علم البيلوجيا
 
 
2013/02/06

آكل لحوم البشر وانقراض النيندرتال


آكلي لحوم البشر
البشر اليوم يتجاوز عددهم الستة مليارات، مما يعني، من الناحية النظرية، اننا اكبر كتلة غذائية واسهلها. ذلك سيعني ايضا، من زاوية النظر البيلوجية، انه كان ينبغي علينا ان نأكل بعضنا البعض. وهذا بالذات مافعلناه لفترة طويلة والى فترة قريبة، حسب العلماء الانثروبيلوجيين Simon Underdown and James Cole. كلاهما، وبالانفصال التام عن بعضهما البعض تعمقوا في البحث عن تاريخ الانسان في مجال آكلة لحوم البشر.

كلاهما انطلقوا من ان آكلة لحوم النوع نفسه هو اختيار طبيعي شائع للغاية في عالم الحيوان. من القواقع حتى البغال، بدرجات مختلفة ، تمارس ظاهرة آكل ابناء النوع نفسه، ولهذا السبب رفض الانسان لأكل لحم الانسان يتعارض مع القانون الطبيعي. آكل لحم النوع نفسه يمتلك افضلية طبيعية واضحة ومتنوعة، فهو يحافظ على معدل محدد للقطيع، يمنع ان يؤدي تكائر القطيع الى الاخلال بالتوازن الطبيعي. كما انه يساعد بعض الانواع على الحصول على بروتينات ضرورية. مثلا لاحظ العلماء ان فرس النهر يمارس آكل لحوم فرس النهر على الرغم من انه من آكلة الاعشاب. كل الدلائل تشير الى ان يمارس اكل افراد نوعه من اجل الحصول على انواع نادرة من البروتين. بعض الانواع تسمح بأكل النوع من اجل حماية الحيوانات المنوية من المنافسين كما هو الحال عند بعض انواع العناكب. الذكر يسمح للانثى بأكله من اجل ان يضمن ان حيواناته المنوية هي التي ستبقى في جسم الانثى وتملك الفرصة للتلقيح. حيوانات القوارض تمارس اكل ابناء النوع نفسه من اجل تقليص عدد القطيع وبالتالي تقليل الطعام الذي يجذب الطيور الكاسرة والحيوانات المفترسة، بما يجعل المنطقة اكثر آمانا.

اوندرداون وكول، من خلال ابحاثهم، توصلوا الى فرضية جديدة مثيرة للجدل، وتحديدا ان النيندرتال قد انقرض بسبب مرض بالدماغ نتيجة أكل النوع لابناء نوعه. ولكوننا نعلم ان الهومو سابينس كان ايضا يأكل اخوه الانسان يبدو ان تغير جيني هو الذي انقذه من مصير الانقراض.

كلا الباحثان الانثروبيلوجيان متفقان على ان اجدادنا غالبا كانوا من آكلة لحوم البشر. لقد عثر الاركيلوجيين على أدلة منتشرة على جميع القارات وتعود الى ماقبل 200 الف سنة، عبارة عن عظام وجماجم بشرية عليها آثار ممارسة آكل لحوم البشر.
الانتشار الواسع يدلل على ان عادة آكل البشر كان هو القاعدة وليس الاستثناء. اكثر اللقى تأخرا ( زمنيا) تعود الى ماقبل 14 الف سنة وعيها آثار جروح السكين، وهو اثر واضح على حدوث الكانيباليزم. خدوش السكين تدلل على ان اللحم جرى نزعه عن العظم بواسطة اداة حادة. بذلك نستطيع تحديد حتى الزمن التقريبي الذي تخلى فيه الانسان عن آكل لحم البشر. 1200 قبل الميلاد كان الانسان يمارس آكل لحوم البشر فقط عند حلول المجاعات او في الطقوس من أجل أخافة الاعداء او لتبجيل الموتى من ابناء القبيلة.

اندرداون وكول تغاضوا عن اكل لحم البشر كممارسة طقسية واهتموا بالكانيباليزم كظاهرة طبيعية، حيث الانسان يأكل الحيوان او ابناء نوعه وحتى في الاوقات المتوفر فيه الطعام بكثافة. ان الانسان توقف عن أكل أبناء نوعه بسبب، لربما، انه اصبح في أعلى قمة الهرم الغذائي. مع تحسن طرق الصيد وادوات الصيد والسلاح ودخول عصر الزراعة اصبح أكل لحوم البشر له سلبيات تطورية، إذ يعيق بناء مجتمع كبير وبالتالي اصبحت الظاهرة مرفوضة ومع الزمن اصبحت طابو.

في الوقت الذي يبدو ان آكل لحم البشر له اهمية خاصة في انقاذ الحياة المستعجل، تشير الدراسات الى انه، على المستوى البعيد، يشكل استراتيجية تطورية خطيرة.
بالتحديد يجري الشك في ان آكل لحوم البشر ( لحوم النوع نفسه على العموم) يؤدي الى مرض دماغي خطير، وأن هذا المرض يجري نقله عبر أكل لحوم البشر، وهذا مايمكن ان يكون سبب انقراض النيندرتال. اونديرداون، صاحب الفرضية، والعامل في جامعة اكسفورد، يبني فرضيته على دراسة قبائل بابو نيو غينيا. هذه القبيلة، التي اليوم على حافة الانقراض، كانت تبجل امواتها من خلال اكلهم. وفي الوقت الذي كان الرجال يحظون بلحم الجثة كان النساء والاطفال يضطرون للاكتفاء بأكل الدماغ.

في الخمسينات اصبح المئات من ابناء القبيلة يعانون من نوبات ضحك غير خاضعة للتحكم يتبعها انتفاضات واختلال بالحركة وخلل في الوعي وفي النهاية يأتي الموت. كل الدلائل تشير الى اصابتهم بمرض مجهول أطلق عليه اسم كورو Kuru. هذا المرض يجعل الجملة العصبية تتبسط نحو الاسوء ، إذ ان بروتينات خاطئة التكوين تجبر بروتينات الخلايا السليمة في الدماغ على الالتصاق ببعضها لتفشل في تحقيق وظيفتها، ويصبح الدماغ كتلة كالاسفنج. على مدى مئات الاعوام كان اعضاء القبيلة يأكلون بروتينات خاطئة التكوين، حاملة للمرض، قادمة من جثث اقربائهم. وعلى الاغلب قامت البروتينات المتضررة بالالتصاق بالبروتينات السليمة في في الدماغ وادت الى تخريبه.

خلال بضعة اعوام توفي 90% من ابناء القبيلة بمرض الدماغ، بما يبرهن اضرار أكل لحوم النوع نفسه على المدى البعيد. هذه المعلومات جرى ربطها بالمعلومات العامة، حيث النيندرتال المالك لدماغ كبير اختفى من سطح الارض فجأة. لهذا السبب ركز اوندرداون تجاربه اللاحقة على البحث في عظمة تعود الى ماقبل 100 الف سنة ، جرى العثور عليها في مغارة في فرنسا على الضفة الغربية من نهر الراين. في هذا المكان تمكن الباحثون من العثور على ستة عظام تعود للنيندرتال وعليها آثار تدل على انه جرى تنظيفها من اللحم بأدوات حادة، من قبل مجموعة اخرى من النيندرتال. إضافة الى ذلك جرى سحق العظام والجماجم من اجل الوصول الى مافي باطنهم من نخاع ودماغ.

على خلفية معلوماتنا عن مصير آكلة لحوم البشر في بابو نيو غينيا فكر اوندرداون ان دماغ النيندرتال يمكن ايضا ان يكون مصاب بعدوى من بروتينات مريضة.

المشترك في امراض الجمل العصبية الناشئة عن بروتينات مريضة انها تحتاج الى فترة حضانة طويلة قبل ظهور المرض للعيان. في حالة قبيلة بابو نيز غينيا ، مثلا، احتاج الامر الى مابين خمسة الى عشرين عاما. لهذا السبب يمكن للمرض ان يبقى مختفيا لفترة طويلة. إذا كانت الاعراض هي نفسها لدى النيندرتال، سيكون من المستحيل عليه رؤية علاقة بين آكل لحم البشر وبين الاصابة بمرض عصبي مميت.

بحساب مبني على طريقة انتشار الكورو عند شعب بابو نيو غينيا تمكن اندرداون من استخلاص ان مجموعة عددها 15 الف شخص ستكون منقرضة في خلال 250 سنة، إذا مارسوا آكل لحوم البشر. بذلك يكون المرض، الى جانب التغييرات البيئية والمنافسة القادمة من الهومو سابينس، هي التي انتهت بالقضاء التام على النيندرتال، حارمة اياه من القدرة على الهرب من مصير محتوم.

ولكن لماذا تخلى الهوموسابينس عن آكل لحوم البشر؟ هل كان بسبب التخلص من الاصابة بالامراض العصبية؟
ان الامراض العصبية الناشئة عن بروتينات متضررة وتملك فترة حضانة طويلة من الصعب التعرف عليها ومعرفة علاقتها باسباب المرض. ولذلك من غير المحتمل ان يكون الهموسابينس قد توقف عن اكل لحم البشر لهذا السبب. ان السبب الاكثر احتمالا ان جهاز المناعة قد تطور فيه آلية ضد المرض، انقذتنا من الانقراض بدون وعي منا.
هذا مايفترضه على اي حال الباحث جميس كول من جامعة اكسفورد. القسماللذي يخصه من الفرضية جرى بناءه على اساس بحث على 2000 كروموسوم ، قام به الاطباء البريطانيين عام 2006. جرى اختيار الكرموسومات لتمثل اكبر عدد من الحوض الجيني العالمي ثم جرى البحث فيها عن علائم على امراض عصبية سببتها بروتينات متضررة. المفاجأة ان جميعها كان يحمل اثارا على وجود بروتينات متضررة ملتصقة ببعضها. في نفس الوقت اظهرت الكرموسومات وجود جزيئ متطفر غير معروف سابقا ، على الاغلب يقلل مخاطر البروتينات المتضررة ويمنع تحول الدماغ الى كتلة اسفنجية.

لهذه الدواعي اعتبر كول ان اجدادنا اصيبوا بمرض الكورو والذي ترك آثاره في حوضنا الجيني. في فترة ما نشأت لدى افراد من الهوموسابينس مناعة ضد المرض، حمى الدماغ ضد البروتينات المتضررة. وعلى مدى بضعة آلاف من السنين انتقلت التحسينات الى بقية الاجيال وحمتنا من مصير مشابه لمصير النيندرتال. بذلك تكون الطفرة قد حمتنا من فطرتنا البدائية الاولى، عندما كان الانسان من آكلة لحوم البشر.


آكلة لحوم البشر والاحكام المسبقة