علم البيلوجيا
 
 
2013/01/06

الاخلاق في مجتمع القرود


طريف سردست
من الغريب ان نجد أن ماكنا نعتقده حكرا على الانسان تشاركنا فيه القرود ، فهي تملك مجتمعات على نمط مجتمع ىالانسان وقريبة منا وراثيا.
الاخلاق والتنظيم والممارسات الجنسية بغرض اللذة وحدها، كنا نعتقد انها حكرا على الانسان فقط، وانها التي تميزنا عن الحيوان، غير ان دراسة قريبة لبعض المجتمعات القردية برهنت الى اننا لسنا الوحيدين بهذا السلوك.
لذلك ليس من الغريب ان العرب اختلط عليهم الامر الى درجة انهم اعتقدوا ان قطعان قرود منطقة نجد كانوا بشر مسخها الله. وقد وصل بالبعض الى االاعتقاد ان القرود كانت تمارس رجم الزانية.

يطرح التباين الغريب بين مجتمع قرود (Bonobo, Pan paniscus) البونوبو و الشمبانزي تساؤلات عديدة على مستوى المجتمع الإنساني، لاتقل عن التساؤلات التي وقف امامها اجدادنا حائرين الى درجة اعتقادهم ان القرود هي بشر مسخها الله، بل حتى وصل الامر ببعضهم الى إعتقادهم بأنها تقيم حد الزنى على بعضها البعض. (راجع اسقاطات السلف على الحيوان، حد الرجم على القردة)

منذ مليوني عام انفصلت هاتان المجوعتان من القردة، حيث استوطنت قرود البونوبو الضفة الغربية لنهر الكونغو في منطقة صغيرة و متقلصة من الغابات الاستوائية، فيما عاشت قرود الشمبانزي على الضفة الأخرى، في منطقة ممتدة من تنزانيا و أوغندا إلى شرق إفريقيا.

تلعب الممارسة الجنسية دورا أساسيا في مجتمع البونوبو ، فهي تستخدم كوسيلة للمصالحة و حل النزاعات والصراعات ومن اجل المتعة والترفيه وقضاء الوقت، وليس من اجل التكاثر وحفظ النوع فقط. البونوبو هي القردة الوحيدة التي شوهدت تمارس كل النشاطات الجنسية التالية:
التقبيل الفموي، الممارسة الجنسية وجها لوجه، الجنس الفموي، المداعبة في المناطق التناسلية بين الإناث و بين الذكور، وحتى الممارسة المثلية. (راجع المثلية الجنسية لدى الحيوان)

من المهم الانتباه الى ان هناك اختلاف نوعي بين القرد Ape و السعدان Monkey ، تطورت القردة من سعادين العالم القديم منذ 25 مليون عام، بالمقارنة مع السعادين فإن القرود ليس لها ذنَب، وتمتلك مفاصل كتف متنوعة الحركة ، و دماغ أكبر بمرتين.

كان هناك العديد من أنواع القرود، معظمها انقرض . الأنواع الستة المتبقية هي : -القرود الدنيا- ( الجيبون و السيامانغ) و -القردة العليا- (الاورانغ اوتان ، الغوريلا ، الشيمبانزي ، و البونوبو). معظمها تعيش بالقرب من خط الاستواء في كل من أفريقيا و جنوب شرق أسيا.
عاش السلف المشترك للإنسان و الشمبانزي منذ ستة ملايين عام و هو قد لا يختلف كثيرا عن بنية و شكل قردة البونوبو التي يعتقد العلماء أن بنيتها لم تتغير كثيرا عن هذا السلف المشترك الذي عاش منذ ستة ملايين عام.

تتميز قرود البونوبو بقامة أكثر انتصابا من قرود الشمبانزي ، و مجتمع أمومي متساوي تلعب فيه الممارسة الجنسية دورا هاما. تعيش البونوبو في قبيلة تتألف من مئة فرد تنفصل إلى مجموعات صغيرة أثناء النهار للبحث عن الطعام ، و من ثم تجتمع مجددا لتنام. البونوبو هي بشكل أساسي نباتية خلافا للشمبانزي (حيث من المعروف أنه يصطاد السعادين) ، وهي تأكل الحشرات و شوهدت تمسك بعض السناجب الصغيرة، ولكنها تعتمد على الفواكه بشكل أساسي.

أنثى البونوبو هي المسيطر، و لكنها سيطرة خفيفة حتى أن بعض الباحثين يعتبرون مجتمع البونوبو هو نوع من السيطرة المشتركة أو التساوي بين الجنسين.

ممارسة باللمس
تعزز قرود البونوبو الانسجام الاجتماعي بالجنس ، فممارسة الجنس تتم مستخدمين كل التنويعات الممكنة حيث نجد ممارسة بين الذكور و الإناث وبين ذكور و ذكور وبين إناث و إناث ، وحتى بين أطفال و بالغين . الممارسة الجنسية تتضمن، الإيلاج، حك المناطق الجنسية ببعضها والمفاخذة والجنس الفموي (استخدام الفم لإثارة المناطق الجنسية)، والاستمناء المتبادل و حتى الممارسة التي يعتقد البشر أنها تميزهم والمسماة بالقبلة الفرنسية French kissing

تستخدم البونوبو الجنس للصلح بعد القتال ، لتخفيف التوتر، للترابط و توثيق التحالفات.
عادة ما ينتظر البشر الانتهاء من وجبة طعام طيبة ليمارسوا بعدها الجنس، لكن البونوبو يمارسون الجنس قبل ذلك، لتخفيف المنافسة و التوتر التي تشاهد عادة بين الحيوانات عندما تجد مصدر غذاء.

يقول البروفسور <فرانس دي فال> صاحب كتاب "بونوبو : القرد المنسي" ((الجنس حاضر على الدوام، قد ينهار مجتمع البونوبو بدونه، لكنه ليس كما يفكر البشر، الجنس ليس مدفوعا بالنشوة أو يسعى للتفريغ كما أنه ليس مدفوعا بهدف الإنجاب، الجنس عند البونوبو عفوي سريع و حالما تتعود على مشاهدته سيبدو مثل أي تواصل اجتماعي اخر)).


التقبيل الفموي

الاشباع الذاتي
رأينا في إحدى الصور ممارسة البونوبو للتقبيل الفموي والجنس الفموي . ما هو التقبيل ؟ كيف يمكن تفسير الجنس الفموي بالغريزة ؟ ألا يدعي العديد من الناس أن هدف الجنس الأساسي هو التكاثر وأن الإنسان إنما (يطوّر) في استخداماته نظراً للوعي / العقل الذي ( يتميّز) به - كما يقولون - ؟ هل هذا يعني أن الشمبانزي تتخيل ؟ هل تملك تصوّرات افتراضية مغايرة للواقع المعاش ؟ أم أن كل ما سبق يمكن تفسيره بالغريزة ؟


ما هي الغريزة ؟

ممارسة جماعية
يعرف العلم الغريزة على أنها الصفات المبرمجة المتأصلة لنوع معين من الحيوانات والتي تنظّم أنماطاً معقدة من السلوك لديه ,فتسمح لأعضاء النوع بالاستجابة بشكل مناسب - دون ضرورة التعرض المسبق Trial and error- تجاه طيف واسع من المواقف في العالم الطبيعي.
فاماذا تقبل البوتوبو بعضها البعض؟

بعيدا عن الاختلاف الشكلي بين قرود الشمبانزي و البونوبو فإن الاختلافات السلوكية هي ما يميز هذين النوعين، البونوبو أقل عدوانية و عصبية من الشمبانزي ، و ليسوا ميالين للعنف الجسدي، وهم اقل هوسا بالسلطة و المرتبة الاجتماعية.

كما يقول العالم <فرانس دي فال>: (( تحل الشمبانزي القضايا الجنسية بالسُلطة ، فيما تحل البونوبو قضايا السُلطة بالجنس))

قتل الأطفال هو سلوك شائع جدا عند الحيوانات ففي المجتمعات الذكورية تترك الأشبال الصغيرة المجموعة خوفا من أن تُقتل على يد الذكر القائد، في حين أن الإناث في مجتمع البونوبو تتحالف سوية و تدعم بعضها البعض و يكون لها الأولية في الطعام في مواجهة ذكر يحاول أن يتصرف بعدوانية ، و ربما هذا التحالف الأنثوي ظهر لمواجهة قتل الأطفال الذي يمارسه الذكور، فقتل الأطفال لم يشاهد عند البونوبو.

الحروب المستعرة تنشب باستمرار بين مجموعات قرود الشمبانزي حيث ترمي بعضها بالحجارة و العصي و تقتل بعضها، كما شوهدت تأكل لحم بعضها (المكافئ لأكل لحوم البشر الذي مارسه الإنسان في حقبة من تاريخه) في حين مجتمع البونوبو أكثر مسالمة من هذه الناحية.


ومما يلفت الانتباه ان هذا النوع من القرود يكثر من الوقوف على ارجله الخلفية ويمشي على قائمتيه الاماميتين، بشكل يقل عما تفعل الانواع الاخرى من القرود الامر الذي يدل على ان خلافه عنهم لايقتصر على الممارسة الجنسية فحسب

ما هو العامل الذي أدى إلى هذا التباين الكبير بين مجتمعي الشمبانزي و البونوبو، بين مجتمع ذكوري (ذكر يسيطر على مجموعة نساء و يقصي الذكور الأخرى من الاقتراب من حريمه)، و بين مجتمع أمومي تلعب فيه الجدة والأم و بناتها العامود الفقري للحمة القبيلة. أهو مثلا وفرة الغذاء و البيئة المختلفة للضفة الغربية لنهر الكونغو التي استوطن فيها البونوبو.

أدعو هنا للتأمل، كيف أمكن لانفصال جغرافي طبيعي (نهر الكونغو) أن يحول مجموعة من القرود إلى نوعين مختلفين بيولوجيا و اجتماعيا.

أدعو هنا للتأمل، كيف أمكن لفترة مليوني عام أن تشكل لنا فارقا سلوكيا بين النوعين (الجنس للإنجاب، المقيد عند الشمبانزي ، الجنس للإنجاب و التواصل الاجتماعي و الحاضر دوما عند البونوبو).

ممارسة الجنس الفموي
لا شك أن العوامل الطبيعية ووفرة الغذاء و أسلوب إنتاج الثروة ساهمت في رسم معالم المجتمعات البشرية في حقبها التاريخية المتعددة، فشكل العائلة الحالي و المجتمع ذو الطابع الذكوري هو شكل مستحدث مارسته البشرية، في حين تدل الآثار التاريخية والانثروبولوجية أن البشرية مرت بمراحل متعددة من مجتمع مشاعي مختلط ، إلى أمومي متعدد ثم إلى ذكوري، ترافق هذا مع التغيرات الاقتصادية، التي كان سببها تغير أسلوب إنتاج القوت من مجتمع الجني و القطاف إلى الرعي إلى الزراعة.

قصة قرود البونوبو و الشمبانزي تظهر أنه هناك مرونة و تنوع على مستوى السلوك وبنية المجتمع فرضها عامل البيئة و الزمن، وهذا يدعونا إلى التأمل في العوامل المادية و الموضوعية التي تشكل مجموع الأخلاق و الذي يبين التاريخ أنها ليست مؤبدة في شكلها بل هي مفتوحة على أفق أرحب و أكثر تنوعا.

[] من مجتمع قردي آخر لقرود تسمى Makaka نجد ان مجتمع هذه القرود قد توصل الى خلق وظيفة " الشرطي". Jessic Falck من معهد سانتا في (Santa Fe) في نيومكسيكو استطاعت إثبات ان وجود افراد طاغين في القطيع امر ضروري لتثبيت النظام. والمثير ان وظيفة حافظ النظام في المجتمع القردي لم تكن بالضرورة للذكور، ولكن المميز لصاحبها انه من كبار السن بالذات. مهمة حافظ النظام وقف المعارك والعركات التي تنشأ بين افراد القطيع من خلال الدخول بين المتعاركين وملاحقة مثيري الشغب. ويستغل " الشرطي" في مهمته الاحترام الذي يحظى به عند افراد القطيع، الى درجة ان مجرد حضوره يشيع الهدوء والثقة بين افراد القطيع.

من اجل التأكد من ان القردة المعنية فعلا تقوم " بوظيفة" حفظ النظام، ابعد البيلوجيين ثلاثة من القرود، اصحاب الشخصية الطاغية، عن قطيع مؤلف من 84 قردا، لتبقى شخصية طاغية واحدة فقط. جرى ذلك في Yerkes National Primate Research Center. في جورجيا الامريكية. والنتيجة ظهرت على الفور في ردة فعل افراد القطيع. لقد انقسم القطيع الى مجموعات صغيرة على اساس القرابة العائلية المباشرة، وازداد التوتر داخل القطيع واختفت النشاطات الاجتماعية مثل اللعب وتنظيف الشعر من الحشرات وازدادت حالات العنف.

من هنا نعرف ان الشخصيات الطاغية في القطيع ليس دورها ان تخلق الخوف او ان تمارس العنف، بل على العكس تحافظ على التوازن النفسي والهدوء وتفسح المجال لممارسة حياة طبيعية.

تشابه السلوك بين القردة والانسان

المثلية الجنسية لدى الحيوان
ثنائية الجنس عند الحيوان