علـم الاجتمـاع
 
 
بقلم شريف الصيفي


الغنوصية التي وحدت الآلهة



في هذا الماخور الطافح، من ..؟
(صلاح عبد الصبور، مأساة الحلاج)

مع الميلاد يُنتزع الإنسان من حالة إجبارية ومحددة غريزياً ليُقذف به لحالة ليست محددة بل مفتوحة ومجهولة، الماضي فيها يمثل الأمان المفقود والطمأنينة المستلبة، والحاضر مُسمم بالتناقضات الشريرة أما المستقبل فهو مبهم. نفق مظلم طويل من الغربة يقطعه البشر ظمأى، وفي النهاية ينتظر الموت وعالمه المجهول. وكان على الإنسان خلع معنى ما على عالمه فأضفى القداسة على بعض مظاهره تحت وطأة الخوف وأملا في غـدٍِ يرتاح فيه فأبدع مقولة " العالم الذهبي"

جاء في الأساطير أنه في زمن ما بعيد، موغل في القدم كان الإلهي والإنساني شركاء في عالم واحد، كان هذا العالم الذهبي على ضفاف دلتا نهر النيل وفقاً للتصور المصري القديم، وكان في السماء كما جاء في الأساطير السامية، ولسبب ما غضب الإلهي فاعتزل الإنساني تاركاً إياه وحيداً يواجه مصيره بنفسه. وبهذا الانفصال تحول هذا الكائن الإلهي إلي " dioj osioj ديوس أوسيوس " أي إلى إله مقدس ومتعال يسكن عالمه البعيد بعد أن كان قريباً من البشر ومن أنماط حياتهم ... ومنذ ذلك الزمن بدأت رحلة الإنسان الشاقة لإعادة التواصل وقهر الانفصال والعودة للعالم الذهبي.
وسواء كانت الآلهة قد شاركت الإنسان الوجود على الأرض أو شاركها الإنسان الحياة في الأعالي فهذا لم يغير من أمر الانفصال الحادث من شيء وعجت جميع الديانات بزخم من الطقوس المفعمة بالشبق العالي لإعادة التوحد مع الذات الإلهية.

ورغم هذا بقي الانفصال على حاله إلى أن جاءت المبادرة الكبرى عندما ظهر ابن الله على الأرض لكي يضع حد لهذا النضال ويضحي بنفسه على الصليب لإعلان المصالحة وليخلص الإنسان من الخطيئة الأولى التي كانت سبباً في انفصال العالمين، ورغم ذلك لم يُقهر الانفصال حتى بعد مضغ ما يرمز لجسد ابن الله وشرب ما يرمز لدمه (طقسة التناول)، وظل هناك من لا يرتوي فذهب يبحث عن دروب جديدة للخلاص بطرح تساؤلات جديدة تجاوز بها السقف الذي حددته التأويلات الرسمية للنص الديني:
كيف صدرت الكثرة من الواحد الأحد؟
ما العلاقة بين الرب الخالق وهو الكمال المطلق بالعالم الغير كامل والمفعم بالشرور والتعاسة؟
كيف يصدر من الله هذا الكيان الأزلي كيان محدث؟
من نحن وماذا كنا وماذا أصبحنا وماذا سيحدث وإلى أين نحن ذاهبون؟
ما الروح وما النفس وعلاقتهما بالجسد؟
لماذا التناحر والتقاتل، ألسنا جميعا من أصل واحد؟
كيف الخلاص من هذه الغربة وإعادة التوحد مع العالم الإلهي؟
هل الإيمان وحده كفيل بخلاص العباد أم هناك فريضة غائبة؟

وظهر للوجود جماعات عدة اجتهدت في البحث عن إجابات ممكنة لهذه الأسئلة المستحيلة، ورغم تعددها وتعدد منابعها إلا أنها تميزت بالتسامح وعدم تكفير الآخر، واتفقت جميعها على أن الخلاص لا يتحقق بالإيمان وحده لكن أيضاً بالمعرفة، تحديداً معرفة الذات كخطوة أولى للتحرر من الاستلاب ومن الواقع المتشيء .

هؤلاء هم الغنوصيون.




" عبارتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذلك الجمال"
(قاعدة صوفية)

" ليس كل فكر عقلاني بالضرورة فكراً تقدمياً – إذا صح التعبير في لغة سياسية راهنة –
وليس كل فكر مناهض للعقل بالضرورة فكراً رجعياً "
حسن عبد الله حمدان
(مهدي عامل)




الغنوص
الغنوص كلمة يونانية الأصل تعني المعرفة وهي تقابل العرفان في التراث العربي والإسلامي، والغنوصية هي ظاهرة عالمية تقاطعت مع جميع الديانات القديمة والحديثة بدون أي علاقة سببية بينهما، أي إنها ليست نتاج الدين بل هي نتاج أوضاع اقتصادية واجتماعية في الأساس وحركة تمرد سلبية ضد مسببات هذه الأوضاع بإسقاط التناقضات الاجتماعية على التصورات الدينية، ورفض للخطاب الديني الرسمي الذي يختزل العلاقة بين الإنسان والله في النص المقدس بغرض الفصل بين الإلهي والإنساني، ويحتكر تأويل النص لما يخدم الحكم المطلق، لذا فهي ظاهرة حية دوماً

الغنوصيون إذاً يطالبون بعلاقة مباشرة ومتواصلة مع الله بدون وسائط بهدف خلق عالم مفتوح ومتسامح وربما كانت جماعة أخوان الصفا من القرن الرابع الهجري (العاشر ميلادياً) والتي تعتبر امتداداً لغنوصي العصر القديم أنقى مثال في المباشرة التي عبروا بها عن معارضتهم للدولة وللتأويل الرسمي للنصوص مبشرين بمجتمع جديد لخلق الإنسان الجديد المنفتح على جميع الأديان والمذاهب والذي يتمثل في ذاته كل العالم: " العالم الخبير، الفاضل الذكي، المستبصر، الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الأداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة الصوفي السيرة، الملكي الخلاق، الإلهي المعارف، الصمداني"
( رسائل أخوان الصفا وخلان الوفا، ج2)

قال عنهم الأسقف إرنايوس أسقف مدينة ليون في نهاية القرن الثاني الميلادي:
" من المستحيل العثور فيهم على أثنين أو ثلاثة يقولون نفس الشيء حول نفس الموضوع "

فهذه المجموعات القلقة غير المتجانسة تميزت بخيال خصب وقدرة عالية على توظيف كل ما تطوله أيديهم من نصوص لما يخدم أفكارهم من كل الديانات والأساطير والفلسفات، لم يكن مرد الانتقاء والتلفيق للمزاج الشخصي، لكنه كان الشكل الوحيد المتاح للتعامل مع الثقافات المتنوعة التي أُجبرت على التعايش في ظل الإمبراطوريات الكبيرة (الرومانية في العصر القديم المتأخر والإسلامية في العصر الوسيط). أي إن الانتقاء تم بحكم الضرورة الاجتماعية. وقد أهلهم ذلك لدخول العالمية من أوسع الأبواب و لكونهم مسالمون غايتهم الله مبدأ كل شيء فبدو وكأنهم داعون لديانة عالمية من التسامح والمحبة.

الذات الإلهية:
المنطلق الأساسي الأول للغنوص هو مشكلة الشر وعدم الكمال في العالم، فالغنوصي يرفض فكرة كون الله الخالد أبدا خالقاً لما هو قابل للفناء، ويرفض أن يكون الله الذي هو الكمال المطلق خالقا للعالم الغير كامل وما فيه من شرور، ويرفض أن يصدر من الله هذا الكيان الأزلي كيان محدث والحل الذي أبتدعه هو أن الإله خالق العالم وكل ما به من شرور ليس الإله الأول وإنما خلق بفعل قوة إلهية وسيطة بين الذات الإلهية والعالم ليست بكمال الذات الإلهية، قد تكون الابن الذي فاض من الذات الإلهية كما في النصوص الهرمسية، أو أسياد الشر، أو هي الملائكة عند بعض غنوصي العالم القديم كما سنرى، أو الألوهة عند بن عربي في العصر الوسيط، المهم أنه لا علاقة تماس مباشرة بين الذات الإلهية والعالم، وحصرها بعيداً عن مجال الفعل فليس من مهامه أن يعدل أو يظلم، يحي أو يميت، يرحم أو ينتقم. هو وجود منزه، فكر مجرد، عقل خالص لا يمكن تسميته ولا تصوره، وعلى نقيض التصور المنطقي بأن كل موجود يمكن رؤيته فهم ينفون إمكانية رؤية الله بنفيهم لصفة التشيوء وعلى هذا الأساس هو غير موجود (كشيء)

" هو الموجود المنزه عن الوصف،
ذلك الذي لا يموت، الخالد، لم يولد لأن من يولد يموت،
لم يُـخلق وليس له بداية لأن من له بداية له نهاية.
لا أحد سيداً عليه، هو بلا أسم ذلك لأن من يحمل اسماً فهو صنيعة آخر.
ليس له صورة آدمية لأن من له صورة آدمية هو صنيعة آخر"
(من رسالة إجونستوس، مكتبة نجع حمادي المخطوط الثالث ، النص الثالث)

" هو الموجود، رب وأب الجميع،
غير مرئي، وهو فوق كل شئ،
هو الوجود الأبدي، النور الخالص، لا تدركه الأبصار،
صاحب الوجه الغير مرئي، ليس كمثله شئ،
هو أكثر من كونه إله، ليس فوقه أحد ولا أحد سيداً عليه...
هو الخالد، لا يعوزه شيء فهو الكمال المطلق،....
هو غير مرئي ولم يراه أحد،
هو الخالد، والكائن أبدا،....
هو الخلود، العاطي للخلود
هو الحياة التي تهب الحياة
هو الروح التي تعطي الروح
هو المعرفة التي تعطي العلم
هو الخير الذي يعطي الخير
هو الرحمة التي تعطي الرحمة والخلا ص
(تعاليم يوحنا السرية، نجع حمادي، المخطوط الثاني، النص الأول)

العالم:
على عكس العقل الديني العادي الذي علية تحمل نتائج نشأة الكون نجد أن الغنوصي مهموما على الدوام بالأسطورة الكسموجونية ليعي النتائج التي ترتبت على هذه النشأة ومن ثم إعلان براءته منها، فهو رافض لوجوده على الأرض بوصفه تجسيد للانفصال عن الأصل السماوي:

" سماء كبرى، مبدأ ولادتنا، أثير نقي أبدي ونفحة مقدسة من الإله الأعلى،
وأنت، أيتها النجوم المتلألئة نظرات الآلهة ونور الشمس والقمر الذي لا يكل، أسرتنا الأولى.
أي تمزق وأي ألم ! أنترك هذه الأنوار العظيمة وهذا الفلك المقدس وكل روائع القطب وجمهورية الآلهة السعيدة ليقذف بنا في هذه المقرات الخسيسة والبائسة! أي ذنب ارتكبنا؟ ...
أنت يا من طردنا وأنزلنا إلى هذا الدرك الأسفل ، ضع حداً لآلامنا! "
(إيزيس، من كتاب عذراء العالم)

" لا تطيل أيامي في هذا العالم بل في أيام نورك!
خلصني من هذا المكان الغريب!
ولا تدع رحمتك تتخطاني بل دعني داخلها وأنقذني من الموت القبيح،
وأخرجني حيا من قبري فرحمتك حية فيَّ
( رؤيا يعقوب، نجع حمادي، المخطوط الخامس، النص الرابع)


أغلب المدارس الغنوصية تقول بخلق العالم بالفيض من الإله الأول وهو تحايل على المبدأ الأفلاطوني: " الواحد لا يصدر عنه إلا واحد " للخروج من مأزق صدور الكثرة من الواحد. في الواقع إن هذا التصور إنتاج إسكندراني قح، فقد طور فلاسفة الإسكندرية التصور الأفلاطوني الذي أبقى عالم الفكر في حالة ثبات فجعلوه متحرك وحي وأساس عملية خلق العالم الحسي عن طريق الفيض، فمن الأب الخير صدر العقل ومنه صدرت النفس الكلية أخر درجات الفيض من عالم المجردات وهي بمثابة حلقة الوصل بينها وبين العالم المحسوس الذي صدر منها وهو أخر درجات الفيض وأبعدها عن مركز الفيض وأدناها. ويصدر هذا الفيض من الأول (الخَيّر ونور الأنوار) بحكم الطبع والضرورة وليس عن إرادة، فالنور لا يمتلك سوى أن يفيض نورا، وبما إن العالم هو نتاج فيض إلهي فالعالم في هذه الحالة غير مخلوق وغير مستحدث بل أزلي وملازماً لقدم وأبدية الفيض.


الروح:
" الحكماء الذين عاشوا قبلنا أعطوا " الروح" اسماً أنثوياً وهي بالفعل كذلك أنثوية الطبيعة ووهبوها رحماً كباقي النساء، ومتى كانت بجوار الأب كانت بتول خنثوية التكوين، لكن عندما أٌسقطت في الجسد وجاءت لهذا العالم (حيث) تعرضت للعنف من لصوص كثيرون. وتلاقفها المجرمون واغتصبوها....
اختصاراً: هٌتك عرضها وفقدت بكارتها"
(نجع حمادي، المخطوط الثاني، النص السادس)

روح الإنسان (غنوصياً) ذات أصل سماوي جاءت للوجود بفعل قوة إلهية ثم حبست في الجسد إما بفعل قوة شريرة أو بسبب خطيئة أرتكبها الإنسان. وبالتالي فهي روح غريبة عن هذا العالم، قلقة ومستلبة قذف بها في واقع ثقيل ملئ بالشرور(جوهرة في الوحل)، وعلى أساس ذلك فإن الإنسان الذي يعرف ذاته ويعرف من أين جاء ويعرف أنه منحدر من أصل سماوي نقي سيكون قادراً على الخلاص من عبء هذا العالم ويدخل عالم الخلود أما الإنسان الغارق في شهواته الجسدية لن ينجو بنفسه من قبضة الجسد وبالتالي من التحلل معه ويقترب هذا التصور من التصور البوذي بأن الآلهة سقطت من السماء عندما فقدت الذاكرة فتجسدت بشراً ومنهم من مارس الزهد والتأمل فعادت الذاكرة أي معرفتها بذاتها الحقيقية. لكن هذه المعرفة لا يبحث عنها وإنما هي موجود وعبر صيحة إلهية تستيقظ أي بـ " رفع الحجاب "

المعرفة:
المعرفة بشكل عام من وجهة نظر الغنوصيين الأوائل والمتصوفة في العصر الوسيط هي عملية اتصال مباشر مع السماء بلا وسائط، وفعل وجداني تلعب فيه مجاهدة النفس والجسد دوراً هاماً للتخفف من قيود العالم لاستقبال الإلهام الإلهي " الكشف" . أي أنه وبدون أي نظام نظري أو تأملات تجريدية في الواقع يبدأ بالذات (الانا) كمدخل للخلاص ليعي طبيعته المعقدة بافتراض أن الإنسان نتاج مركب من عناصر إلهية هي الروح والنفس والشعور والإدراك وعناصر دنيوية هي النار والماء والتراب والهواء ولن يتسنى للعناصر الإلهية الصعود للسماء حتى ترد للدنيا ما علق بها.

" من عرف نفسه يعود إلى نفسه، كما قال الله، لأنه من النور والحياة رب كل شيء..... ....."
" أيها الناس، يا أهل الأرض، يا من في الغفلة والنوم والجهل بالله، استفيقوا وتجنبوا الغفلة،
فأنتم في نوم بهيمي. يا أهل الأرض، لماذا استسلمتم للموت بينما أنتم قادرون على الخلود، عودوا فأنتم مع الخطيئة على الطريق، وتتشاركون مع الجهل، اعتزلوا الظلام وخلصوا أنفسكم من الضلال
و خذوا نصيبكم من الخلود!" (بومندريس)

الموت والنوم وجهان لعملة واحدة في كافة الديانات. في المثيولوجيا اليونانية هما أخوان " هبنوس وتناتوس " ويكني الموت بالنوم في الديانات السامية ويقابلا الجهل والنسيان في الأدبيات الغنوصية. ومن هنا أصبح مفهوم" اليقظة" من المفاهيم الأساسية في الفكر الغنوصي التي تحمل في طياتها المعرفة والوعي بالأصل المنسي، وشرط الوجود في عالم الأب.
تقول الأسطورة الغنوصية (3):
" جاء أحد الأمراء إلى مصر يبحث عن " الدرة الفريدة" التي في وسط البحر يحرسها ثعبان ذو فحيح عالي فأسره المصريون ، وفي الأسر نسي الأمير هويته: " نسيت أنني أبناً لملك .. ونسيت الدرة التي أرسلني أبواي للإتيان بها " ويعلم أبواه بما حل به فيرسلون له برسالة:
" من أبيك، ملك الملوك، من أمك سلطانة الشرق، ومن أخيك الذي يلينا في الرتبة، إلى ولدنا في مصر: سلام! استيقظ وأفق من سباتك واستمع إلى كلمات الرسالة، تذكر انك ابن ملك، ووقعت في العبودية، تذكر الدرة التي من اجلها أرسلناك إلى مصر"
وتحكي الأسطورة بأن الرسالة طارت وحطت كالنسر عليه وصارت صوتا ظل يعلو حتى أيقظت الأمير فتغلب على الثعبان وآتى بالدرة وعاد لأبيه"
(لا حاجة لنا للنضال من أجل إثبات أن هذه الأسطورة صياغة غنوصية لقصة موسى في مصر والتي أستخدمها الشيخ الشهيد السهروردي (4) فيما بعد كلبنة أساسية في رسالته " الغربة الغربية" التي فيها يتحدث عن غربته في " القيروان" في ضوء قصص القرءان الكريم ورحلته الطويلة للخروج من الآسر حتى يصل إلى سيناء حيث أرض الميعاد حيث التوحد مع الأب) وبالنظر للأسطورة نجدها تحمل العناصر الأساسية للفكر الغنوصي: سقوط، نوم، نسيان، غربة ثم صيحة، استفاقة، وعي بالهوية، عودة. وتعج الأدبيات الغنوصية بالعديد من الحكايات والأقوال التي تدور حول نفس المعنى.

في بعض مدارس الغنوص المسيحية ظهر يسوع المسيح بوصفة النداء، ففي رؤيا يوحنا يطالعنا صوت المسيح يحذر البشر من غفوتهم:
" استيقظ وتذكر، أنت يا من تسمع ندائي، تعالى لجذورك، أنا المعزى (البارقليط). احفظ نفسك من ملائكة الفقر وأشباح الفوضى وكل من أوقعك في شباكه، احترس من النوم العميق والاندماج مع أحشاء العالم السفلي". (نجع حمادي، المخطوط الثاني، النص الأول)

" تخلص من النوم الذي يثقلك، واخرج من النسيان الذي يلفك بظلامه... وقبل كل شيء أعلم أصلك، أعرف ذاتك، من أي العوالم أنت، من أي جنس ومن أي أصل"
(نجع حمادي، المخطوط السابع، النص الرابع، تعاليم سيلفانوس).

" أما زلتم نائمين و تحلمون، استيقظوا وعودوا، و تذوقوا الغذاء الحقيقي، اقتسموا الخبز وماء الحياة، تخلصوا من الجشع والأمنيات الشريرة وكل ما شابه ذلك من تعاليم سيئة التي لا فلاح بها"
(نجع حمادي المخطوط السادس، النص الرابع)


بعض فرق الغنوص تعتقد في ابدية الروح وانتقالها من كائن لآخر أمثال فيثاغورس وأمبدوكليس وغيرهم، وأنه بالتدريب يمكن تنشيط الذاكرة، وبهذا يتم نفي الموت،
يقول أمبدوكليس:

" كنت متشرداً منفيا عن المقام الإلهي،
كنت غلاما وصبية،
كنت شجرة وعصفور،
كنت سمكة خرساء في البحر، ...
فنجوت من الموت للأبد "

المعراج:
ومن المشتركات الهامة أيضاً والتي تجمع أغلب الجماعات الغنوصية في العصرين القديم والوسيط هي فكرة هبوط الروح من السماء الأولى عبر دوائر فلكية كما في النصوص الهرمسية أو عوالم أبدية (آيون) كما في الغنوص المسيحي، أو " مقامات" كما في العرفان الإسلامي، فتكتسب من كل منها قوة ما وبعد الموت تعود مخترقة نفس الأفلاك السبع أو الآيونات تفقد في كل منها ما سبق ما اكتسبته من قوى ما عادت تحتاج لها في العالم السماوي. وربما كان منبع هذا التصور الاسطورة البابلية التنجيمية الكبرى والتي تقدم أقدم التصورات حول نزول وصعود الروح عبر الأفلاك السبع والقوى التي تحصل عليها ثم تعود وتفقدها، والتي أعيد صياغتها مرة أخرى في القرن الثاني قبل الميلاد ضمن النصوص الهرمسية التي شكلت فيما بعد النبع الأساسي الذي نهلت منه أغلب مدارس العرفان وخاصة الإسماعيلية والباطنية:
" قلت: أيها العقل لقد علمتني كل شيء، لكن حدثني عن المعراج!
أجاب بومندريس قائلاً: عندما يفسد جسدك تغادره وتتركه يتحلل فتختفي عن الأبصار الصورة التي كنت تحملها وتترك ذاتك العادية للشيطان التي تتعطل عن الشعور وتصعد حواسك ليعود كل منها إلى مصدره ... ...
وهكذا ينطلق الإنسان إلى السماء يشق طريقة عبر هياكل الدوائر السماوية فيترك في الدائرة الأولى قوة النماء والنقصان ويترك في الثانية قوة الخبث والاحتيال التي لم يعد لها مفعول ويترك في الثالثة وهم الرغبة التي تصبح بعدئذ معطلة ويترك في الرابعة كبرياء الحكم بعد أن فقدت الأهداف الطموحة المحركة لها ويترك في الخامسة التهور والإدعاء الكاذب ويترك في السادسة الشهوات المحرمة ... ويترك في السابعة الكذب الذي يكيد وهكذا يدخل إلى السماء الثامنة متحرر من ما خلفته فيه طبائع الدوائر الفلكية لا يملك غير قوته الذاتية فيسبح للأب مع القوى (أرواح، ملائكة) .. وعند ذلك يصعدون في نظام نحو الأب .. ويتحدون مع الله، هذه هي النهاية السعيدة لمن يملكون المعرفة " (بومندريس)




2

لفهم نشوء ظاهرة الغنوص في العالم القديم لابد من رصد التغيرات التي حدثت في خريطة حوض البحر المتوسط السياسية والاقتصادية والثقافية بشكل خاص والشرق بشكل عام ابتداء من القرن الرابع ق.م إلى القرن الثاني الميلادي. وهو عصر تميز بالانفتاح الثقافي وبالتلاحق السريع (نسبياً) للأحداث، ففي خلال هذه القرون الستة انهارت ممالك آشور والفرس والفراعنة ثم قيام وتفتت إمبراطورية الإسكندر، ثم قيام وتفتت دولة السلوقيين في أسيا الصغرى والبطالمة في مصر الذي تزامن مع تنامي قوة روما العسكرية وسيطرتها على حوض المتوسط ثم ظهور المسيحية والتي استطاعت في وقت قصير نسبياً أن تشق طريقاً خاصاً بها وسط عشرات من المذاهب والاتجاهات الدينية وأن تصبح الديانة الرسمية في حوض المتوسط.
من أهم سمات هذا العصر أيضاً النزوع للعسكرة ونمو العنف المتبادل بين ممالك حوض المتوسط فمنذ وفاة الإسكندر وحتى وفاة كليوباترة السابعة لم يشهد حوض المتوسط شهراً واحدا دون أن تقطعه الأساطيل المحملة بالجنود وخصوصاً بسبب النزاع المزمن بين البطالمة ودولة السلوقيين حول السيطرة على جوف سوريا والسيادة على حوض المتوسط، ثم تنامي قوة روما العسكرية حتى ابتلعت المنطقة برمتها.

مصر

مع بداية توحيد الجزر اليونانية الذي بدأه فيليب الثاني المقدوني عام 338 ق.م وبداية التخطيط لتوحيد الساحل الجنوبي لحوض البحر المتوسط حبلت المنطقة بمشروع جديد، وُلد في عام 332 ق.م عندما فتح الإسكندر الأكبر مصر آخر معاقل الفرس على ساحل المتوسط وفي نفس العام أسس مدينة الإسكندرية وبعد موته المفاجئ في أفغانستان قُسمت مملكته التي كانت تضم العالم القديم من أفغانستان إلى مصر، وسُمح لبطليموس الأول الملقب بالمخلص (سوتير) بحكم مصر في مؤتمر تريباراديوسوس في سوريا .
في عام 323 ق.م يستقل بطليموس الأول بحكم مصر ويؤسس مكتبة الإسكندرية والموزيون (7) الملحق بها والتي ستبقى المركز الثقافي والعلمي للعالم القديم لأكثر من خمسة قرون تلعب الدور الأهم في مسيرة العلم والفلسفة في حوض المتوسط وسعى لتوحيد المجتمع السكندري بعنصريه المصري واليوناني حول ديانة واحدة، وقع اختياره على إله منف "أوزير أبيس" (الذي تحور مع الزمن إلى سيرابيس) الذي كان يصور في هيئة ثور أبيض اللون ورأس أسود وهي نفس الألوان التي تلون بها مومياء أوزير، يحمل بين قرنيه قرص الشمس وريشتان. كان هذا الإله نتاج دمج إله العالم السفلي أوزير مع ثور منف " أبيس" ويعتبر أحد تجليات أوزير نفسه.
وكان لهذا الاختيار ما يبرره فمنف ظلت لقرون عديدة العاصمة الرسمية لمصر ذات المكانة الدينية الهامة بل أن اسم أهم معبدها " حوت كا بتاح" كان يطلق على المدينة ثم أطلق على كل مصر فيما بعد ومن هذا الاسم اشتق اسم مصر في اللغات اللاتينية، ورغم نقل العاصمة ومقر إقامة ملك البلاد إلى الإسكندرية (307 ق.م.) ظلت منف المكان الذي يتم فيه تتويج ملوك البطالمة حتى عصر بطليموس الخامس.
ولكي يكون الإله الجديد مقبولاً من اليونانيين جُـرد من هويته المصرية وأضفى عليه سمات إغريقية، فصور كملك للآلهة تقترب كثيرا من ملامح الإله الإغريقي " زيوس": رجل ناضج يجلس بوقار يحمل فوق رأسه سلة غلال صغيرة رمز الخصوبة. وقد ساعد في نجاح هذا الاختيار أن هذا الإله كان معروفا للإغريق في مصر الذين أقاموا في منف وفي ناوقراطيس والذين لمسوا التشابه بين الآلهة المصرية وآلهتهم فوحدوا بين أوزير إله العالم السفلي وبين وديونيسوس إله الخصوبة والنبيذ والمسرح رغم هشاشة التقاطعات بين الإلهين، ووحدوا بين إيزيس وكل من الربة دميترا والربة إيو وفي حالات قليلة مع افروديت، كما توحد حورس مع ابولو، بل كانت في بعض المرويات يحدث تبادل وتداخل في الصفات والأدوار.

لم يكن بطليموس الأول يعلم أن بهذه الاختراع الطريف سوف ينقل حوض البحر الأبيض المتوسط كله نقلة نوعية لصورة الإله! فلم يمضي وقت طويل حتى تخطى هذا الإله مكانته التي حددت بشكل مسبق كإله لمواطني الإسكندرية وناطح مكانة " زيوس " في المعتقد الإغريقي ومكانة أوزير في المعتقد المصري ويناطح يهوه الإله التوراتي. وبدأت ملامحه العالمية تتشكل كإله واحد يختزل داخلة كل آلهة المنطقة. فهو إله العالم السفلي في هيئة سيرابيس بلوتون، وإله الزمن الخالد (الماضي والحاضر والمستقبل) في هيئة سيرابيس إيون، وإله الحامي للبحارة في هيئة سيرابيس بوزايدون، وإله الطب في هيئة سيرابيس آسكليبيوس، وتظهر له هيئة لدى يهود الإسكندرية " سيرابيس يهوه، وكإله للشمس في هيئة سيرابيس هليوس. وعبد في" سنوب" على البحر الأسود(حاليا تابعة لتركيا) بوصفة صورة من الإله الأكبر زيوس.
وظهرت تعاويز تشير له بوصفه الإله الواحد الأحد.
يحكى أنه أثناء زيارة نيكوكريون (321 إلى 311 ق.م) ملك مقاطعة " زلاميس " التي كانت تقع في جزيرة قبرص للإسكندرية سأل " سيرابيس ": أي إله يكون؟ وجاءه الرد على لسان الكهنة بأنه الإله الذي تتجمع فيه كل الآلهة، آلهة الأرض والسماء وما بينهما والبحر والشمس:
" أنا كل إله يمكن إدراكه، السماء رأسي، وأحشائي البحر، قدماي هي الأرض، أذناي الفضاء، أما
شعاع عيني فهو نور الشمس"
وبذلك اقتربت صورة هذا الإله من تصورات الفلاسفة وخاصة الرواقيون ..


وبدأ كهنة سيرابيس في الإسكندرية من خلال النبوءات التي تجري باسمه استعارة أقوال الفلاسفة ونسبها لهذا الإله بهدف خلع رداء الحكمة عليه.
يحكى أن أحد أبناء الإسكندرية ذهب لسؤال سيرابيس عن كيفية اكتساب الحكمة الكلية، فجاء رد سيرابيس بأن الحكمة الكلية لا يمكن للإنسان الحصول عليها، يكفي الإنسان أن يكون محب للحكمة( فيلو صوفيا).

هذا الميل نحو التوحيد ورغم كونه غير محدث إلا أنه
التغيير الذي حدث لإله منف " أوزير أبيس " شمل إيزيس أيضا فلم تعد تظهر بهيأتها الوديعة بل كسيدة قوية الملامح والبنية أي أنها أيضاً خضعت للمقاييس الإغريقية، وصارت أيضاً أم كلية تختزل داخلها كل الربات في جنوب البحر المتوسط: عنات، عشتار، أيو، أفروديت، دميترا واعتبرت إيزيس زوجة لسارابيس وأنضم لهما بالتالي الابن حربوقراتيس (حورس الطفل) ليتأسس بذلك الثالوث الجديد والذي يعتبر امتداداً للثالوث الوطني أوزير، إيزيس، حورس.

في عهد بطليموس الثاني (فيلادلفوس) تـُرجمت الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم "التوراة" إلى اللغة اليونانية التي كانت اللغة الرسمية في حوض المتوسط وهكذا بدأ اللقاء الأول بين المعتقدات المصرية واليونانية مع نصوص التوراة (والتي تضم تكثيف معقد لخبرات المنطقة برمتها) والذي أثر ولاشك في الفلسفة اليونانية والفكر الديني بشكل عام في المنطقة. هناك أثر آخر لترجمة التوراة على الفكر الديني في حوض المتوسط تمثل في تسرب فكرة الكتاب المقدس النهائي، الغير قابل للزيادة ولا النقصان، وهذا لم يكن معروفاً من قبل فقد كانت النصوص المقدسة لشعوب المنطقة قابلة دوماً للتمدد.

في عام 146 ق.م تسقط الجزر الإغريقية بشكل تام في قبضة روما، ثم كل مدن الساحل السوري الفلسطيني في عام 64 ق.م. في عام 30 ق.م وبعد النهاية الدرامية لتحالف أنطونيوس وكليوباترا السابعة تصبح مصر ولاية رومانية ذات وضع خاص.
في عهد " كاليجولا" الذي حكم الإمبراطورية الرومانية عام 41 ميلادية يصبح المتوسط بحيرة رومانية خالصة بسقوط موريتانيا (حالياً: الجزائر والمغرب وموريتانيا) وتحت سلطة روما توحدت كل هذه المجتمعات متباينة أنماط الإنتاج وتختلف عما هو سائد فيها...

بسيطرة روما على المتوسط بدأ تفتت نظام المدينة (بوليس) الذي كان إحدى سمات العصر الهليني وأصبح المرء جزء من عالم كبير مفتوح، فأصبح من المألوف أن يولد المرء في ليبيا مثلاً ويتعلم في مصر أو تسالونيكي ويتزوج في فرنسا أو تونس ويعمل في روما أو في قبرص،
هذا التنوع والتعدد في عالم مفتوح تحت عباءة العبودية المعممة والعنف كان أرض خصبة لكل ما هو ممكن.
كان للبعض مصدر قلق واحساس بالغربة (8) وأحيا عند البعض شجون الإنسان الأول الناجمة عن انفصاله عن الطبيعة والذي يفسر أسطوريا بانفصاله عن أصله السماوي.
فيلسوف يهودي .. تأثر بأفلاطون وفيثاغورس، العالم عنده يتكون من طبيعيتين مختلفتين، الأولى كاملة وخيرة ومتعالية والثانية هي العالم المادي الذي يسوده الشر وبين الطبيعيتين


في هذه الفترة كان طريق الحرير من السمات الأساسية للعالم القديم، فهذا الطريق يبدأ من شاطئ المتوسط إلى الصين ماراً بسوريا وبلاد الرافدين وبلاد فارس وتركستان عليه بودلت البضائع والثقافات فمن خلال هذا الطريق انتظم الاتصال الثقافي بين حضارات العالم القديم، كان من نتائجه قراءة جديدة للمخزون الثقافي المصري وخصوصاً كتب تحوت من بشر احتكوا مع هذه الحضارات، فظهرت الصياغة الجديدة لكتب المعبود المصري تحوت تحت اسم " هرمس"، والتي تعتبر الحلقة الوسيطة بين التفكير الاسطوري والتفكير الفلسفي. وكان كلمنس السكندري التيولوجي الكبير من القرن الثاني الميلادي قد أكد أن كتب تحوت بلغت 42 كتابا تتناول ستة قضايا: من الأول للعاشر القوانين الإلهية، من الحادي عشر إلى العشرين تتناول العبادات، من الحادي والعشرين إلى الثلاثين الجغرافيا واللغة، ومن الحادي والثلاثين إلى الرابع والثلاثين في علم الفلك والتنجيم، الكتابان الخامس والسادس والثلاثون يضمان النصوص الدينية، باقي الكتب في السحر والطب.


الهرمسية
أصل اللفظ مشتق من الكلمة اليونانية القديمة " هرما" أي الدلائل الحجرية التي كانت تستخدم كعلامات للطريق وكانت تأخذ في بعض الأحيان شكل عضو الذكورة المنتصب ومن هنا جاءت خاصية هرمس لمعرفة الطرق ولهذا كان إله حامي للتجار. هو إله ماهر وماكر ويقوم بدور مرسال الآلهة، ومن هنا جاء دوره في نقل الرسائل للموتى، في العصر الهليني أعتبر المقابل اليوناني للمعبود المصري " تحوت" وبعد إعادة صياغة كتب تحوت انتشرت في الشرق باسم متون هرمس.
هي أقدم المدارس الغنوصية على الإطلاق، فأصولها ترجع للقرن الثالث قبل الميلاد (تقريبا)، وهي التجسيد الأخير للديانة المصرية وكانت بمثابة الجسر الذي علية عبرت الديانة المصرية لاختراق ديانات المنطقة وكذلك كانت بمثابة النبع الأول الذي نهلت منه باقي فلسفات وديانات المنطقة. نسبة إلى هرمس(المعظم ثلاثاً) وهي شخصية حكيمة أسطورية وعالمية نسبت إليها عدد هائل من النصوص ساهمت في تدوينها جماعات عدة من مصر وبلاد فارس وما بين النهرين والإغريق. أصل الاسم " هرمس " وهو المقابل الإغريقي للإله المصري" تحوت " رب الحكمة والكتابة وتجسيد للنظام الكوني وكان يطلق علية " تحوت مثلث العظمة" فنقل هذا اللقب لهرمس أيضاً. تقريباً كل الحضارات ادعت نسبة هرمس لها وتجلى في أسماء عدة، فهو " أنبجهد " في بلاد فارس، وهو أنوخ في التوراة وهو النبي إدريس في القرءان الكريم كما أكدت على ذلك عدد من المصادر(3). من الصعب وصف الهرمسية بالديانة فهي أقرب للفلسفة منها للدين رغم اعتمادها في نصوصها على السرد الاسطوري، وقد دون فيما يبدو أول النصوص الهرمسية قبل الميلاد بثلاث قرون أي في نفس القرن الذي ترجمت فيه الإصحاحات الخمسة الأولى من العهد القديم " التوراة" لكنها بلغت قمة تطورها في القرن الثاني والثالث الميلادي بسبب تفاعلها مع الأفلاطونية الحديثة (4) التي تبلورت في الإسكندرية.
قال كيريل السكندري ملخصا رؤية الهرمسية عن الله:
الله عند الهرمسية هو الأب الأزلي الذي أبدع ذاته الإلهية، العقل الخالص (نوس) خالق الأبدية المتجسدة في الابن الأول له (الكلمة) وهو بمثابة الألوهة التي تتوسط الذات الإلهية والعالم، بدون أن يكون لها وجود مستقل.

احترمت الهرمسية تجسيد الآلهة في تماثيل (5)
" وهكذا فإن الإنسانية بتذكرها لطبيعتها ولأصلها يستمر هذا في تقليد الألوهية: لأنه كما أن الأب السيد قد صنع الآلهة الأبدية المشابهة لذاته كذلك صنعت البشرية آلهتها على شاكلتها"
(نجع حمادي،المخطوط السادس، النص الثامن)


النص الهرمسي المؤسس
بومندريس

هو من أقدم النصوص الغنوصية وهو النبع الأساسي لكل المدارس الغنوصية والاتجاهات العرفانية سواء في العصر القديم أو في العصور الوسطى، وفيه يسرد هرمس رؤياه وفيها يتجلى له العقل الكلي " بومندريس "
ويعرض له بانوراما لمراحل الخلق الثلاث: الأول عالم النور وهو عالم العقل الكلي والأب ومبدأ كل شيء، العالم الثاني هو عالم الأمر من صنع الكلمة النورانية ، أما العالم الثالث هو عالم الخلق (عالم الأفلاك) وهو العالم الحسي من صنع الابن الأول للعقل الأول. وبعد اتحاد الكلمة بالابن الأول لكونهما من عنصر واحد يتوسطان المسافة بين عالم النور وعالم الخلق الحسي. هذا عن الجزء الأول من الرؤيا، الجزء الثاني يتعرض للعود أو المعراج عبر الأفلاك السبع. هذه الرؤيا بقسميها كانت اللبنة الأساسية لأغلب المدارس الغنوصية في العصر القديم والوسيط مع بعض التغيرات لكي تتوافق مع الفكر الديني السائد.


" ذات يوم وأنا مستغرق في تأمل الموجودات بفكر يحلق في الأعالي بحواس مسترخية كما يحدث للذين ينعسون تحت تأثير الإفراط في الطعام أو الإرهاق، بينما أنا كذلك إذا بي أمام كائن عظيم القامة يفوق كل تقدير وقياس، يناديني ويقول لي:
ماذا تريد أن تسمع وترى، وماذا يدور بفكرك تريد أن تعلمه وتعرفه؟
قلت: من أنت؟
قال: أنا بومندريس، العقل الكلي، ستعرف ما تريد وأنا برفقتك.
قلت: أريد معرفة الموجودات وفهم طبيعتها وأن اعرف الله.
وأضفت قائلاً: آه كم أنا متشوق للاستماع.
فرد علي بدوره قائلاً: استحضر في ذهنك كل ما تريد معرفته وسأعلمك.
وما إن أنهى كلامه حتى غير هيئته فانكشف أمامي كل شئ في الحال، رأيت مشهداً لا يحده وصف لقد تحول كل شيء نوراً ناصعاً بهيجاً أخذ بلبي بمجرد ما أبصرته. وبعد ذلك بقليل ظهرت ظلمة داكنة مرعبة متجهة إلى أسفل تتلوى كالأفعى ثم تحولت إلى ضرب من الطبيعة الرطبة تهتز اهتزازاً لا وصف له، وترسل بخار كما ترسل ناراً ودخانا محدثة صوتاً كالأنين، ثم انبعث ضجيج كصوت النار. وانبعثت كلمة مقدسة من النور ضاجعت الطبيعة، فانبثقت للأعالي نار صافية حية وملتهبة وانطلق خلفها صهد خفيف للفضاء منبثقاً من الماء واليابسة. وبقي الماء واليابسة على حالهما في حالة امتزاج لدرجة تعذر فيها رؤية الأرض بمعزل عن الماء، كانا في حركة دائمة بتأثير نفح الكلمة الإلهية فوقها، كما كانت تـُسمع.
قال لي بومندريس: هل فهمت الرؤيا؟
قلت: سأعرفها منك.
قال: هذا النور هو أنا، العقل(نوس)، إلهك، الموجود قبل الطبيعة الرطبة الخارجة من الظلمة، أما الكلمة النورانية(لوجوس) المنبعثة من العقل الإلهي هي ابن الإله.
قلت: عجباً!
قال: افهم ما اعنيه!: أن ما فيك يرى ويسمع هو كلمة الرب، والعقل هو الإله الأب وهما (أي الكلمة والعقل) غير منفصلين عن بعضهما لأنهما (معا) الحياة ذاتها .
قلت: شكراً
قال: افهم النور واعرفه!
عند هذه الكلمات ركز نظره علي طويلا فاضطربت من مظهره ثم رفع رأسه فرأيت النور وقواه التي لا تحصى أصبحت عالما غير محدود تطوقه النار بقوة ثم بلغت الاتزان وتوقفت عن الحركة، هذا ما رايته في فكري مؤيداً بكلام بومندريس، وكنت فيما يشبه الغيبوبة.
قال لي: لقد رأيت في العقل الصورة الأولى السابقة عن كل مبدأ، السابقة عن كل بداية والتي لا نهاية لها.
هكذا خاطبني.
قلت: ومن أين جاءت عناصر الطبيعة؟
قال: من إرادة الرب عندما تلقت الكلمة ورأت جمال عالم المُثل البهي فعمدت إلى محاكاته من عناصر مستخلصة من ذاتها في صورة عالم منظم. العقل (نوس)، الإله ذكر وأنثى، حياة ونور أوجد بكلمة منه عقلاً ثانياً صانع (أي الابن الأول) هو إله النار والنفس الذي خلق بدوره المدبرات السبع التي تغلف بدوائرها العالم الحسي ويسمى تدبيرها: القدر.
ثم انطلقت كلمة الإله واتحدت مع العقل الصانع لأنهما من جوهر واحد تاركة العناصر تنزل إلى أسفل وصارت العناصر السفلية معزولة محرومة من العقل في حالتها المادية.
العقل الصانع المتحد مع الكلمة المحيط بالدوائر الفلكية جعلها تدور محدثة أزيز، وأعطى الدفعة الأولى للحركة الدائرية لمخلوقاته وتركها تدور في أبدية وبلا نهاية لأنها تبدأ من حيث تنتهي. وبمشيئة العقل (نوس) خلقت من حركة الدوائر كائنات غير عاقلة من العناصر التي سقطت للأسفل، فأنتج الهواء الطيور وأنتج الماء الأسماك وأنتجت الأرض الدواب والزواحف والحيوانات المتوحشة والمدجنة.
لكن العقل (المبدأ الأول)أبو جميع الأشياء الذي هو الحياة والنور أنجب الإنسان (الابن الثاني) على شاكلته وفُتن بجماله لأن الابن كان له جمال أبيه ، في الحقيقة هو عشق الرب لصورته هو في ابنه وسخر له جميع مخلوقاته. وعندما رأى الإنسان صنيعة الإله الصانع في عالم النار أراد أيضا أن يصنع شيئاً فأذن له الأب، فدخل عالم الخلق (منفصلاً عن عالم الأب ) حيث كانت له الكلمة العليا ورأى صنيعة أخيه (الابن الأول) وكفلت به المدبرات السبع وأشركته في تدبيرها فتعرف بذلك على ماهيتها وشاركها طبيعتها واخترق محيط دوائرها ليتعرف على عوالم السماء واقترب الإنسان صاحب الكلمة العليا من عالم الكائنات الفانية والمحرومة من العقل وأطل عبر الكرات السماوية التي شقها من أقصاها إلى أقصاها فرأت الطبيعة صورة الأب (التي هي صورة الإنسان) المتحلية بالجمال الخالد وبقوة المدبرات السبع، عشقته عندما رأت هذه المحاسن منعكسة على الماء وعندما رأت ظله على الأرض. هو نفسه عندما رأى صورته منعكسة في الطبيعة عشق ذاته ورغب في الحياة هناك فسكن في الطبيعة المحرومة من العقل وتضاجعا بفعل العشق لكل منهما.... ....
وأنجبت الطبيعة سبعة كائنات آدمية بعدد المدبرات السبع كل منها مخنث الطبيعة (أي ذكر وأنثى في جسد واحد)... وقد تكونت هذه الكائنات على النحو التالي:
كانت الأرض أنثى والماء خصبها والنار أنضجتها والأثير مدها بأنفاس الحياة فنتجت أجناس وفق صورة الإنسان، وبما أن الإنسان حياة ونور (مثل الإله الأول) فقد تحول إلى نفس وعقل (أي الحياة صارت نفس والنور صار عقل) ... ... وبدأ ظهور الأنواع ......

قلت: أيها العقل لقد علمتني كل شيء، لكن حدثني عن المعراج!
أجاب بومندريس قائلاً: عندما يفسد جسدك تغادره وتتركه يتحلل فتختفي عن الأبصار الصورة التي كنت تحملها وتترك ذاتك العادية للشيطان التي تتعطل عن الشعور وتصعد حواسك ليعود كل منها إلى مصدره ... ...
وهكذا ينطلق الإنسان إلى السماء يشق طريقة عبر هياكل الدوائر السماوية فيترك في الدائرة الأولى قوة النماء والنقصان ويترك في الثانية قوة الخبث والاحتيال التي لم يعد لها مفعول ويترك في الثالثة وهم الرغبة التي تصبح بعدئذ معطلة ويترك في الرابعة كبرياء الحكم بعد أن فقدت الأهداف الطموحة المحركة لها ويترك في الخامسة التهور والإدعاء الكاذب ويترك في السادسة الشهوات المحرمة ... ويترك في السابعة الكذب الذي يكيد وهكذا يدخل إلى السماء الثامنة متحرر من ما خلفته فيه طبائع الدوائر الفلكية لا يملك غير قوته الذاتية فيسبح للأب مع القوى (أرواح، ملائكة) .. وعند ذلك يصعدون في نظام نحو الأب .. ويتحدون مع الله، هذه هي النهاية السعيدة لمن يملكون المعرفة "

كان هذا عرض سريع ومختصر لأهم الأحداث التي أثرت في مسيرة الدين في حوض المتوسط ومن ثم في تشكيل عالم ما بعد العصر الهليني الذي تميز بظهور عدد من الديانات والمذاهب أهمها: المسيحية، المانوية، المنادئية، الشتية والنحشية والتي كان لها أثر كبير فيما بعد في جماعات التصوف والعرفان بعد ظهور الإسلام.
لكن الملاحظ أن الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتصاعد العنف وتنامي صلابة الحاجز الفاصل بين الحاكم والجماهير كانت دوماً الأرضية الخصبة التي تقف خلف نشوء وإعادة إنتاج الأفكار الغنوصية سواء باسيليدس وفالنتين وماني من العصر القديم انتهاء بالسهروردي وأبن عربي والفارابي وأبن سينا وبرونو من العصر الوسيط .
فهذه الاضطرابات والقلق المصاحب لها قد تدفع المجتمع لكل أنواع الشرور لكنها تدفع بعض البشر لاستدعاء الدين بحثاً عن الخلاص. لكن عندما تكون الاضطرابات تجري أصلاً باسم الدين أو تحت نظر السلطة الدينية يصل استدعاء الدين ذروته بالتصوف والانعزال عن العالم.

المنادئية
لم تظهر نصوص منادئية صراحة في مكتبة نجع حمادي لكن بوصفها من أقدم الجماعات الغنوصية والتي ترجع جذورها ليوحنا المعمدان قد مدت ظلها على أغلب الفرق الغنوصية في العصرين القديم والوسيط حتى أن منطقة الرها في بلاد الرافدين ظلت النبع الغني للغنوص حتى اليوم..
" منديا " كلمة أرامية الأصل وتعني المعرفة (الغنوص) وهي ديانة عرفانية وهناك خلاف حول نشأة المنادئية، وهي امتداد للجماعات الغنوصية اليهودية في سوريا من القرن الأول الميلادي
ويعيش في العراق اليوم عدة آلاف من معتنقيها يطلقون على أنفسهم أيضا اسم " ناصورية " وفقا لأصل الكلمة الأرامي يمكن ترجمة الكلمة إلى " المراقبين "، أما جيرانهم فيطلقون عليهم بلا فهم لمعتقداتهم لفظ
" الصابئة " . وهم جماعات مسالمة مازالوا يتحدثون إحدى لهجات الأرامية ديانتهم أقرب لديانات الطبيعة
ولارتباطهم بيوحنا المعمدان يبنون معبدهم (مَـشكنا = مَسكن) على ضفاف النهر وفيه يستعيدون الحدث اليوحاني بالتطهر في النهر في أيام الآحاد، يومهم المقدس ويتصدقون فيه على الفقراء،
أهم أدبياتهم :
كتاب " جنزا" (الكنز) ويسمى أيضا " سدرا رابا " (الكتاب الكبير) ويضم قسمين:
" الكنز الأيمن" وهو خاص بخلق العالم والكنز الأيسر الصغير وهو خاص بصعود الروح " ماسيقاتا " لمملكة النور، وهو يساعد الروح للصعود لعالم النور لذا يسمى هذا الجزء " سدرا ذنشماتا" أي كتاب النور أو كتاب الموتى ويقرأ على رأس المتوفى ضمن شعائر تطهير الجثمان .
كتاب " قولاستا" أي المدائح ويضم مدائح وترانيم.
كتاب " الملوك" أي الملائكة، الذي يسمى أيضاً " كتاب يوحنا "
المنادئة يعتقدون بثنائية العالم (مملكة النور (نهورا) في مواجهة مملكة الظلام (هشوكا)) تتكون من هيولي مظلم. على قمة عالم النور يوجد إله غير معروف، من اسمائه القديمة " الحياة" ، " السيد الأعظم" واسمه الحديث "ملك النور" خلق العالم عن طريق فيض من النور.

3

مقدمات العصور الوسطى

لم تصلنا حتى الآن أي معلومات عن الأوضاع الدينية في مصر في القرن الأول الميلادي، ولا عن كيفية دخول المسيحية لمصر لكن الثابت هو ظهور أول أثر للمسيحية في مصر(9) كان في النصف الأول من القرن الثاني وما بين هذا التاريخ إلى أن تحقق لها النصر الحاسم والنهائي على الديانة المصرية في القرن الخامس بإغلاق أخر معابد إيزيس في جزيرة فيلة، هناك ثلاث قرون غير واضحة المعالم بالشكل الذي يجيب على الأسئلة المطروحة أمام علماء المصريات والقبطيات وتاريخ الأديان وحتى علماء اللاهوت، منها: كيف دخلت المسيحية مصر وكيف انتشرت والطريق الذي سلكته المسيحية حتى تم لها النصر أمام الديانات القديمة والتيارات الغنوصية؟ لكن سيبقى السؤال الأهم:
لماذا غير المصريون ديانتهم بهذا الشكل السريع؟

بالطبع جزء من الإجابة يكمن في طبيعة الشخصية المصرية آنذاك وطريقة تعاطيها للثقافات الوافدة وأيضا يكمن في العلاقة بين الديانتين المصرية والمسيحية من حيث نقاط التقاطع والتنافر، بل في الطريق الخاص الذي سلكته في مصر لكن الجزء الأكبر من الإجابة يكمن في التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها البلاد في القرون العشرة التي سبقت تأسيس أول كنيسة في مصر وما تركته في الشخصية المصرية من تمزق بعد سنوات طويلة من الاحتلال الأشوري والفارسي واليوناني والروماني، وتركز السلطة والثروة في أيدي الغرباء وتحول المصري لمواطن من الدرجة الثالثة وخواء ديني نتج عن اغتراب الكهنة عن الشعب ومعاناته بتحالفهم مع السلطة الأجنبية وخاصة في العصر اليوناني الروماني.
فبدت المسيحية وكأنها تتبنى مصالح الشرائح الفقيرة والوسطى في المجتمع إن لم يكن على الأرض فعلى أقل تقدير في مملكة السماء.

الحضارات ليست كالبنايات تنهار فجأة لكنها تتعرض لتأكل بطيء قد يتم تفعيله بتدخل عنيف خارجي أو داخلي.
ولا نبالغ إن قلنا إن هذا التأكل بدأ عندما حدث خلل في علاقة الجذب والتنافر بين مصر والبدو الذين يعيشون على حدودها، هذا العلاقة التي كانت بمثابة أحد العوامل الهامة في استمرار النموذج المصري.
فمصر كانت مصدر جذب دائم لجيرانها وخصوصا بدو فلسطين وسوريا وبدو ليبيا، لكن في عصر الأسرة العشرين فتحت الحدود للغرباء واحتل بعضهم مناصب عليا في البلاط الحاكم لم يصونوا بالطبع المصالح العليا لمصر، و شكلوا بشكل أو بآخر ضغط ثقافي وخصوصا الجانب الديني، صحيح أن مصر كانت تمارس غزو الغزاة من الداخل أي بصهرهم داخلها وتمصرهم، لكن هذا لا ينفي أثر الوافد، فعبدت لأول مرة في مصر آلهة سامية امثال: بعل وعشتار، وعنات وقدشو ورجب وغيرها ووجدت مكانا في معابد منف وخاصة معبد بتاح، ومع مطلع القرن السابع قبل الميلاد تأسست مستعمرات للآراميين أهما في جزيرة فيلة، وتأسست مستعمرة إغريقية في " نقراطيس" بالقرب من سايس (حالياً : كوم جعيف في محافظة البحيرة) إلى جانب مركز تجاري في قفط، ومراكز لتجميع المرتزقة الإغريق في قانوب (أبي قير) وتل دفنه (بالقرب من السويس) الذين حظوا بالعطف من ملوك الأسرة السادسة والعشرين. مع سقوط مصر فريسة للاحتلال الأشوري عام 671 ق.م سقطت محاولة الأسرة الصاوية (الأسرة 26) لإحياء الحضارة المصرية وفقاً للنموذج القديم، تلك المحاولة التي كانت مجرد إعادة نسخ للمخزون الثقافي وبلا تجديد.
وتسقطت مصر في يد الاحتلال الفارسي عام 525 ق.م. ورغم إن الاحتلال الفارسي لمصر دام أكثر من 125 عام لكنه لم يترك أثراً معمارياً خلفه على وادي النيل، لكن أثر الاحتلال الوحيد تمثل في إحداث خلخلة في التركيبة الديموغرافية تمثل في الهجرة المستمرة من شتى أنحاء المملكة الفارسية إلى مصر وبشكل خاص آرامي سوريا وفلسطين، كما تم أيضاً تفريغ مصر من العمال المهرة والفنانين بنقلهم للعمل في العاصمة الفارسية وإغلاق المعابد الذي حال دون تجديد الإنتلجنسيا والكوادر المدربة من العمال والفنانين.

ويستمر التدهور حتى جاء البطالمة وأعادوا تنظيم البلاد، ولكي يضمنوا استقرار الأحوال في المدن الكبرى اتبعوا سياسة دينية كان الهدف منها توحيد الإغريق والمصريين.

تحالف الكهنة المصريين مع السلطة الأجنبية حفاظاً على امتيازاتهم ووقوفهم في خندق واحد مع الأجنبي ضد ثورات المصريين أدى لاغتراب الهيئة الدينية عن الشعب، وأهل الشعب للاستماع للبديل.
خضعت النصوص المقدسة على جدران المعابد لنظام كتابي (12) رمزي كان يصاغ وفقاً لخيال كهنة كل معبد ربما لا يستطيع قراءتها سوى كاتبها نفسه فقط، مما زاد من حدة التباعد بين المعبد ورواده
كل هذه الإشارات ساهمت في خواء ديني وبلبلة ثقافية ففتح الطريق لتصورات جديدة عن العالم استثمرت كل ما توصل إليه الإنسان في هذا الموضوع.
في هذه الأجواء تظهر المسيحية فيجدها البعض المنقذ،
ويرفضها البعض الآخر متمسكاً بالثقافة القديمة بوصفها غزواً لهوية البلاد، وقسم ثالث غير متجانس وهم الغنوصيون (13) كانوا أكثر تسامحاً وشكلوا جسراً بين العالمين، وكانت الإسكندرية آنذاك العاصمة الثقافية للعالم القديم وكانت تموج بالأفكار والفلسفات والجاليات المتعددة وأنعكس هذا الانفتاح والتعدد على الاتجاهات الثلاث ورأى البعض أن الإسكندرية تبدو وكأنها تعد العدة للانتحار فهجرها المثقفون وتركت فريسة للتعصب.

نحن أمام إحدى الشهادات والتي أعيد صياغتها في مرحلة لاحقة بقصد تشويه صورة المصريين
وهي رسالة منسوبة خطأ للقيصر " هدريان" ظهرت في كتاب " التاريخ القيصري" ولكنها على كل حال تلقي بعض الضوء على هذه المرحلة الغامضة من تاريخ مصر التي سبقت الحرب الأهلية وخصوصا موقف الأرستقراطية الرومانية من أحداث القرن الرابع الميلادي كما تظهر حقدها على الإسكندرية، المدينة المثقفة العاملة :
" وكما تعلم جيداً فإن المصريين متقلبون ومتهورون ومتبجحون وظالمون ومنشغلون بالتوافه ومتعطشون للانقلابات إلى حد أضحت لديهم أغان يغنونها في الشوارع عن هذا الموضوع، كما أنهم يكتبون الأشعار وقصائد المديح، وهم أيضاً منجمون وعرافون وأطباء. يوجد بينهم المسيحيون والسامريون وكذلك مجموعة ممن لا يعجبهم عصرهم أبداً، الشيء الذي يعبرون عنه بحرية تامة. ولكي لا يلومني أحد من المصريين ولا يعتقد بأن الرأي الذي عبرت عنه كتابة هو رأي شخصي ومنفرد سوف أدرج رسالة هدريان المأخوذة من كتاب أحد معتقيه المعروف باسم " فليجون " فهو يعري المصريين تماما:
" من هدريان أغسطس إلى سرفيان القنصل، سلام.
تأكدت يا عزيزي أن مصر التي كنت تكيل لها المديح بكل هذا القدر، طائشة، متذبذبة وسريعة التفاعل مع أي أثر للشائعات. أتباع سرابيس هناك مسيحيون، والأتباع المتقدو الحماس لهذا الإله هم من يُطلق عليهم اسم الأساقفة. وحتى هذا البطريرك، عندما يأتي لمصر يرغمه البعض على تمجيد سرابيس والبعض الآخر على تكريم المسيح. إنهم من ذلك النمط من البشر الذي يميل لخلق الاضطرابات، وهم حمقى ذوي ميول واستعدادات كبيرة لتسبيب الأذى. تعيش المدينة حياة وفرة وثراء ونماء ولا يعيش فيها من هو متسكع أو عاطل عن العمل.
ينفخ بعضهم الزجاج ويصنع آخرون البردي وينسج غيرهم المنسوجات الكتانية.
وعلى أي حال يبدو وكأن كل منهم يتقن مهنة ما حتى الضرير فيهم يمار س نشاطاً ما، حتى الذين لوى التهاب المفاصل سواعدهم فهم لا يعيشون عاطلين عن العمل، إلههم الوحيد هو المال وله يعلن الولاء المسيحيون واليهود وجميع الذين يدعون بالوثنيين "

أيضاً في مكتبة نجع حمادي- المخطوط السادس، النص الثامن- تطل علينا النبوءة الهرمسية (14) التي صيغت في القرن الثاني الميلادي، ولو كان أُتيح لكاتبها فرصة التعرف على الأحداث التي مرت على مصر في القرنين الثالث والرابع ما صدق عينية فقد تحقق كل ما ذكره في نبوءته والتي من المؤكد أنها صيغت بعد قراءة جيدة للواقع وهي فترة الصراع بين أنصار الديانة الجديدة الوافدة من فلسطين وأنصار الديانة الوطنية:

" هرمس: هل تجهل يا أسكليبيوس (15)، أن مصر هي صورة السماء ؟ أو بالأحرى هي إسقاط لكل ما هو سماوي على الأرض، وإذا شئت قول الحقيقة فإن أرضنا هي معبد العالم، ومع ذلك وكما ينبغي تبصر الحكماء لكل شئ فينبغي عليك أن تعرف، سيأتي ذلك اليوم الذي فيه سيتضح كم كان عديم الجدوى ورع المصريين وخدمة هذا الشعب المفعمة بالتضحية له، ستنحط هنا الذكرى المقدسة للآلهة وتتحول إلى عدم وسيرحل الآلهة أنفسهم من هنا نحو السماوات، سيهجرون الأرض المصرية للأبد وهكذا فإن هذا البلد الذي كان عبر قرون طويلة مهدا ودعامة وعمادا ومحرابا للدين الحق سيجرد من الحضور الإلهي ويتيتم ويصبح فارغاً. سيحتل الغرباء أرضه الزراعية ولن يقتصروا على الاستخفاف بالإيمان المقدس وإنما- كم هو مؤلم هذا الشيء- سيصدر مرسوم سيحظر تحت طائلة أقسى العقوبات الالتزام بقواعد الدين والتقوى والعبادة.
هذه الأرض الجليلة، مقر المذابح الإلهية ستملأ منذ الآن بالقبور والجثث فقط.

يا مصر، يا مصر الحبيبة ! لن يبقى ما يشهد في القرون المقبلة على عباداتك سوى الأساطير والحكايات ولكنها بالرغم من ذلك ستبدو للأجيال مجرد خرافات عادية،
ستصمد الآثار المنقوشة من الحجارة وحدها كآثار وبراهين على أفعالك التقية.آه يا مصر، سيستوطن السكوذي أو الهندوسي أو واحد آخر شبيه بهما، همجي من البلاد المجاورة.
آه، ما هذا الذي أقوله عن مصر؟
ولن يتركوا مصر وعندئذ ستترك الآلهة أرض المصريين هاربة للسماء وستموت هوية المصريين
وإذا بقي بعض السكان مصريون فبلسانهم فقط وسيصبحون غرباء وكذلك عملهم،
سيفضل المرء الظلام عن النور، والموت عن الحياة، ولن ينظر أحد للسماء.
آه يا تات (تحوت)، آه أسكليبيوس، آه يا أمون، لن يبدوا كل شيء مضحك وفقط بل مظهر براق فارغ.
صدقيني (يا مصر) إن هذا الجنس البشري سيكون في خطر، الخطر الأخير لأرواحهم.
سيسن قانون {.....} (16)
تفرض معه عقوبة الموت لمن يعترف بالعقل الإلهي، وهكذا سيتم الفصل بين الآلهة والبشر ولن يبقى هنا سوى ملائكة الشر بين البشر لتدفعهم إلى أسوأ الشرور والكفر والحروب والنهب ولكل الأشياء المناقضة لتعاليم الطبيعة ... "

ولم يكن هذا الصراع خاصاً بمصر فقط بل شمل كل الولايات الرومانية لكنه في مصر أحدث شرخاً في الشخصية المصرية تمثل في نهاية التسامح الديني الذي تمتعت به مصر لأكثر من ثلاثين قرن، فبعد سنوات من الحرب الأهلية وحرق ما تبقى من مكتبة الإسكندرية وتخريب معاهدها العلمية وتدمير معبد سيرابيس في ربيع عام 391 وقتل هيباتيا وتمزيق وحرق جثتها عام 415 (17) ومن قبل صدور المراسيم الرومانية التي قيدت حرية العبادة ومنعت التفكير الفلسفي في شئون الكون. ومن أشهر هذه القوانين وأكثرها قسوة المرسوم الذي أصدره " تيودوسيوس" في 8 نوفمبر عام 392 ونقرأ منه الفقرة التالية:
" وإذا تجاسر أحدهم على تقديم حيوان كقربان وتفحص أحشائه والبخار المتصاعد منها توجه إليه التهمة ذاتها الموجهة لمن أهان العرش، ويمكن لأي كان توجيه التهمة، وسينال المذنب العقاب الملائم، ... إذ يعد جريمة كبرى مجرد الرغبة في معرفة قوانين الطبيعة والكشف عما هو خفي" !
كانت الحضارة القديمة على فراش الموت والنظام العالمي (البطريركي) الجديد يكسب كل يوم أرض جديدة على حساب حضارات المنطقة مدعوماً بالفرمانات الرومانية وسلطتها وساد حوض المتوسط جو موحش وكئيب انطلق فيه الكهنة بدعم من السلطة يفتشون الأدمغة، ويطاردون رجال الفكر والفلسفة، ومنعت الألعاب الأوليمبية وصدرت المراسيم التي تجرم التفكير الفلسفي وخربت معابد الآلهة المحلية ووجه نقد لاذع للحمامات وللنظافة والاستحمام !
(ليست نكتة، نعم النظافة والاستحمام) ولنقرأ رسالة القديس أوغسطين عام 423 م حول تنظيم حياة الرهبات:
" أغسلن ملابسكن بأنفسكن، أو ليغسلها القاصرون، وفقاً لتقدير رئيسة الدير، وذلك لكي لا تجذب الرغبة الزائدة في الثوب النظيف... ولا تدعن غسل الجسم واستخدام الحمام أن يكون من الأشياء الدائمة.."
(أوغسطين 211)
ومن رسالة هيرونيم لسيدة تدعى ليتا طلبت مشورته في الطريقة المسيحية لتربية ابنتها، قال:
" لا تعجبني إطلاقاً استحمام الفتاة الراشدة، إذ يجب أن تخجل من نفسها وألا تتقبل رؤية عريها. فإذا كانت تريد أن تجعل جسمها يهزل بالسهر والصيام وترغب في إطفاء نار الشهوة وجمر نار الشباب بجليد الزهد وتسعى لمسخ الجمال الفطري بالأوساخ المتعمدة فلماذا إذن تعمل بفعل دوافع معاكسة تهيج اللهب الخامد بواسطة هذا الإضرام الذي يلعب الحمام دوره؟ " ! (هيرونيم 107) (18)
وبصراحة أكثر قال:
" أيصبح ملمس جلدك خشناً لأنك حرمته من الحمام؟ لكن من اغتسل مرة بيسوع ليس مضطراً لأن يغتسل مرة أخرى" !
" أنت، يعجبك أن تستحم كل يوم لكن هذه النظافة قذارة في نظر غيرك" (19)

وأمام هذه الأجواء تراجعت الجماعات الغنوصية من المواجهة رغم أن أغلب هذه الفرق لم ترفض المسيحية وأقرت بمكانة السيدة العذراء الرحم المقدس لكلمة الرب يسوع المسيح المخلص لكنها رفضت فكرة النص النهائي المختوم بوصفة إشارة لانقطاع التواصل مع السماء لذلك حرصوا على توالد النصوص من خلال تدريباتهم الروحية ورفضوا أن يكون ليسوع المسيح طبيعة واحدة، ورفضت الواقع فانسحبت وانسحب خلفها التعدد والتسامح.


4
اتجاهات الغنوص الأساسية في العصر القديم

الغنوص المسيحي
تبنى الغنوص المسيحي أغلب مقولات الغنوص الأساسية بالإضافة إلى ظهور المسيح كمخلص مرسل من الأب لتعريف البشر بأصلهم السماوي وانتقى الغنوصيون بعض من أقوال المسيح وأعادوا تأويلها لتتفق مع خطابهم وقد اعتبروا أنفسهم مسيحيون مخلصون وقد ساهموا بدور غير منكور في نشر مبادئ السيد المسيح في بلدان المتوسط في القرنين الأولين بعد الميلاد، لكن التنافر بينهم وبين المؤسسة المسيحية أصبح حتميا في القرن الرابع بعد أن أصبحت المؤسسة الدينية الوحيدة المعترف بها من قبل الإمبراطورية الرومانية.
وعلى كل فهناك أثار اختراق غنوصي للمسيحية أو تبني لبعض مقولات الغنوص مثل التي تتعرض للعلاقة بين الطبيعة الأرضية ليسوع (الجسد) والطبيعة الإلهية للمسيح (كلمة الرب) وثنائية النور والظلام (الذات الإلهية والعالم الأرضي) وخصوصا في إنجيل يوحنا ورسالتيه إلى أهل كل من أفسس وكولوسي:
" في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس والنور يضيء في الظلمة والظلمة لا تدركه " (يوحنا، 1، 1-4)
" والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الأب مملوءاً نعمة وحقاً" (يوحنا، 1، 14)


أولى الإشارات التي وردت في الإنجيل عن الصراع الدائر بين الكنيسة والأفكار الغنوصية جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموتايوس يقول:
" يا تيموتايوس احفظ الوديعة واعرض عن الكلام الباطل الدنس ومخلفات العلم الكاذب الاسم الذي إذا تظاهر به قوم زاغوا من جهة الإيمان " (رسالة بولس الأولى لتيموتايوس ، الإصحاح السادس، 20-21)

ومن رسالة يوحنا لأهل كولوسي نقرأ تحذيرا عاما من الفلسفة:
" أنظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس حسب أركان العالم وليس حسب المسيح" (رسالة يوحنا لأهل كولوسي، 2، 8)

هناك شهادة من القرن العاشر الميلادي حاول فيها الأنبا ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين التأريخ للبطاركة الذين اعتلوا الكرسي البابوي في الإسكندرية وبين سطور كتابه " تاريخ البطاركة " نجد إشارات للصراع بين الكنيسة الوليدة وبين عدد من أفرادها المتغنصين أمثال أورجنيوس الذي عاش في زمن البابا الثاني عشر من بطاركة الإسكندرية " ديمتريوس" الذي (وفقا لرواية ساويرس) رفض كتب القديسين وأنه وضع كتب كثيرة عن نفسه فيها تجديف كثير منه وأن الأب خلق الابن وأن الابن خلق روح القدس ولم يقل أن الاب والابن والروح القدس إله واحد، ولأجل سؤ اعتقاده رفضته البيعة... ولما طرد خرج من الإسكندرية ومضى إلى فلسطين واحتال حتى نال درجة الكهنوت .. ثم عاد إلى الإسكندرية فلم يقبله الأب ديمتريوس.
وفي عهد هذا البابا يذكر ساويرس: " ظهر يهودياً يدعى مريانوس عمل كتبا نسبها على بطرس رأس التلاميذ". وظهر أيضاً في نفس الفترة شخصا يدعى طييماخوس" قال ان المسيح مولود من مريم ويوسف وانكر قوة الولادة العجيبة ؟؟ وكان هذا المخالف يظهر أنه نصراني وأنه حكيم وقد قرأ كتب الصابئة والمعتزلة(!) هناك أيضاً إشارة إلى " بولس الساموساطي" الذي كاد يخلف بطريرك الأسكندرية الرابع عشر " ديونسيوس " لكن الأساقفة اجتمعوا في أنطاكية وتقرر مقاطعته ونفيه ومن ضمن الأسباب العديدة التي بررت هذا القرار أنه:
" جعل النساء يقرأن في ليالي الأعياد وفي جمعة عيد الفصح عوض المزامير والتسابيح، وأنه لا يقول أن المسيح أبن الله ولا أنه أنزل من السماء وتجسد من مريم العذراء "
هناك أيضا إشارة يسردها ساويرس أنه في عصر بطرس القديس بطريرك الإسكندرية السابع عشر تم نفي " أريوس " الذي " بلبل كل الأماكن بكفره" لكن في عهد " أرشلا" البطريرك الثامن عشر يتم العفو عن " أريوس " ويعين شماساً مخالفاً بذلك وصية بطرس ثم يتم نفيه مرة أخرى عند تولية" الاكسندرس" البطريرك التاسع عشر وفقاً لرواية ساويرس.
يذكر ساويرس أن " أريوس " جعل الثالوث مخلوقاً أي أن أبن الله مخلوق، ومن نفس النص نفهم ان لأريوس مريدين فعندما جلس البطريرك العشرين " أثناسيوس " على الكرسي " أخرج شيعة أريوس من البيعة "

وفي الكتاب يساوي ساويرس بين أريوس وأتباعة وماني وغيرهم من المخالفين للخط التي حاولت الكنيسة الحفاظ علية. (تذكر المصادر أن أتباع آريوس عارضوا المراسيم التي صدرت من مجمع " نيقيا" عام 325 و تسالونيكي عام380 الداعية بحصر الإيمان المسيحي في " الإيمان بالألوهية المتمثلة في الأب والابن والروح القدس أي بالثالوث المقدس وما عدا ذلك فهو هرطقة ولا يجب أن تنعت أماكن تجمعهم بالكنائس).
يذكر ساويرس أيضاً أنه في عهد البطريرك الحادي والعشرين " بطرس الثاني":
" جرى عليه بلايا كثيرة من رجل كافر أسمه لوكيوس وبلاديوس الكاتب مع ملاحظة أن كلمة كافر هنا لا يقصد أنه وثني فهما مسيحيان من مجمع القسطنطينية عام 381
من هذه الإشارات السريعة نجد أن بعض الغنوصين قد احتلوا مراتب رفيعة في السلك الكهنوتي وأن تشكل وبلورة الكنيسة بشكل عام كما تبدوا لنا اليوم سواء في الشرق أو الغرب احتاج لعمليات تطهير مستمرة داخل الكنيسة إلى جانب الصراع مع أنصار العبادات القديمة والذي تم في أحيان كثيرة في أجواء من عدم التسامح مِن أغلب مَن شارك في هذا الصراع سواء من المؤمنين بالديانة الجديدة أو القديمة.

أمامنا أيضاً شهادات أباء الكنيسة والتي تعتبر من أهم المصادر التاريخية التي مدتنا بالمعلومات أمثال:
إرنايوس:
من منتصف القرن الثاني الذي يعتبر أهم رجال الدين المسيحي في القرن الثاني ولد في سوريا وتتلمذ تحت يد القديس " بوليكارب" عين أسقفاً لمدينة ليون مابين عامي 177 و 178 ميلادية. في كتابة الكبير " دحض كل الهرطقات " قدم عرضا لأهم المدارس الغنوصية في زمنه و يعتبر من المصادر الهامة التي مدتنا بالمعلومات عن العلاقة بين الكنيسة والغنوصيين الأوائل أمثال سيمون ودوستيوس ومنادر وكرنت وكاربوكراتس وابيفانوس ويوستين وأوفيتين وفالينتينوس وبازيليدس وإزيدوروس وغيرهم الذين طعموا الديانة المسيحية بعناصر غنوصية وساهموا بشكل أو بأخر في انتصار المسيحية على الديانات القديمة بوصفهم شكلوا الصيغة المقبولة لبعض مثقفي العالم القديم في وخصوصا معتنقي الأفلاطونية الحديثة. نعت إرنايوس معتنقي الغنوص من المسيحيين بكل ما هو غير مرغوب به فهم كفرة وزنادقة وخارجون وغير أخلاقيين وممارسي اللواط والزنا ولا يراعون أي حرمة.
إبيفانيوس:
أحد أهم أباء الكنيسة الأرثذكسية في قبرص ما بين 367 إلى 403 ، له كتابان هامان الأول : الثابت على إيمانه، والثاني الدواء الشافي من الهرطقة (بناريون) عرض أفكار الغنوصيين وفقا لتصوره.
قال عنهم: " أنهم كثيري الكتب، منها (كتاب) " إنجيل مريم"
[1] واخرجوا كتبا كثيرة عن يلداباوت وأخرى عن شت، وآخر يسمونه " رؤيا آدم" ووضعوا أناجيل ونسبوها لتلاميذ المسيح، هم لا يخجلون من قولهم أن يسوع المسيح هو الذي أوحى بهذا العبث لهم، في (كتاب) يسمى " الأسئلة العظيمة لمريم"
هيبوليت:
أحد رؤساء الكنيسة في روما، مسيحي متشدد، رشح لبابوية ما بين 217 و222 توفي عام 235
له كتاب " دحض كل الهرطقات"
[2] لنقد الغنوص ولعب دوراً مهما في تطهير الكنيسة من الغنوصيين.
كلمنس السكندري:
" تيتوس فلافيوس كلمنس السكندري" أول فلاسفة المسيحية، تقول المصادر أنه تعلم في أتينا في منتصف القرن الثاني ثم أنضم لهيئة التدريس في الإسكندرية له عدد كبير من الكتابات أسس بها الفلسفة المسيحية، كما يعتبر مؤلفة الكبير (ستروما)" ....." من أهم الكتب التي تناولت الغنوصية ومدارسها، يعتبر أكثر موضوعية في تناوله لهذه الأفكار ولم يمنع نفسه بالتأثر بهم رغم موقفه المعادي لهذه الجماعات، مات في المنفي أثناء عصور الاضطهاد.
أوجستين:
" ولد أوغسطين عام354 في قرطاج بدأ حياته أفلاطونياً حديثاً ثم أصبح من أتباع المانوية ومع بداية عملة كأستاذ للبلاغة في روما تحول للمسيحية ويرجع له الفضل في في سن القوانين الصارمة التي تنظم الحياة داخل الأديرة" ألف عدد من الكتب أسس بها مع غيره من معاصريه اللاهوت المسيحي. كما له كتابات عدة واجه بها كل إتجاهات "الهرطقة" في زمنه، من أشهرها هذا النص الذي فيه يلعن ويكفر الاتجاهات الغنوصية في إطار نقده للمانوية:
" كل من يؤمن بأنه كان يوجد طبيعتان مختلفتان منذ البدء، واحدة خيره هي الله والأخرى شريرة لم يخلقها الله وإن أسيادها (أرخون) وشرها ليس من خلق الله فهو ملعون.
كل من يؤمن بأن الطبيعتان تحاربتا وأن جزء من طبيعة الله اندمح (أثناء الصراع) مع أسياد (أرخون) عالم الظلام وكل الكائنات التي تنتمي لعالم الشر واحتجزت وسجنت وكبتت وعذبت. أي يؤمن بأن الطبيعة الإلهية قابلة للتبديل والإنقسام، فهو ملعون.
كل من يؤمن بأن جزء من الطبيعة الإلهية حبس وقيد في الأرواح الشريرة وكل أشكال الحياة وأنواعها، من النباتات ... فهو ملعون
كل من يؤمن بأن الإنسان الأول " أدم" ليس من خلق الله بل هو من خلق أسياد عالم الظلام (أرخون) لكي يحبسوا جزء من الطبيعة الإلهية في جسده على الأرض، .. .. ، فهو ملعون
كل من يؤمن بأن الوصايا المعطاة لموسى ليست من الإله الحقيقي وبأن الأنبياء الذين ظهروا من شعب إسرائيل لم يتكلموا من خلال روح الإله الحق الخَير ، فهو ملعون، ... "


5
رواد الغنوص في العصر القديم

سيمون ماجوس (الساحر) السامري (منتصف القرن الأول الميلادي)
جاء ذكره في الإنجيل (أعمال الرسل، الإصحاح الثامن) بأنه عاش في أورشليم وكان يستعين بالسحر وأنه آمن واعتمد وكان ملازما لفيليبس وكان له مريدون كثيرون، ويحكي الإصحاح عن لقاء بين بطرس ويوحنا من جهة وسيمون من جهة أخرى فيها يطلب الأخير الروح القدس من بطرس مقابل بعض الدراهم لكن القديس بطرس يعنفه وطلب منه أن يتوب من الشرك وأن يطلب من الله أن يغفر له " فكر" قلبه، فأجاب سيمون.
ما لم يذكر في النص صراحة هو أن سيمون كان يعتبر من دعاة الغنوص في الأدبيات المسيحية الأولى التي ظهرت في القرن الثاني الميلادي وبأنه من السامرة.
في كتابات أباء الكنيسة جاء عنه أنه" مؤسس لجميع المدارس الغنوصية ، وقيل أيضاً أنه ادعى بحلول روح يسوع فيه. قدم نفسه وكذلك خليفته " مناندر" كمخلص جاء من السماء. قال عنه " يوستين"
أنه أدعى بحلول روح يسوع الناصري فيه وأنه أحضر داعرة تدعى " هيلنا" وإدعى أنها خرجت منه وتدعى " إنويا" الفكر. وكانت هذه (الداعرة التائبة) تجسيد رمزي للنور الإلهي للحكمة، ويمكن اعتبارها استعادة للعلاقة بين يسوع المسيح ومريم المجدلية وفقاً للصياغة الغنوصية.
الأب يوستين الشهيد السامري الأصل أدلى بشهادتة أيضاً فقد أكد أن أفكار سيمون كانت منتشرة في أوساط السامريين وأيضاً في روما.
في الإنجيل إشارات لصراعات خفية نتج عنها إزاحته من طريق الدعوة لكن الأب هيبوليت يسرد قصة موته بأنه قد أمر تلاميذه بدفنه حياً وسوف يقوم بعد ثلاث أيام حياً لكنه مات.

دوسيتيوس
وفقا لرواية كلمنت السكندري أن دوسيتيوس خليفة سيمون واصل الدعوة في السامرة ، لكنه إدعى أنه المخلص المرسل وزاد عدد أتباعه ورويت عنه الأساطير بأنه لم يمت.

مناندر (منتصف القرن الأول الميلادي):
قال عنه إرنايوس: " مناندر كان سامري المولد وكان ساحر كبير، وصف نفسه بأنه القوة العليا لكل ما هو غير معروف وأنه أرسل من قبل الإله الغير مرئي لخلاص البشر ، وقال أيضاً ان الملائكة التي خرجت من " إنويا (الفكر) خلقت العالم، إدعى بأن من يؤمن بهذه الأفكار لن يذوق الموت.

ماركيون (النصف الأول من القرن الثاني):
ولد في زينوبى على البحر الأسود
لم يثبت بشكل قاطع فيما إذا كان ماركيون من رواد الغنوصية لكنه أسس كنيسته على أساس الفصل بين الديانة الجديدة (المسيحية) واليهودية مدعياً بأن تلاميذ المسيح لم يفهموا قول المسيح بعدم وضع النبيذ الجديد في الجرار القديمة وطالب بعدم ضم العهد القديم للجديد. وكغيره من الغنوصيين ثمن كتابات بولس
من تلاميذه كردو وابيلس اللذان عمقا الفصل بين اليهودية وتعاليم المسيح وتأكيدهم بأن الأنبياء أرسلوا من إله اليهود " ياهوه " لتضليل البشر عن حقيقتهم بأنهم من أصل أكثر سموا.

كردو: (النصف الأول من القرن الثاني)
قال عنه الأب إرنايوس: كان كريدو من أتباع سيمون في البداية. وفي زمن بابا روما التاسع" هيجينوس" (من عام 138- 145) كان يقول بأن التعاليم والأنبياء لم يرسلوا من الله أب سيدنا المسيح "

كرينت، وكاربوكراتيس (نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني الميلادي):
قال إرنايوس عنهما: أنهما نفيا خلق الله للعالم وإنما من قوى إلهية لا علاقة لها بالرب الأول الغير معلن عنه وأنكرا ولادة يسوع من الروح القدس(وفقاً لرواية الإنجيل) وإنما هو ابن طبيعي ليوسف النجار ومريم مثل باقي البشر ولكن بعد أن تعمد في نهر الأردن أمام يوحنا المعمدان ونزلت الروح العليا " المسيح " في صورة حمامة على كتفه، أي إن يسوع أصبح في نفس الوقت المسيح، وفي النهاية انفصل المسيح عن يسوع وصلب يسوع أما المسيح فرجع لحالته الأولى.

ساتورنيل (بداية القرن الثاني الميلادي)
ولد في أنطاكية
قال عنه إرنايوس أنه أخذ أرائه من سيمون ومناندر ، وأنه كان يقول بأن هناك أب أول غير معروف خلق الملائكة والأرواح وأن العالم خلق من قبل سبعة ملائكة، وإن الإنسان من صنع الملائكة ، وأنزلت القوى العليا فيضاً من الحياة في جسد الإنسان التي سيفقدها وتعود للأعالي عند موته.
يقول إرنايوس أيضاً أنه قال أن إله اليهود ما هو إلا أحد الملائكة التي عارضت الأب وأن المسيح ظهر للوقوف ضد إله اليهود ومساعدة المؤمنين بالأب على الخلاص من سطوته.

يوستين وكتاب باروخ
في كتابة " دحض كل الهرطقات" يخبرنا الأب هيبوليت بأن الغنوصي يوستين قد ألف كتابا دعاه " كتاب باروخ" واصفاً هذا الكتاب بأنه أعلى درجات الكفر والهرطقة, أفكار يوستين تنتمي للمبدأ الغنوصي القائل بأن العالم الإلهي ثلاثي العناصر، فهناك الأول " الخير" وهناك الأب والأم ومنهما تتوالد الملائكة وخلق العالم.
وقد مدنا " هيبوليت " بتلخيص لمعتقدات يوستين التي من المفترض جاءت في الكتاب المذكور:
ويقول هذا (يقصد: يوستين) لقد كانت هناك ثلاث قوي، ذكران وأنثى، أحد الذكرين يدعى " الخير" ويعلم الغيب، الآخر هو أب كل الكائنات ولا يعلم الغيب ويدعى " إلوهيم"
[3]، .. القوة المؤنثة لا تعرف الغيب تتميز بالغضب وهي مزدوجة الجسد والروح، عذراء خجول ومن الداخل ثعبان، هكذا قال يوستين،
هذه العذراء تدعى عدن و إسرائيل وهما أساس ونبع كل شيء ومنهما كان كل شيء... ...
وعندما رأى الأب الذي لا يعرف الغيب (إلوهيم) الأنثى الثعبان استيقظت داخله الرغبة في " عدن "
وكذلك رغبة عدن في إلوهيم وقادهما الشوق المشتعل للممارسة الحب الودود، وجاء نتيجة لهذا التزاوج اثنى عشر ملاكا ًلكل منهما، الملائكة الابوية هم " ميخائيل وامين وباروخ وجبريل واساد دايوس، .. .. إلخ
أما ملائكة الأمومية فتدعى " بابل وأخاموت ونحش وبل وبلياس وشيطان و ساإيل، ... إلخ.
وكانت هذه الملائكة تماثل أشجار جنات عدن (مجازياً) وكانت شجرة الحياة هي الملاك الثالث الذي خرج من إلوهيم ويدعى " باروخ" أما شجرة معرفة الخير والشر فهي الملاك الثالث الذي خرج من الأم " عدن" ويدعى " نحش"
[4]
" وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً... ..وشجرة الحياة في سط الجنة وشجرة معرفة الخير والشر"
تكوين، 2، 8- 9
ثم بعد ذلك يعلمنا النص بأن الملائكة خلقت الإنسان، ثم ينفصل " إلوهيم" عن عدن" ويصعد للأعالي آخذاً معه ملائكته الإثنى عشر ويأخذ مكانه كرب السموات، ومن مكانه في الأعالي يرى نورا يشع ويفوق كل ما خلقه فعرف أنه تعلوه قوة أكبر منه فيدخل لمملكة النور حيث " الخير" تاركا ملائكته في المجال بين مملكة النور والأرض " عدن" أما "عدن" التي بمثابة الأرض فلم تقدر على الصعود فبقيت كما هي وصارت ملائكتها تجسد أنهار الجنة .
ويقرر إلوهيم النزول للأرض " لعدن" مرة أخري لكي يسلب الإنسان الجزء الإلهي الذي يكمن فيه،
لكن " الخير" يرفض ذلك
[5] بدون تبرير . من سياق النص نعرف أن عدن لا تعلم بوجود " الخير" ولم تعرف استقرار إلوهيم في مملكة النور. وهكذا برر يوستين رد فعل " عدن" درامياً فهي تدفع ملائكة الشر بابل (أفروديت) للوقيعة بين أدم وحواء وبحدوث أول خيانة زوجية في التاريخ وانفصال الزوجين، وبسبب ذلك تألمت وتعذبت أرواح الرجل والأنثى (التي هي في الأصل جزء من روح الأب إلوهيم) ويرسل إلوهيم الملاك الثالث " باروخ" ليساعد الروح التي في الإنسان، ويأمرهم بعدم الأكل من شجرة معرفة الخير والشر ورغم ذلك تقع حواء وادم في خطيئة الزنا عندما تمثل ملاك الشر " نحش" لحواء في صورة رجل وتمثل لأدم في صورة غلام ومن هذا اليوم ظهر اللواط مع الغلمان. ثم يواصل النص مسيرته على خطى مقولات سفر الخروج.

بازيليدس
هو أحد الشخصيات الغنوصية الهامة التي ظهرت في منتصف القرن الثاني الميلادي عاش في عهد الأمبراطور الروماني " هدريان " والأمبراطور أنطونيوس بيوس.
من كتابات أباء الكنيسة نعلم أن بازيليدس كان غزير الإنتاج فقد بلغت كتبه 24 كتابا عن الأناجيل وأنه ألف كتاب يضم " مزامير" وكتب إنجيلاً ووفقاً لرواية " إرنايوس" كان بازيليدس وثني وممارس للسحر والشعوذة وأنه كان يقول بأن العقل الكلي " نوس" فاض من الأب الأول الغير معروف ومن " نوس " خرجت الكلمة " لوجوس" ومنها خرج الذكاء " فرونسيس" ومنه خرجت الحكمة " صوفيا " والطاقة " دوناميس" ، ومن الزوج الأخير(الحكمة والطاقة) خرجت الملائكة الأولى التي بدورها قامت بخلق السماء الأولى وملائكتها والتي بدورها خلقت السماء الثانية وملائكتها ، ..... وهكذا دواليك كل سماء تخلق السماء التي تليها وما تحويه من أرواح وملائكة حتى وصل عدد السماوات 365 ويتزعم هذه السماوات أحد الكائنات الإلهية العظيمة ويدعى: ابركساس (26).
أخر جيل من الملائكة في أخر سماء خلقت العالم وقسمت الشعوب على الأرض وكان يتزعم هذا الجيل الأخير " رب اليهود " الذي وزع اليهود على الأرض لتبدأ النزاعات في العالم.
ويرسل الأب الأول وليده الاول المسيح ( أي العقل الكلي (نوس) للإله) ليهدي البشر ويخلصهم من مكر وسلطان الرب الذي خلق العالم. يؤكد إرنايوس أن بازيليدس لم يؤمن بصلب المسيح وإنما قال: شبه لهم وصلبوا بدلاً منه سيمون الكوريني (27) الذي حمل الصليب نيابة عن يسوع، أما يسوع نفسه فقد ترك هيئته الدنيوية على الأرض وصعدت روحه واتحدت مع الأب.
ما لم يذكره إرنايوس في كتابه الدور الذي لعبة بازيلدس وابنه إيزيدوروس في نشر المسيحية في الأسكندرية، هذا الدور الذي وضح في كتابات كلمنس السكندري عنهما وإن لم يقل ذلك صراحة
رواية إبيفانيوس عن بازيليدس مشابهة لرواية إرنايوس، فقط أضاف أن بازيليدس يقول بأن عدد أعضاء الجسم البشري تكافيء عدد السموات أي 365 وكل عضو يكتسب قوته من القوى التي في هذه السماوات.

فالينتينوس
هو أهم غنوصي مسيحي على الإطلاق في القرن الثاني الميلادي وأكثرهم تأثيراً وأغزرهم إنتاجاً
ولد في بدايات القرن الثاني الميلادي في مصر وتعلم في الإسكندرية، أجمعت جميع كتابات أباء الكنيسة على فصاحة بيانه، قال عنه هيرونيموس أحد أباء الكنيسة المتوفى عام 419:
" لا أحد يستطيع أن يقيم مثل هذه الهرطقة إن لم يكن له عقل لامع، هي بالطبع من نعم الله المخلوقة، هكذا كان فالنتينوس "
ساهم بدور كبير في نشر المسيحية، وألف عدد من الكتب، ونظم عدد كبير من المزامير، ذهب إلى روما ليعين أسقفاً لكن في اللحظات الأخيرة تم استبعاده كان ذلك عام 143 م. تتلمذ على يده كل من : بطليموس هيراكليون، سكوندوس، ماركوس، تيوتيموس، أخيونيسيوس، وجميعهم ساهموا في تطوير مذهبه الغنوصي.
وجميعهم يقولون (وفقاً لإرنايوس): إن العالم الإلهي (بليروما) يشمل ثلاثين عالم أبدي (آيون)
في البدء كان هناك الأساس العتيق
[6] والصمت، عالم أبدي لا نهائي، خرج منهما العقل الخالص " نوس" والحقيقة. من العقل "نوس" تخرج الكلمة" لوجوس" والحياة " ذوى" ومنهما خرج الإنسان والكنيسة وهكذا وجد الثامون ، ثم تتوالد العوالم الأبدية "آيونات" لتصل إلى ثلاثين[7]، أخر عالم أبدي وأحدثها هو الحكمة " صوفيا"[8] أرادت أن ترى الأب الأول وكان ذلك مستحيل. ويخلق" نوس" عالمين أبديين هما " المسيح الأول والروح القدس" ويعطيهما المعرفة، وتنتج العوالم الأبدية أجمل ثمرة وهي " يسوع" والذي يدعى أيضاً المسيح الثاني وخلقت معه ملاك يرافقه. ويتسلح المسيح بقوة الصليب وقوة السيف:
" من لا يحمل صليبه ويتبعني لن يكون من تلاميذي" و " احمل صليبك واتبعني " لوقا14، 27
" لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض. ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً" متى10،34
كما قال يوحنا المعمدان " أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي من بعدي هو أقوى مني الذي لست أهلاً لحمل حذائه. هو سيعمدكم بالروح القدس والنار الذي رفشه في يده وسينقي بيدره ويجمع قمحة إلى المخزن. أما التبن فيحرق بنار لا تطفأ" متى 3، 12
بعض أنصار هذا الإتجاه تمسكوا بحرفية النص السابق ومارسوا التعميد بالنار عن طريق ختم الأذن بالنار كما ذكر" كلمنس السكندري" : " قال يوحنا " أنا أعمدكم بالماء... إلخ، لكنه لم يعمد أحد بالنار، لكن البعض يختمون الآذن بالنار "
من مزامير فالينتينوس: (وفقاً لهيبوليت)
" الحصاد... أرى أن كل شيء معلق في الذات،
وأعرف أن كل شيء في الذات يذهب،
اللحم مثبت في الروح، والروح معلقة في الهواء، والهواء معلق في الأثير،
ومن الأعماق تأتي الثمار ومن رحم الأم يولد الطفل"
من أقوال فالينتينوس: (وفقاً لكلمنس السكندري) : " كتب فالينتين بالحرف الواحد: لقد كنتم منذ البداية خالدون وأطفالاً للحياة الأبدية. وأردتم أن تأخذوا الموت نصيباً لتأخذوه للأعماق وتدمروه، والموت الذي بكم يموت بكم، عندما تخلصون العالم وتبقون أنتم بلا خلاص ستصبحون أسياد على الخلق وكل فاني"
من أقوال فايلنتين: (وفقاً لهيبوليت) :
رأيت طفلاً صغيراً ولد حديثاً وسأله من يكون وأجاب (الطفل) أنه الكلمة (لوجوس).

أوفيتين:
يمكن تلخيص أفكاره في النقاط التالية (وفقاً لرواية الأب " إرنايوس")
في البدء كان هناك 7 عناصر، منها ثلاث كائنات إلهية:
(1) النور الأول الأزلي وهو بمثابة الإنسان الأزلي العتيق وهو غير محدود وهو الأب الأول
(2) الإنسان الابن وهو الإنسان الثاني ويدعى " الفكر" (إنويا) خرج من الأول رغم أن كلمة إنويا في اليونانية مونث
(3) الروح القدس ذات طبيعة أنثوية وتحتل مكانها بين الآخرين.
وأربعة عناصر مادية :
الماء والظلام والفوضى الأولى والهاوية(حرفياً تعني " لا أرض" في النص اليوناني)
تتحد الكائنات الالهية الثلاث وتنجب الإنسان الثالث " المسيح" (عليه السلام)
بعدها دخلت الأم والابن (المسيح) عالم أبدي مكنون( إيون) ومقدس وهو يكافئ الكنيسة الحقيقية السماوية، وهنا تأسس اليمين واليسار فأخذ المسيح على الفور الميمنة، أما الأم والتي لم تكن تستطيع حمل النور العظيم اتجهت لليسار ففاض النور الذي تحمله لليسار ونزل للأسفل فكان كيان مزدوج الجنس (ذكر وأنثى) تدعى صوفيا (الحكمة) وكيان آخر أنثوي يدعى (برونيكوس) أي الشهوة، نزلا في الماء (الماء هنا تعبير عن المادة الشريرة) حتى القاع فأصبح لهم جسدين وحاولا الخروج من الماء فلم يستطيعا بسبب ثقل الجسد لكن بفعل قوة مرسلة من النور الأول استطاعا الخروج من الماء وبفعل المزيد من الطاقة تخلصا من ثقل الجسد.
وتلد الأم ولدا بأنفاسها ويدعى " يلداباوت" أي ابن الهيولي في العبرية لكنه عند فالنتينوس بمعنى " نفس العالم"
ويلد " يلداباوت" ولداً ، وهذا الولد يلد ولداً.. وهكذا حتى وصل العدد إلى ستة من الأولاد فأصبح مجموع الجيل الأخير 7 بأضافة يلداباوت (اسماء الأولاد (القوى) السبعةعلى التوالى: يلداباوت، ياو، سبعوت، ادونيوس، الويوس، أوريوس، أستافايوس)، هؤلاء السبعة أصحاب السبع درجات (أو منازل) قاموا بخلق السماء والأرواح والملائكة وبقيت الأم في المنزلة الثامنة العليا.

بسبب الصراع على السلطة يحزن يلداباوت ونظر لقاع المادة وتجسدت رغبته فيها ولداً يدعى " نوس" أو " نون" كان يحمل عناصر الروح والعناصر الأرضية و يتلوى مثل الثعبان به روح الشر والغيرة والحسد والموت. وحدث أن صرخ يلداباوت بأنه كل شيء ولا شيء فوقه ومن الأعالي صرخت الأم" لا تكذب يا يلداباوت فوقك الأب الإنسان الأول والإنسان أبن الإنسان الأول.
وبحث يلداباوت عن مصدر الصوت فلم يعرف فقرر هو وباقي أحفاده الستة أن يخلقوا إنسان على شاكلتهم بنفس الطول والعرض ولكي يجعلو خاويا من " التعقل" خلقوا له حواء
وبعد حكاية الغواية والأكل من الشجرة المحرمة يطرد الإنسان وحواء من الجنة.
كان ذلك إختصاراً لأهم عناصر الأسطورة الاوفيتينية وفقا لرواية الأب " إرنايوس" فالحكاية مليئة بالتفاصيل الكثيرة، لكن يهمنا هنا هو التأسيس لفصل خلق العالم عن القوى الإلهية الأولى وترك خلق العالم في يد يلداباوت والقوى التي خرجت منه وهي قوى ماكرة وأقل مرتبة من الأب الأول.التأكيد على إن المسيح عليه السلام كان موجود منذ الأبد وهو نتاج تزاوج العناصر الإلهية الثلاثة الأولى: الأب الأول والابن (إنويا) الفكر والأم الروح القدس. وعن طبيعة يسوع فهي أرضية لكنه مقدس لكونه خرج من مريم المقدسة نزل المسيح عليه وتجسد فيه وقبل صلب يسوع انفصل المسيح عنه ورجع للسماء ولكنه لم ينساه ومده بقوة منه.
وسوف نلاحظ أن هذه التصورات صيغت بشكل يختلف قليلاً في أفكار الشتية وجماعة باربلوا الغنوصية.

المانوية

نسبة إلى مؤسسها " ماني " الذي ولد عام 216 ميلادية في " أكباتانا " جنوب بابل(حمدان حالياً) قبل أن نكمل سيرة ماني ينبغي الإشارة إلى أهمية تاريخ ميلاد الرجل ففي ذلك العام اغتيل الإمبراطور الروماني " كاركالا" وبهذا الاغتيال تراخت القبضة الرومانية على أعالي الرافدين مما مهد لأردشير الساساني احتلال المنطقة وسيطرته على طريق الحرير ولم تمض سنوات قليلة إلا والمعابد الزردشتية تنتشر في كل مكان وساهم ذلك في عرقلة مسيرة الديانة المسيحية في هذه المنطقة.

من أب يدعى باتك (فاتك عن الشهرستاني) ويقال ان والده لم يقرب زوجته (والتي كانت تدعى مريم أو" ميس" وفقا لرواية محمد ابن اسحاق التي وردت في " الفهرس" للنديم) بعد أن حبلت به كما امتنع عن شرب الخمر وأكل اللحوم.
وبقي ماني مع أمه حتى سن الرابعة ثم أخذه أبيه لتعميده وأصبح عضو في الجماعة الدينية التي ينتمي لها الأب وهي تضم أعضاء من اليهود والمسيحيين النساك، في مجتمع منعزل أقرب للرهبنة. تعرف ماني على الفكر الغنوصي المسيحي من خلال أراء مرقيون البنطسي (83 - 155 م )

قادته قضايا وجود الإنسان (ماذا حدث قبل ميلاده ودور الإنسان على الأرض وماذا يحدث بعد الموت) إلى تأسيس كنيسة له والتبشير بالديانة الجديدة، دخلت المانوية مصر نهاية القرن الثالث وسرعان ما وجدت أرضاً تقف عليها في أجواء الصراع التي نوهنا عنها، ومع مطلع القرن الرابع كان له أتباع في معظم بلاد حوض البحر المتوسط والهند وبلاد فارس بشكل خاص بسبب علاقته بالملك الساساني " شابور الأول"، وفي الصين أعتبر الدين الرسمي للدولة في مملكة " أويجورين " (شمال شرق الصين) من القرن الثامن إلى منتصف القرن التاسع، ولكنها أستمرت في بعض الجيوب حتى القرن الثالث عشر. وجدت له الكثير من النصوص أغلبها محفوظ في متحف برلين. في مصر عثر على أولى برديات المانوية الأصلية جنوب الفيوم عام 1930
وتضم سبعة كتب تضم آلاف الصفحات من ورق البردي، جزء منها حفظ في متحف برلين (عدد منها دمر أثناء الحرب العالمية الثانية مع الأسف قبل ترجمتها) والجزء الثاني في دبلن والباقي في مكتبة فيينا(6).
كما وجد أيضا في واحة الداخلة عدد من كتب أتباع هذه الديانة.

قال عنه الأنبا ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين في القرن العاشر في كتابه" تاريخ البطاركة" :
أنه في عهد البطريرك الرابع عشر " ديونسيوس" ظهر إنسان ردئ يدعى " ماني" أظهر أفعالاً ردية وجدف على الرب ضابط الكل وعلى الابن الوحيد وعلى الروح القدس المنبثق من الآب وأدعى أنه البارقليط (المُعزي) الذي سيرسلة المسيح" (7)
ويحكي ساويرس حكاية عن ماني بأنه كان " عبداً لسيدة ثرية كان قد أوى إليها ساحر عظيم (8) من أهل فلسطين وقع من فوق السطح فمات فاشترت المرأة ذلك العبد السوء وعلمته في المكتب فلما كبر دفعت له كتب ذلك الساحر فلما قرأها وعرف منها السحر مضى إلى الفرس وحضر إلى الموضع الذي فيه السحرة والعرافون والمنجمون فلما قوي في علم الخطيئة ظهر له الشيطان وقواه وحبب له بغض البيعة فأضل قوماً كثيراً بسحره وصارت الأموال تحمل إليه وصار له صبيان وصبايا يخدمون شهواته النجسة"


يقدم ماني نفسه بوصفه رسول المسيح (البارقليط) وتحديداً التجسيد الأخير للروح القدس التي كانت في البداية في زرادشت ثم بوذا ويسوع المسيح. لم يدعي " ماني " بأنه يمتلك فلسفة بل قدم نفسه كنبي وخاتم للأنبياء ومتمم الديانات الكبرى في زمنه.
في إحدى المخطوطات المانوية المحفوظة في متحف كولونيا التي ضمت كلماته، يقول:
" أنا ماني رسول يسوع المسيح بإرادة الله الأب الحق الذي منه أتيت،
الحي والباقي في كل الأبدية، الكائن فوق كل شئ والباقي بعد كل شئ،
هو ما كان وما سيكون يأتي من قوته، ومنه أتيت بإرادته
ومنه يوحى لي بكل الحقيقة ، وأنا من الحقيقة.
الحقيقة الأبدية التي تجلت رأيتها "
(koelner Mani- codex, L. Koenen 66)
أفكار ماني تنتمي للاتجاه الغنوصي القائل بثنائية العالم، خير وشر، نور وظلام ...

تقول الأسطورة المانوية أنه في مملكة النور حيث الأب الأكبر له خمس منازل أو بالأحرى أعضاء:
(نوس) العقل، التفكير، التأمل، الفكرة، التدبر.
وتتميز مملكة النور بالهدوء والسلام
وأثنى عشر " آيون " (عالم) يحيطون به وموزعة في أركان الكون الأربع،
على الجانب الأخر توجد مملكة الظلام تتكون من خمس عناصر: عالم الدخان،عالم النار، عالم الظلام، عالم الريح. ويتميز هذا العالم بالصخب والاضطراب والفوضى:" الفرق بين المبدأين يساوي الفارق بين الملك والخنزير، حيث يتجول الملك في البلاط والآخر يخوض في الوحل والأوساخ"
" كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب " إنجيل متى8، 25
وفي زمن ما قرر ملك الظلام دخول مملكة النور فدب التوتر في مملكة النور، وقرر الأب الحيلولة دون مشاركة عوالمه (أعضائه) الخمس في الصراع وقرر أن يقود بنفسه هذا الصراع فطلب استدعاء " أم الحياة " والتي تدعى أيضاً " الروح العظيمة " وأم الحياة بدورها استدعت الإنسان الأول، والذي سلح أبنائه الخمس وخرج الجمع للوقوف أمام مملكة الظلام وكان يقود الجمع أحد الملائكة يدعى " نحاش باث"، وكان النور يفيض من الإنسان الأول وعندما رأى ملك الظلام ذلك قال: " ما كان بعيداً وأبحث عنه أصبح في متناول اليد"
وبالخديعة استطاع الظلام ابتلاع الإنسان الأول و وثلاث من أبنائه الخمسة بعد قتل اثنين.
عند ذلك تخلق " أم الحياة" العالم والذي يتكون من اثني عشرة سماء أما الأرض فكانت من ثمان طبقات
وجاءت الروح الحية تنعي مصيرة:
"السلام عليك ، أيها الطيب بين الأشرار ، النور في رحم الظلمة ،
الإله الذي سكن حيوانات الغضب والتي لا شرف لها ". ....
هذا كان تلخيصاً للخط المانوي الأول والذي خرجت منه العديد من التنويعات

تدعو المانوية إلى الزهد ومعرفة الذات كخطوة أولى للتحرر من براثن المادة ومن ثم صعود الروح (المعراج). أعتبر ماني خطراً على المسيحية والزردشتية وتصادم مع كهنة زرادشت وتأمروا عليه مع بعض رجال البلاط الملكي فسجن وعذب حتى مات في عام 276 م. ودفن في مدينة " طيسفون" والتي تسمى اليوم " سلمان باك" أي مدينة سلمان الفارسي المباركة والذي كان من يعد من أتباع المانوية".
عن موته ذكر ساويرس في كتابة(تاريخ البطاركة)
" فحكم عليه البارقليط الحقيقي بحكمته وسلط عليه ملك الفرس فسلخ جلده ورماه للوحوش فأكلوه"

كادت الديانة المانوية تتحول لديانة عالمية تنافس المسيحية والبوذية والزردشتية لكن التوازنات السياسية آنذاك لم تكن في صالح المانوية بنفس القدر الذي كان للأخريات فتم القضاء على كنيستها لكن استمرت كمعتقد عاشت على هامش الأديان الكبرى في المنطقة.
بعد الفتح العربي لبلاد فارس انتعش انصار المانوية وخصوصا مع تأسيس الدولة العباسية ثم تراجعت حركتهم مرة أخرى في القرن العاشر الميلادي

أمامنا نص مانوي يسمى على نطاق واسع " مزمور الروح "
الروح، الروح،
تذكري آيونك(عالمك الأبدي)
يتكرر هذا المقطع بعد كل جمله
آيتها الروح من أين جئت؟
لقد جئت من الأعالي
أنت غريبة عن العالم
زائرة للأرض وللبشر
بيتك في الأعالي
خيمتك السعادة
لك أب حقيقي
وأم حقيقية
ولك شقيق حق
أنت تعاني
حمل تائه في البرية
أبيك يبحث عنك
راعيك يبحث من أجلك
أنت كرمة عنب بخمسة عناقيد(9)
ستصبحين شراباً للآلهة والملائكة ومعطفاً للقاضي العادل ورداء للقدوس
ستصبحين العقل للكاملين، فكرة للمؤمنين
أيها الروح، ارفعي رأسك عالياً في هذا المقام المفعم بالطمأنينة
...... ......
من خلود لخلود
المجد والمديح لك يا يسوع الملك القدوس ولتمجد روح مريم المقدسة.
MPB 181,19ff

ومن مجموعة مزامير " هركلايد" الذي وصلتنا باللغة القبطية، نجد إن أغلب عناصر النص مأخوذة من اناجيل الكتاب المقدس:
" ابن الإله الحي، طبيب الأرواح.
تعالوا وامدحوا مسيح الروح
(هذا المقطع يتكرر بعد كل جملة من الجمل التالية)
الأب الكامن في الابن، والابن الكامن في الأب.
قلعة الملكوت التي تحرس كنز الأب
الصراط المستقيم الذي يفضي للحياة
نور النهار الواضح الذي لا تغرب الشمس فيه.
خبز الحياة المقدس، سماوي الأصل
نبع الماء العذب الذي يفيض للحياة.
كرمة العنب الحقيقية، التي تعطي النبيذ الحي.
غصن الشجر الأخضر الذي يحمل أثماراً
نبتة الرب الجديد التي تنتج ثمراً
العريس السعيد بكنيسته
راعي الخروف الضال في صحراء هذا العالم.
C.R.C. Allberry, A Manichaean Psalm- Book,193

ووجدت المانوية مكانها في مكتبة نجع حمادي تمثل في عدد من النصوص أهمها النص الخامس من المخطوط الثاني، وهو " نص بدون عنوان" يعتمد على السرد الأسطوري لعرض تصورات المانوية عن خلق العالم.



جماعة باربلو

نسبة إلى " باربلو" (معنى الاسم مجهول)
[9]هي أعلى وأقدم العوالم الخمس الأبدية للأب الغير مرئي ونبع النور.

تؤمن هذه الفرقة بأن هناك خمس عوالم للأب الغير مرئي:
1- "الإنسان الأول" الابن البكري صورة الروح الغير مرئية
2- " باربلو" الروح العذرية ثلاثية الذكورة وهم: الذي لا يطعن في السن والمخنث (الذكرانثوي) والذي خرج من أفكاره.
3- أبدية الدهر
4- الحياة الخالدة.
5- " برونويا"(المعرفة الأولية) وتسمى أيضاً " إنويا" الفكر
[10]
تقول الأسطورة أن باربلو جاءت للوجود عندما شاهد الرب العلي صورته في الماء النوراني الطاهر النقي الذي يحيط به، وكانت هذه الصورة هي فكر الرب تجسدت وصارت " باربلو".
أي أنها الفكر" إنويا" ثم صارت الإنسان الأول في هيئة الروح العذراء مثلثة الذكورة: المخنث (الذكرانثوي)، والذي لن يطعن في السن، والمتولد من أفكاره. تتحد باربلو مع المعرفة الأولى( بروإنويا) و الخلود والحياة الأبدية، وتنظر في الماء الطاهر وتلد فيضاً من النور فيتجسد الابن البكر(أوتوجينيس = المتولد ذاتياً) ويدهن بالطيب ويدعى خريستوس
[11] (المسيح) ويهبه الرب قوى الإرادة والروح والكلمة.
تعتقد الفرقة أيضا أن الله الكامل، النور الخالص، الأب الأول لا علاقة له بالعالم الذي خُلق بفعل قوى غير مؤمنة، وأن الإنسان السماوي تكون من ثلاث عناصر روح " بنيوما، بسوخى، سارخ ، أي " روح، نفس، لحم" وأنه في الأساس من صنع قوى خيره على شاكلة الله وفقاً لنموذج من فيض " باربلو" لكن رئيس الأسياد " يلداباوت " (يحمل صفات الإله التوراتي ياهوه) خلق له جسد من عناصر أقل مرتبة لتحبس الروح الإلهية الكامنة به. (وسوف نتعرض للأسطورة بالتفصيل والتي وردت في النص الأول من المخطوط الثاني من مكتبة نجع حمادي)

النحشية

نسبة إلى اللفظ العبري الدال على الثعبان נחש " نحش" وهي حنش وحنفش وحنفيش في العربية.
وفقاً لشهادة هيبوليت، هم يؤمنون بأنه في البدء كان هناك ثلاث عناصر إلهية: الموجود الأول، المخلوق من ذاته، والفيض من الفوضى (الإنسان الأرضي)
- الإنسان الأول (الموجود الأول) مخنث الجنس ويدعى "آداماس" الإنسان الأول من ثلاث عناصرهي الفهم والذات والطبيعة. وهو يوازي البذرة والماء والثعبان والروح وكل عناصر الطبيعة تتطلع لهذه العناصر وبدونها لن تعرف الخلود والموت، وهو مثل المحيط الذي يقوم بالمد والجزر رأسياً، المد هو ميلاد الإنسان على الأرض، الجزر هو عودة الأصل السماوي للأعالي، ويقولون أن معرفة هذا الإنسان الأول هو مبدأ كل شيء " بداية الكمال معرفة الإنسان"

الشتية

نسبة إلى " شث " الابن الثالث لأدام وحواء (ست في اليونانية القديمة) أتباع هذا الاتجاه لا يذكرون أي معلومات عن قايين (قابيل) بعد مقتل هابيل (الذي ذهب وعاش في شرق عدن وفقاً للرواية التوراتية)
لكن يذكرون أن حواء ولدت بنتاً اسمتها " نوريا ".
" وعرف أدم حواء وحبلت له " شت " وقالت: ولدت رجلاً آخر عوضاً عن هابيل، ثم حبلت حواء مرة أخرى وولدت " نوريا " ، التي تعي أصلها السماوي ولهذا الاتجاه عدد من النصوص في مكتبة نجع حمادي أهمها النص الرابع في المخطوط الثاني.
الشتية وفقاً لشهادة إيبيفانيوس" ... هم ينتمون إلى شت ابن أدم ويقدسونه ويدعونه أيضا المسيح ويسوع.
ويقولون ان العالم خرج من الملائكة وليس من الروح العليا، وأنه كان منذ البدء إنسانان ومنهما خرجا قابيل وهابيل وبسببهما دب الصراع في عالم الملائكة التي حرضت الأخوين على التقاتل، وبعد مقتل هابيل تلد الأم
" شت" ووضعت فيه بزور القوة العليا، ثم ولدت ابنتها " نوريا" وحدث إن تكاثر البشر (أبناء قابيل وشت) فترسل الأم الطوفان لتطهير الأرض حتى لا يبقى غير أبناء شت، ومنه جاء المسيح، وتجلى شت أيضاً في هيئة يسوع بمعجزة "
يشتركون مع الباربلوية في اعتقادهم أن العالم الإلهي ثلاثي الأبعاد ( اب- أم- ابن )
الأب هو النور الصافي، العقل الكلي (نوس) وهو النداء، الأبن هو الضلع الثالث من الثالوث وهو الكلمة (لوجوس) ، لكن الأم تظهر في صور عدة فهي تارة حواء وتارة أخرى صوفيا " الحكمة" وتارة أخرى إيزيس وأحياناً بدمج كل كل التجليات في أم أولى مبهمة.
نصوص الجماعتين لم تكن في الأصل مسيحية الصياغة لكن بعضها تم تطعيمه بعناصر المعتقد المسيح.
من واقع نصوص نجع حمادي من الصعب الفصل بين الجماعتين، فهناك نصوصا شتية بتأثيرات باربلوية ونصوص باربلوية بتأثيرات شتية، لكن الأكثر صحة هو القول بأن جماعات باربلو هي جماعات شتية يأخذ فيها دور باربلو حيز أكبر. الفارق الهام بين الجماعتين يتمثل في إن الجماعة الشتية أكثر تأثراً بالروايات التوراتية وتكاد كتابتها تكافئ سفر التكوين لكن في ثوب غنوصي على عكس جماعة باربلو المتحررة من الروايات التوراتية نسبياً


مكتبة نجع حمادي الغنوصية

اعتبرت الكنيسة كل أعضاء هذه الجماعات (سالفة الذكر) " مهرطقون" وخارجون عن الإيمان الصحيح وخاضت ضدهم معارك طالت جميع مؤلفاتهم بالنقد والحرق، لكن بعض هذه الكتب حفظها التاريخ، منها المخطوطات المانوية والتي أكتشفت عام 1929 في الفيوم وكانت مكتبة نجع حمادي أكبر حفيظة، أكتشفها بطريق الصدفة أحد الفلاحين يدعى " محمد على " موضوعة في بلاص ومدفونة عند حافة جبل تاريف في نجع حمادي على مقربة من مكان أحد الأديرة، كان ذلك في ديسمبر عام 1945 وبعد سلسلة من الأحداث المثيرة استطاع المتحف القبطي عام 1946 من الحصول على إحدى هذه المخطوطات (المخطوط الثالث) ثم توالى ظهور باقي المخطوطات اشتراها جميعها المتحف القبطي، وفي عام 1956 تكونت لجنة دولية لبحث المخطوطات، وتطوع المعهد الأثري الألماني في القاهرة بحفظ المخطوطات في رقائق من الزجاج وكان يقف خلف هذا العمل مدير الآثار المصرية مصطفى عمر وتوجو مينا والدكتور " باهور لبيب" مديرا المتحف القبطي في بداية الستينات، كما قامت منظمة اليونسكو بالتعاون مع وزارة الثقافة ابتدأ من عام 1973 بتصوير المخطوطات ونشرها في 12 مجلد ، ظهر أخرها عام 1977
[12] .




ظهرت أول ترجمة للمخطوطات للإنجليزية عام 1974 ، كما قام الدكتور " باهور لبيب" بالتعاون مع الدكتور " مارتن كراوس" والدكتور" ألكسندر بولش" من " جمهورية ألمانيا الديموقراطية" بترجمة عدد من النصوص إلى الألمانية.
المكتبة تحتوي على 13 مخطوط كتبت ما بين القرنين الثاني والرابع ، تضم 1200 صفحة تضم 52 نص، منها ثلاث نصوص تكررت مرتين وهي:
" رسالة اوجينوستوس" في المخطوطين الثالث والرابع،
" إنجيل المصريين" في المخطوطين الثالث والرابع،
" إنجيل الحقيقة" في المخطوطين الأول والثاني عشر ،
ونص رابع تكرر ثلاث مرات هو " رؤيا يوحنا، تكرر في بداية المخطوطات الثاني والثالث والرابع.
أي إن عدد النصوص بدون حساب المتكرر يبلغ 46 نص . ومن هذا العدد هناك ستة
[13] نصوص كانت معروفة من قبل. أي إن مكتبة نجع حمادي مدتنا بـ أربعين نص جديد.
المخطوطات مجلدة بالجلد وصفحاتها من البردي بطول 35 سنتيمتر وعرض 15 سنتيمتر عدا المخطوط الأول
النصوص تذخر بكل أشكال فن الكتابة: من مدائح وصلوات وسرد اسطوري ورسائل وحوارات وأبتهالات وتعاويذ سحرية. أغلب النصوص كانت في الأصل نصوص غير مسيحية ثم تم تطعيمها بالأفكار المسيحية لذا فأهمية هذه النصوص في كونها تدلنا على الحياة الدينية قبل ظهور المسيحية
النصوص مترجمة عن أصل يوناني إلى القبطية- اللهجة الصعيدية لكن في مواضع عدة تظهر لهجات أخرى وخاصة البحيرية، لكل نص عنوان باللغة اليونانية مكتوب بالخط القبطي ويختم النص بتكرار العنوانبمقارنة بعض النصوص ومثيلاتها اليونانية وجد أن الترجمة ليست دقيقة في أغلب الأحيان، وأن المترجم لم يكن على دراية كافية بقواعد اليونانية، أو القبطية، فقد شارك في ترجمة النصوص أكثر من شخصأغلب النصوص بحالة جيدة عدا نصوص المخطوطات من العاشر للثالث عشر

من الممكن تقسيم هذه النصوص إلى أربع مجموعات متباينة وفقا للمدارس الغنوصية التي تمثلها
المجموعة الأولى
تضم النصوص الغنوصية الغير مسيحية أي التي لا تتعرض للمعتقد المسيحي ، بعض هذه النصوص تضم أفكاراً يهودية مثل: رؤيا أدم ورسالة أويجونستوس والرعد.المجموعة الثانية وتضم النصوص الغنوصية المسيحية، وتنقسم إلى قسمين ،الأول ويضم نصوصا كتبت منذ البداية كنصوص غنوصية مسيحية مثل إنجيل المصريين وإنجيل توما. القسم الثاني يضم نصوصاً كانت في الأصل غير مسيحية ثم تم دمجها مع المعتقد المسيحي ويظهر هذا بوضوح في نص " صوفيا يسوع المسيح"
المجموعة الثالثة:
تضم نصوصا هرمسية وخصوصاً في المخطوط السادس ويضم ثلاثة منها.
المجموعة الرابعة:
تضم نصوصا فلسفية وشبه فلسفية مثل: تعليم سيلفانوس وجمهورية أفلاطون
.

هو من أكثر الكتابات الغنوصية دماثة، وهو عبارة عن حوار بين مريم المجدلية وبطرس الرسول، وهو النص الأول في مخطوطة[1]
برلين الغنوصية والتي تضم ثلاث نصوص، أكتشفت عام 1896
“ Refutatio omnium haeresium “ [2]
في العبرية تشير إيل إلى الله، أما إلوهيم فهي صيغة الجمع، وقد تعني إله أو آلهة وهو أحد الكلمات العديدة التي ينادي بها اليهود الله[3]
دون نطق اسمه (يهوه)، ويقترب هذا التصور من تصورات ابن عربي بخصوص الألوهية الوسيط بين ذات الله والعالم.
باروخ في العبرية تعني" مبارك" ونحش تعني ثعبان وهي مذكر، " حنش في العربية " [4]
في الواقع إن يوستين (إن صحة رواية هيبوليت) قد ناقض بهذه الصياغة الإتجاه الغنوصي العام بأن الرب الأول ليس مسئولا[5]
عن شقاء الإنسان وحبس وتعذيب الروح في الجسد المادي. لكنه هنا يجعل الرب الأول " الخير" مسئولاعن هذه التعاسة برفضه أن يعود إلوهيم بالروح للمصدرها الإلهي.
تختلف البداية في رواية هيبوليت حيث يقول أن أنصار فالينتين يقولون بأنه في البدء كان هناك أب أول وحيداً بدون حدث[6]
بدون مكان وبدون زمان وبلا رمز مجرد بزرة وحيدة في الكون تسكن ذاتها، لم يكن يحب الوحدة، والحب لم يكن حباً لأنه لم يكن شيء لكي يُحَب" ثم يتلاقى هيبوليت مع ما دونه إرنايوس
ويربط أنصار الفالينتينية بين هذا العدد وعمر يسوع على الأرض قبل أن تبدأ رسالته[7]
الربط بين أخر "آيون" وهو صوفيا والرغبة في التعرف على الأب الأول هو إشارة إلى قضية الفلسفة الأولى في العالم القديم[8]
[9]
في بداية النص نعرف أن " إنويا" تدعى برونويا وباربلو، لكن في منتصفه يبلغنا أن إنويا وبرونويا اسمان لعالم واحد، وأن باربلو [10]
عالم أخر سابق على نشوء " إنويا"
معنى كلمة "خرستوس" في اللغة اليونانية : المدهون بالزيوت" في العربية " المسيح" من " مسح" وممسوح (مثل) الدهن أ والبركة[11]
ومنها حصلنا على النصوص للترجمة[12]
نصان من هذه النصوص الستة تم العثور عليها نهاية القرن التاسع عشر في مصر أيضاً[13]

__موقع مصريات_