلك مما يسمى حالياً الجزيرة العربية او على الاغلب من بلاد الرافدين لنراه في العديد من البلدان القريبة والبعيدة بما فيه الهند الحالية، في حين نراه في بلاد الشام، ولكن بكسر أكبر لهمزة "إل" ليصبح "إيل"،وتكون معه زوجته "إيلات" التي رسخت لاحقاً باسم المدينة المعروفة على شط البحر الأحمر وهي الاله الشمس وابنتهم العزة ويرمز اليها بالنجم فينوس. وقد تقدَّس في منطقة فلسطين كثيراً حتى شيدت له البيوت الحرام، ومما كان منها "بيت إيل" في مدينة القدس. وعرف "إيل" ألقاباً وأسماءً مختلفة عند شعوب الهلال الخصيب كان منها "أبو أبنائه"، و"أبو البشر:آدم" كما كان عند الكنعانيين.

والنصوص التوراتية التي أشارت أو تحدثت عن الإله في الكتاب المقدس قبل ظهور موسى أشارت إليه ب"إيل"، فكان الرب المتميز بين أرباب آخرين. ويستشف القمني في تلك النصوص الثالوث الإلهي الذي كان زعيمه (إيل) إله القمر. لكن الأمر يختلف حينما ظهر (يهوه) للنبي موسى، فمنذ تلك اللحظة يصبح الإله يهوه هو الأكثر تكراراً وذكراً.

وهذا الإله يهوه قد عرف قبل العبرانين، فقد وجدت نقوشه ورموزه في بعض مدن بلاد الشام كإله وثني عبدته شعوب مختلفة. ويرى الباحثون الإنثربولوجيون أن يهوه هو إله قمري تبناه اليهود من مدن مدين وثمود..وغيرها. ويدلل القمني أيضًا على اكتشافات أثرية عثرت على جماعة من اليهود أقامت في بصعيد مصر عبدت ياهو مع إلهين آخرين أحدهما أنثى اسمها "الأنثى ياهو"، أما الآخر فلم يكن -حسب الدلائل الكنعانية- سوى الإله الأعظم إيل الذي لعب دور الإله الأب العجوز. ومما يثير العجب -والكلام للقمني- أن القمر الإله "إيل" حمل لقب "كهلان" أي الإله الكهل في ديانة اليمن. أما الإله الابن "يهوه" فقد كان إله مخلصاً أو حامياً بنظر أتباعه، وهو الذي اعتمد عليه النبي موسى في الخروج من مصر عندما خاطبه في الوادي بداية، ثم هيَّأ لهم جزر البحر -والجزر مرتبط بالقمر طبيعياً- عندما طاردهم فرعون. لهذا يستنتج القمني أن الثالوث اليهودي الوثني الذي توارثه اليهود -وأخذوه عن الأقوام الأخرى- قد أعاد موسى ترتيبه ليصبح "يهوه" فيه إلها رئيسياً بعد تنحي إيل الكهل. وعرض القمني تجلٍ آخر للإله المخلص في المسيحية في اسم يسوع Jesous الذي كان صيغة يونانية للكلمة العبرانية يشوع Jehoshua. والتي حللها القمني لمقطعين هما "ياه" رديف ياهو الإله الابن، و"شوع" أي المخلص أو الناصر!

ويضيف القمني "ولو عدنا مرة أخرى إلى ديانة عرب الجنوب فسنجد بين الآلهة الثمودية ذاك الذي حمل اسم "يثع" بمعنى الناصر أو الحامي، الاسم الذي دخل في مركب مقدس ورد في القرآن الكريم باسم "اليسع"، وهو من الصيغة العبرية "اليشع"، وهو اسم يتركب من مقطعين: الأول منهما هو "إل" الذي عرفناه إلهاً للقمر و"يشع" أو يثع أي المخلص أو الناصر أو الحامي، وهو في الوقت نفسه صفة للقمر الذي "يشع"!..

هل كان الله هو الاله القمر؟