علم البيلوجيا
 
 
2013/08/06

من ينظم حركة اسراب الطيور والنمل والاسماك؟


من ينظم حركة النمل؟
الاف من الطيور تطير في سرب منظم يغير اتجاهه فجأة ويتحرك وكأنه جسم واحد، هذا السلوك نجده لدى انواع مختلفة من الكائنات الحية، مثل السمك والنمل وحمار الوحش، فمن ينظم هذه الحركات؟
تعيش افراد متفرقة من الجراد بهدوء ولكن عندما يصبح عددها كبير نجد أنهم فجأة يتحركون، وكأنهم جيش واحد، ويجتاحون بلدان بكاملها، بدون ان احد قد اتخذ قرار بذلك. لا احد يقرر ومع ذلك يتخذ القطيع قرارا واحدا في لحظة واحدة. كيف يحدث ذلك؟

لااحد على التعيين يتخذ القرار وانما " عقل السرب" هو الذي يقرر اين النحل سيبني عشه والى اين سيذهب جيش النمل. في الواقع ان قواعد غاية في البساطة تؤدي الى سلوك معقد، من التعقيد بحيث يتشابه مع تعقيد عقل الانسان.

النمل يظهر فعال الى درجة مخيفة. انهم يبنون اعشاشهم ويرعون بيوضهم ويرقاتهم وقطعانهم من المن (Aphidoidea). بعضهم يقومون بحراسة السكن في حين ان البعض الاخر يذهب في غارة للنهب والسبي او جلب الطعام. الجميع يعرف مكانه ويعلم ان الاولوية لمصلحة الجماعة.

والسؤال الان: من الذي ينظم هذه العمليات؟
فقط لو نظرنا الى جيش النمل الذاهب والغادي بدون ان تحصل اصطدامات او احتكاكات. في ذات الوقت نجد ان النملة الوحيدة تبدو وكأنها مضطربة وغير منظمة. نراها كيف تسير بطريقة مشوشة بدون ان تعلم ماذا يتوجب عليها فعله في الخطوة التالية. بدون بقية النمل تبدو النملة الوحيدة فاقدة للهدف. من ذلك يبدو ان هناك قوة محركة ومنظمة موجودة في كبر العدد نفسه بحيث يجعل النمل قادر على ان يحيا حياته النملية ويقوم بأفعال لها معنى.

مثلا النمل المقاتل في امريكا الجنوبية يستطيع تكوين وارسال جيش تعداده يزيد عن المليون نملة. انهم يقتلون ويحملون الى بيتهم كل شئ يمكن أكله كما أنهم قادرين على بناء الجسور من اجسامهم ليتمكن بقية افراد الجيش من عبور الفجوات والحفر. كل ذلك بدون ان اي من النمل يعلم كيف يجري الامر. الشئ الوحيد المطلوب عمله ان على جميع النمل اتباع قواعد بسيطة نسبيا، وان عددهم كبير بما يكفي.

قواعد المرور عند النمل

نعلم بمايكفي كيفية اتخاذ النمل قرارهم في اختيار طريق محدد. كل نملة تترك خلفها اثار من الفيرمون، وهو مركب عطري، يخبر كل نملة أن من هنا مر احد ما. كل نملة تتجول في الجوار بحثا عن الطعام. إذا عثرت على شئ يؤكل في مكان ما فسيأتي على اثارها المزيد من النمل بعد قليل.
غير ان الرائحة العطرية تتبخر بسرعة. ذلك يعني ان من الضروري وجود عدد معين من النمل في وحدة زمنية محددة يتبع هذا الطريق تحديدا لبقاء الرائحة الدالة ثابتة. وكلما زاد عدد الذين يتبعون هذا الطريق كلما اصبحت الرائحة أقوى بالنسبة للنمل الشديدي الحساسية. ذلك يعني ان العملية تحافظ وتقوي ذاتها بذاتها. غير انه يتطلب وجود حد أدنى من النمل لخلق طريق دال الى مخزن الطعام. إذا كان عدد النمل لايكفي فأن الاستراتيجة الوحيدة الممكنة هي البحث العشوائي ذو الكفائة الاقل.

الباحث البريطاني آين كوزين Iain Couzin احد الخبراء الذين تمكنوا من فك الشفرة التي تحكم المسيرة المنظمة بكفائة عالية لجيش النمل. لقد قام بتصوير النمل خلال غزواتهم ومن ثم قام بتقسيم المجموعة الى اقسام ثم بتحليل حركة قسم بعد قسم. الاكتشافات التي توصل اليها قام بتلقيمها في موديل كمبيوتري لرؤية مدى التطابق مع الواقع وللاجابة على سؤال لماذا لايسير النمل في فوضى عارمة.

لقد ظهر انه عندما تلتقي نملتان وجها لوجه على مدى الطريق المعطر يخففان من سرعتهما ويتنحيان الى جانب. غير انهم لايبتعدان كثيرا عن الطريق، حتى لايضيع الاثر، كما انهما لايخففان سرعتهما كثيرا، حتى لايعطلوا السير خلفهما. كما ان كوزين لاحظ ان ان النمل العائد الى البيت يتنحى أخف كثيرا من النمل الخارج.

وضع كوزين القيم المستحصل عليها من كل نملة على حدى ، في الموديل الكمبيوتري بحيث ان االقطيع بكامله سيتحرك بأكبر قدر مستطاع. بالنتيجة ظهرت نتائج تتطابق مع الواقع.

قواعد بسيطة تخلق سلوك معقد

سلوك النمل تحسن عبر ملايين السنوات من التطور ليصل الى الدقة الرياضية. كل فرد يملك احتمالات قليلة يختار من بينها. عندما يقوم عشرات الالاف بالفعل نفسه في نفس الوقت تحصل نتيجة اكبر من القيمة التي يقدمها الفرد الواحد.

الطيران المنسق لسرب الطيور
سلوكية السرب نراها عند الاسماك والطيور بوضوح أكبر. ان يتكون سرب الاسمالك من عشرات الاف الافراد امر عادي، كما اننا نرى سرب الطيور من الكبر بحيث يشبه السحابة السوداء. الذين رؤوا سرب الاسماك او الطيور خلال هجوم كائن مفترس سيفهم الى بأي سرعة يتحركون في نظام مدهش، ومن الصعب فهم كيف يحدث ذلك بدون اي اصطدام.
في الواقع ان هذه الاسماك والطيور يتبعون القاعدة البسيطة نفسها التي يتبعها النمل. عندما يقوم كل فرد بأتخاذ قرار على اساس القاعدة البسيطة نفسها ينشأ هنا " ذكاء السرب". السرب يملك الاف الاعين وبذلك يتمكنوا بسهولة من اكتشاف العدو. وكل فرد يهرب يسحب معه جاره الاقرب بطريقة منظمة. عندما يقوم صقر بمهاجمة احد طيور السرب سيكون من الصعب عليه تحديد واحد فقط وسيجد امامه سحابة من الطيور الهاربة. نفس السلوك نجده في قطيع حمار الوحش عندما يهاجمهم حيوان مفترس.

المبدأ المتبوع غاية في البساطة بحيث انه من السهولة تحويلها الى كود كمبيوتري: ابقى مع الجماعة، لاتصطدم مع جارك واتبع نفس الاتجاه الذي يتبعه اقرب الجيران اليك. من خلال تجريب القيم الممكنة لمقدار المسافة الممكنة للاقتراب من الجار بدون لمسه وسرعة ردة الفعل ومقدار الجيران الممكن رؤيتهم في وقت واحد، يمكن دراسة سلوكية السرب وتفاصيلها.

تأثير حجم السرب

احدى أهم الاكتشافات ان هذه المبادئ الاولية البسيطة تتحكم بالسلوك بنسب قوة مختلفة بالعلاقة مع مقدار عدد الافراد المتوفرة. مثلا، الاسماك في مجموعة صغيرة، تسبح بشكل عشوائي في اطار حدود السرب. عندما يصل عددهم، صعودا، الى حدود حرجة يبدؤون بالتحرك مع بعض على شكل حلقة. عندما يصبحون اكثر ، فجأة يتحولون الى السباحة للامام في اتجاه واحد.
آين كوزين المتخصص في ديناميك حركة السرب حاول ايضا العثور على الالية التي تقف خلف هجرة أسراب الجراد الافريقي.
عندما يكون هناك جرادة واحدة وحيدة نجدها تتنقل بين الاعشاب في هدوء. ولكن عندما يصبح العدد كبير بما فيه الكفاية يبدؤا بتشكيل اسراب تتحركة حركة عشوائية. ولكن عندما يصبح عددهم كبير للغاية تصبح الرغبة في تنظيم اتجاه الحركة أقوى وأقوى. عندها يظهر لنا جيش من الجراد يجتاح الاراضي بجبهة عريضة بحثا عن الطعام.
تفسير هذه الظاهرة يشابه تفسير حركة اسراب الاسماك، اي ان الجماعة تتأثر من ضخامة العدد. السعي لتنظيم الحركة مع الجار تزداد كلما ازداد عدد الجيران. لازال مجهولا الاسباب المباشرة التي تدفع نحو هذا التنظيم، والبعض يعتقد ان ازدياد اصطدام الافراد ببعضها هو الذي يخلق ردة الفعل. غير ان المؤكد، هنا ايضا، ان قواعد بسيطة تقف خلف ظاهرة " ذكاء السرب". لااحد من الجراد لديه رؤية عامة كما لايتخذ قرار جماعي، ولكن النتائج تثير الاعجاب.
كوزين قام بأجراء تجارب على الانسان في مجموعات، حيث كل فرد على حدى يحصل على تعليمات تخصه وحده/ مثلا " ابقى مع الجماعة" بدون ان يعلموا ماعلى البقية ان تفعل. بنتيجة التجربة نرى ان الجماعة اصبحت تتحرك حركة دائرية، تماما مثل سرب الاسماك عندما وصلت اعدادهم الى حد حرج معين.

سلوك السرب في رأسك

يمكن النظر الى ظاهرة "سلوك السرب" كطريقة طبيعية سريعة لاتخاذ قرار بدون الحاجة الى جهاز عصبي معقد عند الافراد.
الانسان يملك دماغ كبير ومعقد يسمح لنا امتلاك رؤية شاملة واتخاذ القرار بأنفسنا في اغلب المسائل. ولكن ذلك يجعلنا ليس فقط قادرين على تحديث قرارتنا ويفتح امامنا مختلف الاحتمالات، ولكن ايضا نصبح بطيئين احيانا.
حركة القطيع نجد مثيل لها لدى الانسان
غير ان الدماغ الذي نملكه يمكن ان يكون قد تطور انطلاقا من المبادئ نفسها التي يقوم عليها ذكاء السرب. ان الخلية العصبية الواحدة لاتملك ذكاء لوحدها وانما تعمل على اساس ذات المبادئ التي يعمل عليها النمل الذين ينحرفون قليلا او كثيرا عن الطريق عند الالتقاء. وليس بينهم من له قيمة اكبر من الاخر. ولكن عندما يصبح عددهم مليار يصبح، فجأة، لكل واحد منهم وظيفة هامة في الصورة الكلية التي تقدم قيمة اكبر من المجموع الرياضي لمجموع كل واحد منهم على حدى. عدا عن ذلك نرى اثار ديناميكة القطيع لدى المجموعات الانسانية ايضا (راجع ديناميكية القطيع لدى الانسان)

مصادر ومقالات مشابهة:
 
السلوك الجماعي للقطيع
كائنات في قطعان واسراب
ديناميكية القطيع لدى الانسان
غرائب النمل