علـم البيلوجيـا
 
 


 الجينوم البديل


 

SCIENTIFIC AMERICAN APRIL 2005
                                                                                                                                                                                                 By Gil Ast**
One gene, one protein” no longer holds true. The more complex an organism, the more likely it became that way by extracting   multiple protein meanings from individual genes     


عبارة "جين واحد بروتين واحد" لم تعد صحيحة كما كان سابقاً. فكلما ازداد تعقيد الكائن الحي كلما أصبح عدد البروتينات المحمولة على نفس الجين أكثر.

في ربيع عام 2000 أخذ البيولوجيين الجزيئيينَ يتراهنون على عدد الجينات في الجينوم عند انتهى فك DNA الكامل للإنسان.  . التخمينات في ذلك الوقت وصلت إلى الـ153,000 جين. مع ذلك، قال أخرون، بان عدد البروتينات البشرية حوالي 90,000 نوعَ مختلفَ مِنْ البروتينِ، لذا  يَجِبُ أَنْ يكونَ عدد الجينات في تلك الحدود. وبالنظر إلى تعقيدَنا، فاننا يَجِبُ أَنْ يكونَ لدينا تشكيلة وراثية أكبر مِنْ دودة  ، Caenorhabditis elegans، والتي لديها حوالي ألف خلية وتمتلك   19,500  جينِ تشفير ، ومجموع جيناته بالكامل 40,000. عندما  نُشِرتْ أول نسخة من مُسوّدة السلسلةِ الوراثية الإنسانيةِ في الصيفَ التاليَ بَعْض المراقبين صُدِموا ، بوجود 30,000 إلى 35,000 جين مسئول عن تشفير البروتين فقط لدى الإنسان. العدد المنخفض بَدا محرجاً ومخيباً لتوقعات. ,ومنذ نشر تلك النتائج تم مراجعة الجينوم البشري عدة مرات أدت تلك المراجعات إلى خفض عدد الجينات المشفرة للبروتين إلى أقلِ مِنْ 25,000. على أية حال وأثناء نفس الفترةِ،, فأن علماء الوراثة فهموا بان العدد المنخفض للجينات المشفرة هو علامة على تعقيدنا لأننا وبهذا العديد القليل من الجينات أستطيع الإنسان صنع مجموعة كبيرة ومتنوعة من البروتينات.

خلال عملية تدعى بــ (التظفير البديل ) (فصل –ربط) alternative splicing ، المعلومات المخزنة في جيناتِ الكائنات الحية المعقّدةِ يُمْكِنُ أَنْ تُحرّرَ بعدة طرقِ، وذلك جَعْل بستطاعت الجين الوحيد أن يقوم بتحديد بروتينين او أكثر. وبينما يُقارنُ علماءَ الوراثة الجينوم البشريَ إلى مثيلاته في الكائنات الحية الأخرى، يُدركونَ مدى أثر التظفير البديل على التنوع الذي تمتاز به الكائنات مقارنة مع حجم الجينوم الصغير نسبياً. هذا بالإضافة، إلى تأثيره ضمن الكائن الحي الواحد، وقدرته على السماح بظهور أنواعِ مختلفةِ من الأنسيجِه لأداء وظائفِ متنوّعةِ تَعْملُ مِنْ نفس تشكيلةِ الجيناتِ الصغيرةِ. في الحقيقة، فأن معدلات التظفير البديل يزداد بزيَاْدَة التعقيد فيِ الكائن حي, بحدود ثلاثة أرباع كُلّ الجينات البشرية خاضعة لـ التظفير البديل. من المحتمل أن الآلية نفسها ساهمتْ في تطورِ التعقيد في الكائنات الحيةِ ويُمْكِنُ أَنْ تَقُودَ تطورَنا لمدى أبعد. العلماء بْدوا يفهمون أيضاً كيف أن تظفير ( splicing )  لجينَ معيبَ يؤدي إلى عِدّة أمراض كسرطان وأمراض تناسلية، بالإضافة إلى الكيفية التي من خلالها يمكن استخدام آلية التظفير (splicing) في حلول علاجية.

الاختيارات المحورية

أهمية التظفير البديل لكثير من الكائنات الحية لا يمكن الاستهانة بها أبدا وتستحق الكثير من الاهتمام من قبل الباحثين  . فعلى سبيل المثال، حياة وموت الكائن يَعتمدانِ عليها عندما يجب يقرير مصير خلية تالفة وهل تستمر بالعَيْش أم لا. كُلّ خلية تشعر بالظروف الخارجية والداخلية لتقرر هل عليها أن تستمر في البقاء أو تقوم بعملية تدمير ذات مُبَرمَجة المعروفة بapoptosis. الخلايا التي لا تَستطيعُ تَصليح      DNA  فيها سيُنشّطُ برنامجَ apoptotic لديها. Craig B. Thompson من جامعة بنسلفانيا وزملائِه اكتشفوا مؤخراً بأنّ  جين يدعى بــ Bcl x، هو المنظّم للـــ apoptosis، ويتم استنساخها عبر آلية التظفير البديلة لينتج عن ذلك نوعين من البروتين ،  Bcl-x(L) and Bcl-x(S) . ،  Bcl-x(L) يقمع عملية ال  apoptosis، بينما الأخر ينشطها. أول اكتشاف لجين ينتج اكثر من بروتين تم قبل اكثر 25 سنة مضت، لكن الظاهرةَ اعتبرت نادرة. مقارنات الجينوم الأخيرةِ كَشفتْ بأنّ التظفير البديل شائع جدا وحاسم كذلك وقدمت إضافة جوهرية و مثيرة إلى وجهةِ النظر الكلاسيكيةِ عن الكيفية التي تترجم بها المعلومات المخزنة في جين إلى بروتين. لكن هذا لا يمنع أن أغلب الحقائقِ المألوفةِ مازالت صحيحة: كحتوى الجنيوم على كُلّ الأوامر الضرورية لصيانة وتكوين الكائن حي، مشفّرهَ في لغة مكونة من أربعة حروف مِنْ نكليوتيداتِ DNA (A,C,G,T). في الكروموسوماتِ البشرية، تقريباً ثلاثة بليون نكليوتيد مصطفة سويا على كُلّا جانبي اللولب المكون من خيطي DNA  . وعندما يحين الوقت لتفعيل أوامر الجينات يبدى لولب ال DNA بالإنفتال ليقوم كل خيط مفرد باستنساخ قريبه الكيمائي من ال RNA.



ُكلّ سلسلة نكليوتيداتِ DNA والتي تنتج نسخةِ  RNAبهذا الأسلوب تدْعَى بالجين. البعض مِنْ جزيئاتِ RNA الناتجة لا تترجم أبدا إلى بروتينِ لكنها تَذْهبُ للقيام بالوظائفِ التنظيميةِ ضمن الخليةِ [انظرِ "المورّث الغير مرئي: المجوهرات بين النفايات، "مِن قِبل دبليو . Wayt Gibbs؛ Scientificamerican نوفمبر/تشرين الثّاني 2003]. نسخ   RNA من الجيناتِ التي تشفّرُ البروتين في النهاية تذهب لتسَتقْرَ بالمكائنِ الخلوية والتي تقوم بترجمتها إلى سلسلة الأحماض الأمينية. لكن في البداية، النسخة الأولية من RNA  يَجِبُ أَنْ تَمْرَّ بعمليةِ تَحرير. في 1977 Phillip A. Sharp مِنْ معهد ماساشوسيتس التكنولوجي وريتشارد جْي . روبرتس مِنْ New England Biolabs إكتشفا بِأَنَّ هذه، النسخ الأولية من RNA مثل كُتُبِ تَحتوي العديد مِنْ الفصولِ غيرِ ذات مغزى أدخلتْ على مراحل ضمن النَصِّ. الفصول التي لا تحتوي معنى، تسمى introns، ويجب فصلها من الكتب لتجمع بعد ذلك من القطع الأخرى ذات المضمون ألمسماه exon لتكوين قصّة متماسكة. في عمليةِ قطع ورَبْط، تعرف بــ splicing أو التظفير، الـــ introns يتم قصة خارج النسخةِ الأساسيةِ ويتم التخلص منه. اما قِطَع exons فيتم تجميعها لتشكل النسخةِ النهائية المعروفة بـ (mRNA) ذات المغزى التي تترجم إلى سلاسل بروتينية، ، ، [انظر إلى الرسم التوضيحي]. لكن في عام 1980 أثبت Randolph Wall من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس بِأَنَّ وجهةِ النظر هذه لتظفير ( splicing )  لpremRNA ، التي يتم فيها التخلص من كُلّ introns والاحتفاظ بكُلّ exons في mRNA، لا تَصْحُّ دائماً. في الحقيقة، المكائن الخلوية يُمْكِنُ أَنْ "تُقرّرَ" أخرج  exon أَو تَرْك intron، أَو جزء منه، في النسخةِ النهائية للــ mRNA
هذه القدرةِ على تعديل نسخِة ال pre-mRNA  يُمْكِنُ أَنْ تَزِيدَ من طرق استخدام الجينِ الواحد بشكل ملحوظ وتَعطي آليةِ التظفير ( splicing ) قوَّةَ كبيرةَ لتَحديد كيفية وكمية إنتاج  نوعِ ما من البروتينِ في الخلية والأنواعِ المحتملةِ الأخرى كذلك والتي تشفر بنفس الجينِ.
في 1984 Tom Maniatis, Michael Green  وزملائهم في جامعةِ هارفارد طوّروا إجراء مختبري لكَشْف المكائنِ الجزيئيةِ التي تُؤدّي لقطع introns وإلصاق exons. وتفاصيل طرقِ عَمَلها، ونظامِ التحكم الذي يُسيطرُ عليها، والذي ما تزال البحوث جارية علية إلى حد ألان، لكن هذا البحثِ كشف عن نظامَ معقّدَ بشكل رائع وذو تفاصيل ساحرة.



ماكنة التظفير ( Splicing )

في الكائنات الحية المعقّدةِ، مستويان مُتميّزان مِنْ الأجهزةِ الجزيئيةِ المُشتَرَكة في تظفير نسخِ pre-mRNA. ما يسمّى بالمكائنِ الأساسيةِ، والتي تُوْجَدُ في كُلّ الكائنات الحية التي تَحتوي مورّثاتَهم introns، والتي حفظت جيدا خلال مراحل التطوّري، مِنْ الخميرةِ إلى البشرِ. وتشْملُ خمسة أنواع من  RNA الصغير (snRNA), معرفة بــ U1, U 2, U 4,U 5 وU 6. تَتركب هذه الجزيئاتِ مع ما يقارب من 150 بروتين لتَشكيل معقد الــ spliceosome المسئول عن التعرف على مواقعِ بداية ونهاية الــ  introns ، حيث يَقْطعُ introns خارج نسخةِ pre-mRNA ويَنضمُّ إلى exons لتَشكيل mRNA. أربع سلاسل نكليوتيدِ قصيرةِ ضمن introns تَعْملُ كأشاراتِ لل Spliceosome  ليحدد مكان القَطعَ [انظرإلى الرسم التوضيحيِ]. تَوجد إحدى إشاراتِ القطع هذه في بِداية intron وتُدْعَى (five-prime) البداية الخامسة لموقع القطع (splice )؛ أما الآخرين، فيتواجدون في نهايةِ intron، الذي يعرف بالمجموعة الفرعَية   Polypyrimidine ، وأخيرا موقع ، 3 _ (البِداية الثلاثة) 3_ (three-prime) للقطع. نظام  تحكم أخر يُسيطرُ على عمليةِ الرَبْط بتَوجيه المكائنِ الأساسيةِ إلى هذه المواقعِ الواصلةِ. أكثر مِنْ عشرة أنواع مختلفة من بروتينات ( SR ) المنظمة لعملية التظفير (القطع-الربط) تم التعرف عليها. أشكالهم قَدْ تَتفاوتُ في الأنسجةِ المختلفةِ أَو مراحلِ النموِ في نفس النسيجِ.



بروتينات الــ SR يُمْكِنُ أَنْ ترتبط إلى سلاسلِ النكليوتيدِ القصيرةِ ضمن exons لنسخةِ pre-mRNA. مواضع الارتباط معروفة   بمعززات الربط في الأكسون exonic splicing enhancers ( ESE ) لانه متى ما ارتبطت أحد بروتينات SR بأحد هذه ESE فان تلك العملية تفعل مكائن  snRNAs لفصل القطع المجاورة لكلا نهايتي ال exon ، مع ذلك فأن بروتينات SR تستطيع الارتباط إلى ما يعرف ب exonic splicing suppressor ( ESS ) ضمن سلسلة exon، التي سَتَقْمعُ قدرةَ المكائنِ الأساسيةِ للرَبْط بالارتباط  إلى نهاياتِ ذلك exon حتى لا يتم فصل الــ exon خارج ال mRNA فوظيفة ال ESS معاكسة لوظيفة ESE . تأثير تجاوز exon واحد فقط يُمكنُ أَنْ يَكُونَ دراماتيكيا على الكائن حي. ففي ذبابِ الفاكهة، على سبيل المثال، (بديل التظفير) alternative splicing يُنظّمَ سيرورة التمايز الجنسي. عند تحرير جين يدعى Sex-lethal , exon مختص بالرجل قَدْ يتم تجاوزه أثناء الرَبْط، يُؤدّي إلى تكوين بروتين female-specific Sex-lethal. ثمّ أن هذا البروتينِ يُمْكِنُ أَنْ يَرْبطُ إلى أيّ نسخه من  pre-mRNA مِنْ نفس الجينِ، ليَضْمنُ بأنّ كُلّ عمليات التظفير اللأحقة سوف تقوم بإخراج ال   exon  المحدد لذكر ويَضْمنُ بأنّ  البروتين المحدد للأنثى سَيُركّبُ. ولكن إذا تم فصل ال exon المختص بالذكر في أثناء الدورة الأولى مِنْ تَحرير mRNA ، فان ذلك سيؤدي على أية حال , إلى تعطيل كامل للــ mRNA الناْتج، وهذا ما يجبر خلايا الذباب على الممرِ المختص بإنتاج البروتين المحدد لذكر. تجاوز إكسون (Exon skipping ) هو أكثر الأنواعُ شيوعاً من أنواع التظفير البديلِ في الثديياتِ. لكن هنالك عِدّة أنواع أخرى تم التعرف عليها أيضاً ، من ضمنها  تلك التي تُسبّبُ الاحتفاظ ب introns في mRNA البالغة، ,وهي سائدةُ جداً في النباتاتِ ,والأنواع الدنيا من الكائنات المتعددة الخلايا. الاحتفاظ بالـــ Intron من المحتمل أنها من أولى أنواع التظفير البديل التي ظهرت. وحتى اليوم فأن مكائن الرَبْط في الكائنات وحيدة الخلية ، مثل الخميرةِ، تعمل بالتعرف على الــ introns، بالمقارنة مع نظامِ SR للكائنات الحية الأعلى، الذي يتعرف على الــ exons. في نظامِ unicellular، مكائن الرَبْط يُمْكِنُ أَنْ تَتعرف فقط على سلاسلَ intron لأقلِ مِنْ 500 نكليوتيدِ، والذي يعمل بكفاءة للخميرةِ لأن لَديه القليل جداً من introns، تتراوح أطوالها في المتوسط بــ 270 نيكلوتيد. لكن كلما توسع الجينوم أثناء التطورِ، فان امتدادات  intronicتتضاعف وتنمو ، ويبدو أن آليات التظفير في الخلية أجبرت مع التطور للانتقال من تميز سلاسلَ intron القصيرة ضمن الـــ exons إلى التعرف على exons القصير وسط بحر الــ  intronsالمتزايد.
إنّ جينَ تشفير البروتينِ البشري في المتوسطِ، على سبيل المثال، يتكون من 28,000 نكليوتيدُ ، يحتوي 8.8 exons مفَصولهَ ب7.8 intron    , الــ exons  قصيره نسبياً، عادة حوالي 120 نكليوتيدَ، بينما introns يُمْكِنُ أَنْ يَتراوحَ مِنْ 100 إلى 100,000 نكليوتيدِ. حجم وكمية introns في ألإنسان والتي تعتبر الأعلى لكلّ جينِ في كل الكائنات الحية مسألة مثيرة للإهتمام. وجود كمية كبيرة من Introns تعتبر مسألة مكلفة وتحتاج مجهود كبير لصيانة. جزء كبير مِنْ الطاقةِ التي نَستهلكُها كُلّ يوم يكرّسُ إلى صيانةِ وتصليحِ introns في نسختهم من الــ DNA   وفي أستنساخ  pre-mRNA وأزالت الـ introns، وفي هضم وتحليل ال introns في نهايةِ عملية التظفير. علاوة على ذلك، هذا النظامِ يُمْكِنُ أَنْ يُسبّبَ أخطاءَ مكلفة. كُلّ خطاء في القص واللصق للpre-mRNA يُؤدّيانِ إلى تغيرات في سلسلة mRNA المشفرة للبروتين ومن المحتمل ان تكون بروتين معيب. فعلى سبيل المثال، مرض مَوْرُوث أقوم بالتحري عنه، وهو خلل في الجهاز اللاإرادي (familial dysautonomia ) ، ناتج مِنْ طفرة في أحد نكليوتيدِ في جين يدعى بــ IKBKAP الذي يتسبب بضرر في أنسجةِ النظامِ العصبيةِ. خلال في عملية ال(التظفير البديل) للجين المسئول عن بروتينِ Ikbkap  يؤدي إلى نقص في هذا البروتين في النظامِ العصبيِ، ونتيجة النقص في بروتين IKBKAP تؤدي إلى نمو غريب في الجهاز العصبي وحولي نِصْفِ عدد المرضى بهذا المرضِ تموت قبل عُمرِ  30 سنة. على الأقل 15 بالمائة مِنْ طفرات الجينَات التي تنتج الأمراضَ الوراثيةَ (ومن المحتمل بَعْض أمراضِ السرطان أيضاً) تَعْملُ ذلك بالتأثير على عملية التظفير في pre-mRNA . لماذا إذن التطور أبقىَ على مثل هذا النظامِ المعقّدِ القادر على تسبّب بالأمراضِ؟؟؟ ربما لأن الفوائد أعظم كثيراً مِنْ المخاطر !!!.


فوائد البدائلِ

بتَوليد أكثر مِنْ نوع واحد مِنْ أنواع mRNA، يمكن بالتالي تكوين أكثر مِنْ بروتين واحد لكلّ جينِ، فان التظفير البديل يَسْمحَ للبشرِ بالتأكيد بصناعة أكثر مِنْ 90,000 بروتين بدون الحاجة لإبْقاء على 90,000 جينَ. في المعدل، كُلّ جين مِنْ جيناتِنا يُولّدُ حوالي ثلاثة أنواع من mRNAs من خلال التظفير البديل. لكن ذلك الأمر ما زالَ لا يفسر حاجتَنا لهذا العدد الضخم من الـــ introns والذي يَحتلّونَ أغلبية المساحة ضمن الجيناتِ، بينما يترك لسلاسلَ exonic فقط 1 إلى 2 بالمائة مِنْ مساحة الجينوم.

الشمبانزي والبشر يَشتركانِ في 99 بالمائة من مورّثاتِهم، ضمن ذلك العناصرِ الوراثيةِ النقَّالةِ الصغيرة جداً، المسمّاة Alus، والتي وجدت فقط في القردة العليا. Alus لَرُبَما ,ومن خلال التظفير البديلِ تسببت بنشؤ نوع جديد من البروتينِ الذي قادَ إنجرافَ قردةِ العليا بعيدا عن الثديياتِ الأخرى. إنحراف البشرِ عنْ قرودِ الأخرى لَرُبَّمَا أيضاً يعود فضلة إلى التظفير البديل: أظهرت الدِراساتَ الأخيرةَ بأنّ جيناتَ البشرِ و شمبانزي متتاطبقة تقريباً في إنتاج معظم البروتينِ في أكثر الأنسجةِ، ماعدا في أجزاءِ من الدماغِ، حيث أن بَعْض الجيناتِ الإنسانيةِ أكثر نشاطاً وبعضها يولد بروتينات مختلفة كليا عن طريق آليات الربط البديل من نفس نسخة الجين المشتركة.

 بعد أن تم فك  الجينوم في عام 2001 انكشفت هذه الصورة للجينوم  التي تبدو فارغة ،وهنالك لغزََ آخر ظَهرَ أيضا عندما تم فك جينوم الفأر عام 2002. ظَهرَ أن فأر يَمتلكُ تقريباً نفس عددِ الجيناتِ الإنسان. بالرغم من مرور 100 مليون سنة تقريباً منذ وجود السلف المشترك للاثنين، تَشتقُّ الأغلبيةَ الواسعةَ لجيناتِ الفأرَ والإنسانَ مِنْ ذلك السلفِ. أغلب هذه الجينات يَشتركُ في نفس ترتيب الـــــ intron و exon، وسلاسل النكليوتيدَ ضمن exons متماثلة أيضاً إلى درجة عالية. لذا السؤال يُصبحُ، إذا كان كانت هنالك فروق بسيطة في الجينوم بين الفأر والإنسان ما الذي يجعلنا مختلفين جدا عن القوارضِ؟؟! Christopher J. Lee and Barmak Modrek  من U.C.L.A كَشفَا مؤخراً بأنّ رُبْعَ التظفير البديل في exons متمايز سوى للإنسانِ أَو للفأرِ. هكذا، فان هذه الــ exons لديها الإمكانيةُ لتخليق أنواع مختلفة من البروتينات التي يُمكنُ أَنْ تكُونَ المسئولة عن التنوع الموجود  بين الأنواعِ. في الحقيقة، فان نوعا واحد مِنْ مجموعةِ التظفير البديل لل exons مميز لمجموعة قرودِه العليا (humans, apes and monkeys) ولَرُبَّمَا ساهمَ في تمايز القرودِ عن الثديياتِ الأخرى. بدِراسَة الآلية التي أدت بهذه الـــ exon لتكون، نحن نستطيع أن نرى أهمية introns عُموماً، والطاقة التي تنفق من أجلها ونستطيع تفهم سبب ذلك. هذا الــ  exons المميز للقردة العليا ناتج مِنْ عناصرِ الوراثيةِ متنقَّلةِ (Mobile genetic element ) تدعى  Alus، والتي تَعُودُ إلى صنف واسع مِنْ العناصرِ المعروف بسلاسلِ retrotransposons القصيرة لـ DNA التي يَبْدو أن وظيفتَها هي تُولّدَ نسخَ لأنفسهم وبعد ذلك يُعيدونَ إدخال تلك النسخِ إلى مواقع عشوائية في الجينوم ، هي شبيهه إلى حدّ ما بطفيليات الجينيّة الصَغيرة. Retrotransposons توجد تقريبا في كُلّ الجينوم، ولديهم تأثير عميق بالمُسَاهَمَة في التوسّعِ الجينيِ الذي رافقَ تطورَ الكائنات حية المتعددة الخلايا. تقريباً نِصْف الجينوم أللإنساني يتكون من عناصرِ transposable.وعناصر Alus هي الأكثر وفرةً. عناصر Alu تتكون فقط من300 نكليوتيدَ مَع سلسلة مُتميّزة التي تَنتهي  بـــ "متعدّد الذيل A." “poly-A tail.”    يَحتوي مورّثُنا حوالي 1.4 مليون نسخهَ من Alu، والعديد مِنْ عناصرِ Alu هذه تُواصلُ مُضَاعَفَة وإدْخال أنفسهم في مواقعِ جديدةِ في المورّثِ حوالي بنسبة إدخالَ جديدَ واحدة لكلّ 100 إلى 200 ولادةِ ِ.
إُعتبرَ Alus لا شيءَ أكثر من مجرد قمامة جينيّة لمدة طويلة، لَكنَّهم بَدأوا يحضون بشي من الاحترام عندما ادرك العلماء كيف أن إدخال Alu يُمْكِنُ أَنْ يَوسع قدرة تَوليد الجينِ للبروتينِ. حوالي 5 بالمائة من الأكسون المظفرة بدلياً (alternatively spliced exons) في الجينوم البشري تحتوي على سلسلةَ Alu. هذه exons على الأغلب نَشأتَ عندما"قَفزتَ"  عنصرَ Alu إلى intron ، حيث الإدخال عادة لَنْ يَكونَ عِنْدَهُ أيّ أثار جانبية للفرد لأن أكثر introns يتم فصلة خارج ونَبذَه. خلال الطفرات اللاحقِ، على أية حال، يُمْكِنُ للــ Alu أَنْ يحولَ intron الذي يَستقرُّ فيه إلى إلى سلسلة ذات مغزى مِنْ المعلوماتِ الوراثية اوِ exon. هذه يُمْكِنُ أَنْ يحْدثَ إذا أحدثت التغييراتِ في سلسلةِ Alu موقع جديدة من 5 _ أَو 3 _ ضمن الــ intron، مما يُسبّبُ بأن جزءَ من الــ intron سَيُعْرَفُ ك"exon" مِن قِبل spliceosome. ( مثل هذه الطفرات تحدث في العادة أثناء إنقسامِ الخليةِ، عندما يتم استنساخ الجينوم و "الخطأ المطبعي" يدخل. ) إذا تكون Alu exon الجديد الناتج من التظفير البديل (alternatively spliced ) فان الكائن الحي يستطيع التمتع أفضل إحتمالين ممكنين. بتَضْمين Alu exon، فأن الخلية يُمْكِنُ أَنْ تُنتجَ بروتين مبتكر. لكن القابليةَ الجديدةَ لا تَتدخّلُ مع وظيفةِ الجينَ الأصليةَ، لأن الأنواعَ القديمةَ لmRNA أيضاً ما زالَتْ تصنع وتعمل عندما يتم تصنيع Alu exon . فقط عندما يصبحَ Alu مَرْبُوطاً بشكل جوهري ودائم إلى كُلّ نسخ mRNAs  للجينِ يُصبحُ مشكلة، لأنه يُمْكِنُ أَنْ يُسبّبَ أمراضَ وراثيةَ سببها غيابِ البروتينِ القديمِ. حتى الآن، ثلاثة من الأمراضِ الوراثيةِ مُيّزتْ سببها سلاسلِ Alu في غير مكانهة: متلازمة  Alport  ومتلازمة Sly ونقص OAT. أنا وزملاء أخرون أثبتنا بأنّ كُلّ ما تحتاجه بعض العناصر الصامتة intronic Alu لتتَحويل إلى exons حقيقي هو تغير حرف واحد فقط في سلسلة الــ  DNA . في الوقت الحاضر، يَحتوي المورّثَ الإنسانيَ تقريباً 500,000 عناصرَ من Alu موجودة ضمن introns، و25,000 مِنْ أولئك يُمْكِنُ أَنْ يُصبحَ exons جديد بحدوث طفرة نقطة واحدة. هكذا، فأن سلاسل Alu لَها الإمكانيةُ للمُوَاصَلَة في أغناء سهم المعلوماتِ ذات المغزى الوراثيةِ المتزايدة لإنْتاج بروتينِات بشرية جديدِة.

علاج ال RNA

أكثر مِنْ 400 مختبر وحوالي 3,000 عالمَ حول العالم تُحاولُ فَهْم ردودِ الأفعال المعقّدةِ جداً التي تتم في عملية رَبْط البديلِ. بالرغم من أن هذا الأبحاث ما زالَت في بدايتها، إلا أن هؤلاء الباحثين يتفقون بأن نتائج البحوث تشير إلى وجود تطبيقاتِ علاجّيةِ مستقبليةِ، مثل إستراتيجياتِ العلاج بالجيناتِ الجديدةِ التي تَستغلُّ آليةَ الرَبْط في الإمراض سوى المكتسبة أو الموروثة، مثل السرطانِ.
أحد هذه التوجهات العلاجية هو نحو تصنيع  أَجزء قصيرة من السلاسل النيكلوتيدة DNA أو المسمّاة antisense oligonucleotides المصممة لترتبط بأهداف محددة على DNA أو RNA المريض. (antisense oligonucleotides ) يُمْكِنُ لها أن تكمم موقع تظفير محدد أو توقف إنتاج سلسلة تحكم ، بذلك تحوّلُ نشاطَ الرَبْط إلى الموقعِ الآخرِ. Ryszard Kole من جامعةِ كارولاينا  الشّمالية في البداية أستخدم هذه التقنيةِ على خلايا الدمِّ السَلفيةِ في الإنسان (progenitor cells ) مِنْ مريض مصاب بالوراثة بمرض يدعى beta-thalassemia ، والذي ينشاء بسبب موقع 5 _  ضال, الموقع المربوط يتسبب لجزيئاتَ هيموغلوبينِ الحاملة للأوكسجينِ بتشوه. بإخْفاء التغيرِ، بتغطية الموقع 5_ الضال بــ antisense oligonucleotides  أستطع Kol أرجع عمل الربط إلى الموقعِ الطبيعيِ وأعاد إنتاجَ الهيموغلوبينِ الوظيفيِ.

لاحقاً، أثبت Kole بأنّ نفس التقنيةِ يُمْكِنُ أَنْ تُستَعملَ على خلايا السرطانِ الإنسانيةِ التي تمت استزراعها مختبرياً. بإخْفاء موقع 5 _  للــجين Bcl x   المنظم لل apoptosis ، فلقد تمكن من تَحريك نشاطِ الرَبْط ( spilicing ) لتَوليد شكل Bcl x (S) من الجين على mRNA بدلاً مِنْ Bcl x (L) ، مما أدى إلى تناقص إنتاج خلايا سرطانَ لبروتينِ antiapoptotic وزداياد إنتاج بروتينِ proapoptotic. في بَعْض خلايا السرطانِ، هذا التغييراتِ تنشّطُ برنامجَ apoptotic؛ أو الموت المبرمج  . الطريق الآخر لإسْتِعْمال آليةً التظفير (الربط) البديل للعلاجِ عُرِضَت في 2003 مِن قِبل أدريان Adrian Krainer and Luca Cartegni من مختبرِ Cold Spring Harbor Laboratory in Long Island, N.Y. والذين وجدوا طريق لإقْناع الخلايا لرَبْط ال exon الذي  سيتم فصلة. خَلقوا جزيئه صناعية يمكنها أَنْ تُبرمجَ للرَبْط إلى أيّ قطعة من ال RNA طبقاً لسلسلتِها، ثمّ رَبطه بجزءَ  RNAالمرتبط  ببروتينِ SR. هذه الجزيئةِ يُمْكِنُها أن تربط على أي موقع في سلسلة pre-mRNA  وتوجه المكائنَ الأساسيةَ إلى إشارةِ الربط الملائمةِ.

إستعملَ Krainer وCartegni هذه الطريقةِ على الخلايا البشرية التي استنبتت في طبق إستزراع  لتَصحيح عيوب الربط في النسخة المُتطفرة من جين BRCA1، والمتسبب في سرطان الثدي، و جين SMN2 الطافر، الذي يتسبب في الضمورَ العضليَ الشوكيَ. رغم ذلك هنالك مقاربة علاجية ثالثة تستغل قدرةِ spliceosome على ضم جزئيين من pre-mRNA مِنْ نفس الجينِ لتَشكيل مركّب  mRNA. يطلق علية عبرُ رَبْط أو trans-splicing ، وهو شائع في الديدانِ لكن يَحْدثُ نادراً في الخلايا البشرية. إجْبار spliceosome على عملية trans-splicing يُمْكِنُ أَنْ تَسْمحَ بتحديد المنطقة الطافرة لpre-mRNA  والمسئولة عن المرضِ بدقة واستبداله بسلسلة تشفير البروتينِ الطبيعيةِ. إستعملَ مؤخراً John Englehardt من جامعةِ آيوا هذه التقنيةِ في مستنبت خلايا لتَصحيح الـ pre-mRNA لجين ينتج بروتين معيب في خلايا الخط الجوي (airway cells ) التي تعاني من التلييف الكييسي. قبل أن يتم فك الجينوم البشري ، فقط القليل جدا من العلماءَ أعتقد بأن كائن حي معقد كالإنسان يمكن ِ يُمْكِنُه أَنْ يحيا ب 25,000 جين فقط. ومنذ أن أكتمل فك الجينوم، فأن آلية التظفير البديل ظُهِرتَ كعملية محورية تَسْمحُ لعدد صغير مِنْ الجيناتِ لتَوليد تشكيلةِ متنوعة وكبيرة من البروتينات والتي يحتاجها الجسمِ بينما يُنظّمِ صناعتَها بدقة في الأنسجةِ المختلفةِ وفي الأوقاتِ المختلفةِ. علاوة على ذلك، فأن آلية التظفير ( splicing ) تفسر التنوع الكبيرَ بين البشرِ، والفئران ومن المفترض أن كُلّ الثدييات يُمْكِنُ أَنْ تَنْشأَ بنفس تشكيلة الجينوم تلك. التطورِ يعمل  بتَقديم خيرات متعددة جديدةِ للكائنات الحية ، ثمّ يَختارُ منها الأصلح التي تَمْنحُ فائدة ويستبعاد الأخرىً. هكذا، فمن المحتمل أن بروتين متخلق بواسطة عملية التظفير في  exons  منتج بسبب Alu (Alu-derived exons  ) هو ما جعل البشرِ ما نحن علية اليوم. والبحوث في مجال التظفير البديل مازالت واعدة وتحمل أمال عظيمة لتحقيق إنجازات رائعة لمستوى رفاه الإنسان


**الكاتب: محاضر كبير في قسمِ عِلْمِ الوراثة الإنسانيِ والطبِّ الجزيئيِ بكليّة تل أبيب الطبيّة الجامعية في إسرائيل. يُركّزُ بحثُه على التأثير الجزيئي تظفير pre-mRNA، على التطور وتأثيرات التظفير على العيوبَ ارتبطت بأمراضِ سرطان وأمراضِ وراثية. تَعاونَ مؤخرا مع علماءَ ً في Compugen لتَطوير bioinformatics system لتَوَقُّع أحداثِ التظفير البديل لاكتشاف البروتينِات المبتكرةِ



مصادر:
دور الميتاكوندري في تحديد تاريخ الانسان
الوراثة اللاجينية
دور الجينات القافزة في التطور
ماترتب على مشروع الجينوم الانساني
غرابة الصبغي الذكوري 
الصبغي الذي يتزاوج مع نفسه
مالذي يجعلنا بشر وليس دجاج
من هي حواء الميتاكوندرية
بصمة الحمض النووي
جدول قرابة الانسان مع الحيوان
البرنامج الوراثي المخفي للكائنات المعقدة
قوى خفية تتحكم بالتطور
علم الجينات
 

1/1996 s.36-44