نظريات فلسفية
 
 
18-02-2013


اخطاء المفاهيم الفلكية عند العرب


الشعوب القديمة من امثال السومريين والكلدانيين والاشوريين والمصريين عرفوا الفلك ودوره في حياتهم الزراعية. كما عبدوا النجوم والكواكب لاعتقادهم انها حركة الالهة وتعبير عن نواياها. من الصحف الطينية لمكتبة نبوخذنصر وصلتنا الكثير عن المفاهيم الاشورية القديمة، حول الكواكب والنجوم وارتباطها بالتراجيدية الالهية. العديد من هذه المفاهيم والاسماء انتقلت الى القبائل العربية ( بمعنى البدوية، وليس بالمعنى القومي الحديث)، التي عاشت على تخوم الحضارات القديمة.

ان القدماء كانوا يعبدون النجوم ويرون فيها دراما إلهية، امر معروف للعرب في عصر محمد وماقبله.  أحكام القرآن للجصاص، وفتح الباري تورد نصوصا تذكر ذلك ، حيث تقول " وفي عهد إبراهيم الخليل كان سحر أهل بابل وكانوا قوماً صابئين يعبدون الكواكب السبعة ويسمونها آلهة ، ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها ، وعملوا أوثاناً على أسمائها ، وجعلوا لكل واحد منها هيكلاً فيه صنمه ، ويتقربون إليها بضروب من الأفعال على حسب اعتقاداتهم من موافقه ذلك للكوكب الذي يطلبون منه بزعمهم إليه بما يوافق المشتري من الدخن والرقى والعقد والنفث عليها ، ومن طلب شيئاً من الشر والحرب والموت والبوار لغيره تقرب بزعمهم إلى زحل بما يوافقه من ذلك ، ومن أراد البرق والحرق والطاعون تقرب بزعمهم إلى المريخ بما يوافقه من ذبح بعض الحيوانات وجميع تلك الرقى بالنبطية ، تشتمل على تعظيم تلك الكواكب لتحقيق ما أرادوا من خير أو شر أو محبة وبغض، فتعطيهم ما شاؤا من ذلك ، فيزعمون أنهم عند ذلك يفعلون ما يريدون في غيرهم من غير مماسة ولا ملامسة سوى ما قدموه من القربات للكوكب الذي طلبوا ذلك منه . وكان من العامة من يزعم أنه يقلب الإنسان حماراً أو كلباً ، ثم إذا شاء أعاده ويركب المكنسة والخابية ، ويطير في الهواء فيمضي من العراق إلى الهند وإلى ما شاء من البلدان ثم يرجع من ليلته
 ( أحكام القرآن للجصاص – 1 / 43 ، 44 ، فتح الباري – 10 / 222 ، 223 )

محمد نفسه كان لازال يحمل معتقدات الايمان بالنجوم ويخافها ولايفهم انها ظاهرة طبيعية دورية.راجع الحاشية الخامسة. ينعكس ذلك في موقفه من ظاهرة الخسوف والكسوف الذي يتطابق مع رؤية الوثنيين الاشوريين القدماء راجع: التطير والفلك لدى الاشوريين. لذلك من الطبيعي أن الكلمات التي استخدموها للتعبير عن الظواهر الطبيعية لاتعني، بالضرورة، انهم كانوا يفهمون مضامينها الفيزيائية كما نفهمها نحن اليوم.

عندما نقرأ تعبير " كوكب" او " نجم" لايجب الاعتقاد ان ذلك يعني، بالنسبة لهم، ماتعنيه الكلمة اليوم، بالنسبة لنا. كان العرب، كبقية الشعوب القديمة، ينظرون الى صفحة السماء بالليل فيرون بقع من النور اطلقوا عليها كواكبا ونجوما، او أجرام. لم تكن بالنسبة لهم " اجساما كونية" ولم يكونوا يعلمون الفرق بين النجم والشهب والكوكب. كانت الفروق بينهم طفيفة، وغير دقيقة. كانت حركة الكواكب والنجوم والكواكب في السماء تثير خيالهم. ولكونهم اعتمدوا على حركة النجوم لتحديد مسيرة قوافلهم في الصحراء ولتحديد الفصول وحالة الطقس، فقد لاحظوا ان بعض "النجوم" تتحرك حركة يومية اسرع ومتفردة عن بقية مجموعات النجوم الاخرى، التي كانت تتحرك جماعات بالنسبة الى القطب، فجري تمييزها احيانا بتعبير "كوكب متحرك" مع بقاء استخدام تعبير نجم للاشارة اليهم. أحيانا كان يشار بتعبير النجوم الى مجموعة النجوم المتجاورة ومن الصعب التفريق بينها، كما سيأتي معنا لاحقا. ( راجع نثر الدرر، الخطط المقريزية، وارجوزة الكواكب).

الشهب، وهي كتل صلبة تحترق، متفتتة من نيازك اكبر عند اصطدامها بجو الارض، تبدو لنا وكأنها نجوم ساقطة او منطلقة كالقذيفة.
والعرب كانوا لايفرقون بين نجم وشهب، فنراهم يطلقون اسم النجوم على مانسميه نحن اليوم الشهب، في لسان العرب: واقتحمَ النجمُ إذا غاب وسَقط؛ قال ابن أَحمر: أُراقِبُ النجمَ كأَني مُولَع، بحيْثُ يَجْري النجمُ حتى يقْتَحِم أي يسقط؛ هكذا فهمها العرب الاوائل.

والواقع القرآن نفسه يعتقد ان النجم يمكن له ان يقع على الارض، نرى ذلك في الاية التي تقول: "وإذا النجوم انكدرت، سورة التكوير 2". في تفسير البغوي يقول: وإذا النجوم انكدرت اي تناثرت وسقطت على الارض، يقال انكدر الطائر اي سقط عن عشه، قال الكلبي وعطاء : تمطر السماء نجوما فلايبقى نجما الا وقع. انتهى.
وفي تفسير الطبري يقول: واذا النجوم انكدرت اي تهافتت وتناثرت . وقال ابو عبيدة: انصبت كما تنصب العقاب اذا انكسرت. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: ، قال رسول الله: لايبقى في السماء يومئذ نجم إلا سقط في الارض، حتى يفزع الارض السابعة مما لقيت وأصاب العليا، " يعني الارض". وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تساقطت، وذلك انها قناديل معلقة بين السماء والارض بسلاسل من نور، وتلك السلاسل بأيد ملائة من نور، فإذا جاءت النفخة الاولى مات من في الارض ومن في السماوات فتناثرت تلك النجوم وتساقطت السلاسل من ايدي الملائكة لانه مات من يمسكها. انتهى
كما ان الايات التي تتحدث عن قذف الجن والشياطين بالشهب والنجوم تشير ايضا الى اختلاط المفاهيم في القرآن كما نلاحظ في مصادر خرافة رمي الجن بالنجوم والشهب

وفي الحديث نرى نماذج عن اعتبار الشهب كوكب: 13258-عن محمد - يعني ابن سيرين- قال: كنا مع أبي قتادة على ظهر بيتنا فرأى كوكبا أنقض فنظروا إليه فقال أبو قتادة: أنا قد نهينا ان نتبعه أبصارنا. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. ( مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، باب النهي عن النظر الى الكوكب حين ينقض).

وفي هذا المقال سنلاحق مضامين مفاهيم العرب الاوائل في علوم الفلك، ومدى تطابق مصطلحاتهم ومفاهيمهم مع مصطلحات العصر الحديث، في المضمون.

‏‏هناك حادثة قديمة سردها ابن اسحاق توضح لنا نظرة العرب الى الاجرام السماوية قبل الاسلام، حيث ذكر: يقول يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمي بها ، هذا الحي من ثقيف ، وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية ، أحد بني علاج - قال ‏‏:‏‏ وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا - فقالوا له ‏‏:‏‏ يا عمرو ‏‏:‏‏ ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ بلى ، فانظروا ، فإن كانت معالم النجوم التي يُهتدى بها في البر والبحر ، وتُعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء ، لما يُصلح الناس في معايشهم ، هي التي يرمى بها ، فهو والله طي الدنيا ، وهلاك هذا الخلق الذي فيها ؛ وإن كانت نجوما غيرها ، وهي ثابتة على حالها ، فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق ، فما هو ؟‏‏‏‏ ‏‏.‏‏ (السيرة النبوية، ابن هشام، فصل قذف الجن بالشهاب، النسخة الاليكترونية)

وفي كتاب تجارب الامم، المجلد الخامس، سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة نجد فقرة " انقضاض الكواكب" يؤرخ فيها المؤلف الى ظاهرة كونية فيقول " وفي تلك الليلة بعينها انقضت الكواكب من أول الليل الى آخره ببغداد والكوفة وماوالاهما انقضاضا مسرفا جدا لم يعهد مثله ولا مايقاربهما". والليلة المقصودة بهذا التضخيم هي ليلة دخول ابي طاهر القرمطي الى الكوفة والاقامة بها.

من هذه النصوص ، نرى ان العرب القدماء كانوا لايفرقون ، من حيث المضمون، بين شهاب وبين نجم وبين كوكب، فالجميع، في نظرهم، مجرد نقطة ضوء في السماء، تبدو للرآي من الارض بالعين المجردة بحجم واحد وشكل واحد. كما نرى انهم كانوا يستخدمون النجوم في الاهتداء الى الطريق في الصحراء والبحر وكانوا يستخدمونهم للتعرف على الفصول، ومن هنا منبع اهميتهم ومصدر قلقهم من اي حركة تخل بمواضع النجوم. إضافة الى ذلك يكشف لنا النص ان مفهوم " طي الدنيا" الذي ورد في القرآن، هو مفهوم قديم من قبل الاسلام.
ونلاحظ انهم يربطون حركة الاجسام الكونية بنوايا إلهية يعني بها الخلق، ومطلوب معرفتها لدرء شرها، تماما كما كانت تفعل شعوب غابرة مثل السومريين والاشوريين. ذلك نراه ايضا فيما ذكره المقريزي :" في هذه السنة، 583 هجري، أجتمع الشمس والقمر والمريخ والزهرة وعطارد والمشتري وزحل وأطفار والذئب ، في برج الميزان أربع عشر ساعة، واجتمع المنجمون كلهم وحكموا انه يكون طوفان الريح، وأنه لابد كائن وواقع، فتنقلب الارض من اولها الى اخرها، وأنه لايبقى من الحيوان شئ إلا ومات، ولاشجرة ولا جدار إلا وسقط. وارجفوا بأنها هي القيامة، فأتخذ قوم الكهوف والمغائر في الجبال وبالغوا في الاعتداد لهول ذلك اليوم. وقال القوم كتب: كتب القدماء كلها أحالت على هذا الاجتماع، وأن فيه دمار الدنيا. وكان ذلك في جمادى الاخره في السابع والعشرين منه وهو يوم الثلاثاء مع ليلة الاربعاء الى يوم الاربعاء " (كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، ج1، ص 96-97)

وفي الحديث الشريف، ذكر النبي اسماء الكواكب، ولم يكن بينها كوكب الارض، على الرغم من انه ذكر اسماء اثنى عشر كوكبا،  في ظنه، من حيث انه لايوجد مايدل على وجود اثنا عشر كوكبا، ومع ذلك ليست هناك اشارة الى الارض او حتى بقية الكواكب بالتسميات التي نعرفها، فماهي الكواكب الاثنى عشر لم يذكر معهم الارض؟ يقول، عندما سئل عن اسماء الكواكب من يهودي يختبره،:
قال (خرثان والطارق والذيال وذو الكنفات وقابس ووثاب وعمودان والفيلق والمصبح والضروح وذو الفرع) ‏‏
وفي تفسير القرطبي، في معرض تفسيره لسورة يوسف (ص 107): إذ قال يوسف لابيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، يعاد ذكر هذه الكواكب مرة اخرى:
قال السهيلي : أسماء هذه الكواكب جاء ذكرها مسندا ; رواه الحارث بن أبي أسامة قال : جاء بستانة - وهو رجل من أهل الكتاب - فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأحد عشر كوكبا الذي رأى يوسف فقال : ( الحرثان والطارق والذيال وقابس والمصبح والضروح وذو الكنفات وذو القرع والفليق ووثاب والعمودان ; رآها يوسف - عليه السلام - تسجد له )
لو تصورنا كيف يمكن للكواكب ان " تسجد" لعلمنا ان ذلك مستحيل، لو كان تصوراتنا انطلاقا مما نعرفه عن الكواكب اليوم، غير ان العرب كانوا لازالوا واقعين تحت تأثير تصوراتهم عن الكواكب قبل الاسلام، حيث كانوا يتصورونها انها آلهة، وبالتالي فهدف الاية ان تعلمهم ان " آلهتهم" القديمة تسجد ليوسف. من جهة ثانية يعطي ذلك انعكاسا واضحا انه لم يكن لدى العرب اية تصورات ان تكون الكواكب اجسام سماوية سابحة بالفضاء لايوجد إمكانية لسجودها اصلا. ولكن هذه لم تكن معضلة القرآن في ذلك الوقت بقدر اهمية اسقاط آلوهية الكواكب المعبودة، حتى ولو انها اسماء لاينطبق عليها تعبير الكوكب بالمعنى الحديث للكلمة.

ولو تمعنا في السؤال وتسائلنا عن معنى " الكواكب" فيه وهل هذه الاسماء، التي جاءت في أجابة النبي (ص)، هي أسماء كواكب، بالمعنى الحالي للكلمة، سنجد ان العرب والرسول والقرآن قد خلطوا الحابل بالنابل، تماما بما يتطابق والسقف المعرفي لعصر محمد!!
في كتاب شمس المعارف الكبرى، للشيخ أحمد بن علي البوني ( توفي عام 622هجري)، في "الفصل الرابع من البروج الاثني عشر ومافيها من الارتباطات والاشارات" يدرج جدولا للبروج، فنجد ان البرج السادس هو برج الميزان في شهر ايلول يكون القمر في منزل سماك وخرثان. بمعنى ان خرثان، الذي ذكره النبي على انه كوكب، ليس كوكب وانما نجم او مجموعة نجوم في برج الميزان. وقد جاء ذكر خرثان مرة اخرى في ( فصل القمر يؤخر كل ليلة في منزلة منها وهذه اسماؤوها) واحدها كانت منزلة خرثان.
ثم اليس " النجم الطارق" هو الذي يشار الى ان ذكره في القرآن تعبير عن الاعجاز العلمي، في حين نرى ان النبي يذكره من ضمن الكواكب وليس النجوم؟. 

ويذكر البوني، في ( فصل في النجوم الاربعة اشاراتها وتدبيرها) أنهم " اختلفوا في الكواكب المعروفة وهي اثنا وعشرون كوكبا فمنها الجدي، وهو من الدوال على القبلة، والحدى، نجم الى جانب القطب الشمالي حوله أنجم دائرة كفراشة الرحى". وفي الفصل نفسه يسترسل فيقول:" فأعلم ان الكواكب الف واثنان وعشرون كوكبا وثلثمائة واثنان وعشرون كوكبا في اثنى عشر صورة في طريق الشمس وهي البروج الاثنا عشر". ويضيف ان هذه الكواكب " ذكرها أبو محمد عبد الجبار المعروف بالبصرة في الكواكب الثابتة". بذلك نرى ان السؤال عن " الكواكب" لايعني بالضرورة ان المقصود الكواكب، كما نفهمها نحن اليوم.

وفي جزء من حديث نبوي اخر، نبدأ فيه من نقطة: " فقال حذيفة : بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنك ما ذكرت مجرى الخنس في القرآن إلا ما كان من ذكرك اليوم فما الخنس يا رسول الله فقال : يا حذيفة هي خمسة كواكب البرجيس وعطارد وبهرام والزهرة وزحل ، فهذه الكواكب الخمسة الطالعات الغاربات الجاريات مثل الشمس والقمر ، وأما سائر الكواكب فإنها معلقة بين السماء تعليق القناديل من المساجد ونجوم السماء لهن دوران بالتسبيح والتقديس فإن أحببتم أن تستبينوا ذلك فانظروا إلى دوران الفلك مرة هنا ومرة ههنا فإن الكواكب تدور معه وكلها تزول سوى هذه الخمسة" (عن حذيفة بن اليمان، السيوطي، اللآلئ المصنوعة، الصفحة او الرقم 45/1)

وقصة عمرو بن أمية ذكرها ابن اسحاق بالعلاقة مع الاية القرآنية التي يقول الله فيها على لسان الجن في سورة الجن ,اية 8-9 "وانا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ,وانا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا " ويقول ايضا في سورة الصافات ,اي 6-10 " انا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب , وحفظا من كل شيطان مارد , لا يسمعون الى الملأ الاعلى ويقذفون من كل جانب ,دحورا ولهم عذاب واصب , الا من خطف الخطفة فاتبعه شهاب ثاقب"
ويقول: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير
و هدا شرحها المفصل
ولقد زينا السماء الدنيا- القربى إلى الأرض -بمصابيح- بنجوم - وجعلناها رجوما - مراجم - للشياطين - إذا استرقوا السمع بأن ينفصل
شهاب عن الكواكب كالقبس يؤخذ من النار فيقتل الجني أو يخبله
لا أن الكواكب يزول عن مكانه - وأعتدنا لهم عذاب السعير - النار الموقدة

وفي تفسير ابن العباس نرى انه فهم النص بحرفيته، حيث النجوم يرمى بها:
19212 - كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا فأما الكلمة فتكون حقا وأما ما زادوه فيكون باطلا فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي بين جبلين أراه قال بمكة فلقوه فأخبروه هذا الحدث الذي حدث في الأرض
الراوي: عبدالله بن عباس - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 3324

ليس غريبا مانراه في السابق، إذ في الواقع يعتقد بعض فقهاء المسلمين، حتى اليوم، ان " النجوم" خلقت لاهداف ثلاثة،  فيقول (اسلام ويب، حتى تاريخ 23/10/2012) وقد ذكر الله جل وعلا أن النجوم خلقت لأغراض ثلاثة ذكرها لنا جل وعلا: الأول: أنها زينة للسماء، كما قال جل وعلا: زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ[الملك:5].
(بذلك تكون السماء مخصوصة بالارض، ومخصوصة لوجود العاقل تحديدا، إذ لامعنى للزينة بدون من يجري التزين له)
الثاني: أنها رجوم للشياطين، وفي الآية أيضاً: وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ[الملك:5]، وذلك أن الشياطين -مردة الجن- يركب بعضهم بعضاً حتى يصلوا إلى عنان السماء -أي: قرب السحاب أو ما أشبه ذلك ( محاولة لتخفيف وطء التناقضات!!)- ليستمعوا إلى كلام الملائكة، والملائكة يكونون بين السماء والأرض ( واين يكون الشهاب؟) أو يكونون في السحاب ( هذه الاضافة لضرورة حشر السحاب بالمعنى لخلق علاقة مع الشهاب) أو حيث يشاء الله جل وعلا، فحينما يدبرهم ويأمرهم بتصريف الأمور، فإن الجن يريدون أن يستمعوا إلى ما يتكلم به الملائكة فيحاولون استراق السمع، فيلتقطون بعض الكلمات فيأتون بها إلى أوليائهم من السحرة والكهنة، فجعل الله جل وعلا النجوم شهباً يرجمون بها (هكذا، جعل النجوم شهباً، فلماذا ضرورة حشر السحاب اذاً؟!!)، كما كان الوحي الذي يوحيه الله إلى أوليائه مانعاً لهم من استقراق السمع إلا أن الوحي قد انقطع ولم يبق إلا الرجم الذي يرسل عليهم، فيقتل منهم ما شاء الله أن يقتل، ويسلم بعضهم.
الأمر الثالث: أنها علامات يهتدى بها، كما قال الله جل وعلا: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ[النحل:16]، يعني: يهتدون في طرقهم في البر والبحر، وهذا شيء مألوف ومعروف، وكذلك يهتدون بها على القبلة والجهات.
( اي مرة اخرى لاقيمة لوجود النجوم بدون الانسان، إذا كان مغزى وجودهم يستمدونه من كونهم علامات ليهتدي بها الانسان)
وسيأتي قول قتادة : أن من بحث في النجوم عن غير هذه الأمور الثلاثة فقد أضاع سبيله ونصيبه من الآخرة وضل، وترك ما أمره الله جل وعلا به، واتبع طريق الضلالة.
( اي أن علم الفلك هو علم ضلالة، حسب علماء الاسلام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال البخاري في صحيحه: قال قتادة : (خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به) ا.
هـ وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه.
ذكره حرب عنهما.
ورخص في تعلم المنازل أحمد و إسحاق ].

في كتاب " نثر الدرر" يتكلم المؤلف عن " كوكبة التنين" و " كوكبة الدب الاكثر والدب الاصغر" وعدد كواكبهم. على العموم، لايأتي في "نثر الدرر ذكر لنجم في وصفه للفلك وانما كوكبة وكواكبها وصور بروج. إن ماورد في نثر الدرر هو مجرد إقتباسات عن كتاب " أبهى المواكب شرح أرجوزة الكواكب لناظمها ابو علي حسين الصوفي، (عاش في بداية القرن الخامس الهجري واقدم النسخ تعود الى القرن 500 هجري)، حيث نجد ، في النسخة المنقحة، شرحا لمواقع الكوكبات ( وصور البروج) ، والتي تارة يشير الى الاجسام الفلكية بتعبير النجم وغالبا بتعبير الكوكب. عند الكلام عن مجموعة الدب الاصغر يورد وصفهم في الشعر التالي:

أقربهن فأعلمن للقطب      كواكب هن على صورة دب
هن إذا احصيتهن سبعة     رسمن والقطب معا في بقعة
في جملة الصورة كوكبان      مقدار مابينهما شبران
سمتهما الاعراب فرقدين      ترى دوين أنور الاثنين
كويكب أخفى من الرسم أمحى      تدعوه أعراب الفلا فأس الرحى
نعم ونجمة تعرف القبلة به      هو من الدب فويق ذنبه
يعرف بالجدي عند العرب      مداره مقارب للقطب
وأنجم الدب تسمها العرب      بنات نعش هكذا تنبئ الكتب

وكما نلاحظ فأن نجوم الدب الاصغر ليست فقط كواكب، عند العرب بل ان بعضها يصبح " كويكب" لمجرد ان ضوئه خفيف. ومع ذلك يطلق اسم النجمة على واحدة منهن، التي تعرف القبلة بها، ثم يعاود وصف مجموعها بالانجم ويطلق عليها بنات نعش، حسب سيناريو ملحمي قديم. ومثل هذا الامر يستمر عند وصف بقية الابراج الكونية خالطين على الدوام بين تعبير " كوكب" وتعبير " نجم"

في كتاب شمس المعارف للبوني، نجد في" الفصل الرابع من البروج الاثني عشر ومافيها من الارتباطات والاشارات" فيصف لنا منازل القمر بمواقع النجوم التي يشير اليها بأسم الكواكب، فيعدد المنازل ويصف كواكبها ومما يقول: " السابع العقرب وهو احدى وعشرون كوكبا .. ومن كواكبه قلب العقرب وهو كوكب نير". وبقية البروج توصف بالطريقة نفسها.

في كتاب الخطط المقريزية لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي فصل " ذكر طرف من هيئة الافلاك" يقول:
" أعلم ان الكواكب أجسام كريات ، والذي ادرك منها الحكماء بالرصد ألف كوكب وتسعة وعشرون كوكبا. وهي على قسمين سيارة وثابتة. فالسيارة سبعة، وهي: زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر وقد نظمت في بيت واحد هوا:
زحل شرى مريخه من شمسه
فتزاهرت بعطار الاقمار ". ومنه نرى ان العرب، حتى عهد المقريزي على الاقل، كانوا يعتبرون ان الشمس والقمر من الكواكب السبعة.

ويقول:" ويقال لهذه السبعة الخنس، عناها تعالى بقوله:" فلاأقسم بالخنس الجواري الكنس"(12). والتي عناها الله بقوله:" فالمدبرات أمراً" (13). وقيل لها الخنس لاستقامتها في سيرها ورجوعها. وقيل لها الكنس ، لانها تجري في البروج ثم تكنس اي تستتر، كما يكنس الظبي". ويظهر ان الخنس هي كواكب الكنس عدا القمر والشمس. وسميت بذلك من الانقباض، وفي الحديث:" الشيطان يوسوس للعبد ، فإذا ذكر الله خنس" اي انقبض ورجع، فالخنس رجوع الكواكب، اما الكنس فمن قولهم: كنس البي إذا دخل الكناس، وهو مقره. فالكنس على هذا في الكواكب هو اختفائها تحت ضوء الشمس.

والمقريزي يفسر لنا مصادر اسماء " الكواكب السبعة"، ليدعي انها مُشتقة من صفاتها. وإذا كان على حق في بعضها، وهو امر مشكوك فيه، فإن مثال الشمس توضح اسباب الشك وان تفسيراته لاتزيد عن إجتهاد فكري، محاولة استقراء عقلية لاغير. نحن نعلم اليوم ان كلمة شمس انحدرت، على الاقل، عن الكلمة الآرامية القديمة شمش وكانت ربة تُعبد، ومنها كلمة شماش . يقول:" لما الشمس كانت واسطة بين ثلاثة كواكب علوية لأنهم من فوقها، وثلاثة سفلية لانهم من تحتها، سميت كذلك لان الواسطة التي في المخنق شمسة". كما يذكر اسماء اخرى للكواكب الاربعة يظهر بوضوح مصدرهم الغير عربي، فيقال لزحل كيوان، وللمشتري البرجيس، وللمريخ بهرام، وللشمس مهر، وللزهرة اياهيد، ولعطارد هرمس، وللقمر ماه". اي انهم كانوا يعتبرون القمر كوكبا من الكواكب السبعة، وليس الارض من ضمنهم.

ويقول:" ويقال لما عدا هذه الكواكب السبعة من بقية نجوم السماء: الكواكب الثابتة، سميت بذلك لثباتها بموضع واحد، وقيل لبطء حركتها فإنها تقطع الفلك بزعمهم كل ستة وثلاثين الف سنة مرة واحدة".
الامر نفسه نجده في شمس المعارف للبوني إذ يبدأ فصل " في معرفة اصول المنازل" بالقول " أوله الشرطين وهو كوكبان مفترقان احدهما في ناحية الجنوب والاخر في ناحية الشمال وهما قرنا الحمل ويسمى اضوؤهما الناطح.... وأما البطين فهم ثلاث كواكب صغار ... وهو بطن الحمل وانما صُغر لان النجوم نجوم كثيرة على صورة الحمل والبطين بطنه والثريا أليته والشرطين قرناه" ويقول:" واما الثريا فهي سبعة أنجم ستة منها ظاهرة وواحدة صغيرة خفية، ولها اسماء منهما النجم وان كانت في العدد نجوما وقال بعض العلماء المراد بقوله تعالى والنجم إذا هوى أنه الثريا في غالب الاقوال وان العرب تسمي الثريا نجما وان كان نجوما في العدد وسماها رسول الله نجما فقال إذا طلع النجم ارتفعت العاهات عن الثمار وغيرها، واراد بالنجم الثريا". ( للمزيد عن الحديث راجع الحاشية الثانية).

وليس من النادر ان يطلق العرب اسم واحد على بضعة نجوم فنجد البوني ، في فصل منازل القمر، يقول: " واما الشولة فهي كوكبان يقال لها نجمة العقرب" ويقول:" واما الذابح فكوكبان ينزل بينهما مقدار ذراع وفي كل واحد نجم صغير قريب منه كأنه يذبحه" وهناك الكثير من الامثلة الاخرى على ذلك.
في الواقع ، ومن خلال (فصل في قطع النجوم السبعة الافلاك) من كتاب البوني، نجد ان مانسميه نحن كواكب اليوم، كانت عند العرب نجوما. فهذا الفصل الذي يفترض انه يتكلم عن قطع النجوم للفلك يتكلم في الواقع عن قطع القمر والشمس (يعني الارض) والكواكب للفلك. يقول:" أعلم ان القمر يقطع الفلك في تسعة وعشرين يوما وثلث يوم، وعطارد يقطعه في ثمانية وعشرين يوما، والزهرة تقطعه في مائتين واربعة وعشرين يوما وربع يوم، والشمس تقطعه في ثلثمائة وخمسن وستين يوم وربع يوم، والمريخ يقطعه في ستمئة وثلاثين والمشتري يقطعه في احدى عشرة سنة وزحل يقطعه في تسعة وعشرين سنة والله اعلم".

الافلاك
ويقول المقريزي ان لكل كوكب من الكواكب السبعة السيارة فلك يخصه. ويبدو واضحا من تفصيله انهم كانوا يعتقدون ان الارض مركز الكون وان الافلاك شئ مادي مثل سكة الحديد التي تجبر القطار على عدم الخروج من " فلكه". يقول:" والافلاك أجسام كريات مشفات، بعضها في جوف بعض، وهي تسعة: أقربها الينا فلك القمر، وبعده فلك عطار، ثم بعده فلك الزهره، وبعده فلك الشمس(!)، وفوقه فلك المريخ ثم فلك المشتري وبعده فلك زحل، ثم فلك الثوابت، ومن فوق فلك الثوابت الفلك المحيط، وهو الفلك التاسع ويسمى اطلس، وفلك الافلاك، وفلك الكل".
وفي شمس المعارف للبوني، في "فصل فما بين كل سماء وسمائها وماورد في ذلك من الاثار" يقول: " وذكر الثعلبي عن بن عباس .. وفي الشمس منافع ودلائل .. واما منافعها... الثالث انها تسير من المشرق الى المغرب لصلاحهم...الرابع انها لاتقف في مكان واحد لئلا تضر بالخلق... الخامس أنها تكون في الشتاء في اسفل البروج وفي الصيف في اعلاها لمنافع العالم". ومنه نرى ان الارض لافلك لها، وانما هي نقطة بدء القياس. بذلك يكون التصور ان الارض مسطحة، لتكون الافلاك اقواس وليس دوائر.

البوني في كتابه " شمس المعارف"، يشير الى الافلاك بطريقة غريبة، فيقول: " وان العالم العلوي يمد العالم السفلي فعالم العرش يمد عالم الكرسي وعالم الكرسي يمد فلك زحل وفلك زحل يمد فلك المشتري وفلك المشتري يمد فلك المريخ وفلك المريخ يمد فلك الشمس وفلك الشمس يمد فلك الزهرة وفلك الزهرة يمد فلك عطارد وفلك عطارد يمد فلك القمر وفلك القمر يمد فلك الحرارة وفلك الحرارة يمد فلك الرطوبة وفلك الرطوبة يمد فلك البرودة وفلك البرودة يمد فلك اليبوسة وفلك اليبوسة يمد فلك الهواء وفلك الهواء يمد فلك الماء وفلك الماء يمد فلك التراب وفلك التراب يمد فلك زحل فأزحل في العلويات". (الجزء الاول، القصل الاول، في الحروف المعجمة ومافيها من الاسرار والاضمارات)
من ذلك نرى ان " الفلك" لايعني مايعنيه اليوم بالنسبة الينا، كما ان ترتيب الكواكب يدخل فيها الشمس والقمر، وتواترهم مستمد من رؤيتهم لحركة الاجسام الكونية على صفحة السماء، من موقع المراقب على الارض " الثابتة"، وليس معرفة حقيقية.

والاكثر من هذا انه يورد في فصل " فما بين كل سماء وسمائها وماورد عن ذلك من الاثار" ان تصنيف الافلاك السابق هو "مذهب الاوائل في صورة الافلاك" اما " على مذهب الشرعيين" فيسردها لنا من الحديث " عن ابن عباس وقيل العباس بن عبد المطلب قال كنا عند النبي بالبطحاء فمرت بنا سحابة فقال النبي (ص) أتذرون ماهذا؟ قلنا السحاب قال والمزن قلنا والمزن قال والعنان قلنا والعنان وسكتنا فقال النبي (ص) اتدرون كم بين السماء والارض قلنا الله ورسوله أعلم. قال بينهما مسيرة خمسمائة عام وكسف كل سماء اي سمكها خمسمائة وفوق السماء السابعة بحر بين اعلاه واسفله كما بين السماء والارض ثم فوقهن عالم واطلقهن كما بين السماء والارض والله تعالى فوق ذلك ولايخفى عليه شئ من أعمال بني آدم والدليل عليه قوله تعالى: الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن، فتكون مسافة الجميع مسيرة آدم هذه واما الملك فأنه يخرق الجميع في ساعة واحدة وكذلك الشيطان يصل في الارض قبل الملك في السماء" .
بذلك نرى ان الدين الشرعي قدم اضافة قصصية، الى ملاحظات واعتقادات الاولين، دليله لم يتجاوز النص القرآني.

ومع هذه الاختلافات العميقة في معنى هذه المصطلحات والمفاهيم، الى حد التناقض، يصبح من غير الصحيح نسب الاعجاز الى النص الديني او تناول مصطلحات القرآن، الخالية من التعريف الموضوعي، مُدعين أنها تتطابق مع المفاهيم العلمية لضرورة الحاجة الى نسب الاعجاز الى نصوصها.

في وصف كوكبة الدب الاكبر، يستخدم كتاب " ارجوزة الكواكب" تعبير الاجرام، كصفة للضوء السماوي الذي تارة يشير اليه بتعبير الكوكب وتارة اخرى بتعبير النجم، وفي مصطلحنا اليوم نجم ، فيقول:

    وقربها كواكبٌ كثيره                       أجرامها زاهرة منيره
     ومنها دباً اعظما                         وشبّهته بالذي تقدما
     في جملة الدب نجوم اربعه                 تشكلت بصورة مربّعه
     تدور حول  القطب كالدولاب               تعرف بالنعش لدى الاعراب

وفي وصف برج التنين يأتي على ذكر نجم يدعي الاثافي فيسميه كوكب. وللموضوع بقية


المستحيلات"، عند العرب، كانت ثلاثة هي "الغول" و"العنقاء" و"الخِلُّ الوفي".

حاشية اولى: منازل القمر
تعلم منازل القمر لا بأس به؛ لأن بذلك يعرف الحساب، ويعرف الوقت، فهو لا تأثير له في الحوادث وغيرها، إلا أن هذه المعرفة لا طائل تحتها، غير أنها أمر مباح، وشرح ذلك: أن القمر له منازل، كل ليلة يكون في واحدة، إلا ليلتين في الشهر أو ليلة، فإذا كان كاملاً فيكون في ليلتين ليس له منزلة، ويسمى الاستسرار، وإذا كان ناقصاً فليلة واحدة ليس له منزلة، والمنازل ثمان وعشرون منزلة فقط، وسميت منازل لأن القمر يكون بحذائها أو قريباً منها، وإلا فهي فوقه بكثير، ليست معه ولا قريباً منه، والكواكب كما هو معلوم تتفاوت في البعد، فبعضها بعيد بعداً شاسعاً جداً، وبعضها أقرب من ذلك، والصواب أنها كلها تحت السماء الدنيا، وليس منها شيء فوق السماء الدنيا، أو في السماء الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو السابعة، كما يقول المنجمون قديماً، فإنهم يزعمون -كما هو مشهور عندهم- أن القمر في السماء الدنيا، وأن الشمس في السماء الرابعة، وأن زحل في السماء السابعة، وهكذا كانوا يجعلون كل كوكب من الكواكب السيارة السبعة وغيرها في منزل، فهذا في سماء، وذاك في سماء أخرى.
فإذا قيل لهم: كيف ذلك؟ قالوا: إن السماوات شفافة، يعني: أن الكواكب ترى من خلفها، وهذا تحكم، وليس لهم عليه أيّ دليل، بل هو كذب، وعلم هذا عند الله جل وعلا، والله جل وعلا أخبرنا في كتابه أنها في السماء الدنيا، فقال سبحانه: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [الصافات:6]، وجاء في عدد من آيات الله جل وعلا يخبر أنها في السماء الدنيا، ولكن بعضها تحت بعض؛ لأن كل واحد منها له فلك يسير فيه، وهي مختلفة المسير، فبعضها بطيئة السير، وبعضها سريعة، وبعضها يكون سيرها عكسياً، ولكنها متقنة إتقاناً عجيباً؛ حيث إنها تسير سيراً منتظماً، وبعضها كبير وبعضها موغل في الكبر، وبعضها أصغر من ذلك، وبعضها ثابت، وبعضها غير ثابت، بمعنى: أنه لا يقطع السماء إلا بعد ثلاثين سنة، أعني: يغيب عن الأرض ويخرج عليها مرة أخرى بعد ثلاثين سنة، وبعضها في أقل من ذلك بكثير، وبعضها في شهر، وبعضها في أسبوع، وبعضها في أقل من ذلك، فهي تختلف، وكل هذه الأمور من النظر إلى مسيرها، وإلى أوقاتها، وإلى أجرمها وأبعادها يدخل في تعلم منازل القمر، وقد ذكر عن قتادة أنه لم يرخص فيه، ورأى أنه من الأمور التي قد تكون -أقل ما تكون- مشكلة عند غيره.
وبعضهم رخص في ذلك، وقال: لا بأس به؛ لأن فاعل ذلك يعترف أنها مدبَرة ومسخرَة، وأنها آيات دالة على وجود الله جل وعلا، أما إذا كان يتعلق فيها بشيء آخر كمعرفة الحوادث ووقائع الأمور فهذا أمر آخر، وسبق أنه لا يجوز.
والمقصود: أن القمر ينزل كل ليلة في واحدة من هذه المنازل، وكل واحدة من هذه المنازل تسمى (منزلة القمر)، وليس معنى ذلك أن الكوكب يقترن بها، بل يكون محاذياً لها، وقد يكون عن يمينها، أو عن شمالها، أو أمامها، أو خلفها، وهي فوقه بكثير؛ لأن القمر هو أقرب الكواكب إلى الأرض؛ وكل الكواكب فوقه، فتسميتها منازلاً هذا معناه: أنه يكون قريباً منها، وكل منزلة بينها وبين الأخرى ثلاثة عشر يوماً في الطلوع والغروب، أعني: إذا طلعت هذه فبعد ثلاثة عشر يوماً تطلع التي بعدها، وكذلك إذا غربت تلك تطلع المقابلة لها من الشرق؛ لأن على سطح الأرض دائماً يُرى أربعة عشر منه، وتحت الأرض أربعة عشر، فهي دائمة المسير هكذا.
وهذه هي التي يسميها العرب (الأنواء)، ويضيفون إليها هطول المطر، وهبوب الرياح، وما إلى ذلك، وقد أنكر ذلك السلف، ولهذا لما قال رجل عند الحسن البصري : طلع سهيل وبرد الليل، قال الحسن : ليس عنده أي شيء لا من البرودة ولا من الحرارة، والله جعل الأوقات مختلفة، فلا يجوز إضافة شيء من ذلك إلى سهيل ولا إلى غيره، وإنما هو الفاعل الله جل وعلا، وهو الذي جعل الأوقات متغيرة: فمرة تكون برداً، ومرة تكون حراً، ووقتاً تكون معتدلة وهكذا، فهذا كله إلى الله، لا يجوز أن نضيفه إلى النجوم، ولا إلى مخلوق من مخلوقاته؛ لأنه صنع رب العالمين جل وعلا، وهو الذي يدبر الكون كله.
وكذلك منازل القمر ليس عندها شيء من هذا، وإن كان يستدل بها على هذه الأوقات؛ لأن السنة تتكون من بروج معروفة، وهي: اثنا عشر برجاً، كل برج له أربع من هذه المنازل.
وعلى كل حال هذه الأمور: أمور الحساب، ومعرفة القمر من الأشياء المباحة، ولكن غيرها أنفع منها.
قال الشارح رحمه الله: [هذا الأثر علقه البخاري في صحيحة، وأخرجه عبد الرزاق و عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم.
وأخرجه الخطيب في كتاب (النجوم) عن قتادة ، ولفظه قال: (إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، وإن ناساً جهلة بأمر الله، قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما نجم إلا ويولد به الأحمر والأسود، والطويل والقصير، والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحداً علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء).
انتهى].

حاشية ثانية
رقم الحديث: 68
(حديث مرفوع) حَدِيثٌ : " إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا رُفِعَتِ الْعَاهَةُ عَنْ كُلِّ بَلْدَةٍ " . أبو داود : من جهة عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة رفعه بهذا . وكذا أخرجه الطبراني في ترجمة أحمد بن محمد بن يعقوب من معجمه الصغير ، بلفظ : " إذا ارتفع النجم رفعت العاهة عن كل بلد " . وهو عند أبي حنيفة ، عن عطاء . ورواه عسل بن سفيان ، عن عطاء بلفظ : " ما طلع النجم صباحا قط وبقوم عاهة إلا رفعت أو خفت " ، كما لمسدد ، وفي لفظ عنه أخرجه أحمد : " ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رفع والنجم الثريا " . ولأحمد والبيهقي من حديث عثمان بن عبد اللَّه بن سراقة ، عن ابن عمر ، قال : نهى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تؤمن عليها العاهة ، قيل أو قلت : ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : إذا طلعت الثريا ، وطلوعها صباحا يقع في أول فصل الصيف ، وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار ، الأصفر من الأحمر .
حاشية ثالثة:
في لسان العرب: الجُرْثُومة: الأصل؛ وجُرْثُومة كل شيء أَصلُه ومُجْتَمَعُه، وقيل: الجُرْثُومة ما اجتمع من التراب في أُصول الشجر؛ عن اللحياني.
وجُرثومة النمل: قَرْيته. الليث: الجُرْثومة أصل شجرة يجتمع إليها التراب.
والجُرْثُومة: التراب الذي تَسْفيه الريحُ، وهي أيضاً ما يَجْمَعُ النَّمْلُ من التراب.
وفي حديث ابن الزبير: لما أَراد أن يهدم الكعبة ويبنيها كانت في المسجد جَراثيمُ أي كان فيها أماكن مرتفعة عن الأرض مجتمعة من تراب أو طين؛ أَراد أَن أَرض المسجد لم تكن مستوية.
وتَجَرْثَمَ الشيءُ واجْرَنْثَم إذا اجتمع؛ قال خُلَيْدٌ اليَشْكُريُّ: وكَعْثَباً مُرَكَّناً مُجْرَنْثِما وفي الحديث: تَمِيم بُرْثُمَتُها وجُرْثُمَتُها؛ الجُرثُمة هي الجُرْثُومة، وجمعها جَرَاثِيمُ.
وفي حديث عليّ: مَن سَرَّه أن يَتَقَحَّمَ جَراثِيمَ جهنم فلْيَقْضِ في الجَدِّ.
والجُرْثُومة: الغَلْصَمَةُ.

حاشية رابعة"
والذَّرُّ صِغارُ النَّمل، واحدته ذَرَّةٌ؛ قال ثعلب: إِن مائة منها وزن حبة من شعير فكأَنها جزء من مائة، وقيل: الذَّرَّةُ ليس لها وزن، ويراد بها ما يُرَى في شعاع الشمس الداخلِ في النافذة؛ ومنه سمي الرجل ذَرّاً وكني بأَبي ذَرٍّ.
وفي حديث جُبير بن مُطْعِم: رأَيت يوم حنين شيئاً أَسود ينزل من السماء فوقع إِلى الأَرض فَدَبَّ مثل الذَّرِّ وهزم الله المشركين؛ الذَّرُّ: النمل الأَحمر الصغير، واحدتها ذَرَّةٌ.
وفي حديث ابن عباس: أَن النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى عن قتل النحلة والنملة والصُّرَدِ والهُدْهُدِ؛ قال إِبراهيم الحَرْبِيُّ: إِنما نهى عن قتلهن لأَنهن لا يؤذين الناس، وهي أَقل الطيور والدواب ضرراً على الناس مما يتأَذى الناس به من الطيور كالغراب وغيره؛ قيل له: فالنملة إِذا عضت تقتل؛ قال: النملة لا تَعَضُّ إِنما يَعَضُّ الذَّرُّ؛ قيل له: إِذا عَضَّت الذَّرَّةُ تقتل؛ قال: إِذا آذتك فاقتلها. قال: والنملة هي التي لها قوائم تكون في البراري والخَرِبات، وهذه التي يتأَذَّى الناس بها هي الذَّرُّ.
وذَرَّ الله الخلقَ في الأَرض: نَشَرَهُم والذُّرِّيَّةُ فُعْلِيَّةٌ منه، وهي منسوبة إِلى الذَّرِّ الذي هو النمل الصغار، وكان قياسه ذَرِّيَّةٌ، بفتح الذال، لكنه نَسَبٌ شاذ لم يجئ إِلاَّ مضموم الأَول.

حاشية خامسة:
ثنا يونس هو ابن عبيد عن الحسن عن ابي بكرة قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله فخرج يجر ردائه، حتى انتهى الى المسجد، فثاب الناس فصلى بهم ركعتين، فأنجلت الشمس، فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، وإنهما لايخسفان لموت احد، وإذا كان ذلك فصلوا وادعوا حتى يكشف مابكم. (المحلى بالاثار، الاعمال المستحبة في الصلاة وليست فرضا، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، دار الفكر، رقم الحديث 555)
عن الحسن عن ابي بكرة: كنا عند رسول الله فانكسفت الشمس فقام يجر رداءه من العجلة، فقام اليه الناس، فصلى ركعتين كما يصلون، فلما انجلت خطبنا فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده وإنهما لاينكسفان لموت احد ولا لحياته، فإذا رأيتم كسوف احدهم فصلوا حتى ينجلي. (المرجع السابق، ص 312). قوله (لموت أحد) في رواية " وذلك أن ابنا للنبي يقال له ابراهيم مات فقال الناس في ذلك".
ولمسلم من حديث أسماء " كسفت الشمس على عهد رسول الله ففزع فأخطأ بدرع حتى أدرك بردائه" يعني أنه اراد لبس ردائه فلبس الدرع من شغل خاطره.
عن ابي موسى قال خسفت الشمس فقام النبي فزعا يخشى ان تكون الساعة فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط بفعله وقال هذه الايات التي يرسل الله لاتكون لموت أحد ولا لحياته ولكن يخوف الله به عباده فإذا رأيتم ذلك فأفزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره. ( صحيح البخاري، كتاب الكسفوف، 1010)
عن ابي قلابة عن النعمان عن البشير : كسفت الشمس على عهد الرسول فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت.). (المحلى بالاثار، الاعمال المستحبة في الصلاة وليست فرضا، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، دار الفكر، ص 312)
عن عبد الرحمن بن سمرة وكان من اصحاب الرسول، قال: كنت أرمي بأسهم لي في المدينة في حياة الرسول إذ كسفت الشمس، فنبذتها، وقلت: والله لانظرن إلى ماحدث لرسول الله في كسوف الشمس، قال: فأتيته وهو قائم في الصلاة رافع يديه، فجعل يسبح ويحمد ويهلل ويكبر ويدعو حتى حسر عنها، فلما حسر عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين. ( المصدر السابق ص 313).
وهنا تفسير محمد لاسباب ظاهرة الكسوف. عن النعمان بن بشير قال: انكسفت الشمس على عهد الرسول فخرج يجر ثوبه فزعا حتى |أتى المسجد، فلم يزل يصلي بنا حتى انجلت فلما انجلت قال: إن اناسا يزعمون ان الشمس والقمر لاينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء، وليس كذلك، إن الشمس والقمر لاينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله وإن الله إذا تجلى لشئ من خلقه خشع له فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة. ( المصدر السابق ص 214). ويؤيد ذلك ماجاء عن طاوس أنه نظر الى الشمس وقد انكسفت فبكى حتى كاد ان يموت، وقال: هي أخوف لله منا. (انطلاقا من قوله تعالى: ومانرسل بالايات الا تخويفا) ( شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية وجاء ايضا في حاشية للبخاري كتاب الكسوف الحديث رقم 1001 )


التصورات الكونية في الفكر الاسلامي المبكر
الفلك الاسلامي
نثر الدرر
منازل القمر
العلوم في بلاد العرب
التصورات الكونية في الفكر الاسلامي المبكر
العرب والنجوم ودوران الارض
تاريخ عبادة الربة الشمس
تاريخ عبادة القمر في الجزيرة
التطير والفلك لدى الاشوريين
أهم آلهة عرب الجزيرة
نجمة الغول او نجمة الشيطان 
تاريخ علم الفلك
شكوك العرب الفلكية والنهضة الاوروبية
لتطير والنبوءات عند الاشوريين
هل كان الله هو الاله القمر
مصادر خرافة رمي الجن بالنجوم والشهب
كتاب المجسطي الاغريقي عن الفلك