علـم البيلوجيـا
 
 


 البيئة هي التي خلقت الانسان


  الانسان هو نتاج بيئته، جملة صحيحة ليس فقط من الناحية الاجتماعية والثقافية وانما من الناحية البيلوجية ايضا. في الفترة الاخيرة، اكتشف علماء الاحياء اهمية مختلف الروابط الدهنية في التأثير على قابليات إنسان الاسكيمو، جسميا ودماغياً لتقبل الاحوال المناخية المختلفة، ليس فقط من اجل البقاء على قيد الحياة وانما ايضا في ان يعاد تصميمه نهائيا ليصبح مندمجا تماما مع البيئة الجديدة.

المعلومات التاريخية تشير الى ان الانسان القديم حاول عدة مرات استعمار المناطق القطبية، واغلب المحاولات فشلت مع ان بعضها استمر بضعة آلاف من السنين (في غرينلاند مثلا)، مما يشير الى ان الانسان الاول لم يكن مصمما من للحياة في المناطق القطبية التي انتقل اليها، كما ان عاداته القديمة التي نقلها معه لم تساعد البيئة على إعادة تصميمه، لقد قدمت لنا البيئة القطبية انسانا جديدا تماما عندما نجحت في الحصول على الانسان القابل للتغيير. مالذي جعل هذه الاقلية تنجح حيث فشلت الاغلبية؟

البيئة والانسان
من الواضح ان انسان المنطقة الاستوائية لايستطيع العيش في المنطقة القطبية، بالرغم من اننا نعلم ان الانسان القطبي كان اصله من المنطقة الاستوائية وقد انتقل اليها قبل 70 الف سنة على الاقل، فكيف حدث ان انسانا مهيئا للحياة الاستوائية الحارة قد تمكن من الحياة في المنطقة القطبية؟ إذا قارنا بين الانسان المصمم للحياة الاستوائية والانسان المصمم للحياة في القطب لوجدنا اختلافات بيلوجية كبيرة، تشير بوضوح الى حتمية حصول تغييرات عميقة ليتحول الانسان الاستوائي الى انسان قطبي. اهم هذه التغييرات يمكن رؤيتها من خلال المعطيات التالية:
                                  الانسان القطبي               الانسان الاستوائي
متوسط الحرارة السنوية  -2 الى ناقص 13 درجة     24 الى 29 مئوية
متوسط طول الذكر            161-168                 210-220
بيغمنتات                          قليلة                           كثيرة
غدد تعرق                        لاتوجد                         توجد
حرارة داخلية                   عالية                           طبيعية
العيون                             صغيرة                        كبيرة


شعوب المناطق المدارية تملك تقاليدها الخاصة في العلاقات الاجتماعية وتقاليد الطعام والملابس والصيد، جميعها تلعب دورا هاما في تأهيلها للتلائم مع البرودة وتجعلها مختلفة عن بقية الثقافات. ولكن اهم تقليد سمح لهذه الشعوب بالتلائم والنجاح كان تقليد اكل السمك النئ، الذي حافظوا عليه منذ مئات السنوات. هذا التقليد يختلف من منطقة الى اخرى ولكن يحافظ على لمساته الرئيسية. طعامهم يتألف من السمك، الحوت، كلب البحر، الدب القطبي والوعول، وفي الصيف قد يتاح لهم بعض الخضراوات الى جانب اللحوم.

كما نرى فأن طعامهم غني بالبروتينات والدهون. قد يعتقد البعض ان نقص الخضراوات والفواكه يجب ان يسبب لهم مشاكل صحية، خصوصا بسبب نقص فيتامين سي، ولكن الامراض المميزة لنقص هذا الفيتامين مجهولة تماما بين شعوب المناطق المدارية. السبب ان اللحوم النيئة غنية بفيتامين سي إضافة الى ان المنتجات البحرية تملك العديد من المميزات الاخرى.

تأثير الدهون الغير مشبعة على الانسان
الدهون هي السبب الرئيسي الذي جعل شعوب المناطق المدارية قادرة على البقاء في المناطق الباردة. وهنا يجري الكلام عن الاحماض الدهنية الغير مشبعة. الوظيفة الرئيسية للاحماض الدهنية، بشكل عام، هو انتاج الحرارة ومساعدة الجسم على المحافظة على الحرارة التصميمية التي تسمح له بالعمل بشكل طبيعي وهي 37 درجة مئوية. لهذا السبب فأن جسم شعوب القطب مجبرة على انتاج حرارة إضافية من حرق الكلورات الداخلية.

كمية الدهون الضرورية للاحتراق في سبيل انتاج الطاقة اللازمة للجسم في حالة الراحة، هي التي تعبر عن كمية التبادل الادنى في مرحلة الراحة. التجربة التي اجراها الباحث الامريكي William R. Leonard, من جامعة شمال الغرب في ولاية ايلينويس اظهرت ان تبادل المواد في مرحلة الراحة عالي جدا عند شعوب القطب الاصلية بالمقارنة مع المستوطنين الجدد. الشعب المسمى Inuiter, مثلا يملك جسمه قدرة افضل على انتاج الحرارة الداخلية، وهذا يدل على ان التطور بالتلاحم مع البيئة هما الذان خلقا هذا الفرق.

جميع الافران المنتجة للطاقة بما فيها الانسان تحتاج الى وقود، والوقود المستخدم عن شعوب المناطق المدارية هو زيت السمك الغني بالدهون الغير مشبعة. اهمية هذا الدهن لشعوب المناطق القطبية يمكن توضيحها من خلال نظرية "membran-pacemakers-teorin", التي تشير الى خاصية خاصة لدى الغشاء الخلوي لشعوب القطب .

بالتحديد تشير هذه النظرية الى دور الغشاء الخلوي الحاسم في عملية التبادل الخلوي وبالتالي الاحتراق. كلما زاد حجم الدهون الغير مشبعة كلما ادى ذلك الى زيادة التبادل الخلوي. الدهون الغير مشبعة، وبسبب بنيتها الكيميائية، لديها القدرة على خلق المزيد من الخلايا ذات الاغشية الغير منتظمة الشكل الخارجي بالمقارنة مع ماتستطيعه الدهون المشبعة. لذلك نجد ان الغشاء في الخلية الغير منتظمة الشكل قادر اكثر على الحركة وبالتالي يؤدي ذلك الى زيادة نشاط البروتينات الموجودة في الغشاء، الامر الذي ينشط التبادل الخلوي.

إضافة الى ذلك نجد ان الدهون الغير مشبعة تؤثر على عامل فك الشفرة الوراثية عند تشكيل الاحماض الامينية، لتقوم بتنشيط جينات مختارة. حسب نتائج ابحاث العالم David M. Mutch, من جامعة لوزانا السويسرية تقوم الاحماض الغير مشبعة بتنشيط فك الشيفرات الوراثية التي تؤثر على التبادل الخلوي وبالتالي عملية احتراق البروتين. لذلك توجد الاسس لاعتقاد ان حب شعوب القطب للسمك النئ اعطى البيئة الفرصة لإعادة تصميم اجسامهم بما يتلائم مع البيئة القطبية.

دور دهن السمك في مكافحة الظلام القطبي
يقدم دهن السمك ليس فقط الطاقة لانتاج الحرارة ولكن ايضا الطاقة لمكافحة الظلام القطبي. من المعلوم ان قلة الضوء يؤدي الى مجموعة من الامراض النفسية، مثل ضعف الذاكرة وضعف القدرة على التركيز إضافة الى ضعف عام في الحالة النفسية، وهي اعراض مايعرف بمرض الكآبة الشتوية، التي يتعقد انها بسبب تشوش الساعة البيلوجية. عند المصاب بالكأبة الشتوية نجد ان الرتابة اليومية قد اختلت مما يؤدي الى عدم التوازن في الانتاج الهرموني في الدماغ مما يخلق الاحساس بالتعب والمعاناة. ومع ذلك نجد ان الظلام القطبي لايستطيع التأثير على الشعوب القطبية.

50-60 بالمئة من دماغ الانسان الناضج يتألف من دهون، و35% من هذه الدهون تتألف من الدهون الغير مشبعة. وحتى في خلايا الدماغ نجد ان الدهون تقوم بتقوية خصائص الغشاء الخلوي. قسم من الابحاث التي اجراها الدكتور الفرنسي Ravi Shrivastava من معهد ابحاث Naturveda-Vitrobio, تشير الى ان إضافة دهون غير مشبعة الى بنية الخلايا المزروعة تجبر خلايا الدماغ العصبية على النمو، الامر الذي يعتبر هاما للغاية في النظام العصبي.

في نفس الوقت اظهرت مجموعة من الابحاث اجريت على الفئران ان الدهون الغير مشبعة تستطيع تحسين الاتصال بين القنوات الخلوية التي يجري منها التبادل الايوني. هذه القنوات هي التي تنتج التيار الكهربائي الذي ينطلق من خلية الى اخرى.
من هنا نرى ان الدهون الغير مشبعة تدعم العملية العصبية التي تشكل الوظيفة اليومية للدماغ. الاختبارات السريرية اظهرت ايضا ان إضافة قليلة من الدهن الغير مشبع والمسمى EPA الى الادوية التي يتناولها المصابين بالكآبة يمكن ان تقلل من عوارض الكآبة بشكل ملحوظ. بمعنى آخر فأن إنسان القطب كان منتجا حقيقيا لبيئته، كما ان الانسان قد تشكل عبر تفاعل طويل الامد مع منتجات وعوامل منطقته الجغرافية، لذلك فأن تغيير الطعام والعادات بسبب التغيرات الحضارية الجارية اليوم قد تسبب خللا كبيرا في التوازن البيلوجي للانسان، إذ ان البيئة المحلية صممته ليتلائم معها بالذات...

دور الحرارة في فقدان الشعر
احدى اقدم مظاهر تطور الانسان والتي لايختلف عليها احد من العلماء هي ظاهرة فقدان الانسان للشعر الذي كان يغطي جسمه والذي لازالت آثاره ساطعة حتى اليوم. تعددت النظريات التي حاولت توضيح اسباب خسارة الانسان لشعر جسده. آليستر هاردي، عام 1960، كان يعتقد ان الفرع الذي انحدر عنه الانسان المبكر كان يقضي اكثر جزء من حياته في الماء ولهذا السبب فقد شعره. غير ان هذه الفرضية لم يتمكن الباحثون من العثور على مايؤكدها إضافة الى انها لاتقدم تفسير لاسباب الفرق في كمية الشعر الباقي بين الرجل والمرأة.
في عام 1859 اقترح الباحث توماس بيلت ان السبب يمكن ان يكون لتحول الانسان الى السكن الثابت مما ادى الى ظروف تسمح بتكاثر الطفيليات والحشرات التي تعتاش عليه. غير ان هذا التفسير رفضه داروين نفسه عندما اشار الى انه لايوجد حيوان آخر فقد شعره او تطور لديه شكل اخر من الدفاع لهذا السبب. وهذه الفرضية عادت من جديد للظهور عام 1999 في مقال علمي للباحث الفنلندي ماركوس رانتالا. في مقالته استعرض قوة الطفيليات في استهلاك الوقت والاصابة بالمرض، ومن المقال يظهر ان حملة نابليون على روسيا لم يوقفها الشتاء وانما القمل الذي سبب مرض التيفوس بين الجنود. غير ان المعارضين يشيرون الى ان سقوط الشعر ادى الى تسهيل الامر على بعض الحشرات مثل البعوض والذباب. إضافة الى ذلك لازال الانسان وحده الذي فقد شعره من بين الحيوانات ومثل هذه الفرضية غير قادرة على تفسير السبب.



غير ان النظرية التي تحظى بقبول واسع هي التي ظهرت في الثمانينات ودافع عنها الانكليزي Peter Wheeler. النظرية تشير الى ان الانسان المبكر سيصبح حار للغاية عند مطاردته لطريدته في السافانا الافريقية (من حيث ان طريقة الصيد كانت ولازالت ملاحقة الطريدة حتى تنهك من الحرارة والعطش فتتوقف وتستسلم، في حين لايصاب الصياد بالانهاك بنفس القدر). في دراسة للباحثة Nina Jablonski تساءلت عن كيف تمكن الانسان ان يطارد بفعالية ومع ذلك يتفادى وصول ارتفاع الحرارة الى مستويات ضارة؟. هذا الامر يمكن سيجري التغلب عليه بفقدان الشعر وتحسين عملية تبريد الجسد من خلال زيادة التعرق، وهي اجراءات ستؤدي بدورها وبشكل ثانوي الى السماح للدماغ على ان يزداد حجمه.

الانسان والقرود يتخلصون من الحرارة الفائضة بفضل التعرق غير ان هذه الامكانية وصلت الى مراحل مكثفة لدى الانسان. هذا الامر هو الذي سمح لقبائل الاحراش في افريقيا الجنوبية ان يطاردوا الغزلان ركضا حتى تصاب بالاعياء من الحرارة بالدرجة الاولى.

الباحثة تشير الى ان المطاردة هي السبب، وهذا الامر تدعمه معطيات المستحاثات ايضا، إذ ان مستحاثات الهومو التي تعود الى ماقبل مليونين سنة تتميز بأنها اصبحت طويلة ومنتصبة، وخصائص تشير الى انهم لم يعودوا معتمدين على الاشجار وانما يتحركون على الارض بثقة. هذا الامر يعني انهم تطوروا ليتلائموا مع اسباب العيش من الصيد للوصول الى اللحم والدهن والعظام، وهو ايضا فتح الفرصة لازدياد حجم الدماغ ثلاثة الى اربعة مرات.

الباحثة تشير الى القرد باتاس patas monkey كنموذج لتأكيد ادعائتها. هذا القرد يعيش في مناطق مفتوحة قليلة الاشجار في شرق افريقيا وبالتالي يتنقل فوق مساحات واسعة بالمقارنة مع بقية القرود. ومن حيث ان القرود على العموم تتعرق الا ان هذا الرد يتعرق بنفس كمية تعرق الانسان مما يدلل على علاقة بين كمية التعرق والقدرة على استغلال الظروف.

والقرد باتسا يملك ايضا فروة قصيرة غير انه لن يفقده تماما بالذات لانه لازال يمشي على الاربعة. على العكس انتصب الانسان المبكر الامر الذي سمح له بالتعرض اقل لاشعة المافوق بنفسجية الاتية من الشمس. لهذا السبب كان قادرا على ان يتحمل مساوئ التخلص من الشعر. ومع القدرة على التعرق اصبح بالامكان للدماغ ان يكبر من حيث ان الدماغ يزداد عمله سوء منذ لحظة ارتفاع درجة حرارة الجسم لدرجتين مئويتين. غير ان هذه النظرية لازالت غير قادرة على تفسير اسباب فقدان المرأة للشعر على الرغم من ان الرجل هو الذي كان يركض.

في عام 2004 تمكن الباحث Alan Rogers من جامعة اوتاه من البرهنة على ان الجين الذي يسبب لون جلد قاتم ظهر لدى الانسان قبل 1،2 مليون سنة على الاقل. ومن حيث ان لون الجلد هو نوع من الدفاع ضد اشعة الشمس يمكن لذلك ان يعطينا فكرة عن الوقت الذي فقدنا فيه الشعر. عدا عن ذلك فإن التحليل الجيني للقمل المتخصص بالحياة على رأس الانسان تؤكد انه رافقنا في رحلة الانفصال عن الحيوان منذ سبعة ملايين سنة. على العكس فإن القمل من النوع المتخصص بالحياة في ملابس الانسان ظهر للمرة الاولى قبل 650 الف سنة وبالتالي يحدد الفترة التقريبية التي بدأ فيها الاجداد بإستخدام الملابس.


مصادر:
Dietary change was a driving force in human evolution
the selection of differentially expressed genes in microarray data
Unraveling the Genetics of Human Obesity
Skin: A Natural History


12/2007 s.64-67; 12/2010 s.71-73