علم البيلوجيا
 
 
2013/08/06

تاريخ تطور القمل يدعم صحة تاريخ تطور الانسان


قملة الشعر
قملة الشعر عند الانسان
الانسان مُسخر للقمل وليس العكس. على الاقل ذلك ماينبئنا به التاريخ التطوري للقمل الذي يمتد الى ماقبل ظهور الانسان بكثير. وبفضل الانسان تحديدا ظهرت انواع جديدة من القمل تعيش فقط على الانسان ورافقته منذ ظهوره حتى الان بحيث لم ينجى منها حتى الانبياء*. هذا الامر يجعل الحشرة مناسبة لفهم الكثير، بدءً من تاريخ استعمار الانسان للارض وحتى طرق انتشار الطاعون.

في ثلاثينات القرن الماضي قام الباحث الامريكي Henry Ellsworth Ewing بتجربة بسيطة. لقد التقط قملة تعيش على السعدان العنكبوتي Spider monkeys (Ateles) في حديقة الحيوان ووضعه على ذراعه. القملة ماتت بعد ساعات. قام بألتقاط قملة من بابيان ليحصل على النتائج نفسها. بهذه التجربة البسيطة برهن يوينغ على ان القمل متخصص على جسم مُضيف من نوع معين بحيث انه غير قادر على البقاء حيا على جسم مُضيف من نوع غريب.

التخصص بين انواع القمل على جسم مَضيف مُحدد تطور عبر ملايين الاجيال. وهذا الارتباط بين القمل ومُضيفه ادى الى اثارة اهتمام الخبراء العاملين في مجال تحديد شجرة التطور وفروعها.
القمل منجم من ذهب من المعلومات التي تبدا من التحدث عن طرق انتشار الاوبئة لتنتهي بأخبارنا عن الوقت الذي بدأ فيه الانسان ارتداء الملابس. وهذه الطفيليات قادرة ايضا على اخبارنا عن الخطوات الاولى في تاريخ تطور الانسان.


عندما تذوق القمل الدم

تاريخ القمل يبدأ قبل 130 مليون سنة. هذا التحديد توصل اليه الباحثون من خلال مقارنة الكود الجيني بين مختلف انواع القمل.
في فترة العصر الجيلوجي كريتا ، قبل حوالي 70 مليون سنة، تطورت وانتشرت الحيوانات الثديية والطيور بصورة واسعة. الفصائل والانواع الجديدة تعني، بالنسبة للقمل، ظهور "حقول جديدة للرعي" لتبدأ بالانتشار والتأقلم.
اليوم توجد 3000 نوع متخصصة على الاف الطيور والحيوانات، ومن بينهم القرود الذين اصبحوا طاولة طعام للقمل قبل حوالي 25 مليون سنة.
بمعنى اخر صاحب القمل الانسان على مدى كل تاريخه التطوري، غير اننا " أكتشفناه" قبل حوالي 350 سنة.
علماء الطبيعيات الاوائل لاحظوا ان قدرات القمل الهائلة على التشبث بالشعر كما لاحظوا ان هذه الطفيلية قادرة على تغيير لونها حسب فيما إذا قد اكلت لتوها ام لا. فيما بعد ظهر ان القمل يملك بيغمنت يجعل بالامكان ان يتأقلم مع الوان شعر وجلدة رأس الشخص الذي يعيشون في ضيافته.


أكتشاف بيوض القمل

Loss_biologisk_livscykel
دورة حياة القمل
مع ظهور التلسكوب اكتشفنا ان دورة حياة القمل تتضمن تلقيح ثم بيوض ثم يرقات لتنضج الى حشرة كاملة الامر الذي ساعد على خلق طرق مكافحة افضل. ومع ذلك نجد ان القمل لازال منتصرا إذ يعيش في جميع المجتعمات في كل انحاء العالم.
نجاحات القمل مرتبطة بقدراتها على التأقلم التي تطورت منذ مئات السنوات. على الاغلب قام الانسان بمحاولات عديدة للتخلص من القمل، وهذه المحاولات، على الاغلب، تعود حتى الى ماقبل تطوره الى انسان، تماما كما نشاهد لدى القرود اليوم، إذ أن قملهم يشبه قملنا، على كل الاحوال من حيث الشكل الخارجي.


حياة القمل تعتمد على وجود الانسان

القمل الاكثر شيوعا نسميه قمل، في حين كان الاولى ان نطلق عليه اسم قمل الرأس. المتخصصون يعلمون اليوم ان قمل الرأس هو اول قمل انتقل الى الانسان. فيما بعد تأقلم مع شعر وقعر الرأس الى درجة انه لم يعد يستطيع ان يعيش بعيدا عن الرأس الا بضعة ساعات.
دافيد ريد David Reed من المتحف الطبيعي احد أكبر الباحثين في مجال القمل. خلال السنوات العشرة الاخيرة نشر مقالات مثيرة على خلفية تحليل الحامض النووي لمجموع 69 نوع من القمل.
من خلال مقارنة مقدار الطفرات التي تجعلهم مختلفين عن بعضهما يستطيع ريد وزملائه اعادة رسم شجرة العائلة لنتمكن من رؤية تاريخ انفصال انواع القمل، الفروع، عن اصلها.
شجرة عائلة القمل تظهر ان قمل الشمبانزي pediculus schaeffi, وقمل الانسان pediculus humanus, انفصلوا عن الشجرة الاصلية قبل ستة ملايين سنة. هذه المعلومة استخدمت لاضافة المزيد من الدقة على صورة تاريخ نشوء الانسان.
سابقا كان الخبراء يشيرون الى ان مؤسس فرع الانسان انفصل عن اصل الشمبانزي قبل حوالي الستة ملايين سنة وجاءت ابحاث ريد لتؤكد الاستنتاجات السابقة. إضافة الى ذلك يعتقد البعض ان الطفيليات من بين ضغوطات الاختيار الطبيعي التي جعلتنا عرايا، إذ أن افتقاد الشعر الذي يغطي الجسم يؤدي بدوره الى افتقاد القمل.
من سخرية القدر ادى ذلك الى حصولنا على انواع اضافية من القمل بالمقارنة مع القرود. العرى ادى الى اجبار القمل على التطور ايضا لنحصل على قمل متخصص بالعرى ( البق) وقمل يعيش في الملابس الى جانب القمل الذي يعيش في شعر الرأس وشعر العانة. استخدام الملابس لاحقا قدم للقمل ملجأ واسعا يسمح له بالاختفاء مما عفاه من الحاجة الى الشعر .


القمل المسطح جاء الينا من الغوريللا

علاقة شجرة تطور القمل بمثيلتها لدى الانسان
شجرة تطور القمل والانسان
قمل الرأس كان عند الانسان منذ البداية في حين ان القمل المفلطح pthirus pubis, أنتقل الينا لاحقا . تحليل junk-DNA أظهر ان القمل المفلطح كان في الاصل متخصص بالغوريللا وانتقل الينا وبدأ بمص دماء الانسان قبل 3,3 مليون سنة. جونك د ن آ هو فقرات من الحامض النووي ليست مرتبطة مباشرة ببروتين منشط. لذلك فالطفرة التي قد تحصل في الجونك د ن آ لاتحمل ضرر مباشر للجسم. بهذا الشكل تصبح الجونك د ن آ نوع من الارشيف حول تاريخ الحمض النووي. وهذه المعلومات التاريخية هي التي وضعت العلماء امام مجموعة مسائل غريبة.
تقول بيلوجيا التطور أنه في الوقت الذي نشأ القمل المسطح المتعايش على الانسان قادما عن اصله المتعايش على الغوريللا، قبل 3,3 مليون سنة، نجد أن ذلك سبق أفتراق الاصل المشترك بين الغوريللا والانسان التي تقدر بفترة أطول بثلاث مرات. بمعنى اخر انفصلت الغوريللا عن الخط الاساسي قبل 12 مليون سنة، بما يعني ان القمل المسطح جاء الى جد الانسان بعد بضعة ملايين من السنين من انفصال خط الغوريللا عن الشجرة الرئيسية.
كيفية حدوث ذلك لازال امرا غامضا. من حيث ان القمل المسطح ينتقل بين الافراد في فترة المعاشرة الجنسية سيكون الجواب الطبيعي ان جد الانسان عاشر الغوريللا جنسيا. غير ان ذلك غير معقول والخبراء ينحون أكثر للقول ان انتقال القمل المسطح الى اصول الانسان يدل على ان الغوريللا كانت جزء من طعام جدود الانسان. في هذه الحال سيعني ذلك ان القمل المسطح هو انتقام الغوريللا من جدود الانسان.


شعر العانة يشبه شعر الغوريللا

من حيث ان القمل متأقلم تخصصا ببيئة مَضيفه، ومن النادر ان يتمكن من العيش في مكان اخر، سيكون من الصعب على القمل القادم من الغوريللا ان يعيش عند الانسان، غير ان جزء من الجواب يوجد في تعدد مناطق الشعر وخصائصه عند الانسان.
القمل المسطح ، حتى اليوم، لايستطيع الحياة على رأس الانسان وانما يتواجد في منطقة العانة، حيث الشعر هناك يتشابه مع شعر الغوريللا منه مع شعر الرأس، والاحتمال الاكبر ان شعر العانة كان متقاربا بشكل أكبر قبل 3,3 مليون سنة مما هي عليه اليوم.
الشعر في منطقة العانة وحواليها كان بيئة مناسبة وسهلة للانتقال اليها، غير أن هذه المنطقة تواجه اهتماما صحيا كبيرا في هذه الايام، من سوء حظ القمل المسطح.
حلق شعر العانة له شعبية كبيرة اليوم بحيث أصبح اكبر مشكلة أمام انتشار القمل المسطح، بما يفسر الاسباب التي جعلت القمل المسطح ينقرض في العديد من المناطق اليوم.


قمل الجسم خطر على الحياة

مع ازدياد فقدان الانسان المبكر للشعر من جسمه، وبالتالي تقلص بيئة القمل القديم، اصبح وضع القمل صعب. ولكن من حسن حظ القمل ان الانسان بدأ بتغطية جسمه العاري بالملابس. ذلك فتح صفحة جديدة لتطور القمل.
بعض افراد من القمل قام بأستعمار المساحة الجديدة المتاحة. القمل لم يكن مهيئ للعيش في الملابس وغالبيتهم مات في المحاولة. القليل الباقي تمكن من تطوير امكانيات جديدة سمحت له بالازدهار لقلة المنافسة وتوفر الطعام والمكان. بذلك ظهر نوع جديد من القمل.
في فترة مبكرة دخل الخبراء في جدل حول فيما إذا كان قمل الجسم هو نوع مختلف عن قمل الرأس. غير ان كل الدلائل تشير الى ان قمل الجسم هو نفسه قمل الرأس، مع بعض التغييرات السلوكية. على المستوى الجيني لايوجد فرق بينهما على الرغم من اختلاف السلوك وطريقة الحياة والحجم. ذلك يعني ان قمل الجسم هو نفسه قمل الرأس تأقلم مع محيطه الجديد. العديد من الدراسات اثبتت ذلك وتحديدا ان قمل الجسم يأتي بعد انتشار قمل الرأس.
ذلك يعني ان قمل الرأس قد طور قدراته بحيث يستطيع الانتقال الى الملابس ، إذا كانت الظروف مناسبة، او من وجهة نظر الانسان: غير مناسبة. غالبا نعثر على قمل الملابس بين السجناء ومخيمات اللاجئين وبقية الاماكن التي تكون فيها الظروف الصحية حرجة. عند تحول قمل الرأس الى قمل الجسم يعني ان الاحوال تسير من سئ الى أسوء، إذ في هذه الحالة يصبح القمل ناقل للعدوى المرضية.
في فترات انتشار وباء الطاعون جرى العثور على بكتريا Yersinia pestis في جسم قمل الملابس. من تجارب على الحيوان يعلم الباحثون ان القمل قادر على نقل وباء الطاعون من الارانب المريضة الى الصحيحة بما يؤدي الى موتهم بعد بضعة ايام. غير انه لازال غير معلوما حجم الدور الذي يلعبه القمل بالمقارنة مع بقية النواقل مثل الجرذان، والتي ايضا تزدهر في الظروف الصحية السيئة ناشرة الاوبئة.


الملابس ساعدتنا على مغادرة افريقيا

عدا الطاعون، على الاغلب، القمل حامل لامراض اخرى مثلا مرض التيفوس , tyfus exanthematicus, تسببها بكتريا Rickettsia prowazekii. لهذا السبب من السهل الاستنتاج ان القمل فقط ضار. غير ان لديه فائدة واحدة، انه مفيد للعلم.
على مدى فترة طويلة ناقش العلماء مسألة الوقت الذي بدأ فيه الانسان في استخدام الملابس، والاقتراحات غاية في الاختلاف. البعض يعتقد ان ذلك حدث قبل 3 مليون سنة في حين ان اللقى الاركيالوجية للأبر البدائية تقول ان البداية كانت قبل 40 الف سنة. القضية مهمة، لكون استخدام الملابس يزيح اللثام عن الفترة التي هاجر فيها اجدادنا من افريقيا.
الان يبدو وكأن الباحثة Melissa Toups قد عثرت على الجواب. عام 2011 قارنت الباحثة اربعة جينات من قمل رأس مع مايقابلها عند قمل الملابس والنتائج تشير الى ان قمل الملابس ظهر قبل 83-170 الف سنة.
ومن حيث ان قمل الملابس يعيش ويتكاثر في الملابس النسيجية يستنتج المرء ان الانسان بدء صنع واستخدام الملابس في هذه الفترة وأن استخدام الملابس بدأت للمرة الاولى عند الانسان الحديث اناطوميا، الذي تطور في افريقيا في نهاية وسط عصر البليستوسين وبداية نهايته (Pleistocene).
الملابس لعبت دورا هاما في قدرة الانسان على مغادرة افريقيا والانتشار الى الشمال ومن ثم الى بقية القارات الاكثر برودة، حاميا نفسه بالملابس. بالنسبة لقرد عاري، هذا الامر غير ممكن.
غير ان الانسان دفع ثمن ذلك من دمائه بأعطاءه الفرصة للقمل للانتشار على جسمه وزيادة الجرعة الممكنة من دمه، ونقل الامراض. وبسبب قصر فترة حياة القمل يتمكن القمل اليوم من تطوير مناعة حيوية ضد المضادات المستخدمة في مكافحته.


القمل في التاريخ

أقدم دلائل على معاناة الانسان من القمل نجدها لدى المصريين القدماء. لقد تم العثور على أمشاط خشبية كانت تستخدم من اجل التخلص من القمل وتعود الى ماقبل 3000 سنة. يعتقد ايضا ان الفراعنة كانوا يتخلصون من شعرهم ويضعون بديلا عنه شعرا اصطناعيا، ليكون من السهل التخلص من القمل.
وضع الباركة بدلا عن الشعر الطبيعي انتشر ايضا في اوروبا في العصور الوسطى والمتأخرة بالذات للتخلص من القمل.
حتى الجيش الروماني كان يعاني أفراده من القمل. plinius الاول أعتقد أن بالامكان التخلص من القمل من خلال جرع محلول مطبوخ بجلد الثعبان.
النبي محمد كان يعاني للغاية من القمل، حسب الاحاديث الكثيرة الواردة في الصحيح ومسند احمد وبقية المساند وفي كنز العمال وبقية كتب التراث. للتفصيل يمكن الاطلاع على القمل عند النبي محمد والصحابة وفي الفقه الاسلامي


مصادر ومقالات مشابهة:
الانسان مُسخر لجرثومة الملاريا
 
 
 
 
9/13