علم البيلوجيا
 
 
2014/12/06

تطور كود الحياة في المنابع المعدنية


المنابع الدافئة في اعماق البحار
بداية القصة – بنية DNA
في 28 شباط 1953 أعلن العالمان فرانسيس كريك و جيمس واتسون اكتشاف سر الحياة وكان هذا نصف الحقيقة. أعلن العلمان أن DNA هو عبارة عن لولب مزدوج ، وفي عملهما المنشور في Nature كانت جملة تقول أن هذه الطريقة في ربط الأسس الأزوتية يمكن أن تكون آلية ناسخة للكود الوراثي. إن DNA هو أساس المورثات من الاميبا إلى الإنسان وتقريبا كل الحياة عدا بعض الفيروسات. هذا اللولب المزدوج هو أساس الوراثة وكل شريط متمم للآخر على المستوى الجزيئي وكل شريط هو بمثابة القالب لتشكيل الآخر المتمم.
الكود الوراثي نفسه هو عبارة عن تسلسل أحرف تسمى القواعد الأزوتية وهي أربعة أنماط هي A (adenine) , T (thymine), G (guanine), C (cytosine) والمهم أن شكلها و نمط الروابط بينها تعني أن A يتحد فقط مع  Tو C مع G. هذه الروابط كيميائية وحين فصل السلسلتان فهي تلتحم سوية عفويا كما أن كل سلسلة تشكل قالبا يمكن استعماله لبناء السلسة المقابلة.
تسلسل الحروف في DNA طويل جدا عند الإنسان ويتألف من 3 مليارات حرف وهي تعادل حجم 200 مجلد من حجم دليل الهاتف و جينوم الإنسان ليس الأضخم فإن أحد أنماط الأميبا وهو Amoeb dubia له 670 مليار أساس أزوتي أي 220 مرة جينوم الإنسان ولكن معظمه خردة junk لا يكود شيء. يحدث انقسام الخلية كل عدة ساعات ومع كل انقسام فإن DNA يتضاعف.
جسم الإنسان هو مجمع من 15 مليون مليون خلية وكل خلية تملك نسختين من هذا الكود الوراثي. يتم النسخ بدقة عالية جدا وبمعدل خطأ واحد كل ألف مليون يعني بالمقارنة مع النسخ اليدوي خطأ واحد فقط حين نسخ الإنجيل 280 مرة  ، كما يقال بوجود 24 ألف مخطوط للإنجيل مع عدم وجود نسختان متطابقتان. الأخطاء في نسخ DNA تسمى طفرات نقطية point mutations وفيها يتم استبدال أساس أزوتي بأخر. مع هذا المعدل من الخطأ فإنه يمكن توقع 3 أخطاء في كل انقسام ومع كل انقسام يزداد أعداد الأخطاء وهذا له دور معين في بعض الأمراض مثل السرطان.
الطفرات قد تنتقل للأجيال التالية فالبيضة الملقحة تحتاج حوالي 30 انقسام لتشكل خلية بيضية جديدة ، والوضع اسوء عند الذكور حيث يلزم حوالي 100 انقسام قبل صنع النطاف ولأن صنع النطاف يستمر طيلة الحياة فإن الانقسام يستمر و يستمر مع تزايد في عدد الطفرات مع تقدم الذكر بالعمر. بالمتوسط عند الابن من أبوين شابين يمكن توقع وجود 200 طفرة جديدة.
معظم الطفرات هي نقطية point mutations وهي تغير أساس أزوتي واحد ولكن توجد تغيرات أخطر فقد يتضاعف صبغي كامل أو يفشل في الانفصال وقد تقطع قطع كبيرة من DNA كما أن الفيروسات تغرس قطع chunk جديدة ، وبعض المورثات تعكس نفسها ويختل التسلسل وهناك عدد كبير من التغيرات الممكنة ولكن معظمها غير متوافق مع الحياة والتكاثر. الانتقاء الطبيعي بإزالته معظم هذه التغيرات المتطرفة فهو يشكل قوة أساسية تساهم في استقرار الجينوم.
تسلسل الأسس الأزوتية هو أساس كل الوارثة فبصمة.      المستعمل لكشف الابوة أو المستعمل لكشف المجرمين يعتمد على الفارق في تسلسل DNA بين الأفراد. بسبب الاختلافات فإن كائن حي له بصمة DNA خاصة. بشكل عام يختلف البشر بمعدل واحد كل ألف مما يعني 6 -10 مليون اختلاف في الجينوم البشري تسمى snips (single nucleotide polymorphisms) وهو يعني أنا كلنا نحمل نسخ مختلفة لمعظم المورثات ومعظمها غير مؤثرة على الفرد ، ولكن بعضها قد يترافق إحصائيا مع زيادة احتمال بعض الامراض مثل الداء السكري و داء الزهايمر. رغم كل الاختلافات فإنه يمكن الحديث عن الجينوم البشري حيث يتطابق 999 أساس أزوتي من كل ألف وسبب ذلك الزمن والانتقاء. زمنياً لم يمر زمن طويل منذ زمن السلف المشترك للإنسان والشمبانزي ولم يمر زمن طويل منذ زمن كوننا قردة عليا apes وبعض علماء الحيوان يصرون على كوننا كذلك. يعتقد أن سلف الإنسان انفصل عن سلف والشمبانزي منذ 6 مليون سنة وتراكمت الطفرات بمعدل 200 كل جيل وهو يعني أن الزمن لم يؤثر إلا على 1% من كل الجينوم الإنساني ، كما أن والشمبانزي يتطور بنفس المعدل ولذلك يمكن توقع وجود فارق في الجينوم بيننا بمعدل 2% ولكن معدل الفارق أقل ومعدل التطابق بين تسلسلات جينوم الإنسان والشمبانزي والسبب هو دور الانتقاء حيث يزيل كل التغيرات الشديدة ولذلك فهو يقلل من معدل الاختلاف وبالتالي فإن دور الانتقاء هو straightening ومع الحركة لزمن أقدم فإن دور هذان العاملان يصبح واضحاً ، وفي الحقيقة فإن كل الأحياء على الأرض هم أقرباء و تسلسل DNA يثبت ذلك ، وبمقارنة تسلسل DNA يمكن حساب معدل قرابتنا مع أي كائن حي من القرود إلى الأسماك والحشرات والديدان والأوليات وحتى الجراثيم. ونلاحظ في كل هذه الأحياء وجود تشارك بين هذه الأحياء في بعض تسلسلات DNA للمناطق التي تم الحفاظ عليها بالانتقاء ، أما الأجزاء الآخرى فقد تغيرت بشدة وأصبحت بعيدة جداً عن تسلسلاتنا ، وبمقارنة DNA بين الإنسان والأرنب فنلاحظ مناطق متطابقة ومناطق مختلفة ، وحين مقارنة جينوم الإنسان و thistle نلاحظ نفس الظاهرة ولكن يوجد درجة أكبر من الاختلاف بسبب بعد و قدم السلف المشترك ، أما أساس البيوكيمياء فهو نفسه (لب الاستقلاب) و كلنا مبني من خلايا تعمل بنفس الطريقة وبسبب التشابه البيوكيميائي يمكن توقع وجود تسلسلات متطابقة مع أفدم أنواع الحياة مثل الجراثيم وهو ما نشاهده فعلاً ، ولكن يجب الانتباه إلى أن مقياس تطابق التسلسل هو ليس من 0% إلى 100% ولكن من 25% إلى 100% وهو ناجم عن وجود أربعة اسس أزوتية وحين تغير أي أساس بشكل عشوائي فهناك احتمال 25% أن يكون الحرف البديل هو نفسه الأصلي ، وإذا بنينا سلسلة DNA عشوائية  في المخبر فهناك درجة تطابق مع جينوم الإنسان تبلغ 25% ، ولذلك فإن القول بأننا نصف موزة بسبب تطابق 50% بين جينوم الإنسان والموز هي غير صحيح.
إن واطسن وكريك كشفا نصف الحقيقة ، فقد كشفا بينة DNA بشكل شريط مزدوج وكل شريط يخدم كقالب لبناء الشريط المقابل ولكن ما كان غائباً في عملهما هو ماذا يكود هذا التسلسل من الأسس الأزوتية أي ما نسميه اليوم بالكود الوراثي الذي لم يكتشف إلا بعد 10 سنوات من كشف واتسون و كريك. وجود الكود الوارثي وحسب رأينا فإن deciphered code يعطي تلميحات قوية عن اصل DNA على الأرض منذ 4 مليار سنة

الكود الوراثي – محاولات الحل الأولى
نعرف حالياً أن المورثات تكود البروتينات ولكن في عام 1953 فإنه وحسب رأي العديد من علماء البيوكيمياء فإن الدليل على أن المادة الوراثية هي DNA كان غير قاطعاً وأقرب للتخمين والشك منه للحقيقة. في ذلك الوقت كان البعض يطرح البروتينات كمرشح للمادة الوراثية وكان هذا الرأي أكثر معقوليةً عندها ، ففي ذلك الوقت كانت بنية DNA غير معروفة ولكن تركيبه الكيميائي كان معروفاً وبسيطاً والملاحظ أنه متشابه جداً بين الكائنات الحية ولذلك شك البعض باحتمال كون هذه المادة مع هذه الدرجة القليلة من التباين بالتركيب الكيميائي مسئولة عن هذا التنوع الهائل في مظاهر الحياة والتي تملك جميعاً أساس وراثي ، وكانت البروتينات مرشح أكثر معقوليةً نظراً لعناها الشديد و اختلافها الواسع بين الكائنات الحية. واتسون كان من القلائل الذين اقتنعوا بخلاصة بحث العالم Oswald Avery عام 1944 والذي اقترح أن المورثات مصنوعة من DNA.
مع كشف بينة DNA فإن سؤال الكود أصبح مهماً للغاية ، وكان التوقع الأولي والصحيح هو أن الكود بكود البروتينات ، ولكن إذا كان الكود عاماً فإن سلسلة الحموض الأمينية الممكنة هي أيضاً عامة وهو ما لم يكن معروفاً في حينها ، وقد راجع واطسون و كريك كل الحموض الامينية المذكورة في الكتب ليحصيا 20 حمض أميني يدخل في تركيب البروتينات الحية وهذا الرقم لم يتغير من وقتها.
المشكلة التالية كانت رياضية وهي كيف تكود سلسلة من 4 أحرف تسلسلات 20 حمض أميني ، وكان من الجلي أنه لا يمكن الاعتماد على كود من حرف واحد (العدد الأقصى الممكن للاحتمالات هو 4 ) ولا حتى حرفين (العدد الأقصى هو 4x4 أي 16 احتمال) والحد الأدنى الممكن هو كود ثلاثي أي أن كل ثلاثة أسس أزوتية تكود حمض أميني واحد وهي فكرة Triple code وهي التي تأكدنا من صحتها. إن جزءاً من ثلاثة أسس أزوتية وكل أساس له خيار من أربعة خيارات يعطي 64 شكلاً ممكناً لهذا الجزء مما يمكنه من تكويد كل الحموض الأمينية.
كان السؤال التالي عن كيفية هذا التكويد أو كيفية تفسير سلسلة الأسس الأزوتية إلى سلسلة حموض أمينية ، طرح الحل الأولي جورج غاموف وهو الفيزيائي المشهور وصاحب نظرية الانفجار الكبير ، وكان طرحه هو فكرة الكود المتراكب overlapping code ، مثلاً في التسلسل التالي ATCGTC فإن الكود الأول هو ATC والثاني TCG والثالث CGT وهكذا ، وهذه الطريقة تحدد عدد الحموض الأمينية الممكنة التكويد ، فإذا كان ATC يكود حمض أميني معين ، فإن كود الحمض التالي يجب أن يبدأ بـ TC والثالث بـ C وحين عد الاحتمالات الباقية فكانت 20 وهي تماثل عدد الحموض الأمينية ، و رغم هذا التطابق فإن فكرة الكود المتراكب كانت خاطئة وهي تعني وجود تحديدات على طريقة ربط الحموض الأمينية في البروتينات ، يعني إذا ATC يكود حمض أميني ، فإن الكود الحمض التالي يبدأ بـ TC وهي يعني فقط أربعة حموض أمينية ممكنة للموقع التالي ، ولكن من خلال أعمال Fred Sanger (حاصل على جائزة نوبل مرتين لسلسلة البروتينات ثم لسلسلة الحموض النووية) في ذلك الوقت وكان يدرس تركيب الانسولين وتبين له إمكانية ربط أي حمض أميني بحمض أخر دون أي تحديد ، ومن ناحية أخرى كان فكرة الكود المتراكب تعني أن الطفرات النقطية في موقع معين ستؤثر على ثلاثة حموض أمينية متتالية ، ولكن الدراسات على الطفرات النقطية اظهرت تغير حمض أميني واحد وهكذا تم الاستغناء عن فكرة الكود المتراكب.
كانت توجد مشكلة أخرى وهي أن الـ DNA يوجد في النواة فقط ، بينما يتم صنع البروتينات في السيتوبلازما. درس واتسون حمض أميني أخر هو RNA وهو شريط قصير مفرد من جزء من DNA وهو جزء اساسي من آلية صغيرة تصنع البروتينات في الخلية تسمى الريباسات Ribosomes ، وكانت الفكرة أن DNA في النواة يستخدم كقالب لصنع نسخة من RNA وهذه النسخة تغادر النواة إلى الريباسات ، سمي هذا الـ RNA بـ الرسول Messenger RNA أو mRNA ، وهكذا فإن DNA يصنع RNA وال RNA يصنع البروتينات.
اقترح كريك أن ترجمة mRNA يتم بمساعدة سلسلة من جزيئات مساعدة واحدة لكل حمض أميني ، وهي تتألف من RNA له كود معاكس anticodon يرتبط مع mRNA ، في ذلك الوقت كان اقتراح هذه النواقل نظرياً فقط ولم يوجد وقتها أي دليل على وجودها ، وكشفت بعد سنوات وسميت الحمض الناقل transfer RNAs أو tRNAs
لكن كريك أخطا في فرض ما وهذا خطئه: تصور كريك أن mRNA يخرج للهيولى مع كوده وينتظر قدوم tRNAs للارتباط مع الثلاثيات المطابقة ، ولكن في هذه الحالة فإن tRNAs ستصل بشكل عشوائي ولا يمكنها معرفة مواقع بداية ونهاية الكودون ، مثلاً في التسلسل ATCGTC يكون الصحيح أن يرتبط tRNA مع ثلاثية ATC و tRNA أخر يرتبط مع التسلسل GTC ، ولكن بسبب احتمال الوصول العشوائي لـ tRNAs فممن الممكن أن يأتي tRNA ويرتبط مع TCG ويغير كل السلسلة. اقترح كريك أنه من الممكن ان لا تكون كل الثلاثيات مسموحة وإن قسماً منها فقط ممكن مما يلغي هذه المشكلة ، مثلاً في سلسلة AAAAAA لا يوجد طريقة لمعرفة كيفية القراءة وهي بالتالي غير ممكنة ، ودرس كريك كل الاحتمالات الممكنة الآخرى مثلاً إذا كان ATC له معنى فيجب إلغاء كل التراكيب المتشابهة معه مثل TCA و CAT وفي هذه الحالة فإن الاحتمالات المتبقية كانت أيضاَ 20 مثل عدد الحموض الأمينية (من 64 احتمال ممكن تم إلغاء الثلاثيات AAA UUU CCC GGG وبقي 60 احتمال ولكلٍ منها ثلاثة تراكيب متشابهة فيبقى فقط 20 احتمال عامل). هذه الفكرة بالمقارنة مع فكرة الكود المتراكب تسمح بأي تركيب من الحموض الأمينية المتتالية (لا يوجد أي تقييد على تسلسلها) ، كما أن الطفرات النقطية ستؤثر على حمض أميني واحد وليس أكثر من واحد. رغم كل هذا الجمال فالفكرة كانت خاطئة ، وتبين تجريبياً أن mRNA المصنوع في المخبر والمؤلف بشكل كلي من Adenine أي بالشكل AAAAAA يكود سلسلة بروتينية مصنوعة فقط من الحمض الاميني lysine

الكود الوراثي – كود عشوائي ؟
في منتصف الستينات بدأنا بكشف الكود الوراثي وكان للدهشة عشوائياً وغير خاضعاً لقاعدة رقمية أنيقة معينة. كان الكود يبدو غير منتظماً ومليئاً بالحشو غير المفهوم ، فهناك ثلاثة حموض أمينية يكود كلاً منها بستة كودات مختلفة ، وخمسة حموض يكود كلاً منها بأربع كودات مختلفة ، وحمض أميني يكود بثلاثة كودات مختلفة ،  وتسعة حموض أمينة يكود كلاً منها بكودين مختلفين ، وحمضان أمينيان يكود كلاً منهما بكود واحد ، وتبقى ثلاثة كودات تكود إشارة نهاية السلسلة. في هذا الكود لا يوجد أي ترتيب أو جمال وهو إثبات على عدم صحة القول بأن الجمال هو مؤشر للحقيقة في العلم. لا يوجد أي سبب بنيوي معين مسئول عن هذا الكود ولا يوجد أي ألفة كيميائية أو فيزيائية معينة بين الكودات والحموض الأمينية المطابقة. كان هذا الحل صادماً واعتبره كريك كوداً عرضياً مجمداً وهو مجمد لأنه ببساطة فإن أي تغير في الكود سيؤدي إلى خلل في حمض أميني واحد ، أما تغير الكود فسيغير تسلسل الحموض الأمينية في كل البروتينات ، والفارق بين الحالتين كالفارق بين خطأ مطبعي واحد لا يغير معنى النص بالمقارنة مع تغير كامل الهجائية إلى حروف مختلفة ، ولذلك فإنه مع ظهور الكود و ترسخه فسيصبح مجمداً لأن أي تغيير سيكون له عواقب وخيمة ويعني الموت حتماً ولذلك لم يتغير.
هذا الكود العرضي طرح مشكلة جديدة وهي إذا كان الكود اعتباطي ولا يوجد أي سبب انتقائي ورائه فلماذا لا توجد أنواع مختلفة عند كائنات مختلفة ، كان الجواب الوحيد الممكن والصحيح هو أن الكائنات الحية قد ورثت هذا الكود من سلف مشترك تم تثبيت الكود فيه ،وهو يعني أن الحياة على الأرض ظهرت مرة واحدة. بناءً على هذا طرح كريك اقتراح العدوى أي أن الحياة يمكن أن تكون نمت من بذرة وصلت الأرض بشكل جرثومة واحدة مأخوذة من حياة خارج أرضية ، وحتى لاحقاً طرح احتمال أن تكون هذه الجراثيم قد أرسلت للأرض قصداً عن طريق حضارة غير أرضية تستعمر الكون عبر سفن فضائية تنقل بذور الحياة وهي نظرية panspermia

بالعودة للكود فهو لا يحتاج أن يكون له أية محاسن أو أية مساوئ معينة للدفع عبر عنق الزجاجة ، ومنذ بداية الثمانينات ظهرت بعض الحقائق التي تدل على أن الكود ليس متجمداً وليس عرضياً ، وهناك أنماط خفية ضمنه أو كود ضمن الكود وهي تعطي تلميحات عن منشأ DNA منذ 4 مليار عام ، وتطور الكود من كود عرضي مدان غير جميل إلى كود مميز (واحد من مليون) وهو قادر على مقاومة التغيرات كما أنه يسرع عملية التطور.

الكود الخفي ضمن الكود – أضواء على تطور الكود الوراثي
إذاً هناك كود خفي ضمن الكود. ظهرت العديد من الأفكار المتعددة المرتبطة بالكود والتي تبين لاحقاً خطأها ويبقى النمط العام للكود يبدو عديم المعنى. ولكن بدأت ظهور الأفكار المفيدة حول الكود مع Davis الذي قال أن فكرة الكود العرضي المتجمد أبعدت الحديث عن أصل ومنشأ الكود فلا فائدة من دراسة حادثة عرضية. حسب رأي Davis أن الكود إذا تشكل ضمن بيئة معينة فيجب البحث عن جذوره في الجزئيات التي تشكلت في هذا الوسط الأولي عبر العمليات الفيزيائية والكيميائية في هذا الوسط ، وهذا أدى لتوقع وجود لب أساسي من الحموض الأمينية و حموض آخرى تم إضافتها لاحقاً.
لاحظ Davis نمط محدد ضمن الكود الثلاثي ، فالحرف الأول في الثلاثية هو الأهم وهو يترافق مع مسار استقلابي ما يحول أحد السوابق إلى حمض أميني معين ، ولشرح هذه الفكرة فعلينا معرفة أن الحموض الامينية في الخلية تصنع عبر سلسلة من الخطوات من مركبات سابقة بسيطة والملاحظة المهمة هو وجود علاقة قوية بين الحرف الأول في الثلاثية وهذه السوابق البسيطة ، فمثلاً كل الحموض الامينية التي تصنع من البيروفات Pyruvate يكون الحرف الأول في كودها هو T. ذكرنا هذا الجزيء (البيروفات) في سياق مقالة ظهور الحياة وهو يتشكل في الفوهات الدافئة من الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون كما ذكرنا سابقاً ، البيروفات ليس استثناء وكل سوابق الحموض الأمينية هي جزء من لب الكيمياء الحيوية (لب الاستقلاب) وهي حلقة كريبس ، وهي تتشكل في الفوهات الحارة كما ذكرنا سابقاً والمهم هنا هو الرابط بين الفوهات الحارة والحرف الأول من الكود الوراثي.
أما الحرف الثاني في الثلاثية فيرتبط بالدرجة التي يكون فيها الحمض الأميني منحلاً أو غير منحلاً في الماء أي حسب حبه للماء Hydrophobicity ، فالحموض الأمينية المحبة للماء hydrophilic تنحل في الماء ، بينما الحموض الأمينية الكاره للماء hydrophobic غير منحلة بالماء وتنحل في الشحوم أو الزيوت مثل تلك التي تشكل أغشية الخلايا. يمكن وضع الحموض الأمينية ضمن طيف من درجة محبة الماء وهذا الطيف له علاقة مباشرة بالحرف الثاني للكود ، فمثلاً 5 من بين 6 من الحموض الأمينية الأكثر كرهاً للماء لها الرمز T في وسط  الثلاثية ، بينما الحموض الأكثر محبةً للماء لها الحرف الوسطي A ، والحموض الوسطية لها الحرفين G أو C. وهكذا نرى ارتباط قوي بين الحرفين الأول والثاني للكود والحمض الأميني المكود حسب الطريقة السابقة.
الحرف الثالث في الكود فيه الكثير من flexibility ويوجد دور للصدفة وهو قد يكون قد أصبح موقع الانتقاء الطبيعي لتحسين و أمثلة الكود وهو رأي Hurst و Freeland في آخر التسعينات ، فقد قام العالمان السابقان بمقارنة الكود الوراثي مع ملايين الكودات العشوائية المولدة بالكمبيوتر وحسبا الضرر الناجم عن الطفرات النقطية في كل كود وهي الطفرات التي يتحول فيها حرف إلى حرف آخر ، وتبين لهم أن الكود الوراثي الحقيقي هو الكود الأكثر مقاومةً للتأثيرات الضارة للطفرات النقطية وذلك بالاحتفاظ على نفس الحمض الأميني أو استبداله بحمض له خصائص فيزيائية متشابهة. وظهر للعالمين أن الكود الوراثي هو افضل من مليون كود آخر عشوائي وهو يقاوم التغيرات ويقلل من العواقب الكارثية لأي تغير وهو بالتالي يسرع التطور ويقلل من تواتر الطفرات الضارة. اقترح العالمان أن عملية الأمثلة للكود سببها الانتقاء الطبيعي ، وهو يعني ان الكود الوراثي قد تطور إلى شكله الحالي. وقد لوحظت اختلافات ضئيلة في الكود العام عند الجراثيم والميتوكوندريا وهي تظهر أن الكود قد تطور وعلى الأقل في ظروف مميزة.
لكن كيف يمكن أن يتطور الكود دون أي يسبب تعطيل كامل والجواب هو أنه تطور بصورة مباشرة ‘ فإذا كان الحمض الأميني يكود بأربعة أو حتى ستة كودات مختلفة ، فبغضها سيكون أكثر استعمالاً من آخرى ، ولذلك فالكودات الأقل استعمالاً يمكن أن تخصص لحمض أميني آخر قريب فيزيائياً من الأصلي وبهذه الطريقة يتطور الكود.

عالم RNA - دور RNA كمحفز
وهكذا ففي هذه الحالة نحن نتكلم عن عملية فيزيائية في البداية ترتبط بطريقة صنع الحموض الأمينية و درجة انحلالها ويتلوها توسع الكود وأمثلته والسؤال هو عن نوع العمليات الفيزيائية التي بدأ فيها الانتقاء. الجواب غير معروف وهنا نعود من جديد لمشكلة البيضة والدجاجة بين كلاً من DNA والبروتين ، فالمشكلة أن DNA هامد ويحتاج بروتينات نوعية حتى لمضاعفة نفسه ، ولكن البروتينات النوعية لا توجد بالصدفة وإنما تتشكل نتيجة عملية انتقاء طبيعي ولكي يحدث هذا يجب ان تكون بنيتها متغيرة و مورثة. لا تعمل البروتينات بشكل قالب وراثي فهي تكود فقط من DNA ولا يمكن أن تتطور دونه ، كما أن DNA لا يمكن أن يتطور بدونها.
في منتصف الثمانينات ظهر تطور جديد ساهم في حل هذه الإشكالية ، فقد كشفنا أن RNA يعمل كمحفز ، فالـ RNA لا يشكل لولباً مزدوجاً ولكنه يشكل جزئيات صغيرة يمكن أن تكون محفزة ، وهذا ما يكسر الحلقة السابقة بين DNA والبروتين. ففي ما يسمى عالم RNA (RNA World) فإن هذا الجزيء يقوم بعمل كلاً من البروتين والـ DNA ، محفزاً صنع نسخ منه مع خيار في تحفيز تفاعلات آخرى.
وهكذا فإن الكود قد يكون قد تطور من التفاعلات بين RNA والبروتينات دون الحاجة لـ DNA ، هذا من ناحية آخرى يتطابق مع طريقة عمل الخلايا الحديثة ففيها لا يوجد اتصال مباشر بين DNA والحموض الأمينية خلال صنع البروتينات الذي يتم بالتفاعل بين RNA والحموض الامينية ، وخلال صنع البروتينات فإن كثير من التفاعلات الأساسية يتم تحفيزها بـ RNA enzymes المسماة Ribozymes.
وهكذا تحولت السؤال من كيفية تكويد DNA للبروتينات إلى السؤال عن أنماط التفاعلات الكيميائية التي حدثت بين RNA والحموض الأمينية وهو سؤال ما زال ينتظر الإجابة.
إذا كانت جزئية RNA الكبيرة قادرة على التحفيز للتفاعلات ، فمن المؤكد أن الصغيرة (الأحرف المفردة أو أزواج الأحرف) يمكن أن تحفز تفاعلات ولكن بدرجة أقل. وقد اقترح ذلك دراسة Morowitz حيث اقترح أن زوجاً من النيكليوتيدات dinucleotides قادر على العمل كمحفز ، كما أنه قادر على الارتباط مع أحد سوابق الحموض الامينية محولاً إياه إلى حمض أميني ، نمط الحمض الأميني المتشكل يعتمد على زوج الأحرف في dinucleotides والموقع الأول يحدد المركب السابق للحمض الأميني والموقع الثاني يحدد نمط التحول ـ مثلاً dinucleotides  المؤلف من الحرفان UU يرتبط بالبيروفات (أحد سوابق الحموض الأمينية) وتحوله لحمض أميني كاره للماء بشدة هو Leucine وقد دعم Morowitz هذه الفكرة البسيطة بآلية تفاعل ذكية ولكنها ما زالت تحتاج إلى بعض الأدلة المخبرية للتأكد من صحتها.
من هذه النقطة نحتاج فقط خطوتين للوصول للكود الثلاثي ، ففي المرحلة الأولى ترتبط جزئية RNA بـ dinucleotides عبر رابط عادي بين الأسس الأزوتية والنتيجة هي RNA مرتبط بحمض أميني يعتمد نوعه على أحرف dinucleotides وهذا في الحقيقة هو نمط أولي من الكود ، في المرحلة التالية فإن الكود الثنائي يجب ان يتحول إلى كود ثلاثي ويعتمد فقط على ترابط الأسس الأزوتية بين RNA ، وقد يكون الارتباط الثلاثي أفضل بسبب تحديدات المكان spacing أو بسبب قوة الرابط مما يسهل التحول للكود الثلاثي الذي يكون فيه الحرفان الأوليان مقيدان بطريقة الصنع ونوع التفاعل بينما يمكن للحرف الثالث أن يتغير ليحقق أمثلية الكود لاحقاً. في هذا النموذج لا يلزم أي جهاز قارئ لـ RNA ولا يلزم وجود بروتينات آخرى ، وفقط حموض أمينية تتفاعل مع RNA ولكن كل أسس الكود أصبحت موجودة ، ويمكن إضافة حموض أمينية آخرى بأخذ كودات فارغة من الكود الثلاثي.
هكذا يبدو المشهد رائعاً ، وهو يسلط الضوء على منشأ الكود من التفاعلات الكيميائية البسيطة ، ويوجه لدراسة طريقة التحول من الألفة الكيميائية بين المركبات إلى اختيار البروتينات وطريقة التحول من RNA إلى DNA وهو ما بدأنا بمعرفته حديثاً في قصة تتوافق مع فكرة منشأ الحياة من الفوهات الدافئة.

مصدر RNA – من الفوهات القلوية الدافئة
السؤال المهم هنا هو عن مصدر RNA ، و رغم عقدين من البحث في عالم RNA ، فإن هذا السؤال بقي معلقاً ، بالنسبة للباحثين في عالم  RNA فإن مصدره كان غير مهماً واهتم الكثير  بالإمكانيات المتواجدة في هذا العالم دون السؤال عن مصدر RNA ، ظهرت العديد من النظريات عن منشـأ RNA مثل  الفضاء الخارجي من السيانيد ، وبتأثير البرق على الميتان والأمونيا أو بتأثير البراكين ، ولكن كل هذه النظريات تعاني من مشكلة التركيز ، فمن الصعب صنع حروف RNA الأولية (النكليوتيدات) ولكن بمجرد صنعها فهي ترتبط سويةً في جزئيات RNA طويلة عفوياً إذا وجدت النكليوتيدات بتركيز عالي ، ولكن في حالات التركيز المنخفض يحدث العكس ويتفكك RNA إلى النكليوتيدات المشكله له ، والمشكلة هي أنه ومع كل تضاعف RNA فإنه يستهلك النكليوتيدات ما لم يوجد مصدر دائم يعمل بشكل أسرع من سرعة استهلاكها وإلا فإن عالم RNA سيتوقف ، وقد بدأت بعض الأجوبة بالظهور حديثاً ، فقد تبين أن RNA ينمو في الفوهات – أو على الأقل في محاكيات الفوهات – وفي بحث نشر عام 2007 من قبل Russell و Dieter أظهرت أن النكليوتيدات ستتراكم بكميات كبيرة في الفوهات القلوية الدافئة وسبب ذلك هو وجود تدرجات حرارية قوية ، فالفوهات كما نعلم مستمرة بشبكة من الأقنية والفتحات الدافئة والتدرجات الحرارية ضمنها على نمطين تيارات الحمل الحراري (حركة المادة الدافئة إلى الأعلى) وتيارات انتشار diffuse الحرارة المباشر ، ولذلك فإن الفوهات السفلية تمتلئ بالعديد من الجزئيات الصغيرة ومنها النكليوتيدات وفي محاكيات الفوهات فإن تركيز النكليوتيدات وصل إلى الآلاف وحتى ملايين التركيز الأولي ، وبهذه التراكيز العالية فإن النكليوتيدات سترتبط بسهولة لتشكل سلاسل RNA أو DNA وهذه الظروف شكلت نقطة البداية للتطور الجزيئي للحياة. هناك دور آخر للفوهات فضمنها تزداد تراكيز جزئيات RNA و DNA الطويلة بسرعة كبيرة ، ومثلاً الـ DNA المشكل من 100 نكليوتيد يصل لمستويات عالية جداً تصل حتى مليون مليار تركيزه الأولي ، وهذه التراكيز العالية تسمح بجميع أنواع التفاعلات السابقة مثل ارتباط جزئيات RNA ببعضها وهكذا.
إن تموجات درجات الحرارة تشجع عملية صنع RNA وتضاعفه بسرعة كبيرة وبطريقة مشابهة لما يحدث مخبرياً في طريقة PCR ‘ حيث أن درجات الحرارة العالية تكشف DNA وتسمح له بالتحول إلى قالب يمكن أن ترتبط به النيكليوتيدات المناسبة ، أما في درجات الحرارة المنخفضة فينكاثف مما يسمح للسلسلة المقابلة أن تتبلمر ، ولذلك تحدث زيادة اسية في عدد الجزئيات ، وهكذا تسمح التدرجات الحرارية لـ نكليوتيد مفرد أن يتركز لمستويات عالية في الفوهات ونفس التدرج سيسمح بتركيز عالي لـ RNAs مما يسمح بالتفاعلات بين RNAs ، كما أن التبدل الدوري للحرارة سينشط تضاعف RNA وهو وسط مثالي لعالم RNA

تطور RNA - وحش سبيكلمان
السؤال التالي هو طريقة التحول من عالم RNAs المتضاعفة المتنافسة مع بعضها إلى الشكل المعقد الذي يكون فيها RNA مكوداً للبروتينات. الجواب يوجد أيضاً في عالم الفوهات. في دراسة Spiegelman  وضع RNA في انبوب اختبار مع المواد الضرورية والطاقة بشكل ATP فقد تضاعف RNA وتطور مع التضاعف ، ومع تطور RNA فإن أصبح أكفئ وأكثر سرعةً في التضاعف الذاتي بحيث يصبح فعالاً بدرجة عالية للغاية ، وفي النهاية ظهر ما يسمى وحش سبيكلمان Spiegelman monster وهو شريط RNA ذو تضاعف سريع للغاية قادر فقط على الوجود الصناعي. النقطة المدهشة هي أنه ومهما كان RNA الأولي فإن النتيجة هي هذا الوحش سريع التكاثر للغاية ، فيمكن البدء من RNA فيروسي أو سلسلة صنعية او حتى سلسلة عشوائية (مصنوعة من مزيج من النكليوتيد المتبلمرة بشكل عشوائي) وفي كل هذه الحالات سيكون نهاية التضاعف والتطور هو هذا الوحش وهو بطول 50 نكليوتيد تقريباً وله تسلسل انزيم replicase والذي لا يمكن لشريط RNA أن يتكاثر دونه. المشكلة هنا هي ان وحش سبيكلمان - الفعال جداً تكاثرياً - لن يزداد تعقيداً ولن يتحول إلى تكويد البروتينات على حساب سرعة تكاثره الخاصة. هذه حلقة جديدة من نمط البيضة والدجاجة والطريق الوحيد للخروج من هذه الحلقة هو حدوث انتقاء على مستوى أعلى يصبح ضمنه RNAs قد أصبحت جزءاً من وحدة أكبر ، وهذه الوحدة أصبحت وحدة الانتقاء والجواب واضح و معروف وهو الخلية. المشكلة أن أي خلية حية هي معقدة بدرجة كبيرة جداً ولا يمكن أن تتشكل دون عمل تطوري طويل ، أي يجب وجود انتقاء للصفات التي تشكل الخلية ، وهذه مشكلة بيضة و دجاجة آخرى. طريقة الخروج من هذه المشكلة تكمن في عالم الفوهات القلوية الدافئة فالخلايا هي هذه الخلايا المعدنية ضمن الصخر المسمامي التي تكلمنا عنها في دراسة ظهور الحياة. هذه الخلايا هي بحجم الخلايا الحية وتتشكل دوماً بأعداد هائلة في عالم الفوهات ، وإذا كانت محتويات الخلية مناسبة من حيث القدرة على تجديد المواد الأولية اللازمة لتضاعف نفسها فإن مكونات هذه الخلية تنتقل إلى الخلايا الصخرية المجاورة ، بينما تكون RNAs المتكاثرة بشدة في وضع خاسر مع عدم قدرتها على تأمين المواد الأولية اللازمة لاستمرار تكاثرها ، أي أنه في عالم الفوهات فإن الاختيار يتحول تدريجياً من الاختيار للسرعة التضاعفية العالية لـ RNA إلى الكفاءة العالية لاستقلاب الخلايا ، والبروتين بالطبع هي أسياد عملية الاستقلاب وفي النهاية ستحتل موقع RNA بدعم الاستقلاب بسبب فعاليتها الأعلى بكثير لذلك ، في البداية لم تظهر البروتينات مباشرةً وكان تحفيز الاستقلاب يتم عن طريق المعادن و جزئيات RNA والحموض الأمينية و المعقدات الجزيئية المتشكلة من تفاعل RNA والحموض الأمينية وغيرها ، وهذه المواد كانت مسئولة عن دعم عمليات الاستقلاب الأولي. أهم نقطة في هذا النقاش أن ما بدأ على أساس أنه ألفة كيمائية بسيطة تحول في عالم الخلايا الطبيعية المتكاثرة هو انتقاء حسب القدرة على انتاج كل مواد الخلية ، أي تحول الانتقاء إلى اختيار القدرة على الاكتفاء الذاتي وفي النهاية القدرة على الوجود المستقل autonomous ، وفي القدرة على الوجود المستقل للخلايا سنكتشف المفتاح الأخير في تطور DNA

ظهور الخلايا على الأرض
هناك تقسيم كبير بين أنواع الجراثيم على الأرض ، فهناك ما يسمى بالجراثيم الحقيقية eubacetria ومجموعة الجراثيم البدائية Archaeabacteria أو باختصار البدائيات archaea. هذان النمطان متشابهان بالشكل و وفي وقت الظهور على الأرض رغم تسمية المجموعة الثانية بالمجموعة البدائية ، وتشير كل الدلائل إلى النمطان خرجا من عالم الفوهات القلوية. يتشارك  هذان النمطان في الكود الوراثي وكثير من آليات صنع البروتينات و في وجود DNA ، ولكن من الواضح أن كلا المجموعتين تعلما لاحقاً عملية تضاعف DNA وبشكل مستقل ، وهكذا يبدو أن الكود الوراثي و الـ DNA تطور مرة واحدة ، ولكن عملية تضاعف DNA - وهي أساس الوراثة - وبناء الغشاء الخلوي تطور مرتين. هذا هو رأي Koonin فقد درس بعناية عملية صنع DNA في الجراثيم والبدائيات وذلك بمقارنة تسلسلات DNA بين النمطان ، وقد لاحظا أن النمطان يتشاركان في آلية صنع البروتين ومنها الطريقة التي يتم فيها قراءة DNA إلى RNA وطريقة تحول RNA إلى بروتين ، وكلا النمطان يستخدمان انزيمات يبدو بشكل واضح - من دراسة سلسلة الكود لها – أنها موروثة من سلف واحد مشترك ، ولكن حيت دراسة التسلسلات المسئولة عن الإنزيمات التي تتدخل في تضاعف DNA وكل هذه الإنزيمات ليس لها أي شيء مشترك تقريباً ، وحسب رأي Koonin فإن هذا يعني ان عملية تضاعف DNA ظهرت مرتين مرة في الجراثيم وآخرى عند البدائيات. حسب رأي Martin (شارك Russell في نظرية الفوهات القلوية كمنشأ للحياة) فإن السلف العام المشترك للحياة (بما فيها الجراثيم والبدائيات) هو ليس خلية حرة ولكنه كان نمطاً من المتضاعفات الموجودة في الخلايا المعدنية الصخرية ، وقد درس  Martinو Russell الصفات المتشابهة والمختلفة للجراثيم والأوليات ، و لاحظا بشكل أساسي وجود فارق كبير آخر (عدا آلية تضاعف DNA) و في بنية الغشاء والجدار الخلويان ، وهذا كان دليل إضافي على أن المجموعتان خرجتا بشكل مستقل من عالم الخلايا المعدنية الصخرية ورغم ثورية الإدعاء فقد توافق بشكل جيد مع الكثير من المعطيات.

دورة حياة الخلية الأولية الصخرية المعدنية – ظهور الحياة الأولى بشكل فيروس Retroviruses
في دراسة Martin و Koonin عام 2005 اقترحا أن دورة الحياة للخلايا المعدنية الصخرية تشبه دورة الحياة لـ Retroviruses الحديثة مثل الفيروس المسبب للإيدز HIV ، هذه الفيروسات لها جينوم صغير مكود بـ RNA وليس DNA ، وحين تغزو خلية فهي تغرس جينومها ضمن DNA عبر إنزيم Reverse transcriptase والـ DNA المتشكل يندمج مع جينوم الخلية ، وتتم قراءته كالعادة مشكلاً عدة نسخ من نفسه ، وهكذا يشكل نسخ من نفسه فهو يعمل من DNA ولكن حين يتم حزم الفيروس للجيل التالي (إصابة خلية جديدة) فهو يعتمد على RNA لنقل المعلومات الوارثية. هذا الفيروس يفتقد في جينومه المعلومات اللازمة لتضاعف DNA وهذا مفيد للفيروس لكون هذا الكود ضخماً بسبب الحاجة للعديد من الإنزيمات.
هناك محاسن و مساوئ في دورة الحياة السابقة ، أفضل المحاسن هي السرعة في التضاعف فبسبب استعمال الآلية الخلوية لتحويل DNA إلى RNA وآلية ترجمة RNA إلى البروتين يتخلص الفيروس من الكثير من المورثات اللازمة لهذا العمل. من أهم المساوئ هو بالطبع عدم القدرة على الحياة المستقلة والمشكلة الثانية هي في كون RNA هو سيئ في تخزين المعلومات بالمقارنة مع DNA ، وهو أقل ثباتاً كيميائياً وهو أكثر تفاعليةً وهو سبب تحفيزه للتفاعلات الكيميائية ، وهو يعني أن جينومات RNA الكبيرة غير ثابتة و تتخرب بسهولة وهذا يضع حجماً محدوداً لحجم الجينوم المعتمد على RNA وهو أقل بكثير من الحجم اللازم للحياة المستقلة ، بمعنى آخر إن Retrovirus هو البنية الأكثر تعقيداً التي يمكن لجينوم معتمد على RNA أن يدعمها.
في الخلايا المعدنية الصخرية ضمن الفوهات هناك حسنتان إضافيتان تدعمان نمو RNA ، الميزة الأولى هي توفر الكثير من المكونات اللازمة للحياة المستقلة بشكل مجاني في الفوهات ، فهي تزود بغشاء محدد وبالطاقة اللازمة وغيرها ، وهو قد يعني أن جزئيات RNA المتضاعفة ذاتياً في الفوهات هي فيروسية ، والميزة الثانية هي ان حشود RNAs تختلط ببعضها عبر الخلايا المتجاورة بحيث يمكن للمجموعات التي تتعاون ان يتم اختيارها سويةً إذا كانت تنتشر لتغزو خلايا صخرية جديدة ، وكان تصور العالمين وجود مجتمعات من RNAs المتعاونة تظهر ضمن الخلايا المعدنية ، وكل RNA يكود جزء مهم من المورثات المرتبطة. بالطبع ضمن هذا الوسط فإن مجتمعات RNAs تكون معرضة للمزج والاختلاط لتشكيل تراكيب مختلفة بعضها سيء وبعضها جيد ، والخلية التي تستطيع جمع جينوماتها سويةً عبر تحويل جزئيات RNAs المتعاونة إلى جزيء DNA  ستملك الكثير من المحاسن وستتكاثر بطريقة مشابهة لـ Retrovirus وتكون أول أشكال الحياة. ستتكاثر هذه الخلايا مثل Retrovirus فالـ DNA  سوف ينسخ إلى مجموعة من RNAs التي تصيب وتعدي الخلايا المجاورة لتحول المعلومات ثانيةً إلى بنك الـ DNA ، وكل مجموعة جديدة من RNAs سوف تتشكل من DNA وتكون بالتالي أقل عرضةً للأخطاء.
في هذه الحالة يبقى السؤال عن كيفية صنع DNA في الخلايا المعدنية ، ومن المؤكد حدوث ذلك قبل تطور الجهاز الكامل اللازم لتضاعف DNA. هناك اختلافان كيميائيان بسيطان بين DNA والـ RNA ، الفارق الأول هو إزالة أكسجين واحدة من RNA لتحويل Ribonucleic acid إلى Deoxy ribonucleic acid وحتى الآن فإن هذه العملية تتم عبر آلية من مواد فعالة من الجذور الحرة التي تتوافر بكميات كبيرة في الفوهات ، الاختلاف الثاني هو بإضافة زمرة ميتلية CH3- إلى الأساس الأزوتي يوراسيل لتشكيل Thymine و زمرة المتيل هي جذور حرة متفاعلة تتشكل من غاز الميتان الذي يتوفر بكميات هائلة في الفوهات وهكذا فإن صنع DNA لم يشكل مشكلة وهو سيتشكل عفوياً في الفوهات. هناك مشكلة أخرى هي كيفية الحفاظ على الرسالة المكودة او كيفية تحويل RNA إلى DNA ولكن هذه ليست مشكلة عويصة وهذا التحويل يتطلب وجود انزيم واحد فقط هو Reverse transcriptase وهو المستعمل حالياً في فيروسات Retrovirus. وهكذا يلعب هذا الإنزيم دوراً مهماً في التطور حيث يشذ عن الآلية العادية بأن الـ DNA يصنع RNA الذي يصنع البروتين ، وهذا الإنزيم قد يكون له دور في بدء الحياة المستقلة.

خاتمة
ما تزال هناك الكثير من الأسئلة وكثير من المشاكل الصغيرة التي تجاوزنها في هذه المقالة ، ولكن الدلائل بصورة عامة هي حاسمة. ومازال هناك حسب رأي البعض شك في فرضية أن الحياة الخلوية قد ظهرت مرتين بشكل مستقل في فوهات المحيط. كما لا نعرف بعد هل انتقلت حشود RNAs من فوهة إلى آخرى جاعلةً الانتقاء على مستوى الكرة الأرضية ، أو احتمال وجود فوهات ذات صفات خاصة في ذاك الزمن الأولي والتي جعلت من الممكن نشوء الجراثيم والبدائيات منها. قد لا نعرف الجواب ولكنه من المؤكد أنه يقع في التداخل بين الصدفة والضرورة التي شكلت الحياة على كوكبنا.



مصادر ومقالات مشابهة:
هل اتت الخلية الاولى من المريخ؟
هل جاءت بذرة الحياة من الفضاء الخارجي؟
هل نشأت الحياة في اعماق البحار؟
هل جاءت الحياة من الفضاء الكوني؟
معضلة نشأت الخلية الاولى
كيف نشأت الحياة
هكذا نشأت الحياة