علـم البيلوجيـا
 
 


 لماذا انتصر الانسان الحالي على سابقيه؟


  تشير المستحاثات الى ان الانسان قد نضج جسميا (اناتومياً) قبل 200 الف سنة، ومع ذلك لم يغادر منطقته في مايعرف بالهجرة الكبرى إلا قبل 130 الف سنة، فهل يعني ذلك انه قد احتاج الى 70 الف سنة حتى ينضج عقلياً؟

البروفيسور Paul Mellars, من جامعة كامبريدج، اصابته المفاجأة من النتائج الغير متوقعة التي قدمها طلابه. لقد عثرت الدكتورة Hannah Jones, على قشرة بيضة نعامة، لها من العمر حوالي 35 الف سنة، والمهم ان هذه اللقية قد تم العثور عليها في الهند. على قشرة البيضة كانت هناك رسمة تشبه شخصاً مقنع، مما جعل الدكتورة تستنتج بأن اللقية تؤرخ لنشوء بدايات الفن التجريدي عند انسان العصر الحجري، ولكن البروفيسور باول لاحظ اكثر من ذلك.

خارطة الجينات الانسانية التي تم وضعها قبل خمس سنوات، اظهرت لنا الرابطة الجينية الوثيقة بين كل البشر، واننا جميعا نعود بأصلنا الى مجموعة واحدة لايتجاوز عدد افرادها البضعة آلاف، وهي مجموعة عاشت في افريقيا قبل 80 الف سنة. الخارطة الوراثية تشير ايضا الى ان هذه المجموعة الانسانية الاولى نمت وازداد عددها وانتشرت في القارة الافريقية بسرعة هائلة قبل مابين 60-80 الف سنة. الى اسيا جاء افراد من المجموعة قبل 60 الف سنة، والى اوروبا وصلوا قبل 40 الف سنة.

الاحماض الامينية تشير الى ان جميع البشر خارج افريقيا اليوم يعودون بأصلهم الى موجة واحدة من الهجرة ، جاءت بمجملها من افريقيا ليقوموا بإقصاء الانواع البشرية السابقة لهم، واحتلال مكانهم.



وحتى لو كانت الخريطة الجينية قد تمت دراستها بالتفصيل وبدقة، إلا ان قسم من الاستنتاجات قد تم بناءها على اساس الافتراضات، وبالذات مايخص بتحديد عامل الزمن، مما جعل هذا العامل عرضة للجدل المستمر. العلماء كانوا يحتاجون الى " شاهد اخر" يساعدهم على تحديد الازمان ومقارنتها.

هنا ظهر دور بيضة النعامة التي اشرنا اليها في بداية الموضوع. باول ميللاش، لاحظ على االفور التشابه بين الرسمة الموجودة على البيضة وبين رسوم اخرى عثر عليها سابقا على احجارة في افريقيا الجنوبية. المسافة بين اللقيتين تصل الى 10000 كيلومتر. فهل كانت البيضة الهندية والرسوم واللقايا الافريقية من انتاج شعب واحد؟ لم ينتهي الامر عند الرسوم على قشور البيضة، بل تم العثور على المزيد من اللقى في سري لانكا والهند عليها رسوم تتماثل مع رسوم واشكال اللقى الافريقية. العلماء متفقون على ان هذه اللقى تعتبر دليل كافي على ان الحضارة الافريقية قد انتقلت الى آسيا، تماما كما كانت خريطة الاحماض الامينية قد اخبرتنا سابقاً.

الان بدأت تظهر لقى اخرى كان قد تم العثور عليها سابقا، ولكن لم يعطيها احد الاهتمام اللازم. في شهر يونيو/كانون الثاني من عام 2007 نشر العالم Alan Morris, من جامعة كاب تاون الجنوب افريقية نتائج بحث دولي عن جمجمة هوفمير او Hofmeyr والتي عثر عليها عام 1952 بدون ان يستطيع العلماء تحديد عمرها بطريقة الكربون 14 المعتادة، وبدون تحديد العمر لاتملك الجمجمة اية قيمة.

هذه الجمجمة بقيت مخزونة الى ان رآها العالم Frederick Grine, ليقترح تحديد عمرها بمساعدة الطين المتحجر في الفجوات، مثل فجوة العين والانف والدماغ. من اجل تحديد العمر قام بإرسال عينات الى مختبرين، احدهم في كندا والاخر في بريطانيا، لتأتي النتائج ان عمرهم مابين 33-39 الف سنة. قد يكون هذا العمر ليس كبيرا بالمقارنة مع " لوسي" التي لها 3 ملاين سنة، ولكن اهميتها من كوننا نفتقد للمستحاثات التي تعود الى مابين 75-20 الف سنة.

عندما قامت العالمة Katerina Harvati, من معهد ماكس بلانك الالماني، بوضع صورة ثلاثية الابعاد للجمجمة، في سبيل مقارنتها مع بقية الجماجم العائدة للانسان الحالي والانسان القديم والنيندرتال، وهي نماذج عثر عليها في اوروبا واسيا وافريقيا، كانت النتائج مدهشة: انها تشبه الانسان الحديث الاول الذي سكن اوروبا.

التشابه يعني ان الانسان الحديث الاول في اوروبا وافريقيا كان لهم جد مشترك منذ فترة قصيرة، على الاغلب من قطيع القرود الجنوبية، التي انتشرت بسرعة كبيرة قبل 60-80 الف سنة. الاوائل من افراد هذه المجموعة هاجروا ليس فقط الى الجنوب ولكن ايضا الى الشمال الشرقي، حيث عبروا باب المندب الى شرق الجزيرة العربية ومن خلالها الى الهند. المسافات البحرية التي تفصل اليابسة، كانت في السابق اقصر بكثير عما هي عليه اليوم، وخلال عشرة الاف سنة وصل احفاد القطيع الجنوبي الى استراليا عبر الجزر الاندونيسية . هذه الاستنتاجات جرى تأكيدها من الهيكل العظمي الذي يعود الى 45-50 الف سنة، والذي تم العثور عليه في جنوب استراليا ومن اللقى التي تم العثور عليها في مغارات نيها .Niah, في بورنيو إضافة الى ذلك فأن الخريطة الجينية التي انتهى العلماء منها عام 2005 ، تدعم هذه الاستنتاجات تماما، إذ تشير الى ان بعض المجموعات السكانية، في ماليزيا وفي بعض الجزر، استوطنوا المنطقة قبل 60 الف سنة.


اصل انسان البحر الابيض
الان ظهر لنا ايضا جذور الانسان الاصلي الذي وصل الى ساحل البحر الابيض المتوسط. احدث دراسة للحمض النووي تشير الى ان اغلب الناس المتواجدين على الشاطئ الافريقي للبحر المتوسط ينحدرون من غرب افريقيا. هذا يعني ان خط هجرة الانسان الاول لم تكن مستقيمة، إذ عوضا عن قدومهم من شرق افريقيا، حيث موطن الانسان الحديث الاول، عن طريق حوض النيل، نجد ان احفاد الانسان الذي هاجر الى آسيا هم الذي عادوا الى غرب شاطئ المتوسط لاستيطان افريقيا الشمالية على طول ساحل البحر. هذا الامر حدث في نفس الوقت الذي استمر فيه الاستيطان بإتجاه أعماق آسيا شرقا والى اوروبا غرباً.

في كل مكان انتقل اليه اجدادنا الاوائل واجهوا تحديات جديدة لم يعرفوها من قبل على شكل حيوانات وبيئة وظروف جديدة، والتحدي الاخطر كان إلتقاؤهم ببشر من انواع اخرى، يسبقوهم في التلائم البيلوجي مع المحيط ببضعة ىلاف من السنوات. بتعبير آخر، قام أجدادنا بمجازفة خطرة وهائلة تعطي الاساس للتساؤل: مالذي دفعهم الى هذه المغامرة، ومالذي جعلهم فجأة قادرين على القيام بها، ليصبحوا خلال بضعة آلاف من السنين مهيمنين نهائيا على جميع القارات؟


اناتوميا الانسان الحديث موجودة منذ 195 الف سنة، حيث ان اقدم جمجمة تم العثور عليها في موقع Omo في اثيوبيا، ولكن إذا كان الانسان موجودا منذ ذلك الوقت، لماذا تأخر لينتشر في العالم ويستوطنه؟ مالذي كان ينتظره؟

من اجل تفسير هذه المعضلة، يتكلم العلماء عن "لحظة الإنفجار في الابداع"، وهو إشارة الى تغيير نوعي في الدماغ اعطاه القدرة على التفكير والتفاعل بطرق جديدة لم يعهده الانسان السابق، ادت الى حب الاطلاع والبحث في المجهول، سمحت له بإستغلال افضل للموارد المتاحة، ولربما اعطت الاسباب لنشوء بنية اللغة والبنية الاجتماعية الاولى. هذه مجموعة من الفرضيات، ولكن هناك الى جانب الهجرة المفاجأة والكبيرة توجد دلائل اخرى تعود الى نفس العصر التاريخي (60-80 الف سنة)، تشهد على حدوث تغييرات داخلية لايمكن رؤيتها في الهيكل الخارجي للانسان.

اهم هذه الدلائل على حدوث "الانفجار في الابداع" هي عقود الزينة من الصدف، الرسوم المجازية المتماثلة، والادوات الحجرية المصنوعة بحرص واهتمام. مثل هذه اللقى تم العثور عليها في جنوب وشرق افريقيا وظهرت فجأة للوجود قبل 75 الف سنة، كأقدم دليل على وجود حضارة متقدمة. اهمية اللقى في كونها تعبر عن ظهور تكنيك جديد مثل الاحجار الهلالية لمعالجة الجلود، ورؤوس حراب حجرية وحتى مايشبه رؤوس اسهم. في الدرجة الثانية تأتي رسومات الاشكال المتناظرة ليشكف عن قدرة على التفكير المجرد. إضافة الى ذلك هناك دلائل على ان الانسان القديم قد قام بنقل المعدات والمصنوعات لمسافات بعيدة، مما يدل على نشوء اقتصاد بدائي لتبادل الحلي والطعام والمواد. الانسان الاول حمل معه الكثير من الاشياء في سفرته الطويلة لإستيطان العالم ولايمكن ان يكون ذلك بدون سبب.


الهجرة لم تكن الاولى
هذه الهجرة الكبرى لم تكن هي الاولى للانسان الحديث اناتومياً (هذه الجملة للتفريق بين الانسان الحديث في الشكل الخارجي والانسان الحديث بعد ان تم نضوجه العقلي وحصول ظاهرة "الانفجار في الابداع")، إذ انه قام بالهجرة سابقا ولكنه لم تحظى بالنجاح البيلوجي نفسه. في منطقتي Skhul and Qafzeh, الواقعتين في اسرائيل تم العثور على بعض الهياكل العظمية الشهيرة، تعود الى الانسان الحديث الذي عاش قبل 90-110 الف سنة.

في كلا المنطقتين توجد آثار تدل على ان هذا الانسان كان يعرف شعائر الدفن التي يرافقها دفن العطايا والاضاحي. وبالرغم ان هذه الادلة كافية للدلالة على وجود وعي بالذات فأن الادوات التي عثر عليها كانت بدائية للغاية، وهذه المجموعة الانسانية لم تظهر قدرة على الوقوف امام المنافسة والتحديات. البقايا التي عُثر عليها في مغارات النيندرتال، من العصر الاول والعصر الاحدث، تشير الى ان الانسان الحديث لم يبقى طويلا. لقد اندثر ليسود انسان النيندرتال على المسرح وحيداً.

على العكس نجد ان مصير الانسان الحديث بعد الهجرة الثانية قد تغير. لقد تمكنوا في خلال بضعة آلاف من السنين من إبعاد إنسان النيندرتال والحلول مكانه، بما فيها من مناطق اوروبا حيث عاش فيها قبلهم بثلاثين الف سنة. الانسان "المفكر" اظهر قدرات اكبر على ابداع الحلول والتلائم مع الظروف الجديدة الامر الذي جعله يتفوق على الانسان الذي قبله، وحتى على النسخة الاولى التي هاجرت قبله.

آثار جديدة من على ضفاف الدون الروسي تظهر ان الانسان الحديث الذي جاء مؤخرا من المناطق الادفئ، قد تمكن من التأقلم مع ظروف نهاية العصر الجليدي افضل من الانسان الذي سبقه: النيندرتال. في طبقة من طبقات التربة التي تعود الى ماقبل 45 الف سنة عثر الباحثين على آثار اقدم تمثال : وجه نصف كامل، منحوت على عظم الماموث، كما عثروا على ادوات متطورة. المنطقة نفسها كان يهيمن انسان النيندرتال عليها في السابق، ولكن بعد بدء العصر الجليدي قبل حوالي 115 الف سنة انسحب النيندرتال منها ال الجنوب ولم يعد اليها ابدا.

نظرية جديدة تشير الى اهمية العصر الجليدي في تكون ونمو الدماغ عند الانسان. لاحظ العلماء ان المستحاثات المتواترة تشير الى ان جمجمة الانسان القديم تعرضت فجأة لنمو متميز بالذات مبالترابط مع تحول الطقس نحو البرودة، ليظهر بنتائجها الهومو سابينس.

قبل 2،5 مليون سنة كانت الظروف مواتية الامر الذي ادى الى دماغ اكثر حجما عند اجدادنا الاقدم، حسب الباحثين في جامعة هاوارد الامريكية ومعهد ماكس بلانك الالماني في جينا والمختص بالبحث في كيمياء البيلوجيا الحيوية. قبل ذلك كانت حرارة الارض ماقبل الهوموسابينس بعض الدرجات اعلى مما هي عليه اليوم، هذا الامر جعل من غير الممكن لدماغ كبير ان يتخلص من الحرارة الناتجة عن عمل الدماغ. لهذا السبب لم يكن بإمكان الدماغ ان يصبح اكبر من 600 سنتم مكعب بدون ان تفيض حرارته. حسابات العلماء تظهر ان تخفيض الحرارة بمقدار 1،5 درلاجة فقط سيجعل بإمكان دماغ الانسان الماقبل الهوموسابينس (Homo Habilis), التخلص من الحرارة الفائضة الامر الذي يفسح الفرصة للمزيد من نمو في حجم الدماغ ليصل الى 1000 سنتم مكعب، كما نرى الامر لدى الانسان اللاحق الاكثر تطورا وهو Homo erectus. غير انه لايجب النظر الى انخفاض الحرارة على انها " السبب" في نمو الدماغ، بل يجب الاستمرار في رؤية ان السبب هو في الاختيار الطبيعي، حيث الدماغ الاكبر قدم افضلية تفكيرية في الصراع اليومي من اجل البقاء. الطقس الابرد هو العامل الذي فتح امام هذه القدرة الباب للظهور.

قدرة الانسان الحديث على إستعمار الاراضي الجديدة والتأقلم بشكل افضل يقدم الادلة على نمو تفضيلي في مستواه العقلي بالمقارنة مع سابقه ومع منافسه ويدل على ان تطور الدماغ ليس كمي فقط وانما كيفي يسمح بتوضيح مناسب للنجاح الذي حققه.



مصادر:
Why did modern human populations disperse from Africa
Neandertals Beaten by Rivals' Word Skills
Technological sophistication of the earliest toolmakers
Books on human history
ORTA PALEOLİTİK ÇAĞ TOPLULUKLARI
Hominid Family History
Hobbits: Happy, Healthy, Human?
The emergence of humans
Modern humans, Neanderthals shared earth for 1,000 years
Technologies and the Evolution of Modern Humans
Hofmeyr-Skull Supports The "Out of Africa"-Theory
Der moderne Mensch kam durch die Hintertür

11/2007 s.23-26