التاريــخ
 
 


ماتبقى من اثار يهود البصرة وبغداد



معبد يهودي ثلاثون متراً فقط هي المسافة التي تفصل بين البناية التي كانت معبداً للطائفة اليهودية، وجامع المقام للمسلمين الشيعة، والذي يشترك في سياجه الخارجي مع جامع العشار الكبير للمسلمين السنة.  

ولم يكن تجاور دور العبادة في منطقة العشار، وسط مدينة البصرة نحو 560 كم جنوب العاصمة بغداد، وليد المصادفة، إنما كان دليلا على عمق التعايش السلمي والتسامح الديني الذي كان سائداً. وظلت اللوحة التي تحمل أسم معبد الطائفة اليهودية معلقة على جداره الخارجي حتى مطلع العام الحالي، لكن هناك من تعمد إزاحتها قبل أربعة أشهر، بعد أن تحولت بناية المعبد أواخر عام 2004 إلى مخزن كبير للبضائع المستوردة من دول الجوار، وأمست العبارات المنحوتة باللغة العبرية في سقف المعبد المؤشر الوحيد على قدسية ذلك المكان في نفوس "يهود البصرة". 

وكان يهود البصرة قد هاجروا جميعهم، هرباً من التعسف والاضطهاد، مخلفين العديد من العقارات والأراضي التي تعود ملكيتها لهم منها "مقبرة اليهود"، في منطقة السعدونية، والتي تحول جزء منها إلى مكب للنفايات ومرتعاً للكلاب السائبة، بعد أن قضى الزحف المعماري في السنوات القليلة الماضية على معظم مساحتها. 

سليمة موشيه..آخر يهود البصرة تختفي فجأة<
المعبد اليهودي في البصرة يقول المواطن عامر محمد جواد إن "سليمة موشيه نسيم كانت آخر شخصية يهودية تغادر محافظة البصرة، بعد سقوط نظام الحكم السابق في العراق عام 2003، حيث كانت تسكن وحيدة في شقة ذات أثاث متواضع تقع في منطقة العشار".
ويضيف جواد الذي يبلغ من العمر، 63 سنة، ويمتهن بيع الحبال وشباك صيد الأسماك، في حديث لـ"نيوزماتيك"، أن "السيدة نسيم كانت نادراً ما تغادر شقتها القريبة من المحل الذي أعمل فيه، وكنت أراها فقط عندما يحين موعد تسديد إيجار المحل الذي تعود ملكيته إلى زوج أختها التاجر اليهودي صالح يعقوب حزقيل". 
ويروي جواد أنه في يوم من الأيام سألها عن سبب حزنها العميق وعزوفها عن شراء ملابس جديدة كون الثياب التي ترتديها كانت رثة للغاية "فأخبرتني أنها قررت منذ وفاة زوجها في سبعينيات القرن الماضي، ألا تشتري ثياباً جديدة تعبيراً عن حبها له"، ويتابع جواد "بعد منتصف عام 2003 تفاجأت بانقضاء عدة شهور، دون أن تأتي السيدة سليمة لاستلام مبلغ الإيجار، خصوصاً أنها كانت حريصة على استيفاء المبلغ في موعده من كل شهر، وبعد أن استفسرت عن سبب غيابها اكتشفت أنها قد غادرت البصرة، من دون أن تبلغ أحداً عن وجهتها".
وكانت سليمة نسيم، البالغة من العمر نحو 80 سنة، من بين مجموعة من العراقيين اليهود الذين نقلتهم وكالة الهجرة اليهودية جواً إلى إسرائيل بعد سقوط نظام الحكم السابق، في عملية لم يعلن عنها في حينها، وتندرج ضمن إطار قانون "العودة" الذي يسمح ليهود العالم بالاستقرار في إسرائيل.

رجل دين-2  لكن رحيل سليمة عن شقتها الواقعة في إحدى البنايات الآيلة إلى السقوط أثار مشاعر الحزن في نفوس من عرفوها، ومنهم صاحب محل بيع الحبال وشباك الصيد، وهو رجل دين شيعي يحتكم إليه الكثير من الباعة في السوق لحسم خلافاتهم، لكنه لا يجد حرجاً عندما يصفها بـ"الإنسانة الرائعة"، ويضيف "عندما كانت تأتي لاستلام إيجار المحل فأنها تخجل من طلب المبلغ بشكل مباشر، بل عادة ما كانت تمر بجوار المحل بخطى بطيئة على أمل أن أراها وأُنادي عليها، وفي أحيان أخرى تبعث بأحد الصبية الصغار الذين يقصدون شقتها بهدف تلقي دروساً في تعلم اللغة الانكليزية مقابل ثمن"، ويتابع القول "مع رحيل السيدة سليمة، أصبحت محافظة البصرة مدينة خالية من أي تواجد يهودي، لان السيدة سليمة كانت اليهودية الوحيدة في المدينة، على الرغم من أن لهجتها وملامحها لا توحي بأنها يهودية، لكن القلادة التي تتدلى من عنقها في السنوات الأخيرة هي المؤشر الوحيد الذي يكشف عن انتمائها الديني".

معبد اليهود.. مخزن للبضائع
باب المعبد اليهودي  ذات يوم من عام 2004، كان أصحاب المحال التجارية المجاورة لـ"معبد اليهود" على موعد مع حادثة لا تزال راسخة في أذهانهم، وإن اختلفوا اليوم في سرد تفاصيلها، لكن غالبيتهم أجمعوا على أن المعبد تعرض إلى اقتحام مجهولين كانوا يستقلون سيارتين من نوع "بيك آب"، ترجل منها أربعة أشخاص، وقاموا بمصادرة كتب ومخطوطات دينية كانت محفوظة في أحدى غرف المعبد المكون من ثلاثة طوابق، وقد نفذوا هذه العملية في غضون دقائق، وغادروا المكان من دون أن يتجرأ أحد على الاستفسار منهم عن هويتهم".

 لكن المواطن صباح الجبوري 58 سنة يقول "إنهم عراقيون، وكانوا يرتدون ثياباً أنيقة، ولم يشهروا سلاحاً خلال قيامهم بالاستحواذ على المخطوطات والكتب، فضلاً عن بعض المقتنيات التي تستخدم في أحياء الطقوس الدينية اليهودية". صباح الجبوري ويضيف الجبوري الذي يمتلك محلاً صغيراً لبيع التحفيات التراثية والأواني النحاسية المصنعة يدوياً، "هذه الحادثة المؤسفة التي لم تحقق فيها الأجهزة الأمنية حفزت أشخاصاً آخرين على فرض سيطرتهم على بناية المعبد، وسرعان ما تم تحويلها من قبلهم إلى مخزن للسلع والبضائع المستوردة من دول الجوار". ويتابع الجبوري القول "ما من حمال أو صاحب عربة خشبية لنقل البضائع في سوق العشار إلا ويعرف على وجه الدقة أين يقع معبد اليهود، لأنهم يقصدونه باستمرار بحكم عملهم".

مفتشية الآثار لا علم لها بالمعبد
تقول مديرة مفتشية الآثار والتراث في المحافظة أزهار جعفر تنفي علمها بوجود معبد للطائفة اليهودية في البصرة، إن "الأشخاص الذين اقتحموا المعبد لا ينتسبون إلى دائرتها، أو أية مؤسسة أمنية عراقية" وتوضح "عندما تضبط الأجهزة الأمنية أو تعثر على أية مادة يشتبه بكونها أثرية أو تراثية، فإنها تقوم بإبلاغنا على وجه السرعة وفقاً للسياقات الرسمية".

مفتشية الاثار في البصرة وتؤكد مديرة مفتشية الآثار أن "فريقا من الخبراء  سيشكل في الأيام القليلة القادمة، للكشف على مكان المعبد الذي لم أسمع عنه من قبل تمهيداً لاتخاذ قرار يقضي بأدراجه ضمن لائحة المواقع التراثية في المحافظة على غرار بعض بيوت الشناشيل"، وتوضح "المباني التي يعود تأريخ إنشائها إلى أكثر من 200 سنة تعتبر مواقع تاريخية، أما إذا كان عمرها أقل من ذلك وتتسم بمواصفات معمارية معينة، فإنها تعتبر مواقع تراثية من واجبنا الحفاظ عليها".
أما المدير السابق لمفتشية الآثار والتراث في البصرة محمد خيون فله موقف مماثل، ويقول "معلوماتي تشير إلى وجود معبد واحد لليهود في جنوب العراق يقع في مدينة الكفل، حيث هناك مرقد نبي الله حزقيال المسمى بذي الكفل"، ويضيف "لكن يوجد في منطقة ريفية تقع على بعد 70 كم جنوب محافظة ميسان مرقد نبي الله عزير، وهذا المكان المحاذي لضفة نهر دجلة تحول بمرور الزمن إلى مزار للمسلمين الشيعة، بعد أن كان من الأماكن المقدسة لدى اليهود" 

مقبرة بلا عنوان وقبور بلا شواهد
في منطقة السعدونية نحو 6 كم غرب مركز المدينة تقع "مقبرة اليهود" التي فقد موتاها شواهد قبورهم، قبل أن تتبعثر رفاتهم، على اثر السكن العشوائي الذي قضى على معظم مساحة المقبرة، حتى تحولت مؤخراً إلى تجمع سكاني للعائلات المشردة من مختلف أقضية ونواحي البصرة، فيما أصبح جزء من المقبرة مكباً للنفايات ومرتعاً للكلاب السائبة، ولم يتبق حالياً من القبور التي كانت تزدحم بها أرض المقبرة حتى مطلع العقد الأخير، من القرن الماضي، سوى ستة قبور متجاورة جميعها مهدمة جزئيا،ً وواحد منها فقط مازال يحتوي على قطعة من الحجر خط عليها باللغة العبرية أسم صاحب القبر وسنة ولادته ووفاته.
ويؤكد رئيس المجلس البلدي في منطقة السعدونية خالد خلف ناصر أن "عدم تهديم تلك القبور من قبل سكان البيوت المجاورة لها، كان بدافع الحفاظ على أمن منطقتهم"، ويوضح "بقاء تلك القبور على حالها يحول دون دخول المركبات إلى بعض أجزاء المنطقة، كونها تشهد بين الحين والآخر اندلاع نزاعات عشائرية مسلحة".

بقايا احد القبور ويتابع رئيس المجلس البلدي القول "سكان المنطقة محرومون من أبسط الخدمات، ولو لا فقرهم المدقع لما استولوا على المقبرة التي تعود ملكيتها إلى اليهود"، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن "الحكومة المحلية تمتنع عن توفير الخدمات الأساسية لسكان المقبرة، لأنهم يستغلون أرضاً لا تعود ملكيتها لهم".

بيوت للبيع بأثمان مرتفعة في المقبرة
رئيس المجلس البلدي في منطقة السعدونية  وقبل أن تتحول مقبرة اليهود إلى منطقة للسكن العشوائي تلوذ بها العائلات المشردة، فإنها كانت خلال العقد الأخير من القرن الماضي، سوقاً لبيع الخراف والأبقار والماعز، ومن الأمور التي تثير الاستغراب لدى التجول في منطقة السعدونية هو وجود عبارة "الدار للبيع" على أسيجة غالبية البيوت الواقعة ضمن مساحة مقبرة الطائفة اليهودية.'
بحسب رئيس المجلس البلدي لمنطقة السعدونية فإن "هناك أسبابا عديدة تكمن وراء إقدام بعض الأسر مؤخراً على عرض البيوت التي تشغلها إلى البيع، من أبرزها اعتقادهم بأن المنطقة مسكونة بالأرواح"، ويضيف "عمليات بيع تلك البيوت لا تتضمن أية إجراءات رسمية أو قانونية، وتتلخص باتفاق البائع مع المشتري على أن يبيع له البناء من دون الأرض، وليس من حق أحدهم تحميل الآخر أية مسؤولية قانونية أو أخلاقية في المستقبل".

قطعة الحجر الوحيدة الباقية في مقبرة اليهود وعليها كتابة بالعبرية ويتابع رئيس المجلس البلدي "البيوت المعروضة للبيع ضمن مساحة المقبرة تتراوح أسعارها مابين 15 إلى 20 مليون دينار، وهي أسعار مرتفعة مقارنة بأسعار بيوت مماثلة في مناطق أخرى تم بناؤها بنفس الطريقة، بعد سقوط نظام الحكم السابق، لكن كون الأرض تعود ملكيتها إلى اليهود، فأن ذلك يولد شعوراً بأن لا أحد سوف يطالب بها، وهذا ما ضاعف من أسعار البيوت المشيدة على أرض المقبرة رغم بساطة تصميمها وبدائية بنائها إلى حد بعيد".  

ماذا لو عاد يهود البصرة الآن أو زاروها؟
في الأسابيع الماضية تناقلت بعض وسائل الإعلام تقارير سلطت الضوء على حياة إسرائيليين من أصل عراقي عبروا خلالها عن مدى حنينهم إلى العراق ورغبتهم في العودة إليه، وأحدهم لم يستطع كبح مشاعره عندما أجهش بالبكاء في أثناء تلفظه أسماء أصدقائه العراقيين الذين انقطعت به سبل التواصل معهم منذ جاء إلى إسرائيل، قبل أكثر من نصف قرن.
وتباينت آراء أبناء محافظة البصرة، ما بين معارض ومرحب بعودة الأسر اليهودية، وقد بدا كبار السن أكثر مرونة في التعاطي مع هذه الفرضية، بينما كان معظم الرفض من نصيب الشباب.
ويعرب احد أبناء البصرة، تحسين عباس 27 سنة، وهو عامل بناء، عن اعتقاده بأن "البصرة الإسلامية ما عادت تتسع لليهود، خصوصاً الذين يعيشون في إسرائيل"، ويضيف "إذا ما حاول أحدهم العودة فأنه سوف يحكم على نفسه بالإعدام".  بينما قال المواطن خليل عمران 67 سنة وهو عسكري متقاعد "في حال أقدموا على زيارة البصرة، فأنهم سيحلون ضيوفاً من واجبنا أكرامهم، لكنهم إذا ما عادوا بهدف الاستقرار، فإن ما واجهوه قبل أكثر من نصف قرن ربما يتكرر مجدداً".

بيوت الشناشييل التي كان يسكنها اليهود  ويتابع القول "لحد الآن إذا ما أراد أحدهم أن ينتقد شخصاً ما بسبب جشعه وأنانيته، فأنه ينعته بـ"اليهودي"، وإذا ما خرجت تظاهرة في البصرة تطالب برحيل القوات البريطانية أو القضاء على ظاهرة البطالة، فإن هتافا من قبيل "تسقط إسرائيل.. الموت لليهود"، هو من أكثر الهتافات رواجاً". 
وعلى الصعيد السياسي توجد في البصرة عشرات الأحزاب والحركات السياسية والإسلامية التي لا يخفي أعضاؤها عداءهم لإسرائيل وكرههم لليهود، وإذا كانت الأحزاب الليبرالية تتبنى مواقف أقل حدة، فإنها نادراً ما تعلن عنها.
ودعت جبهة الحوار الوطني الحكومة العراقية على لسان ممثلها في محافظة البصرة عوض العبدان، إلى تشكيل هيئة للملكية تقوم بفرز أملاك اليهود واستغلالها تجارياً لصالحهم، ويقول العبدان "لا أحد صاحب فضل على اليهود، في حال قرروا العودة إلى موطن أجدادهم، ومن يرفض العيش معهم في مدينة واحدة، عليه أن يبحث عن وطن آخر".
 ويضيف العبدان "اليهود جزء من المجتمع العراقي، والدستور الدائم ضمن لهم حقوقهم أسوة بالأقليات الأخرى"، ويستدرك قائلاً "في نفس الوقت الذي ندعو فيه إلى التعايش السلمي وعودة اليهود، نحن نرفض قطعاً توطيد العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في هذه المرحلة، لكن إذا ما حسمت خلافاتها في المستقبل مع أشقائنا العرب في فلسطين ولبنان وسوريا حينها من الممكن إعادة النظر في هذا الموقف".

اعدام اليهود في البصرة ويدعو العبدان يهود البصرة إلى "ترميم سمعتهم على الصعيد الاجتماعي"، كما يقول، موضحا "إلى يومنا هذا مازال المكر والبخل يقترن باليهود، وهم أصحاب المؤامرة بنظر غالبية المواطنين، نتيجة التشويه الشديد الذي لحق بسمعتهم لأسباب سياسية".
يذكر أن السنوات الأولى من أربعينيات القرن الماضي شهدت تعرض يهود محافظة البصرة إلى سلسلة من الاعتداءات والمضايقات، سرعان ما تطورت لدى الإعلان عن قيام إسرائيل في عام 1948 إلى حملات تشريد وتهجير انتقامية، رافقتها أعمال سلب ونهب لممتلكاتهم، عرفت في حينها بـ"الفرهود". وقد تزامن وقوعها مع قيام الحكومة العراقية بإصدار قرار منعت بموجبه الأسر اليهودية من مغادرة البلاد، ثم سمحت لها بالهجرة في عام 1950 بشرط التخلي عن الجنسية العراقية والتنازل عن كل ما بحوزتها من ممتلكات. وفي غضون سنتين جرى نقل معظم الأسر اليهودية إلى إسرائيل ضمن إطار حملة كبرى أطلقت عليها وكالة الهجرة اليهودية أسم "عزرا ونحمية".
وفي عام 1952 عاودت الحكومة العراقية منع المواطنين اليهود من الهجرة، وقد تمكنت الأُسر اليهودية المتبقية من جمع شتاتها والتعايش من جديد مع المكونات والطوائف الأخرى لكن بأقل قدر من الانفتاح والتواصل مع الآخرين، إلى أن جاء اليوم الذي أغلقت فيه السيدة سليمة موشيه نسيم باب التواجد اليهودي برحيلها عن محافظة البصرة. التي بلغ تعداد المواطنين اليهود فيها 6928 نسمة في عام ،1920 بواقع 4.3% من مجموع السكان البالغ آنذاك 165600 نسمة، ومع اندثار "مقبرة اليهود" وتحول معبدهم إلى مخزن للبضائع، فإن بيوت الشناشيل ذات الشرفات الخشبية الآيلة إلى السقوط ما تزال تختزل شيئاً من ملامح سكانها السابقين، وإن كانت هي الأُخرى على وشك الانهيار



بغداد: المرور في منطقة "قنبر علي" وسط بغداد يحتم على المار خوض رحلة في عمق التأريخ القريب لهذه المنطقة التي كانت تعد قلب بغداد البهي حتى منتصف القرن الماضي قبل أن تعبث بها يد المنون وتطلق من قلوب سكانها وحوش الكره الكاسرة التي فرقت الجيران وأسست لأسوأ صفحة من صفحات بغداد التي ستتكرر بصيغة أخرى بعد نحو نصف قرن ألا وهي صفحة الفرهود التي تعني السلب والنهب ولو أدى للقتل أو كما يسميها البعض بفرار اليهود (فر اليهود او فر يهود؛ فرهود) كما يرى بعض الباحثين العراقيين. فقد هجم المئات من سكان بغداد على محلات اليهود العراقيين عام 1941 لينهبوا بالقوة كل ما خف أو ثقل حمله وغلا أو رخص ثمنه. بتحريض من حكومة رشيد عالي الكيلاني المؤقتة التي كنت توالي ألمانيا آنذاك وأطاحت بالوزارة

واجبرت الوصي عبد الاله على الفرار، حيث كان للخطاب القومي والديني ضد اليهود أثره في هجوم الغوغاء على محلات اليهود والاعتداء عليهم ونهب ممتلكاتهم و قتل أعداد كبيرة منهم بينهم عدد من الاطفال الذين كانوا يلعبون قرب بيتوهم وهرع أهلهم للهرب داخل البيوت خوفا من هجمات الغوغاء. ولم تفلح تدخلات بعض جيران اليهود من المسلمين فقد وصل عدد القتلى نحو 850 قتيلاً من اليهود خلال يومين ودفن عدد كبير منهم في مقبرة جماعية ببغداد. ولم يعثر ذوو الأطفال على أحد منهم بين الأحياء يومئذ.

ويرى الكثير من العراقيين أن تلك الهجمات لم تكن دون توجيه مسبق يحمل بعضهم حكومة رشيد عالي وضيفه الحاج أمين الحسيني مسؤوليتها ويحمل آخرون المنظمات اليهودية في العالم على تضخيمها واستخدامها كمحرض لهجرة اليهود العراقيين الى اسرائيل. ويشبه بعض المتابعين هجرة يهود العراق قبل أكثر من نصف قرن بهجرة مسيحييه اليوم ولنفس الأسباب وإن تغيرت وجوهها.

قنبر علي
أهالي محلة قنبر علي ينسبون تسمية المكان لخادم الامام علي بن أبي طالب قنبر الذين يقولون أن قبره في أحد مساجدها. لكن غيرهم يرى أن القبر منسوب الى رجل متاخر زمنا عرف بقنبر. حيث أشار الشيخ محمد صالح بن محمد سليم إلى أن القبر يعود لأبي طالب نصر بن علي الناقد الملقب بقنبر من رجال الخليفة المستضيء بالله.. أما الدكتور حميد هدو فقد ذكر أن قنبر هذا هو مولى الامام علي الهادي بن محمد الجواد في القرن الثالث الهجري ودفن في مقبرة باب أبرز في هذا الجامع الذي عرف عند العامة بجامع قنبر علي وكنيته ابو طالب".

وسكن قنبر علي الكثير من الشخصيات العراقية لعل أبرزهم الزعيم العراقي السابق عبد الكريم قاسم مؤسسة جمهورية العراق الذي ولد في منطقة المهدية تحديداً. وعدد من الوزراء والسفراء.

كل ذلك يدل على قدم هذه المحلة التي تئن اليوم تحت مطرقة الاهمال القاسية. ولم ترحمها هجمة الحرب الطائفية التي عصفت بالعراق عامي 2006 و2007 حيث شهدت تبادل القصف بمدافع الهاون من محلة الفضل المجاورة لها. وتسببت بتهديم عدد من شوارعها وبناياتها.

التوراة والفرهود
ولعل محلة التوراة في منطقة قنبر علي من أبرز المحلات التي تعرضت للفرهود وهجرها سكانها الاصليين بعد حملات ترهيب داخلية وخارجية أجبرتهم على الفرار للبصرة وايران ثم لاوربا ولاحقا لاسرائيل. لكن معالم هذه المنطقة لما تزل تدل على يهوديتها برغم الاهمال الذي طال مبانيها و طمر بعضها فهي لاتزال وقفاً يهوديا وان تناوب السكن فيه عن طريق المساطحة (السكن لفترة معينة من الزمن) سكان آخرون اعطوا للمنطقة توجها أثنيا واحدا اليوم. لكن كل من تسأله عن أي بيت فيها يدلك على أصله اليهودي.

فمعبد اليهود في المنطقة لم يتبق منه الا نصف جدار وأرض عبارة عن ساحة لوقوف السيارات أو رمي الاوساخ قائمة على أعمدة صخمة للمعبد الذي يقع قبالة المدرسة اليهودية التي كانت ملحقة به وهي لما تزل قائمة حتى اليوم تطوقها أذرع الاهمال من كل الجهات.

الشيخ إسحاق
وخلف المدرسة تكمن المأساة الحقيقية التي تدل على أزدواجية لاحد لها. فهنا يقع أكبر مكب لازبال المنطقة الذي يطوق مكاناً مقدسا يضم قبر شيخ اسحاق كما مدون على بابه الذي هو قبر حاخام يهودي بنفس الاسم. ويتبرك السكان به من خلال آثار الحناء على باب القبر الاخضر بين أنقاض الأزبال.

كان علينا أن نقفز على الجدار المهدم نصفه ونتجاوز جبال الأزبال لنصل لمكان القبر الذي هو عبارة عن ضريح تحيطه شموع قليلة وزهور بلاستيكية وضعها بعض الزوار المسلمين الذين هم على الأغلب من سكان الحي الذين لايكفون عن الحديث عن كرامات صحاب القبر شيخ اليهود اسحاق كما يسميه البعض. دون أن يزيلوا بعضاً من اكوام الاوساخ عن هذا المكان. وحين سألنا امراة كانت تحدثنا عن سرعة استجابة الشيخ اسحاق لاي دعاء، عن سبب تركه وسط الازبال قالت انها كثيرة وهو امام يهودي. ومثلها قالت فتاة من جيران القبر كانت تتباهى أن الشيخ اسحاق منح اختها العاقر طفلا بعد أن دعته وتوسلت به. مبررة أن هذه الاوساخ هي من خلفات المارة أو بعض السكان الذي يتكاسلون في ايصالها لمكان أبعد.

يقول أحد جيران المعبد والقبر إن أحد مقاولي البناء عام 1999 ادعى ان لديه اذن ببناء عمارة قرب القرب والمعبد وقد هدم الكثير من الجدران بالاضافة الى المرمر الذي كان في القبر ثم اختفى ليكتشفوا انه كاذب. وبقي المكان على حاله يزداد سوءاً وعلق أحد السكان أن محافظة بغداد تستطيع أن ترمم المكان وتجعله مزارا لليهود من العالم كما فعلت مصر. لكن الخطاب الطائفي الواحد يحول دون ذلك اضافة لرغبة بعض الساسة العراقيين بالسطو على المكان من خلال تركه يسير بخطى ثابته للدمار ليشتريه لاحقا ويبنى فوقه بنايات جديدة.

بعد مغادرة مرقد الشيخ او الحاخام اسحاق نصل لسوق حنون الذي سمي نسبة لأبرز الباعة فيه اليهودي حنون الذي كان يبيع فيه البيض الدجاج. وهو اليوم سوق لبيع الخضار والفاكهة. وعلى جانبي الطريق تبرز سقوف محلات السوق القديمة وقد طمر نصفها أو اكثر وأغلبها مقفلة منذ عشرات السنين. وعلى امتداد السوق تهزك مناظر البيوت وشناشيلها الآيلة للسقوط وهي تطل على الشارع الضيق تستغيث بالذكرى وقلوب المارة تشتكي هجرانها بعد أن كان يسكنها علية القوم من أهالي بغداد.

الراقصة ليلى
لم نعثر على معمر من اهالي المنطقة ليخبرنا عن ذكرياته مع المكان وسكانه الراحلين فمعظم من التقيناه من مواليد الخمسينيات او مابعدها. وتحوي ذاكرتهم ما وصل اليهم من سواهم من السكان أو العابرين. الحاج أبو كرم أحد سكان المنطقة منذ عام 1952 يقول أن لا سلطة لأحد للاستيلاء على بيوت ومعابد اليهود هاهنا لانها وقف لهم ولديهم محامون يستلمون مستحقات الايجار رغم قلتها ويرسلونها لهم. ويحدثنا أبو كرم عن إحدى اقدم سكان المحلة من اليهود التي توفيت عام 2003 وهي الراقصة اليهودية ليلى التي كانت ترقص في أبرز ملاهي العاصمة بغداد. وقد توفيت وهي عجوز وحيدة للغاية.

زائر غريب
قبل المغاردة لفتتنا بوابة منزل مهيبة تشير الى انها بنيت عام 1930 مع لوحة تزينها محفورة كرسم لقلعة أو للمكان نفسه مع كلمة ALLIANCE التي تشير للمكان، مازالت محتفظة بهيبتها. قال بعض السكان أن غريبا كبير السن جاء عام 2003 يحمل صورة بالاسود والأبيض فيها شاب يجلس وخلفه بوابة مهيبة هي ذات البوابة التي طلب أن يتم تصويره عندها، فغادر ولم يعد. لعله أحد سكان البيت من يهود العراق الذين داعب حلم العودة بعضهم عام 2003 لكن يد الارهاب والتطرف حالت دون ذلك و حالت دون عودة معظم العراقيين وهي لما تزل تمر هنا وهناك بين فترة أخرى في منطقة قنبر علي ومحلة التوراة وبقية مناطق بغداد مشيرة لسطوتها على المكان والناس.