علم البيلوجيا
 
 


الطعن في احتمال نشوء الحياة بالصدفة


يسوق اتباع نظرية الخلق فكرة ان من أقوى الدلائل التي تنقض نظرية التطور البيولوجي هو القول ان نشوء الحياة جرى بالصدفة مع ان ذلك خلط واضح بين نظرية التطور ونظريات نشوء الحياة abiogenesis وهما قضيتين مختلفتين، الخلط بينهم يدل على جهل في اسس البيولوجيا ونظرية التطور على السواء.

مثل هذا الادعاء تنشره المواقع المسيحية الأصولية و ويسارع الاصوليين والسلفيين المسلمين لنسخها عنهم ونقلها الى المواقع الاسلامية بدون الانتباه الى مدى الخلط والتضليل فيه.
في هذا الموضوع سيجري اقتباس هذا الادعاء كما هو , وبعد ذلك سيجري معالجة المشاكل الهائلة والتناقضات المطروحة فيه

صدفة أم عمليات حكيمة؟

إن معارضي الدين يسلمون بكل ما طرحناه في الصفحات الماضية من الأنظمة العجيبة والحكمة غير العادية والروح التي تسرى في الكون ، ولكنهم يفسرونها بطريقة أخرى ؛ إنهم عاجزون عن أن يجدوا رمزا أو إشارة لمنظم ومدبر. . فإذا بهم يرون أن كل هذا جاء نتيجة (صدفة محضة).
واستمع إلى قول (هكسلى):
(لو جلست ستة من القردة على آلات كاتبة ، وظلت تضرب على حروفها لملايين السنين فلا نستبعد أن نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير! فكذلك كان الكون الموجود الآن نتيجة لعمليات عمياء ، ظلت تدور في (المادة) لبلايين السنين(63)).
إن أي كلام من هذا القبيل (لغو مثير) بكل ما تحويه هذه الكلمة من معان ؛ فإن جميع علومنا تجهل-إلى يوم الناس هذا-أية صدفة أنتجت واقعا عظيما ذا روح عجيبة ، في روعة الكون فنحن نعرف بعض الصدف وما ينشأ عنها من آثار فعندما تهب الرياح تصل (حبوب اللقاح) من وردة حمراء إلى وردة بيضاء ، فتأتى بوردة صفراء. . هذه صدفة لا تفسر قضيتنا إلا تفسيرا جزئيا استثنائيا. فإن وجود الوردة في الأرض بهذا التسلسل ، ثم ارتباطها المدهش مع نظام الكون لا يمكن تفسيره بهبة رياح صدفة. إنها تأتى بوردة صفراء ولكنها لا تأتى بالوردة نفسه! إن الحقيقة الجزئية الاستثنائية التي توجد في مصطلح (قانون الصدفة) باطلة كل البطلان ، إذا ما أردنا تفسير الكون بها.
يقول البروفيسور ايدوين كونكلين:
(إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة (حادث اتفاقي) شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة(64)).
وقد قيل:إن تفسير الكون بوساطة (قانون الصدفة) ليس (بكلام فارغ). بل هو كما يعتقد السير جيمس جينز ينطبق على (قوانين الصدفة الرياضية المحضة)
Purely Mathematical Laws of Chance (65)
ويقول أحد العلماء الأمريكيين:
(إن نظرية الصدفة ليست افتراضا وإنما هي نظرية رياضية عليا ، وهى تطلق على الأمور التي لا تتوفر في بحثها معلومات قطعية ، وهى تتضمن قوانين صارمة للتمييز بين الباطل والحق ، وللتدقيق في إمكان وقوع حادث من نوع معين وللوصول إلى نتيجة هي معرفة مدى إمكان وقوع ذلك الحادث عن طريق الصدفة (66)).

* * *
ولو افترضنا أن المادة وجدت بنفسها في الكون وافترضنا أيضا أن تجمعها وتفاعلها كان من تلقاء نفسها (ولست أجد أساسا لأقيم عليه هذه الافتراضات) ففي تلك الحال أيضا لن نظفر بتفسير الكون ، فإن (صدفة) أخرى تحول دون طريقنا. . فلسوء حظنا: أن الرياضيات التي تعطينا نكتة (الصدفة) الثمينة هي نفسها التي تنفى أي إمكان رياضي في وجود الكون الحالي بفعل قانون الصدفة.
لقد استطاع العلم الكشف عن عمر الكون وضخامة حجمه ، والعمر والحجم اللذان كشف عنهما العلم الحديث غير كافيين في أي حال من الأحوال ، لتسويغ إيجاد هذا الكون عن قانون الصدفة الرياضي.
ويمكننا أن نفهم شيئا عن قانون الصدفة من المثال التالي:
(لو تناولت عشرة دراهم ، وكتبت عليها الأعداد من1 إلى 10 ، ثم رميتها في جيبك وخلطتها جيدا ثم حاولت أن تخرجها من الواحد إلى العاشر بالترتيب العددي ، بحيث تلقى كل درهم في جيبك بعد تناوله مرة أخرى. . فإمكان أن نتناول الدرهم المكتوب عليه(67) في المحاولة الأولى ه واحد على عشرة ؛ وإمكان أن تتناول الدرهمين (2،1) بالترتيب واحد في المائة وإمكان أن تخرج الدراهم (4،3،2،1) بالترتيب هو واحد في العشرة آلاف. . حتى إن الإمكان في أن تنجح في تناول الدراهم 1إلى 10 بالترتيب واحد في عشرة بلايين من المحاولات! !).
لقد ضرب هذا المثال العالم الأمريكي الشهير (كريسى موريسن) ، ثم استطرد قائلا:
(إن الهدف من إثارة مسألة بسيطة كهذه ، ليس إلا أن نوضح كيف تتعقد (الوقائع) بنسبة كبيرة جدا في مقابل (الصدفة) (68).

* * *
ولنتأمل الآن في أمر هذا الكون فلو كان كل هذا بالصدفة والاتفاق ، فكم من الزمان استغرق تكوينه بناء على قانون الصدفة الرياضي؟
إن الأجسام الحية تتركب من (خلايا حية) وهذه (الخلية) مركب صغير جدا ومعقد غاية التعقيد ، وهى تدرس تحت علم خاص يسمى (علم الخلايا)Cytology. ومن الأجزاء التي تحتوى عليها هذه الخلايا: البروتين وهو مركب كيماوي من خمسة عناصر هي الكربون والهيدروجين والنتروجين والأوكسجين والكبريت. . ويشمل الجزيء البروتيني الواحد أربعين ألفا من ذرات هذه العناصر! !
وفي الكون أكثر من مائة عنصر كيماوي كلها منتشرة في أرجائه ، فأية نسبة في تركيب هذه العناصر يمكن أن تكون في صالح قانون (الصدفة)؟ أيمكن أن تتركب خمسة عناصر-من هذا العدد الكبير-لإيجاد (الجزيء البروتيني) بصدفة واتفاق محض؟ !إننا نستطيع أن نستخرج من قانون الصدفة الرياضي ذلك القدر الهائل من (المادة) الذي سنحتاجه لنحدث فيه الحركة اللازمة على الدوام ؛ كما نستطيع أن نتصور شيئا عن المدة السحيقة التي سوف تستغرقها هذه العملية.
لقد حاول رياضي سويسري شهير هو الأستاذ (تشارلز يوجين جواي) أن يستخرج هذه المدة عن طريق الرياضة. . فانتهى في أبحاثه إلى أن (الإمكان المحض) في وقوع الحادث الاتفاقي-الذي من شأنه أن يؤدى إلى خلق كون ، إذا ما توفرت المادة-هو واحد على 60/10 (أي 10×10 مائة وستين مرة). وبعبارة أخرى:نضيف مائة وستين صفرا إلى جانب عشرة! ! وهو عدد هائل وصفه في اللغة.
إن إمكان حدوث الجزيء البروتيني عن (صدفة) يتطلب مادة يزيد مقدارها بليون مرة عن المادة الموجودة الآن في سائر الكون ، حتى يمكن تحريكها وضخها ، وأما المدة التي يمكن ظهور نتيجة ناجحة لهذه العملية فهي أكثر من 243/10 سنة (69)!
إن جزيء البروتين يتكون من (سلاسل) طويلة من الأحماض الأمينيةAmino-Acids وأخطر ما في هذه العملية هو الطريقة التي تختلط بها هذه السلاسل بعضها مع بعض فإنها لو اجتمعت في صورة غير صحيحة سما قاتلا ، بدل أن تصبح موجدة للحياة.
لقد توصل البروفيسور ج. ب. ليتزG.B.Leathes إلى أنه لا يمكن تجميع هذه السلاسل فيما يقرب من 48/10 صورة وطريقة. وهو يقول: إنه من المستحيل تماما أن تجتمع هذه السلاسل-بمحض الصدفة-في صورة مخصوصة من هذه الصور التي لا حصر لها ، حتى يوجد الجزيء البروتيني الذي يحتوى أربعين ألفا من أجزاء العناصر الخمسة التي سبق ذكرها.
ولابد أن يكون واضحا للقارئ أن القول بالإمكان في قانون الصدفة الرياضي لا يعنى أنه لابد من وقوع الحادث الذي ننتظره ، بعد تمام العمليات السابق ذكرها ، في تلك المدة السحيقة ؛ وإنما معناه أن حدوثه في تلك المدة محتمل لا بالضرورة ، فمن الممكن على الجانب الآخر من المسألة ألا يحدث شيء ما بعد تسلسل العملية إلى الأبد!

* * *
هذا الجزيء البروتيني ذو وجود (كيماوي) لا يتمتع بالحياة إلا عندما يصبح جزءا من الخلية ، فهنا تبدأ الحياة ، وهذا الواقع يطرح أهم سؤال في بحثنا: من أين تأتى الحرارة عندما يندمج الجزيء بالخلية؟ . . . ولا جواب عن هذا السؤال في أسفار المعارضين الملحدين.
إن من الواضح الجلي أن التفسير الذي يزعمه هؤلاء المعارضون ، متسترين وراء قانون الصدفة الرياضي لا ينطبق على الخلية نفسها وإنما على جزء صغير منها هو الجزيء البروتيني وهو ذرة لا يمكن مشاهدتها بأقوى منظار بينما نعيش ، وفي جسد كل فرد منا ما يربو على أكثر من مئات البلايين من هذه الخلايا! !
لقد أعد العالم الفرنسي (الكونت دى نواي) Le Cotme de Nouy بحثا وافيا حول هذا الموضوع وخلاصة البحث:أن مقادير (الوقت ، وكمية المادة ،والفضاء اللانهائي) التي يتطلبها حدوث مثل هذا الإمكان هي أكثر بكثير من المادة والفضاء الموجودين الآن ، وأكثر من الوقت الذي استغرقه نمو الحياة على ظهر الأرض وهو يرى: أن حجم هذه المقادير الذي سنحتاج إليه في عمليتنا لا يمكن تخيله أو تخطيطه في حدود العقل الذي يتمتع به الإنسان المعاصر ، فلأجل وقوع حادث-علي وجه الصدفة-من النوع الذي ندعيه ، سوف نحتاج كونا يسير الضوء في دائرته82/10 سنة ضوئية (أي:82 صفرا إلى جانب عشرة سنين ضوئية! !) وهذا الحجم أكبر بكثير جدا من حجم الضوء الموجود فعلا في كوننا الحالي ؛ فإن ضوء أبعد مجموعة للنجوم في الكون يصل إلينا في بضعة (ملايين) من السنين الضوئية فقط. . وبناءا على هذا ، فإن فكرة أينشتين عن اتساع هذا الكون لا تكفى أبدا لهذه العملية المفترضة.
أما فيما يتعلق بهذه العملية المفترضة نفسها ، فإننا سوف نحرك المادة المفترضة في الكون المفترض ، بسرعة خمسمائة (تريليون) حركة في الثانية الواحدة ، لمدة243/10 بليون سنة (243 صفرا أمام عشرة بلايين) ، حتى يتسنى لنا حدوث إمكان في إيجاد جزيء بروتيني يمنح الحياة.
ويقول (دى نواي) في هذا الصدد:
(لابد ألا ننسى أن الأرض لم توجد إلا منذ بليونين من السنين ن وأن الحياة-في أي صورة من الصور-لم توجد إلا قبل بليون سنة عندما بردت الأرض)(70).
هذا وقد حاول العلماء معرفة عمر الكون نفسه ، وأثبتت الدراسة في هذا الموضوع أن كوننا موجود منذ5.000.000.000.000 سنة. . وهى مدة قصيرة جدا ولا تكفي على أي حال من الأحوال لخلق إمكان ، يوجد فيه الجزيء البروتيني ، بناء على قانون الصدفة الرياضي.
وأما ما يتعلق بأرضنا التي ظهرت عليها الحياة ، فقد عرفنا عمرها بصورة قاطعة ، فهذه الأرض كما يعتقد العلماء جزء من الشمس انفصل عنها نتيجة لصدام عنيف وقع بين الشمس وسيار عملاق آخر ، ومنذ ذلك الزمان أخذ هذا الجزء يدور في الفضاء ، شعلة من نار رهيبة ، ولم يكن من الممكن ظهور الحياة على ظهره حينئذ لشدة الحرارة ، وبعد مرور زمن طويل أخذت الأرض تبرد ثم تجمدت وتماسكت ، حتى ظهر إمكان بدء الحياة على سطحها.
ولنتأمل الآن ، بعدما تبين لنا أن المادة العادية غير ذات الروح تحتاج إلى بلايين البلايين من السنين ، حتى يتسنى مجرد إمكان لحدوث (جزيء بروتيني) فيها بالصدفة! فكيف إذن جاءت في هذه المدة القصيرة في شكل مليون من أنواع الحيوانات ، وأكثر من 200.000 ألف نوع من النبات؟ وكيف انتشرت هذه الكمية الهائلة على سطح الأرض في كل مكان؟ ثم كيف جاء من خلال هذه الأنواع الحيانية ذلك المخلوق الأعلى الذي نسميه (الإنسان)؟ ولا أدرى كيف نجرؤ على مثل هذه الاعتقادات في حين أننا نعرف جيدا أن نظرية النشوء والارتقاء تقوم على أساس (تغيرات صدفية محضة)؟ ! وأما هذه التغيرات فقد حسبها الرياضي (باتو)Patau وانتهى إلى أن اكتمال (تغير جديد) في جنس ما قد يستغرق مليونا من الأجيال(72):
فلنفكر في أمر (الكلب) الذي يزعمون أنه جد (الحصان) الأعلى ، كم من المدة على قول الرياضي باتو سوف يستغرقها الكلب حتى يصبح حصانا؟ !
وما أصح ما قاله عالم الأعضاء الأمريكي مارلين ب. كريدر:
(إن الإمكان الرياضي في توفر العلل اللازمة للخلق-عن طريق الصدفة- في نسبها الصحيحة هو ما يقرب من (لا شيء)(73).

* * *
لقد أطلت في هذا البحث حتى نتبين مدى سخافة فكرة الخلق بالصدفة وبطلانها ولست-في الحق- أشك في أنه يستحيل وجود الجزيء البروتيني والذرة عن الصدفة كما لا يمكن أن يكون عقلك هذا-الذي يتأمل في أسرار الكون وخفاياه-من ثمار الخلق الصدفي ، مهما بالغنا في افتراضنا عن المدة الطويلة التي استغرقتها عملية المادة في الكون. ونظرية الخلق هذه ليست مستحيلة في ضوء قانون الصدفة الرياضي فحسب وإنما هي لا تتمتع بأي وزن منطقي في نفس الوقت.
وأي كلام من هذا القبيل سخيف ومليء بالصلافة. . ومثاله كمن يزعم أن سقوط كوب مملوء بالماء أو بالقهوة سوف يرسم خريطة العالم على الأرض! ! لا مانع من أن أسأل هذا الرجل: من أين جاء بهذا الفرش الأرضي والجاذبية والماء والكوب حتى يقع هذا الاتفاق الغريب؟ !

________________________________________________________

أولا: تعقيد الحياة اليوم وبساطتها في الماضي .
الخطأ الأول في هذه الحسابات هي مغالطة منطقية دائماً ما يرتكبها الخلقيون في تناولهم لقضية التطور , وهي مغالطة رجل القش , فهم كالذي يتمسك بقطعة صغيرة من القش محاولاً من خلالها عدم الغرق , تماماً هذا ما يفعله الخلقيون , فهم ينطلقون من أفكارهم المغلوطة عن نظرية التطور مسقطين هذه المفاهيم على النظرية .
فهم يقومون بحساب احتمال نشوء البروتينات الحديثة " الموجودة اليوم في المادة الحية " أو حتى احتمال نشوء متغضية كاملة كالبكتريا مع كل البروتينات " الحديثة " التي تتضمنها و تحتويها . وهذا ببساطة ما لا تقوله نظرية نشوء الحياة التلقائي .
فمثلاً فكرة الخلقيين كما رأينا في الإقتباس الماضي , هي طالما أن بروتيناً أو إنزيماً ما ( مثل إنزيم كاربوكسي بيبتيدايز ) مؤلف من 300 حمض أميني , فإن إحتمال نشوءه بالصدفة يساوي (1/20)^300 ( 20 لأنه هنالك 20 حمض أميني يدخل في تركيب المادة الحية ) وهذا ما يعادل 1 على 2*10^390 أي صفر فاصلة 390 صفر متبوعة بالعدد 2 !
وكما نلاحظ فإن هذا الإحتمال يمكن إهماله Negligible بسبب صغره الهائل .
ولكي نفهم مقدار إستحالة تحقق هذا الإحتمال , فنقول إن هذا الإحتمال مساوي لإحتمال أن نرمي قطعة من النقود ل 1300 مرة و يظهر لدينا في كل هذه المرات المتتالية نفس الوجه دائماً !
هذا كله بالنسبة إلى إنزيم واحد فكيف الحل بالنسبة إلى العديد منها وإلى العديد من البروتينات .... إلخ
في ضوء هذه " الحقائق في نظر الخلقيين , فإن هذا يبدو مستحيلاً .
في الحقيقة إن تعقيد الكائن الحي الأول الذي يتخيله الخلقيون , منافي للواقع تماماً .
فنظريات نشوء الحياة تقول أن " الكينونات الحية الأولى " أبسط بشكل هائل من باكتريا أولية protobacteria , أو حتى ما قبل الباكتريا الأولية preprotobacteria ( وهذا مايسميه العالم الروسي أوبارين Protobiont ) . وإنما في الحقيقة الكائنات الحية الأولى على الأرض لا تتجاوز في تعقيدها وطولها مجموعة من 30 أو 40 وحدة عضوية أولية .
هذه الجزئيات البسيطة تعقدت تدريجياً لحد أنها أصبحت قادرة على النسخ الذاتي Replication وهذه هي الخاصة الجوهرية للمادة الحية , وأخيراً إلى عضويات أولية .
وهذا رسم توضيحي يبين لنا مقدار الفرق في مستوى التعقيد بين الكينونات الحيوية الأولى والباكتريا الحالية التي يعتقد الخلقيون أنها يجب أن تنشأ مباشرةً من المواد اللاحية .
صورة

والأكثر من هذا أن الكينونة الحية الأولى قد تكون أعقد من هذا حتى .
فهي قد تكون بيبتيد ذا نسخ ذاتي من مجموعة " غاديري " Ghadiri group , أو قد تكون مجموعة لا تتجاوز ستة نيوكليوتيدات Hexanucleotide قادرة على التكاثر الذاتي أو حتى أر إن أي بوليميرايز .
صورة

من الممكن أيضاً أنَ الكينونات الحية الأولى القادرة على التكاثر الذاتي كانت عبارة عن محفزات Catalysts , إما إنزيمات بروتينية أو أر إن أي رايبوزوم قادرة على أن تنتج ذاتها بواسطة دورات تحفيزية مستمرة .
مثال على ذلك وحدات النسخ الذاتي المعروفة بإسم Sun Y . هذه الدورات التحفيزية لها القدرة على أن تشكل معقدات صغيرة , آخذين بعين الإعتبار وجود عدد كبير من هذه الدورات في البيبتيدات و النيوكليوتيدات المتعددة .
هذين النموذجين لا يشترط أن يكونا إستثنائيان تبادلياً ( وجود الأول يستلزم نفي الآخر ) , بل من الممكن أن بيبتيد ما من مجموعة غاديري أن يتطفر مشكلاً دورات تحفيزية .
مهما كانت الكينونة الأولى , جزئيات وحيدة أو معقدات من الجزئيات الصغيرة , فإن هذه النماذج العلمية لا تشبه بأي شكل من الأشكال مثال العالم " فريد هويل " عن إستحالة نشوء طائرة بوينغ 747 من خلال إعصار ما بالصدفة البحتة ! هذا المثال الذي يصمّ به الخلقيون آذاننا بإستمرار .
وهذا مخطط يوضح الفرق بين ما تقوله نظرية نشوء الحياة و بين فكرة الخلقيين المغلوطة عن هذه النظرية :
صورة

لاحظوا كيف أن نظرية نشوء الحياة لا تقول أن على الجزئيات الميتة مثل الأمونيا والنشادر والنتروجين .. إلخ أن تصطدم مع بعضها بالصدفة لكي ينشأ لدينا أخيراً كائن حي مثل الباكتريا مثلاً .
وإنما هنالك سلسلة طويلة من التطور الكيميائي ماقبل الحيوي Prebiotic Chemical Evolution استمر لملايين السنين إبتداءً من الكيميائيات البسيطة مروراً بالجزيئات المتعددة polymers و الجزيئات المتعددة الناسخة ذاتياً داخلةً بدورات تحفيزية وصولاً إلى كائنات " ماقبل باكتيرية " وأخيراً وصولاً إلى باكتريا بسيطة .
الجدير بالذكر أن هنالك العديد من المراحل غير المذكورة هنا من أجل التبسيط ولمراجعة هذه المراحل المتعددة إليكم هذه الروابط :
The universal ancestor
Autocatalytic networks
The origin and early evolution of life
حتى العالم لامارك وهو من أقدم المنظرين العلميين لتظرية التطور ونظرية نشوء الحياة لم يقل بالنشوء العفوي المباشر للحياة من الكيميائيات البسيطة !
الأهم من كل هذا أن كل هذه العمليات سالفة الذكر لا تتم بالصدفة كما يدعي الخلقيون , وإنما تتبع تفاعلات كيميائة محددة جداً , وهذا ما ينقلنا إلى النقطة الثانية وهي الأهم في كل هذا الموضوع , هذه النقطة الثانية كافية لوحدها أن تهدم إدعاءات الخلقيين بشكل نهائي .

ثانياً : الحياة لم تأت بالصدفة ! متى سيفهم الخلقيون هذا ؟!
في بعض الحوارات وردت تشبه ما يلي: هل من الممكن إذا وضعنا قرد على آلة كاتبة هل سنصل إلى قصة محبوكة أو قد يجري البعض حساب احتمال تشكل سلسلة بروتينية معينة برقم واحد على يمينه 50 صفر أو مئة صفر أو غيرها.
هذه الطريقة تستخدم قانون ضرب الاحتمالات للدلالة على ندرة حدوث أي حدث معقد.
هذا القانون يستخدم كما يلي: إذا كان احتمال الحصول على وجه النرد ذو الرقم خمسة هو 1 على ستة وهو نفس الاحتمال للحصول على الوجه رقم خمسة في النرد الثاني، فيكون احتمال قدوم الوجهين خمسة وخمسة حين رمي النردين هو واحد على 36 (1/6 * 1/6 = 1/36)
هذا القانون صحيح ولكن له شرط أساسي لابد عنه وهو كون الحدثين مستقلين ولا يتعلقان ببعضهما البعض بالمرة والمثال الشائع عن خلل هذا الشرط في كتب الاحتمالات عن هذا القانون هو ما يلي:
إذا كان احتمال عبور رجل أو إمراة عبر جسر ما هو 1 على 2، فما هو احتمال مرور 1000 رجل بشكل متتالي، في هذه الحالة إذا طبقنا القانون السابق فسيكون الاحتمال نادراً جداً جداً والجواب هو واحد وعلى يمينه 300 صفر، وهو أكبر بمليارات المرات من عمر الكون الحالي، ولكن هل الاحتمال الحقيقي هو كما سبق حسابه، من الواضح أن هذا الحل سيكون خاطئاً إذا وجدت فرقة عسكرية في نفس البلدة وفي هذه الحالة يوجد احتمال مقبول لمرور 1000 رجل بشكل متتالي فوق الجسر. أما احتمال مرور 20000 شخص كلهم من الرجال (كامل الفرقة) فهي حسب القانون السابق واحد وعلى يمينه 6020 صفر!!! أي أكبر من كل الأرقام المذكورة ضمن بعض الأمثلة في هذا المنتدى ومع ذلك فإن هذا الحدث محتمل جداً.
المقصد هنا هو أنه حين يوجد تفاعل بين الأحداث فهي تصبح مرتبطة وليبست مستقلة وبالتالي لايمكن تطبيق القانون السابق. هذا هو الحال تماماً في وضع الحموض الأمينية وهي البنى الأساسية للحياة، فلا يمكن أبداً القول أن احتمال ارتباط حمض اميني جديد على سلسلة من عدة حموض امينية هو حدث مستقل ولا علاقة له بشكل السلسلة وبالتالي لا يمكن حساب الاحتمالات حسب القانون السابق.
وتعد الإنزيمات كأمثلة نموذجية عن وظيفة البروتينات، فالإنزيم يتعرف على الجزيء النوعي المسمى ركازة substrate فيرتبط به في توازن تحريكي (ديناميكي). ومايميز الإنزيم هو تمكنه من إحداث تغير كيماوي في الركازة المرتبطة به. ويستلزم التغير بصورة عامة تكون رابطة كيماوية تساهمية أو كسرها، إذ قد تنشطر الركازة إلى قطعتين، أوقد تنضم مجموعة كيماوية، أو قد يقتصر الأمر على إعادة ترتيب أنواع الروابط في الركازة.
ويمكن دراسة ألية فعل الإنزيم وكأنه ذو مراحل ثلاث. فأولاً يرتبط الإنزيم بالركازة، ثم يحدث التفاعل الكيماوي، وأخيراً تتحرر الركازة المعد لة. وجميع هذه الخطوات الثلاث هي خطوات عكسية. فإذا ارتبط إنزيم بجزيء X وحوله إلى جزيء Y فإن بإمكان الإنزيم نفسه أيضا الارتباط بـ Y وتغييره من جديد إلى Y. وفي الحقيقة هناك الكثير من المسالك التفاعلية الممكنة، إذ بإمكان الجزيء X أو Y، على حد سواء الارتباط ، وبإمكانه التحرر ولكن قبل أن يحدث له أي تغير. كما أن بإمكان الجزيء Y التحول إلى X، ويمكن بعد ذلك أن يتحول Y إلى X من جديد وذلك قبل أن يتحرر، وهكذا دواليك . وينبغي التشديد على أن الإنزيم نفسه لا يحدد اتجاه التفاعل. فنسبة X و Y عند التوازن تتوقف على اعتبارات ترموديناميكية، وتكون النسبة الفضلى هي تلك التى تجعل الكمية المسماة (الطاقة الحرة) في حدها الأدنى (وبتعبير تقريبي نقول إن الطاقة الحرة للنظام تساوي طاقتها منقوصاً منها اعتلاجها أو أنتروبياها). فالإنزيم يقتصر على تسريع بلوغ التوازن ومع ذلك فإن بإمكان الانزيم التحكم تحكماً فعالآ بمجرى عملية كيميائية حيوية. وفي غياب الإنزيم تكون أغلب التفاعلات الكيماوية الحيوية في منتهى البطء، وبإمكان الإنزيم المناسب تسريعها مليون مرة أوأكثر. وعلى الرغم من أن الإنزيم ليس له أي تأثير في تحول مزيد من Y إلى X أو العكس، إلا أنه على أية حال يحدد التحول من عدمه.
إن الوظيفة الأساسية للبروتينات هي الارتباط الإنتقائي مع الجزئيات وهذا يتحدد بشكل أساسي بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات. مثلاً الأجسام المضادة Antibodies هي بروتينات تتشكل في الجسم حين تعرضه للعوامل الممرضة، فحين دخول جرثوم ما للجسم، تقوم بعض الخلايا بتحديد شكل البروتينات السطحية (على سطح الجرثوم) ثم يطور الجسم هذه الأجسام المضادة التي تحتوي على قسم يرتبط بالبروتين الغريب وقسم آخر يرتبط بخلايا الدفاع في الجسم مما يسهل لهذه الخلايا التقاط الجرثوم وبلعه والتخلص منه. النقطة الأساسية هنا أن أحد مناطق الأجسام المضادة يتطابق بدقة مع شكل البروتين الغريب مما يؤدي لتشكل روابط هيدروجينية بين الجزئيين وثباتهما سويةً. هذه النظرية تسمى أيضاً بنظرية القفل والمفتاح أي أن التطابق بين البروتينات والمواد التي يرتبط بها يشابه التطابق بين القفل والمفتاح الخاص به.
نتيجةً لما سبق نجد من الأهمية بمكان معرفة أساسيات شكل البروتينات والذي يعتمد – مثل شكل كل الجزئيات الآخرى – على الذرات الداخلة في تركيبه وكيفية ارتباطها سويةً.
لقد تم التعرف على أكثرمن 2000 إنزيم اعتماداً على التفاعلات الكيماوية التي تقوم بحفزها، ويجب أن تكون هذه البروتينات مختلفة بنيويا، وبعبارة أخرى على البروتينات أن تبلغ على الأقل 2000 شكل قادر على التعرف على جزيئات نوعية. فكيف تتولد هذه البنى المتنوعة ؟...
تتألف الأبجدية التى تصنع منها البروتينات من 20 حمضاً أمينيا، وكل بروتين هو تسلسل لأحماض أمينية مأخوذة من هذه الأبجدية. وتتوقف الخواص الفيزيائية والكيماوية لجزيء البروتين على الكيفية التي تنطوي عليها سلسلة الأحماض الأمينية في التركيب ثلاثي الأبعاد.
إن جميع المعلومات اللازمة لتعريف البنية ثلاثية الأبعاد لبروتين هى خاصية كامنة في تسلسل الأحماض الأمينية. وما إن تبنى السلسلة على الريبوسوم حتى تنطوي بطريقة تجعل الطاقة الحرة في حدها الأدنى. وبعبارة أخرى، تتخذ السلسلة التشكيل الأكثر إراحة. ومبدئياً إذا ما عرف المرء جميع القوى التي تؤثرفي ألاف الذرات الموجودة في البروتين وفي جزيئات المحلول المحيطة به، فإن بإمكانه أن يتنبأ بالبنية الثلاثية الأبعاد من معرفة التسلسل وحده . إلا أن حسابا كهذا الحساب غير متاح عملياً الآن.
إن كل هذه الأمثلة تؤكد بشكل لا يدع مجالاً للشك أن عملية تكوين البروتينات والأحماض الأمينية ليست عملية عشوائية بل تخضع لقوانين كيميائية محددة , وآليات طبيعية غير عشوائية أبداً .
أمثلة أخرى :
- إن المواد العضوية الأولية ما قبل الحيوية كلها تخضع إلى قوى فيزيائية وكهربائية محددة ومن جديد نقول غير عشوائية , بالإضافة إلى الخواص الناتجة عن الخصائص الكهربائية للمركبات مثل " حب الماء وكرهه " ال Hydrophobicity and Hydrophilicity , هذه الخواص من شأنها أن تحدد الطريقة التي تتفاعل بها المركبات ما قبل الحيوية Prebiotic Combounds .
- الأبحاث العلمية أثبتت أن الأحماض الأمينية من الممكن أن يزيد احتمال تركبها polymeration لتعطي سلاسل أطول و أطول عنــدما تُعرض لظروف معينة , مثل حرارة أكبر من 40 درجة و ph أكبر من 7 ...
يــعني هذا أن هناك ظروف خارجية تـــزيــــد من احتمال نشوء الحياة ..
مثال آخر , هو تجربة " سيدني فوكس " و الذي قام من خلالها بتشكــيل " أشباه البروتينات " proteinoids من خلال رفع درجة حرارة الأحماض الآمينية , وذلك من أجل " السير عكس القانون الثاني في الترموديناميك " .. وبذلك استطاع تكوين بنى أكثر تعقيداً من بنى مادية أبسط , من خلال ظروووووووف معينة , زادت احتمالات التفاعلات البيوكيميائية ...
مثال آخر , الضوء المستقطب دائرياً Circulary polarized light للنجوم النيوترونية , بإمكانه أن يؤدي إلى ما يُدعى بال non-racemic amino acid , وهي الأحماض الأمينية المتماثلة بالاتجاه الكفي " يعني يسارية أو يمينية " ...هذه النقطة سنتناولها بتفصيل أكبر لاحقاً .
وهذا كله يــعني هذا أن هناك ظروف خارجية تـــزيــــد من احتمال نشوء الحياة ..
كل تلك الآليات هي آليات انتقائية , وليست لا صدفة و لا عشوائية و لا يحزنون ..
- يقول "ديتفورت في الصفحة 163 من كتاب "تاريخ النشوء " :
بالنسبة للإنزيمات لم تكن الطبيعى حرة تماماً في تصفيف حلقات السلسلة , لأن الشكل الفراغي للجزيئة يوءدي ضرورةً إلى حصول تأثير كيميائي محدد .
هذا يعني من جديد أن الشكل الهندسي للجزيء يلعب دوراً في حصول التفاعل أم لا , أي من جديد نحن أمام آليات طبيعية إنتقائية لاصدفوية .
- أخيراً فإنها تبدو كصدفة هائلة أن توءدي تجربة ميلر عام 1953 دفعة واحدة ظغلى إنتاج ثلاثة من الحموض الأمينية جميعها إلى مجموعة بناء المواد الحية .
فالأحماض الأمينية الداخلة في تركيب المادة الحية يبلغ عددها 20 , والأحماض الأمينية جميعها ( أي التي تدخل والتي لاتدخل في تركيب المادة الحية يبلغ عددها 380 , فماهو احتمال أن نحصل من خلال تجربة ميلر على ثلاثة أحماض أمينية جميعها تنتمي إلى المادة الحية ؟
الاحتمال هو (20/380)^3 أيل حوالي 1 على 6000 , ولكن بالرغم من ضآلة هذا الاحتمال , إلا أن هذا هو الذيل حصل فعلاً .
هل هذا الحساب المشابه تماماً لحسابات الخلقيين صحيح , وهل بالتالي تجربة ميلر يمكن إعتبارها حدثاً إستثنائيا لايتكرر إلا مرة من أصل 6000 مرة ؟
الجواب طبعاً لا , فحسابنا السابق خاطئ لأن الأمر بكل بساطة أن هذه الاحماض الأمينية ( الأسباراجين والألانين والغليسين ) احتمال تشكلها من المواد الداخلة في التفاعل وتحت الشروط المطبقة عليها كان كبيراً .
من هنا نستنتج أن حسابات الخلقيين تعتمد على فرضية تكافوء الفرص وعزل نشوء الحياة عن الموءثرات الخارجية وحتى عن القوانين الفيزيائية و الكيميائية التي تخضع لها !
خلاصة النقطة الثانية :
هناك فكرة مغلوطة عند الخلقيين وهي أننا " التطوريون " نعتقد أن الحياة نشأت بالصدفة ..
طبعاً هذا خاطئ تماماً فنحن نؤمن أن الحياة أتت نتيجةً لظروف طبيعية محددة ,ثوابت كونية مناسبة , و ظروف ابتدائية معينة للكون ...الخ ..
المشكلة هي الآتي ...
لنفترض أن لدينا حجر نرد .. عندما نرمي هذا الحجر فاننا إما نحصل على رقم 1 أو 2 أو .... أو ... 6 .. وذلك بحيث يكون ظهور كل نتيجة مساوياً في الاحتمال لظهور نتيجة أخرى .... هذا النظام متساوي الاحتمالات equiprobable يدعى بالنظام الاحصائي "
statistical system " .. ان النظام الاحصائي هو النظام الذي يمكننا تطبيق نظرية الاحتمالات عليه .... صحيح أن حجر النرد تؤثر عليه العديد من القوى الفيزيائية .. كما أنه يخضع في سقوطه لثوابت فيزيائية معينة .. إلا أن هذه القوى و الثوابت لا ترجح ظهور نتيجة ما على حساب نتيجة أخرى
بالنسبة لنشوء الحياة فالأمر مختلف تماماً .. فهنا نحن نتكلم عن منظومة بيوكيميائية تتأثر بالظروف الخارجية .. كما أن الثوابت الكونية و القوانين الطبيعية ترجح ظهور نتيجة ع حساب نتيجة اخرى .. وبهذا فان منظومة نشوء الحياة هي منظومة غير احصائية .. فلا يجوز تطبيق نظرية الاحتمالات عليها ...
هذه النقطة ترمي بالإدعاءات الخلقية السلفية إلى أقرب مزبلة !
فالحسابات خاطئة جذرياً , وخطأها يكمن في عدم إمكانية إجراء هذه الحسابات بالدرجة الأولى !

ثالثاً : خرافة سلسلة الحياة .
حساب احتمال نشوء الحياة افترض أن لا يمكن للحياة أن تنشأ إلا من خلال تكوين ترتيب معين للأحماض الامينية لتشكيل البروتينات ... فاذا كان لدينا بروتين مكون من 150 حمض آميني فان احتمال أن تأتي هذه الاحماض الامينية بالترتيب المناسب هو 1 على 20 أس 150 ..... هكذا يدعي الخلقيون .. وهو أمر مضحك للغاية ..
فلا يوجد ترتيب معين حصري للحموض الامينية يكون بمثابة المفتاح لتكوين البروتين المطلوب .. هذا نراه مثلاً في الانزيم سايتو كروم سي .. " وهو بروتين بالنهاية " .. فهذا الانزيم ترتيب الحموض الامينية فيه يختلف من نوع بيولوجي الى آخر , فالإنزيم هذا يتكون عند معظم الأنواع من 104 حمض أميني , عدد الأحماض الأمينية المختلفة بين الإنسان والقرد حمض أميني واحد , وبين الإنسان والكلب يرتفع العدد إلى 11 حمض أميني .أما عدد الأحماض الأمينية المختلفة بين هذا الإنزيم لدى الإنسان من ناحية ولدى خميرة الخبز من ناحية أخرى فيرتفع إلى 44 حمض أميني ( من أصل ال 104 ) أي مايقترب من النصف وبالرغم من هذا يبقى الإنزيم هو نفسه تماماً , ويبقى قائماً بوظيفته نفسها عند جميع هذه الأنوع على الرغم من تباين تركيبه الأميني من نوع إلى آخر .
السبب حقيقةً أن المنطقة الفعالة في الإنزيمات صغيرة " يعني تتألف من عدد صغير نسبياً من الأحماض الأمينية " , تسلسل هذه الأحماض الأمينية عند هذه المنطقة الفعالة يجب أن يبقى نفسه , أما في باقي أجزاء الإنزيم فهذا غير ضروري مطلقاً , وهذا يطعن أيضاً بحسابات الخلقيين .
وما يوكد هذه النقطة أكثر , هو جينوم الكائن المعروف بإسم Mycobacterium genetalium , هذا الكائن يحوي في جينومه الترميزي على 400 بروتين , ولكن الأبحاث التي أُجريت على هذا الجينوم تثبت أنه يمكن إختزاله إلى جينوم من 256 بروتين .
ومرة أخرى يجب أن نذكر أن هذا الكائن الحديث أعقد مما كان موجوداً سابقاً على الكرة الأرضية في بداية نشأة الحياة .
ويمكن حسب علماء البيولوجيا الجزيئية تبديل أحماض أمينية مشحونة في البروتينات والإنزيمات إلى أخرى مشحونة , وكما يمكن تحويل أحماض أمينية معتدلة كهربائياً إلى أخرى معتدلة , ويمكن تحويل أحماض أمينية كارها للماء بأخرى كارهة للماء .
وبعض الإنزيمات المتماثلة وظيفياً - كما شرحنا في حالة إنزيم سايتوكروم سي - يمكن أن تتباين بنسبة 30 إلى 50% من أحماضها الأمينية .
وفي الحقيقة يمكن إزالة بروتينات باكتيرية ووضعها في الفطريات (علماً أنها متباية بنيوياً بين الفطريات والباكتريا ) , وكذلك الحال بالنسبة للديدان والإنسان , ويبقى بالرغم من هذا الكائن حي بدون أي مشكلة !
إذاً بإختصار سلسلة الحياة التي يفترضها الخلقيون ليست إلا خرافة .

رابعاً : المحاولات المتزامنة والمتسلسلة .

كما قلنا نحن لسنا بحاجة لتكوين الحياة أن نحصل على بروتين طويل من 200 أو 300 حمض أميني كما يفترض الخلقيون .
بل نحتاج إلى بيبتيد صغير من مجموعة غاديري مثلاً , أو أر إن أي بوليميرايز أو هيكسانيكليوتيد ... إلخ .
لنأخذ في هذا المثال بيبتيد من مجموعة " غاديري " هذا البيبتيد لكي يمتلك - كما قلنا - القدرة على النسخ الذاتي بأسوأ الأحوال يجب أن يتألف من 32 حمض أميني .
الآن احتمال أن نحصل على هذا البيبتيد (1/20)^32 أي مايعادل 1 على 4*10^40 .
هذا الاحتمال أكبر بكثير من احتمال الحصول على الكاربوكسي بيبتيدايز الذي يتكلم عنه الخلقيون والبالغ 1 من 10^390 كما بينا سابقاً .
ولكن هذا الاحتمال يبقى هائل الصغر و مستحيل التحقق !
الآن عند هذه النقطة من بحثنا يجب أن ننتقل إلى الخطأ التالي في حسابات الخلقيين , وهو المحاولات المتتالية و المتزامنة .
الخلقيون يفترضون ( مناقضين بهذا الافتراض لنظرية الاحتمالات ) أن المحاولات التي خاضتها المادة اللاحية للحصول على الحياة هي محاولات متتالية زمنياً , يعني هذا المادة كلها في مدة زمنية محددة تحاول مرة واحدة فقط خلال هذه المدة المحددة .
ولكن الأمر ليس كذلك ! لنوضح هذا بمثال سهل :
لنفترض أنه لدينا قطعة نقود , نريد أن نرميها 4 مرات وتحصل في جميع هذه المرات الأربعة على الوجه ذاته .
احتمال تحقق هذا الأمر هو (1/2)^4 , أي ما يعادل 1 على 16 .
الآن إذا قمتُ أنا لوحدي بهذه التجربة فقد أحتاج إلى 5 أو 7 أو حتى 15 مرة لكي تنجح معي هذه التجربة ويتحقق إحتمال ال 1 على 16 . وفي الحقيقة سأحتاج بشكل وسطي إلى 16 تقسيم 2 أي 8 مرات وسطياً .
إذا اعتبرنا أن رمي هذه القطعة 4 مرات يحتاج دقيقة مثلاً , فإني أحتاج وبشكل وسطي إلى 8 دقائق لأحصل على التسلسل المطلوب .
ولكن إذا أحضرت 16 صديقاً ومع كل صديق قطعة نقود , وقمنا بهذه التجربة جميعاً بطريقة متزامنة , فإن الزمن الوسطي للحصول على هذا التسلسل المطلوب يصبح الآن دقيقة واحدة فقط !
الآن إذا كنا نريد أن نحصل على نفس الوجه لستة مرات , فإن إحتمال حصول هذا ينخفض إلى 1 على 64 , وبالتالي أحتاج إذا قمتُ أنا لوحدي بهذه التجربة إلى حوالي النصف ساعة , وتحديداً 32 دقيقة .
أما إذا أحضرت 64 شخصاً , فبإمكاننا الحصول على هذا التسلسل بدقيقة واحدة ونصف الدقيقة !
لنصعّب الأمور أكثر , نريد أن نحصل على نفس الوجه لمليار مرة !
إحتمال حصول هذا يمكن إعتباره صفر , إلا أنني إذا طلبت من سكان الصين أو الهند جميعاً أن يقوموا بهذه التجربة سويةً فإننا بإمكاننا أن نحصل على هذا التسلسل ( بسبب الحجم الهائل لحجم العينة ) .
لنُسقط هذا على موضوع نشأة الحياة .
مرة جديدة يجب أن نتذكر أننا أمام إحتمال صغير جداً قدره واحد على 10^40 , فهل بإمكان المحاولات المتزامنة أن تقلص هذا الإحتمال إلى إحتمال ممكن التحقق ؟؟؟
الجواب ............... نعم
فإذا كان لدينا كيلوغرام واحد فقط من الحمض الأميني الأرجينين , فإن هذا الكيلوغرام يحتوي على 2.85*10^24 جزيء , أما إذا كان لدينا طن كامل من هذا الحمض فإنه سيحتوي على 2.85*10^27 جزيء , الآن إذا أخذنا هذه الكمية ووضعناها في بحيرة متوسطة الحجم , فنحن نملك جزئيات تكفي لأن نحصل من خلالها على جزيء قادر على النسخ الذاتي ( حياة ! ) بزمن لا يتجاوز بضعة عشرات من السنين !!!!!!
الآن لنكن أكثر دقة , ونرجع إلى الأرض الأولى ماقبل الحياة , أي أول 700 مليون سنة من حياة الأرض .
المحيطات على سطح الأرض بعد أن تشكلت من خلال الإندفاعات البركانية الهائلة على الأرض الأولى يُقدّر حجمها ب 10^24 ليتراً .
إذا أخذنا بعين الإعتبار أن تركيز الأحماض الأمينية يبلغ 10^-6 مول على كل ليتر ( هذا يعتبر حمض ممدد بشكل متوسط ) , عندها وبناءً على هذا سيكون لدينا 10^50 سلسلة إبتدائية تحاول الحصول على الحياة ( هذا مماثل لعدد الناس الذين يقومون بتجربة رمي قطعة النقود ) .
بناءً على هذا كله , وهنا النتيجة الهائلة والمذهلة التي تُسقط كل إدعاءات الخلقيين بكل سهولة , النتيجة أنه ابتداءً من هذه الظروف على الأرض البدائية , فإنه بإمكننا أن نحصل على بيبتيد من 32 حمض أميني بفترة لا تتجاوز الأسبوع الواحد ! بالرغم من أن إحتمال الحصول عليه كما قلنا 1 من 10 ^ 40 !
بل وبإمكاننا الحصول على إنزيم مثل السايتوكروم سي والذي يتألف من 104 حمض أميني بفترة مليون سنة فقط !!!
هذه هي الحقيقة التي يريد أن يتجاهلها الخلقيون , نستطيع أن نحصل على العديد من كينونات النسخ الذاتي , والعديد من البروتينات والبيبتيدات الأولية والأنزيمات في فترة بضعة ملايين من السنين , علماً أننا نمتلك فترة قدرها 500 مليون سنة كحد أقصى لحصول هذا .
أعتقد أن هذه ضربة قاضية للخلقيين !

خامساً : الأحماض الأمينية اليسارية واليمينية .
من الخواص المميزة للبروتينات التي تدخل في تركيب المادة الحية أن جميع الأحماض الأمينية التي تتألف منها هي أحماض يسارية .
لتوضيح ذلك , فإن الحمض الأميني غير متناظر , وبذلك يمكن أن يكون إما يساري من ناحية البنية الهندسية أو يميني ( صورة الحمض اليساري في المرآة ) .
فاالحياة لا تستخدم إلا الأحماض الأمينية اليسارية , فإذا كان لدينا بروتين من 150 حمض أميني , فإن إحتمال أن تكون جميعها يسارية هو احتمال ضئيل جداً لا يتجاوز نصف مرفوع للقوة 150 .
هذا يجعل الخلقيون يعتقدون بإستحالة مجيء هذا بالصدفة .
الحقيقة لا أحد يدعي أن اي شيء أتى بالصدفة البحتة كما بينا سابقاً , ومن الجدير بالذكر أن دور الصدفة في تكوين الحياة و في نظرية التطور مماثل تماماً لدورها في اي مجال آخر أو اية نظرية أخرى .
في الحقيقة هنالك آلية انتقائية ترجح الحصول على أحد الشكلين الهندسيين ( يساري أو يميني ) للأحماض الأمينية .
وهذا ماتم شرحه في الاجتماع ال 235 للجمعية الكيميائية الأميركية الوطنية .
إن الأمر الأكثر احتمالاً هو أن يتم الحصول على بروتين يحتوي على عدد مساوي من الاحماض الأمينية اليسارية واليمينية ( وهذا ما يُدعى بالخليط الراسمي ) .
الأرض قبل 4 مليار سنة كانت تتعرض إلى قصف نيزكي عنيف ضمن مايُدعى بال meteorite bombardments .
هذه النيازك قدمّت إلى الأرض "بذور الحياة " وهي الاحماض الامينية .
هذه النيازك كانت بدون شك تحتوي على كميات متساوية من الأحماض الامينية اليسارية و اليمينية , يعني أنها أحماض راسمية .
ولكن عندما تتعرض هذه النيازك لضوء النجوم النيوترونية فإن الأمر يتغير .
فهذه النجوم النيوترونية تطلق أشعة مستقطبة دائرياً circularly polarized light , بمعنى أن الإشعاعات المنبعثة إلى إحدى الاتجاهات تكون مستقطبة إلى اليمين , أما في الاتجاه الآخر على زاوية 180 درجة فتكون الإشعاعات مستقطبة يسارياً .
لقد أثبت العالم بريسلو أن هذه الخاضة الإشعاعية تدمر بشكل إنتقائي أحد الأشكال ( اليسارية في هذه الحالة ) على الشكل الآخر " اليميني " . مما يعطي زيادة لاراسمية في هذه النيازك بنسبة 5 إلى 10 % .
وهذا ما تم قياسه فعلاً في النيازك التي وقعت خلال القرن الماضي على سطح الأرض ( أستراليا وتينيسي في أمريكا ) .
ولقد أثبت برسلو من خلال محاكاة لما يحصل بعد الإصطدامات النيزكية , أن هذه الخاصة اللاراسمية ( إزدياد نسبة الأحماض الأميني اليسارية على حساب اليمينة أو العكس ) بإمكانها أن تُنقل إلى باقي الجزئيات ماقبل الحيوية التي كانت متواجدة على الأرض .
لقد بدأ برسلو من هذه الزيادة الصغيرة بالأحماض اليسارية والتي يبلغ مقدارها 5 بالمئة , وحلّها بالماء ( الوسط الذي حدث فيه التطور الكيميائي الموءدي إلى نشوء الحياة ) .
لقد وجد برسلو أن الأحماض الأمينية اليسارية واليمينية ترتبط سويةً خلال تبلورها من الماء . ومن ثم تغادر المحلول الأحماض الأمينية اليسارية - اليمينية المرتبطة , وذلك خلال تبخر المياه ( وهذا يحصل بسبب الحرارة الهائلة للإرتطام النيزكي ) .
ويبقى فقط الأحماض الأمينية اليسارية في المحلول الذي ستنشأ فيما بعد عنه الجزئيات الحيوية الأولى .
وهكذا وعبر ثلاثة مراحل : الإزدياد اللاراسمي Non-Racemic excess
تضخيم الحمض اليساري Amplification
نقل الحمض اليساري Transfer
وهذه من جديد ضربة تطعن بحسابات الخلقيين ..

سادساً : مغالطة الإلتجاء إلى الجهل .

لا يمكننا حصر ظاهرة الحياة بالبروتينات و الاحماض الامينية المالوفة لدينا .. فمن الممكن وجود أشكال أخرى للحياة بمواد عضوية مختلفة عن تلك التي تستعملها " حياتنا " , فإن جهلنا بالإمكانيات الأُخرى لا يمكن إعتباره حجة , لأنه مغالطة الإلتجاء إلى الجهل An Argument from Ignorance .

سابعاً : لاتناهي حجم العينة .

حسب نماذج فرايدمان في علم الكونيات ( الكوزمولوجي ) فإذا كان الكون يمتلك كثافة مساوية "لكثافة الحدية " فإن الكون سيمتلك عندها بنية هندسية مسطحة مع إمتداد لا نهائي في الحجم .
هذا غير ما تزودنا به الكوزمولوجيا الكوانتية من إمكانيات وجود عوالم لامتناهية تنشأ من التذبذب الكمي في الفراغ .
بالإضافة إلى نظرية لي سامويلن حول وجود عدد لا نهائي من الأكون بإعتبار أن كل ثقب أسود ينشأ في الكون يتحول إلى " كون آخر " بعد إنفصاله عن الكون الأم بواسطة إطلاق أشعة هاوكينغ .
أيضاً بالإضافة إلى علم ال Brane cosmolgy والذي يقترح وجود عوالم لا متناهية متوازية مفصولة بعالم ذا عدد أكبر من الأبعاد المكانية .
كل هذه الإمكانيات الكوزمولوجية تجعل حجم العينة لا نهاية , وبالتالي فإن إمكانية نشوء الحياة تصبح 100 % .

الخلاصة :

رأينا إذاً في هذا المقال أن نظرية الاحتمالات لا تطبق على المنظومة الكيميائية التي أدت إلى نشوء الحياة لأنها منطونة غير إحصائية , وحتى لو لعبنا لعبة الإحتمالات مع الخلقيين , فإن هذا ليس في صالحهم .
لأنه كما رأينا لا يوجد ترتيب حصري لتسلسل الأحماض الأمينية الداخلة في تكوين المادة الحية مما أدى إلى تكبير الإحتمال ولكن ليس بالقدر الكافي .
ولكن عندما أخذنا بعين الإعتبار " المحاولات المتزامنة " تبين لنا أن الحياة من الممكن أن تنشأ في مدة لا تتجاوز المليون سنة , وهذه مدة صغيرة جداً بالمقاييس الجيولوجية .
في الحقيقة إن إحتمال نشوء الحياة آخذين في عين الإعتبار المحاولات المتزامنة + الظروف البيئية + طبيعة التفاعلات الكيميائية + الظروف الإبتدائية في الكون هو إحتمال قدره 100% ....