تسعة
وعشرين دليل على الميكروتطور
القسم الثالث
الجزء(1): الشجرة
الفريدة العالميّة لتاريخ
الحياة
تنبؤات(توقعات) نظريّة الأصل
المشترك و تأكيداتها و
التزييفات المحتملة:
"بينما البراعم تنمو و تعطي
براعم جديدة, و هذه الأخيرة, إذا
كانت قويّة بما فيه الكفاية,
تتفرَّع و تعلو على جميع الأغصان
الضعيفة. و هكذا بمرور الأجيال
أعتقد أنها ستشكل الشجرة
العظيمة للحياة التي ستملئ قشرة
الأرض بفروعها الميّتة و
المكسورة, و ستغطي السطح
بتشعباتها الجميلة"
تشارلز داروين, أصل الأنواع.
التنبؤ
1.1: الوحدة الأساسيّة للحياة:
وِفقاً لنظريّة الأصل المشترك,
فإنَّ الكائنات الحيّة
المعاصرة, بكل اختلافاتها
المدهشة, هي ذُريّة لنوعٍ واحد
وُجِدَ في الماضي البعيد.
و بالرغم من الاختلاف الشامل في
الشكل و الوظيفة بين الكائنات
الحيّة, فإنَّ الحياة تتميَّز
بصفاتٍ محدَّدة وِفقاً لعدة
معايير رئيسيّة.
هذه بعض الصفات التي تُميِّز كل
شكل من أشكال الحياة:
(1)التكرار.
(2)قابليّة التوريث (خصائص و صفات
المتحدِّرين مُرتبطة بخصائص
الأسلاف).
(3)التحفيز.
(4)استخدام الطاقة (الأيض في
الخلايا).
بالحد الأدنى, إن هذه الوظائف
الأربعة مطلوبة لتوليد
العمليّة الطبيعيّة التي من
الممكن وصفها بـ"شجرة الحياة
التاريخيّة".
فإذا كان كل نوع حي قد انحدر من
نوع أقدم, و ذلك النوع الأقدم قد
امتلك هذه الوظائف الأربعة
الإلزاميّة, فإنَّ كل الأنواع
الحيّة اليوم يجب بالضرورة أن
تمتلك هذه الوظائف الأربعة (خاتمة
بديهيّة جداً!). و الأكثر أهميّة
مع ذلك هو أنَّ كل الأنواع
المعاصرة يجب أنها قد ورِثَت
البُنى التي تقوم بتأدية هذه
الوظائف. و هكذا, لدينا تنبؤ
أساسي عن الترابط السُلاليّ بين
كل أشكال الحياة, و هذا التنبؤ
مدموج مع قيد التدرُّجيّة.
إذا يقول هذا التنبؤ: الكائنات
الحيّة يجب أن تكون متشابهة
جداً في بعض التركيبات و البُنى
و بعض الآليّات التي تستخدمها, و
التي جميعاً تنفِّذ هذه الوظائف
الأربعة الأساسيّة للحياة.
التأكيدات
على صحّة التنبؤ:
1-المركبات الكيميائيّة
المشتركة للحياة (البوليمرات):
إنَّ كل التراكيب أو البُنى التي
تستخدمها كل الكائنات الحيّة
المعروفة لتأدية هذه العمليّات
الأربعة الرئيسيّة, كل هذه
التراكيب متشابهة جداً, بغضَّ
النظر عن الفروقات البسيطة. فكل
الكائنات الحيّة تستخدم
البوليمرات لتأديّة هذه الوظائف
الأربعة الرئيسيّة. و قد قام
علماء الكيمياء العضويّة بتركيب
مئات البوليمرات المختلفة, و مع
ذلك فإنَّ البوليمرات التي
تستخدمها الكائنات الحيّة في كل
الأنواع, هي ثلاثة فقط:
1-البولينكليوتيدات ( و هي
بوليمرات خطيّة مُكوَّنة من
العديد من الوحدات
النكليوتيديّة, و تُشكل مقطع من
جزيء الحمض النووي).
2-البوليبيبتيدات (مجموعة من
الحموض الأمينيّة المتَّحدة مع
بعضها).
3-البوليساكورايدات (كربوهيدرات
معقَّدة تتكوَّن من أكثر من سكر
واحد).
بغض النظر عن نوع الكائن الحي,
فإنَّ البروتينات و الـDNA و الـRNA
المُستخدمة في الأنظمة الحيّة
المعروفة, تمتلك نفس خاصيّة
تركيب الجزيئات بشكل غير متطابق,
بالرغم من أنه يوجد على الأقل
اختياران متكافئان كيميائيّاً
لكل من هذه الجزيئات.
على سبيل المثال, لدى الـRNA أربعة
مراكز في حلقة الرايبوس, و هي غير
قابلة للتداخل مع نُسخها
المُكافئة لها, و ذلك يعني أن الـRNA
يمتلك 16 آيسومرات مجسّمة محتملة
و لكن واحد فقط منها يوجد في RNA
الكائنات الحيّة المعروفة.
(الرايبوس: هو سكر خماسيّ
البلورات يتشكل عند حلمأة الـRNA (أي
تحللهُ بالماء)).
(الآيسومر المجسَّم: أحد مركبين
كيميائيين يمتلكان بنية جزيئيّة
متطابقة, و لكن يختلفان في
الترتيب المكاني للذرَّات).
2-الحموض الأمينيّة هي المادة
الوراثيّة للحياة:
تم عزل الحموض النووية للمرة
الأولى من قِبَل فريدريك ميسكار
عام 1869, و ذلك بعد عشرة سنوات من
نشر كتاب أصل الأنواع. و استغرق
الأمر 75 سنة بعد ذلك الاكتشاف
قبل أن يتم تعريف الـDNA و تمييزه
كمادة الحياة الوراثيّة. (Avery
et al 1944)
من المعقول جداً أننا وجدنا مواد
وراثيّة مختلفة لكل نوع من
الكائنات الحيّة. و في الحقيقة,
مازال من الممكن أن الأنواع
المكتشفة حديثاً قد تمتلك مواد
وراثيّة غير معروفة لنا. و لكن مع
ذلك, فكل أنواع الحياة المعروفة
تستخدم نفس البولميرات و
البولينكليوتيدات (DNA أو RNA)
لتخزين المعلومات الخاصة للنوع.
كل الكائنات الحيّة المعروفة
تؤسس عمليّة التكرار التي تقوم
بها, على نسخ و مضاعفة الجزيئات.
و الـDNA المُستخدم من قِبَل
الكائنات الحيّة مُركّب
باستخدام أربع نوكليوسايدات فقط
(ديوكسايدانازين, ديوكساثيميدين,
ديوكسيسيتيدين, و
ديوكسيغوانوزين) من العدد
الكبير المعروف (على الأقل 102
منها تتشكَّلُ في الطبيعة تحت
التأثيرات الطبيعيّة , و
العديد منها قد تم تركيبهُ بشكل
اصطناعيّ في المختبرات).
((Rozenski
et al.1999)-(Voet and Voet1995,p.969))
3-التحفيز الكيماوي
للبروتينات:
لكي تقوم الكائنات الحيّة
بتأدية الوظائف الضروريّة
للحياة, يجب عليها أن تُحفِّز
التفاعلات الكيميائيّة. و في كل
الكائنات الحيّة المعروفة,
التحفيز الإنزيميّ مُستندٌ على
إمكانيّاتٍ تُوفِّرها جزيئات
البروتين (و في بعض الحالات
النادرة لكن المهمة, توفِّرها
جزيئات الـRNA).
يوجد أكثر من 390 حمض أميني تتشكل
طبيعيِّاً, ((Voet
and Voet1995,p.69)-(Garavelli et al.2001)), لكن
جزيئات البروتين التي تستخدمها
كل الكائنات الحيّة المعروفة
تتشكل بنفس مجموعة الحموض
الأمينيّة الاثنين و عشرين.
الشيفرة
الوراثيّة المشتركة, العالميّة:
لا بُدَّ من وجود آلية لنقل
المعلومات من المادة الوراثيّة
إلى المادة المُحفّزة. و كل
الكائنات الحيّة, عدا بعض
الاستثناءات النادرة, تستخدم
نفس الشيفرة الوراثيّة لتقوم
بذلك.
الاستثناءات المعروفة القليلة,
مع ذلك, هي اختلافات بسيطة من
الشيفرة الوراثيّة العالميّة
((Lehman2001)-(Voet
and Voet1995,p.967)),
و ذلك تماماً كما تنبأ علماء
الأحياء التطوُّريِّون
بالاستناد على نظريّة الأصل
المشترك قبل سنواتٍ عديدة من
الحل النهائيّ للشيفرة
الوراثيّة.
((Brenner1957)-(Crick
et al.1961)-(Hinegardner and
Engelberg1963)-(Judson1996,p.280-281))
إنَّ العلماء الذين حلّوا رموز
الشيفرة الوراثيّة في خمسينيّات
و ستّينيّات القرن العشرين, قد
عملوا تحت فرضيّة أنَّ الشيفرة
الوراثيّة هي شيفرة عالميّة.
(Judson
1996, p. 280-281)
جميع هؤلاء العلماء (فرانسيز
كريك, وسيدني برينير, و جورج غامو,
و عدة علماء آخرين) اتَّبعوا ذلك
الفرض و برروهُ بالاستناد على
الاستنتاجات التطوُّريّة, حتى
في غياب أي دليل تجريبيّ مباشر
للشيفرة الوراثيّة العالميّة.
"ألحَّ كريك على فرضيّتي
مبسَّطتين جريئتين لرفاقِهِ
الآخرين....فقد افترضوا, ببعض
القلق, أنَّ الشفرة الوراثيّة قد
تكون هي نفسُها لكل الأشياء
الحيّة. و لمن يكن من دليل على
ذلك الفرض.... رغم ذلك, بَدَت
العالميّة حتميّة لسبب واضح.. و
هو أنَّ الطفرة التي تغيّر حرف
أو كلمة واحدة من الشيفرة,
ستغيّر معظم بروتينات الكائن
الحي, و قد بدت بكل تأكيد طفرة
مهلكة"
(Judson1996,p.280-281)
في الحقيقة, كانت فرضيّة الشيفرة
الوراثيّة العالميّة إحدى
الأدوات التي قادتهم للنجاح في
حل الشيفرة.
على سبيل المثال, قبل عشرة سنوات
تقريباً من حل الشيفرة
الوراثيّة, في عام 1957, نشر سدني
برينير ورقة بحثيّة مؤثرة, حيث
استنتجَ فيها أنَّ كل الشيفرات
الثلاثيّة المُتداخلة, مستحيلة
إذا كانت الشيفرة عالميّة.
(Brenner
1957)
اعتُبِرت تلك الورقة على نطاق
واسع, نقطة تحوُّل لأنَّ العديد
من الباحثين كانوا يميلون نحو
الشيفرة المتداخلة. بالطبع,
تبيّن أنَّ برينير كان مُحقَّاً
حول طبيعة الشيفرة الوراثيّة
الحقيقيّة.
في عام 1961, قبل خمس سنوات من حل
الشيفرة, أشارَ كريك إلى ورقة
برينير البحثيّة في تقريره, الذي
شكل نقطة تحوُّل أيضاً, إلى "مجلة
الطبيعة", "الطبيعة العامة
لشيفرة البروتينات الوراثيّة"
(Crick
et al.1961).
بالرغم من أنَّ مثال الكائن الحي
المستخدم في الورقة البحثيّة
كان "بكتيريا إي.كولاي",
عنوَنَ كريك البحث بعنوان "الشيفرة
الوراثيّة للبروتينات" و ليس
"الشيفرة الوراثيّة" أو "الشيفرة
الوراثيّة للبكتيريا إي.كولاي".
في تلك الورقة, استنتج كريك و
معهُ علماء آخرون أنَّ الشيفرة:
(1) ثلاثيّة
(2) غير متداخلة
(3) يُمكِن قراءتها من نقطة بداية
ثابتة (و هي كودون البداية). (Crick
et al.1961)
(الكودون:سلسلة من ثلاث
نيكليوتيدات, تُشكل معاً مقطع من
الشيفرة الوراثيّة في جزيء DNA أو
RNA)
كانت هذه الاستنتاجات مستندةٌ
بشكلٍ واضح على فرضيّة أنَّ
الشيفرة هي نفسها في التبغ و
البشر و البكتيريا, بالرغم من
عدم وجود دعم تجريبيّ مباشر لها.
عندما تم تطبيق هذه الاستنتاجات
على الكائنات الحيّة من
البكتيريا إلى البشر, تبيّن أنها
صحيحة. و هكذا, فالعمل التجريبيّ
افترض أيضاً وجود شيفرة عالميّة
نتيجةً لنظريّة الأصل المشترك.
في عام 1963, قبل ثلاث سنوات من حل
الشيفرة الوراثيّة, نشَر "هينيغاردنير"
و "إينجلبوغ" ورقة بحثيّة
في مجلة "العلم" يشرحان
فيها رسميّاً التفسير التطوُّري
للسؤال: لماذا يجب أن تكون
الشيفرة الوراثيّة عالميّة إذا
كانت فرضيّة الأصل المشترك
صحيحة, وذلك لأن معظم الطفرات في
الشيفرة من المحتمل أن تكون
قاتلة لكل الكائنات الحيّة.
بالرغم من أنَّ هؤلاء الباحثين
الأوائل قد توقعوا أن تكون
الشيفرة الوراثيّة عالميّة
بالاستناد على الأصل المشترك, و
توقّعوا أيضاً وجود اختلافات
بسيطة في تلك الشيفرة.
هينيغاردنير و إينجلبوغ, سما
بوجود بعض الاختلافات في
الشيفرة الوراثيّة ضمن
استنتاجاتهم, و تنبئا كيف يجب
لمثل هذه الاختلافات أن تنتشر,
إذا وُجِدَت.
"...إذا كانت الشيفرات
الوراثيّة المختلفة موجودة حقاً,
فيجب أن تكون مُرتبطة مع تصنيفات
كبيرة من مجموعات الكائنات
الحيّة التي تعيش في مكان أو
زمان محدد, و التي تمتد جذورها
بعيداً في الماضي."
(Hinegardner
and Engelberg 1963)
و بنفس الطريقة, قبل أن يتم البحث
عن الشيفرات البديلة, "فرانسيس
كريك" و "ليزلي أوغل"
عبَّرا عن تفاجئهما بأنَّ
المتغيّرات البسيطة في الشيفرة
لم تتم ملاحظتها بعد: "إنه من
المفاجئ إلى حدٍّ ما أنَّنا لم
نلاحظ للآن الشيفرات الوراثيّة
المختلفة جداً للكائنات الحيّة."
(Crick
and Orgel1973,p.344)
لقد كان كريك و أورغل محقَّان في
تفاجئهم, فنحنُ نعرفُ اليوم
بوجود عشرات الاختلافات عن
الشيفرة الوراثيّة العالميّة
القياسيّة.
كما تنبَّأ هينيغاردنير و
إينجلبوغ, الاختلافات البسيطة
في الشيفرة الوراثيّة القياسيّة
هي في الحقيقة مرتبطة مع تصنيفات
كبيرة من مجموعات الكائنات
الحيّة (الفقاريّات, النباتات,
وحيدات الخلايا ذات الأهداب..إلخ).
-عمليّة
التحول الغذائي المشتركة(الأيض):
كل الكائنات الحيّة المعروفة
تستخدم طرق أيض و أنزيمات أيضيّة
لمعالجة جزيئات الطاقة, متشابهة
جداً, إن لم تكن متطابقة.
على سبيل المثال,كل أنظمة
التحويل الغذائي الأساسيّة في
الكائنات الحيّة تعتمد على
تحطيم جزيئات الكربوهيدرات
بواسطة الإنزيمات, و كل دورات
حامض الستريك و عمليّات اندماج
الفوسفات المؤكسد.
في كل الكائنات الحيّة متعددة
الخلايا (كل خليّة تمتلك نواة و
كروموسومات داخلها), و كل
الكائنات الحيّة وحيدات الخلية
التي لا تمتلك غشاء نسيجي خلوي (مثل
البكتيريا و الطحالب الزرقاء و
الخضراء), في جميع هذه الكائنات
يتم تنفيذ عمليّة تحطيم
الكربوهيدرات وِفق نفس الخطوات
العشر و بنفس الترتيب و باستخدام
نفس الإنزيمات العشرة.
(Voet
and Voet1995,p.445)
و بالإضافة لذلك, فإنَّ الوحدة
الأساسيّة لتخزين الطاقة, جزيء
ثالث فوسفات الأدينوساين (ATP), هي
نفسها في كل الأنواع الحيّة التي
تمت دراستها.
التزييفات
المحتملة:
يتم اكتشاف آلاف الأنواع
الجديدة سنويّاً, و يتم تحديد
سلاسل بروتينيّة و سلاسل DNA
جديدة يوميّاً, و ذلك من أنواع لم
تخضع للدراسة و الفحص سابقاً. (Wilson1992,Ch.
و وِفقاً للمعدل الحالي الذي
يزداد بشكل كبير جداً, فإنَّ 30
ألف سلسلة جديدة تُودَع في بنك
الجينات كل يوم, و ما مجموعهُ 38
مليون سلسلة أساسيّة كل يوم.
كلٌ من هذه السلاسل هي اختبار
لنظريّة الأصل المشترك.
عندما كتبت هذه الكلمات للمرة
الأولى في 1999م, كان المعدل أقل من
واحد على عشرة من المعدل الحالي (في
2006م), و لدينا الآن 20 مرة ضعف
كميّة سلاسل الـDNA التي كانت
لدينا حينها.
بالاستناد على نظريّة الأصل
المشترك فقط, و على علم الوراثة
للكائنات الحيّة المعروفة للآن,
فنستطيع أن نتوقّع بقوّة أننا:
لن نجد أي كائنات حيّة معاصرة من
تصنيفات معروفة على كوكب الأرض,
تمتلك مواد وراثيّة غريبة لا
تعتمد على الحمض النووي.
نتوقّع أيضاً بقوّة أنَّ كل
الأنواع المكتشفة حديثاً التي
تنتمي إلى التصنيفات المعروفة
لدينا, جميعها تستخدم "الشيفرة
الوراثيّة القياسيّة" أو أي
شكل قريب مشتق منها.
على سبيل المثال, و حسب نظريّة
الأصل المشترك, لن تمتلك أي من
آلاف أنواع الحشرات الجديدة
المكتشفة في الغابة المطريّة
البرازيليّة, جينات لا تعتمد على
الحمض النووي. و لا أي من أنواع
الحشرات التي لم تكتشف بعد, لن
يمتلك أشكال قريبة و مشتقّة من
الشيفرة الوراثيّة القياسيّة.
في غياب نظريّة الأصل المشترك,
من المحتمل تماماً أن يكون لكل
نوع من الأنواع شيفرة وراثيّة
مختلفة جداً عن الأنواع الأخرى,
مخصصة له فقط, بما أنَّه لدينا
1.4X1070 شفرة وراثيّة مكافئة
معلوماتيّاً, و جميعها تستخدم
نفس الكودونات و الأحماض
الأمينيّة مثل الشيفرة
الوراثيّة القياسيّة. (Yockey
1992)
(الكودون: هو ترتيب الجينات في
الكروموسوم)
هذه الإمكانيّة يُمكن أن تكون
مفيدة جداً للكائنات الحيّة, و
ذلك لأنها ستحول دون انتشار
الأمراض و الأوبئة الفيروسية
بين الأنواع المختلفة. مع ذلك, لم
يتم ملاحظة أي شيء شبيه بذلك, و
حسب نظريّة الأصل المشترك, فهكذا
مشاهدات لن تُوجد في الطبيعة
أبداً.
مثال آخر, تسعة من قردة الليميور
(حيوان من فصيلة القردة طويلة
الذنب), و إثنان من القردة
الأمريكيّة الصغيرة, قد
اكتُشِفت في غابات مدغشقر و
البرازيل في عام 2000م.
((Groves2000)-(Rasoloarison
et al.2000)-(Thalmann and Geissmann2000))
عشرة أنواع جديدة من القردة قد
اكتُشِفت في البرازيل فقط منذ
عام 1990. (Van
Roosmalen et al.2000)
لا يوجد شيء في علم الأحياء يقول
أن هذه الأنواع المتنوّعة لا يجب
أن تمتلك مادة وراثيّة غير
معروفة لدينا, أو مادة وراثيّة
غير مُستخدمة سابقاً في أي من
الأنواع الحيّة, لا شيء آخر في
علم الأحياء إلا نظريّة الأصل
المشترك, التي تقول بكل وضوح أن
هذه الأنواع الجديدة يجب أن
تستخدم الـDNA في الشيفرة
الوراثيّة القياسيّة, و ذلك
تماماً كما اكتُشِفَ لاحقاً. (Yoder
et al.2000)
علاوةً على ذلك, كل نوع منها
يُمكن أن يستخدم بوليمر مختلف من
أجل عمليّات التحفيز, و قد تكون
أيضاً البوليمرات متطابقة
كيميائيّاً و لكنها تمتلك
متكافئات مختلفة في كل نوع حي.
يوجد آلاف الطرق المتكافئة
للقيام بعمليّة تحطيم
الكربوهيدرات بالأنزيمات (حتى
باستخدام نفس الخطوات لكن
بترتيب مختلف), لذلك فمن الممكن
أن يكون لكل نوع طريقته الخاصة
لتحطيم الكربوهيدرات وفق
احتياجاته الخاصة. و نفس المبدأ
ينطبق على بقيّة الطرق المتّبعة
في عملية التحويل الغذائي, مثل
دورة حامض الستريك و عمليّات
اندماج الفوسفات المؤكسد. و
أخيراً, يوجد العديد من الجزيئات
التي تستطيع أن تأخذ مكان جزيء
الـATP كعملة الطاقة المُشتركة
بين الأنواع المختلفة (CTP,TTP,UTP,ITP,أو
أي جزيء شبيه بالـATP و لديه واحد
من 293 حمض أميني معروف, أو إحدى
عشرات الأسس الأخرى التي من
الممكن أن تستبدل الأدينوساين).
(الأدينوساين: نيكليوسايد
كريستاليّ أبيض مشتق من الحمض
النووي الريبي, و يتكوّن من
أدينين متّحد مع رايبوس).
ملاحظة:
(سأستخدم "تدرُّجات متداخلة
أو متتالية"
-Nested Hierarchichy- للتعبير عن معنى:
نظام معيّن يتم ترتيب الأنواع
الحيّة فيهِ
فوق بعضها البعض حسب الرتبة أو
المنزلة).
التنبؤ
1.2: تدرُّجات الأحياء المتداخلة
المتتاليّة:
كما نرى في الشجرة التأريخيّة في
الشكل
(1), فإنَّ النمط المتوقّع
للكائنات الحيّة عند أي نقطة
محددة في الزمن, يُمكن وصفهُ بـ"مجموعات
ضمن مجموعات", و يُعرف أيضاً
بالتدرجات المتداخلة.
و العمليّات الوحيدة المعروفة
التي تولِّد أنماط مرتبيّة
معششة متميّزة, هي عمليّات
التفرُّع التطوريّة.
إنَّ الأصل المشترك عبارة عن
عمليّة وراثيّة, تكون فيها حالة
الجيل الحالي معتمدةً على
التغيرات الوراثيّة فقط, التي
حدثت منذ آخر سلف أو مجموعة
سلاليّة لهذا الجيل. لذلك, فإنَّ
التطوُّر التدريجي من أسلاف
مشتركين يجب أن يتوافق مع
رياضيّات "متسلسلات و عمليات
ماركوف" (Markov processes and Markov chains).
باستخدام رياضيّات ماركوف,
نستطيع أنَّ نُثبت بصرامة أنَّ
أنظمة ماركوف المتكرِّرة
المتفرِّعة تُنتِجُ تدرُّجات
متداخلة.
((Givnish
and Sytsma1997)-(Harris1989)-(Norris1997))
|

|
Fossil hominid skulls. Some of the
figures have been modified for ease of comparison
(only left-right mirroring or removal of a jawbone).
(Images © 2000 Smithsonian
Institution.)
- (A) Pan troglodytes, chimpanzee,
modern
- (B)
Australopithecus africanus, STS
5, 2.6 My
- (C) Australopithecus
africanus, STS
71, 2.5 My
- (D) Homo habilis, KNM-ER
1813, 1.9 My
- (E) Homo habilis, OH24,
1.8 My
- (F) Homo rudolfensis, KNM-ER
1470, 1.8 My
- (G) Homo erectus, Dmanisi
cranium D2700, 1.75 My
- (H) Homo
ergaster (early H. erectus), KNM-ER
3733, 1.75 My
- (I) Homo heidelbergensis, "Rhodesia
man," 300,000 - 125,000 y
- (J) Homo
sapiens neanderthalensis, La
Ferrassie 1, 70,000 y
- (K) Homo
sapiens neanderthalensis, La
Chappelle-aux-Saints, 60,000 y
- (L) Homo
sapiens neanderthalensis, Le
Moustier, 45,000 y
- (M) Homo
sapiens sapiens, Cro-Magnon
I, 30,000 y
- (N) Homo sapiens sapiens, modern
|
لهذه الأسباب, يستخدم علماء
الأحياء متسلسلات ماركوف بشكلٍ
روتينيّ لاكتشاف و تصميم
العمليّات التطوريّة عمليّاًَ,
بما يتضمن العمليّات الوراثيّة
المعقدة, و التوزيعات المؤقتة
لألقاب مجموعات الكائنات الحيّة,
و سلوك الجراثيم و الفيروسات في
الأوبئة.
(Galton
and Watson1874)
إنَّ التنظيم المرتبيّ المتداخل
للأنواع يتناقض بشدة مع الأنماط
البيولوجيّة الأخرى المحتملة,
مثل استمراريّة "السلسلة
العظيمة للوجود" و الكميّات
المتّصلة المتسلسلة,
المُتَوقَّعة في نظريّة لامارك
للتعاقب العضوي (organic progression).
((Darwin1872,pp.552-553)-(Futuyma1998,pp.88-92))
إنَّ مجرّد التشابه بين
الكائنات الحيّة ليس كافياً
لدعم الماكروتطوُّر, فنمط
التصنيف المتداخل المُنتَج عن
طريق العمليات التطوريّة
المتفرعة مثل الأصل المشترك, هو
نمط محدد أكثر بكثير من أن يكون
مجرّد تشابه بسيط.
أمثلة الأشياء من العالم
الحقيقي التي لا يُمكن أن
تُصنَّف بموضوعيّة في التدرجات
المتداخلة, هي الجزيئات
الأوليّة (التي يتم وصفها في
الكرومودايناميك الكوانتي: و هي
نظريّة تصف التفاعل القوي بلغة
التفاعل بين الكواركات المنقولة
بواسطة الغلووينات), و العناصر (التي
يتم وصف تنظيمها في ميكانيك الكم,
و موضَّحة في الجدول الدوري
للعناصر), و الكواكب في نظامنا
الشمسيّ, الكتب في المكتبة, أو
الأجسام المصممة خصّيصاً مثل
الأبنية و الأثاث و السيارات...إلخ.
بالرغم من أنه من البديهي أن
نصنّف أي شيء بشكلٍ ذاتي بطريقة
مرتبيّة, لكن بعض الأشياء فقط
ممكن أن تُصنَّف موضوعيّاً ضمن
تدرّجات متداخلة ثابتة و مميزة.
إنَّ الفرق بين "موضوعي" و
"ذاتي", هو فرق حاسم هنا و
يتطلب بعض التوسّع في الشرح و من
الأفضل أن يتم توضيحه بالأمثلة.
يُمكن تصنيف نماذج السيارات
المختلفة بشكلٍ مرتبيّ,
فنستطيعُ أن نصنفها أولاً حسب
اللون مثلاً, و من ثم ضمن كل لون
حسب عدد العجلات, ثم ضمن كل تصنيف
لعدد معيّن من العجلات نصنفها
حسب الشركة المنتجة..إلخ
مع ذلك, يُمكن أن يقوم شخص آخر
بتصنيف نفس نماذج السيارات,
أولاً حسب الشركة المنتجة, ثم
حسب الحجم, ثم سنة الإنتاج, ثم
اللون...إلخ.
فمخطط التصنيف الذي تم اختياره
للسيارات, هو مخطط ذاتيّ, و بعكس
ذلك, فاللغات البشريّة, التي
تمتلك أسلاف من اللغات و مشتقة
من لغات أقدم مع تعديلات, عموماً
يُمكن تصنيفها موضوعيّاً ضمن
تدرُّجات متداخلة.
((Pei1949)-(Ringe1999))
منطقيّاً, لن يُجادل أحد أن
اللغة الأسبانيّة يجب أن
تُصنَّف مع الألمانيّة بدلاً من
البرتغاليّة. و يكمن الفرق بين
تصنيف السيارات و تصنيف اللغات
في حقيقة أنَّ بعض الصفات (اللون
أو الشركة المنتجة مثلاً) يجب أن
تُعتبر أكثر أهميّة من الصفات
الأخرى, و ذلك لكي يكون التصنيف
فعّال. تحديد أي من صفات السيارة
أكثر أهميّة, يعتمد على التفضيل
الشخصي للشخص الذي يقوم
بالتصنيف.
و بكلمات أخرى, أنواع محددة من
الصفات, يجب أن تُقدَّر ذاتيّاً
لكي نستطيع تصنيف السيارات في
تدرّجات متداخلة, فالسيّارات لا
يُمكن أن تُصنَّف موضوعيّاً في
تدرجات متداخلة طبيعيّة متميّزة.
بسبب هذه الحقائق, فإنَّ تحليل
إحصائيّ لصفات السيّارات لن
يُنتج شجرة ثابتة متميّزة و
مدعومة بشكل جيّد, ممكن أن نرى
فيها تدرجات متداخلة. إن تحليل
إحصائي لصفات السيّارات (أو
بدلاً عن ذلك, تحليل إحصائيّ
لصفات كائنات حيّة خياليّة
تمتلك صفات تم توزيعها بشكلٍ
عشوائيّ) سيُنتِج بالتأكيد شجرة
تأريخيّة, لكن سيكون هناك عدد
كبير جداً من أشجار تأريخيّة
محتملة و يمتلك العديد من هذه
الأشجار توبولوجيات مختلفة, و
جميعها مدعومة بشكلٍ جيد
بالبيانات المتوفرة.
و بعكس ذلك, فتحليل إحصائيّ
لصفات الكائنات الحيّة أو
اللغات البشريّة, سيؤدي إلى
تدرجات متداخلة مدعومة بشكلٍ
جيّد, بدون منح بعض الصفات
أهميّة كبيرة اعتباطيّاً. (Ringe1999)
إنَّ تحليلاً إحصائيّاً لعمليّة
سُلاليّة حقيقيّة, يُنتج شجرة أو
عدة أشجار تأريخيّة مترابطة, حيث
تكون هذه الشجرة مدعومةً
بالبيانات بشكلٍ أفضل بكثير من
باقي الأشجار المحتملة.
و مما يُثير الاهتمام أنَّ
لينايوس الذي اكتشف التصنيف
التراتبي أو المرتبيّ الموضوعي
للكائنات الحيّة, حاول أيضاً أن
يُصنِّف المعادن و الصخور بنفس
الأسلوب. و قد فشلَ تصنيفهُ
للأشياء غير الحيّة في النهاية,
بسبب الوصول إلى نتيجة أن هذا
التصنيف غير موضوعيّ أبداً. و
التصنيفات المرتبيّة للأشياء
غير الحيّة لا تعمل بشكل جيّد
لأنها, على عكس الكائنات الحيّة,
لا تتطوّر هابطةً مع تعديلات من
أسلاف مشتركين.
يُمكن أن تُحدد بصرامة الدرجة
التي تقيس قدرة الشجرة
التأريخيّة على أن تُظهر لنا
موضوعيّاً تدرجات متداخلة
متميّزة. و قد تم تطوير عدة
اختبارات إحصائيّة مختلفة بهدف
تحديد وصف دقيق للتدرجات
المتداخلة للأشجار التأريخيّة
إن كانت "موضوعيّة" أو "ذاتيّة",
أو هل يُمكن لتدرُّج متداخل ما
أن يكون قد تشكّل بعمليّة حصلت
بالصدفة عوضاً عن العمليّات
السلاليّة.
(Swofford1996,p.504)
تقيس هذه الاختبارات درجة "البُنية
المرتبيّة المتداخلة" (تُعرفُ
أيضاً باسم "إشارة الشجرة
التأريخيّة") في شجرة ما, حيثُ
تُعطي الأشجار التأريخيّة
المستندة على عمليّات سلاليّة
حقيقيّة درجات عالية على مقياس
البنية المرتبيّة المتداخلة.
بينما تستقر الأشجار التأريخيّة
المحددة ذاتيّاً, و التي تمتلك
بنيّة مرتبيّة ظاهرياً فقط, على
درجات منخفضة في نفس المقياس.
((Archie1989)-(Faith
and
Cranston1991)-(Farris1989)-(Felsenstein1985)-(Hillis1991)-
(Hillis and Huelsenbeck1992)-(Huelsenbeck et
al.2001)-(Klassen et al.1991))
يوجد لدينا تحذير واحد يجب أن
يُؤخذ بعين الاعتبار في هذا
التنبؤ, و هو: إذا كانت معدلات
التطور سريعة, فيُمكن للمعلومات
الإحصائيّة للصفات أن تُفقد
بمرور الزمن لأنها بشكل أساسيّ
موزّعة عشوائيّاً. و كلما كان
معدَّل التطوُّر أسرع, كلما أصبح
الوقت اللازم لإزالة معلومات
نمط التفرُّع التطوٌّري,أقل.
إنَّ الصفات البطيئة التطوُّر
تفسح لنا المجال لنرى إلى وقتٍ
بعيد في الماضي, فالتطوُّر
السريع للصفات يحد من تلك النظرة
إلى الأحداث الأكثر حداثةً في
الزمن التطوّريّ.
إذا كان معدل التطور لصفة ما
بطيء جداً, فستتم ملاحظة تدرُّج
متداخل لتلك الصفة و ضمن مجموعة
من الكائنات الحيّة المرتبطة
ببعضها البعض إلى أوقاتٍ بعيدة
في الزمن الماضي. و على كل
الأحوال, فإنَّ "معدل التطور"
و "الوقت منذ الإنفصال"
سيبقيان مرتبطان إذا كان الأصل
المشترك حقيقيّ. و من ثم في إطار
زمني ما, سنكون دائماً قادرين
على ملاحظة تدرجات متداخلة لأي
صفة مُعطاة.
علاوة على ذلك, نحنُ نعلم
تجريبيّاً أنَّ الصفات المختلفة
تتطوُّر وفق معدلات مختلفة (على
سبيل المثال, بعض الجينات تمتلك
معدَّل تطفُّر أعلى من جينات
أخرى).
و هكذا, إذا كان الأصل المشترك
حقيقيّ, يجب أن نلاحظ وجود
تدرجات متداخلة على مدى كبير من
الوقت في مستويات بيولوجيّة
مختلفة.
إذاً يقول هذا
التنبؤ:
_لأن الأصل المشترك عمليّة
سُلاليّة, فيجب أن ينتج عنه
كائنات حيّة يُمكن تنظيمها
موضوعيّاً في تدرُّجات متداخلة.
_و بشكل مكافئ, نتوقّع عموماً
أنَّ التحليل الإحصائي لصفات
الكائنات الحيّة, يجب أن يُنتِج
أشجار تأريخيّة تمتلك درجات
عالية على مقياس البُنية
المرتبيّة المتداخلة (في
الممارسة العلميّة القياسيّة
النتيجة ذات "الأهميّة
الإحصائيّة العالية", هي
النتيجة التي تمتلك احتمال 1% أو
أقل في أن تحدث بالصدفة
[P<0.01]).
_ و كتمثيلٍ للأصل المشترك
العالميّ, يجب أن تمتلك الشجرة
العالميّة للحياة و إشارتها,
بُنية مرتبيّة عالية التقييم
على مقياس البُنية المرتبيّة.
مصادر:
الجزء الرابع: صحة التنبوء والتزييف
الجزء الخامس: الاشكال المتوسطة والانتقالية
الجزء السادس: شجرة البشر والتزييفات المحتملة