آفــاق وعـــلـوم
 
 

 

تحول الديناصورات الى طيور

 

الجزء الاول:
الخلاف بين العلماء:


اصل الطيور رافقه خلافات وحوارات عميقة بين العلماء. وضعت الكثير من النظريات والفرضيات المتناقضة، وجرى العديد من الحوارات. وعلى خلفية الوقائع الصلبة اضطر الكثير من العلماء لتغيير مواقفهم والخضوع للادلة المتغيرة على خلفية الرغبة بالوصول الى الحقيقة الموضوعية وحدها. هذا التباين في مواقف العلماء كثيرا مااسئ فهمه من البعض ليجري عرض مواقفهم القديمة وكأنها مواقف ابدية. على الاخص نرى ذلك في الصراعات ذات الطبيعة الايديولوجية، كما لدى الكاتب التركي هارون يحيى مثلاً، الذي يتعكز عليه الاسلاميين لدعم مواقف لاغرض لها غير الدفاع عن وجهات نظر مسبقة وثابتة لاحق لهم بتغييرها. هذا المقال يوضح المسيرة التي مر بها العلم في الطريق الى كشف اصل الطيور، ومن خلاله نرى مدى التباين في وجهات نظر العلماء، بالرغم من ان الخط العام كان دائما وابدا الوصول الى حقيقة موضوعية يتفق عليها الجميع.


 مستحاثات جديدة قلبت كل تصوراتنا عن عالم الديناصور، لقد تم العثور على ديناصور يلبس لباساً من الريش. لفترة طويلة كان بعض العلماء يعتقدون ان الديناصورات هم اجداد الطيور الحالية، الان وبعد العثور على اللقى الجديدة يمكن القول وبثقة اكبر ان احفاد الديناصورات تطير بيننا، فما هي قصة هذه الاكتشافات؟

كومة كبيرة من الحجارة والعظام المتحجرة تصل الى سقف القاعة، يجتمع حولها ، مرة كل عام، العلماء والهواة من جميع انحاء العالم في مدينة Tucson في ولاية اريزونا الامريكية. هنا تحدث الكثير من المقايضات المضرة والغير منضبطة بما فيها لهياكل وجماجم اثرية.

هذا التجمع السنوي "لتاريخ الارض" يثير لدى العلماء الامل والتردد في نفس الوقت. زيارة سريعة الى البائع في سراديق الفندق هي الفرصة الوحيدة والاخيرة لإنقاذ مالايمكن تثمينه عند العلماء من اللقى التاريخية الغير معروفة سابقاً والمعروضة للبيع لتقبع في خزائن هواة جمع المستحاثات، عوضا عن ان تقع في ايدي العلماء لتكشف لنا عن عصر جديد.

عام 1997 عثر الاختصاصي بالمستحاثات Steven Czerkas في هذا التجمع،على مستحاثة متحجرة لديناصور صغير آثارت إستغرابه بذيله العظمي الطويل واقدامه الامامية التي هي اقرب للاجنحة منها للاقدام، وحجمه الذي لم يزيد عن حجم الداجاجة. لقد كان ديناصورا وطيراً في نفس الوقت، فهل من الممكن ان يكون الحلقة المفقودة بين الديناصورات والطيور؟

الجري وراء المستحاثات التي تدل على التحول من ديناصور الى طير بدء منذ الستينات من القرن الماضي، عندما وجد المرء اربعة مستحاثات لديناصورات كاملة تقريباً في ولاية مونتانا الامريكية. الديناصورات المتحجرة التي عثر عليها، تظهر وكأنها تنتمي الى عائلة dromaesaur, ولكن لها مميزات مختلفة عن النماذج السابقة المعروفة عنها.((الصورة تمثل مستحاثة ديناصور بطول 77 سنتم، من عائلة dromaesaur)

عالم المستحاثات John Ostrom كان الاول الذي قام بفحصها وتوصل الى استناج ادهش الجميع: الكثير من الخصائص التشريحية تشير الى ان هذا الديناصور كان من اقرباء الطائر الاول. ومنذ ذلك الوقت كان العلماء يتابعون الاكتشافات في إنتظار الوصول الى ديناصورات اكثر قربا الى الطيور، للتأكد من هذه النظرية. ولذلك فأن الاكتشاف الذي اعلن عنه Steven Czerkas عبر بالضبط عن ماكان العلماء يتمنوه واطلق عليه اسم Archaeoraptor.

غير ان امل العلماء خاب سريعاً ليتحول الى فضيحة، فبعد الاعلان عن الاكتشاف في الجرائد العلمية، اعلن عالم صيني ان اللقية التي اثارت العلماء هي على الاغلب ملفقة ومجموعة من ذيل ديناصور وجسم طائر.

فيما بعد ظهر ان هذا التلفيق لم يكن مقصوداً، كل الدلائل تشير الى ان فلاحين قاموا بتركيبه من اجزاء وجدوها وتوصلوا الى خلق نموذج تتطابق مع تمنيات العلماء، بالرغم من انه لم يكن مخططاً لوقوع هذا النموذج الملفق بيد العلماء..

منذ فترة قصيرة توصل احد الخبراء الى ان اجزاء Archaeoraptor الملفقة تعود ليس الى نوعين ، كما كان معتقد، وانما الى كائنات متعددة، حيث عظام الكتف والاقدام الامامية والجمجمة تعود الى نوع غير معروف حتى تلك اللحظة، ولكن لم يكن احد يعرف قيمة هذا الاكتشاف بالنسبة لماضي الطيور.

في الواقع العملي من النادر ان نجد مستحاثة تعود لحيوان يمكن تصنيفه بين خطين حيوانين مختلفين، ويملك مواصفات من الطرفين، وبالتالي يشهد على لحظة الانتقال المباشر كحلقة الوصل بينهما من خلال التتطور. Archaeopteryx احد الامثلة على هذا النوع من المستحاثات. هذه المستحاثة تم العثور عليها في في جنوب المانيا عام 1861، وهي تعود لاقدم طير معروف حتى اليوم. هذا الطير كان يعيش قبل 150 مليون سنة. وفي الوقت الذي نجد ان له اجنحة ولباس من الريش تماما كطيور العصر الحالي، يملك ايضاً اسنان وذنب طويل ومخالب تماماً كما لدى الديناصور، مما يشير الى ان اجداد الطير الحالي كانوا متتداخلين تشريحياً مع الديناصورات. والسؤال الان فيما إذا كان الطيور قد انحدروا عن الديناصور ام ان الطيور والديناصورات كانوا فروعاً مستقلة في شجرة الزواحف وينتمون الى جد واحد اقدم؟


اسباب التردد السابقة في تحديد اصل الطيور ينبع من العثور على مجموعة من المستحاثات لسحالي لديها مايشبه الريش. هذه المستحاثات عمرها 225 عاماً، وبالتالي اقدم بمالايقل عن 75 مليون سنة عن مستحاثات الديناصورات الصينية. هذا النوع اطلق عليه تسمية Longisquama, وهو ليس من عائلة الديناصور، ولذلك يعتقد بعض العلماء انه دليل على كون اصل الطيور ليس من الديناصورات وانما من السحالي. تقوم حجة اتباع الاصل السابق للديناصور على انه من المستحيل ظهور ظاهرة الريش المعقدة مرتين في مسيرة التتطور وبينهم 75 مليون سنة. المعارضين يدعون الى ان مايظهر وكأنه ريش عند السحالي ليس إلا صفائح تشبه الريش في مظهرها الخارجي، ويشيرون الى ان انواع من السحالي الحالية لازالت تملك مثل هذه الصفائح التي تستخدمها لنفخ نفسها وإعطاء انطباع قوي للمنافسين.

ومهما كان الامر فأن اكثرية علماء المستحاثات اليوم تؤمن بالاصل الديناصوري للطيور، إنطلاقاً من المعطيات التشريحية وخصوصا بعد العثور على مجموعة مثيرة من اللقى الجديدة في الفترة الاخيرة. وبالرغم من ان العلماء لم تجد حتى الان ديناصور قادر على الطيران صادفهم الحظ السعيد بالعثور على براهين لاتقل اهمية عن ذلك: ديناصور بلباس كامل من الريش.

معظم اللقايا الجديدة وجدت في مقاطعة Liaoning الواقعة في الصين والتي اصبحت كعبة علماء المستحاثات، بفضل اللقايا الكثيرة والمحفوظة بشكل جيد وكامل. إنفجارات براكين عصر كريتا لها الفضل الاساسي في حفظ المستحاثات بالحالة الجيدة التي وجدهم العلماء عليها. الحيوانات التي عاشت في ذلك الوقت، حيث كان تسود بيئة إستوائية، اندفنوا احياء في ثوان، تحت الغبار البركاني، وقبل ان يتمكنوا من الفرار.

الديناصور الاول بلباس من الريش، من منطقة Liaoning، جرى عرضه من قبل العلماء الصينين عام 1996. الصورة المضغوطة بكل دقائقها على اللوح الحجري بطول متر، تظهر بكل وضوح منطقة بعرض سنتم واحد حول رقبة الديناصور، ويحيط بكل الرقبة والظهر والذنب. على الاخص حول الرقبة يمكن رؤية التفاصيل المميزة للريش. هذا الديناصور الذي يبلغ من العمر حوالي 120 مليون سنة، والذي حجمه كحجم الدجاجة، كان مغطى بالريش، الشئ الذي لم نعرف له وجود إلا عند الطيور.

هذا الديناصور بثياب الطيور والذي اطلق عليه اسم Sinosauropteryx prima كان من اقرباء الديناصورات آكلة اللحوم، التي كان العلماء منذ 1960 يعتقدزن انها اصل الطيور. هذه المجموعة تنتمي الى الديناصورات ثنائية الاقدام والتي ينتمي اليها الديناصور المشهور تيرانسور ريكس و فيلوسيرابتون (Tyrannosaurus rex & velociraptorn).


ديناصور ام طير فقد القدرة على الطيران؟
بالرغم من كل ذلك لم تتمكن هذه اللقايا من إزالة الشك حول الاصل الديناصوري للطيور عند جميع علماء المستاحاثات . لازال هناك من يشك في ان الديناصور كان يتجول بلباس من الريش. حسب وجهة نظرهم فأن مايظهر ريش في المستحاثات الحجرية ليس في واقع الامر إلا بقايا الياف الانسجة التي تربط الصفائح التي تغطي الجسم ببعضها كما هو الامر عند عائلة السحالي. يشير هؤلاء العلماء الى ان الريش ظهر نتيجة تراكم تتطوري معقد ولايمكن ان يبرر ظهوره بغير الطيران، في حين لم تكنSinosauropteryx قادرة على الطيران.

غير اننا نجد بإستمرار المزيد من المستحاثات لديناصورات تملك مالايمكن وصفه بغير الريش. عام 1997 اكتشف العلماء ديناصورين جديدين، هذه المرة بحجم ديك الحبش، وعاشوا ايضا قبل 120 مليون سنة. الاثنين يملكون روابط تشريحية مع الطيور وكلاهما مغطى بالريش. إضافة الى ذلك كانت بنية الريش ظاهرة بشكل صارخ الى درجة يصعب القول بإختلافه عن ريش الطيور الحالية، خصوصا عند المسمى Caudipteryx.

بعد هذا الاكتشاف اضطر جميع الرافضين لنظرية الاصل الديناصوري للطيور الى الاعتراف بأن الديناصور كان يملك ريش فعلا، ولكنهم غيروا طريقة طرحهم. حسب توجهاتهم الجديدة وإنطلاقاً من إصرارهم على ان الطيور لوحدها ملكت الريش، أعتبروا ان Caudipteryx كان طائر منذ البداية، لاعلاقة له بالديناصور وقد فقد نوعه القدرة على الطيران قبل تحوله الى مستحاثة بفترة زمنية، وبدأ بالتلائم مع الحياة على الارض.

في حين اتباع الاصل الديناصوري اعتبروا الاكتشاف الجديد نموذج لحيوان في المرحلة الانتقالية من الديناصور الى الطائر. وفي الوقت الذي يشير اللباس الريشي الى توجههم ليصبحوا طيوراً تشير المعطيات التشريحية الى انهم لازالوا يملكون علائم تشريحية كثيرة مشتركة مع الديناصورات، بحيث ان اثار انحدارهم عن الديناصور لازال حياً. العلماء الامريكيين الذين قاموا بتحليل المستحاثتين وجدوا اكثر من 90 علامة تشريحية من هذه العلامات ، يؤكدون ان هاتين المستحاثتين يمكن تصنيفهم ، بكل ثقة وبدون اي مصدر للشك ، في شجرة تتطور الديناصورات، بين velociraptorn and Archaeopteryx . حسب توقعاتهم فأن المستحاثات الاخيرة تمثل الدرجة ماقبل الاخيرة من درجات التحول التي بدأت من الديناصور ذو الرجلين الخلفيتين الى الطائر الحالي.

ومع ذلك لايوجد اي باحث يعتقد ان Caudipteryx هو الجد المباشر الى الطائر الحالي، إذ بالرغم من انه عاش حوالي 30 مليون سنة بعد المسمى Archaeopteryx, لازال هو الاكثر بدائية . ولذلك يعتقد العلماء انه ليس إلا فرعا ثانوياً منقرضاً من الشجرة الاصلية التي تضم الديناصورات والطيور، وقد انفصل عن الخط الرئيسي قبل فترة طويلة من ظهور Archaeopteryx .

وكما نرى هنا، فأن الحوار الذي يجري اليوم ينطلق من منطلقات مختلفة بين العلماء. بالنسبة للمجموعة الاولى والاكبر يعتبر "ديك الحبش الديناصوري" دليل على التتطور من الديناصور الى الطير، بالنسبة الى المجموعة الاصغر لايمثل إلا دليل على ان هناك مجموعة من الطيور تخلت عن الطيران وفضلت البقاء على الارض. إضافة الى الاهمية التي تعطى الى الاختلافات التشريحية المختلفة.

إذا كان الانطلاق من ان ظاهرة الريش لايمكن ان تظهر عبر عصر التتطور إلا مرة واحدة، وهذا امر متفق عليه بين الاغلبية المطلقة من العلماء، فأن ذلك يعني بالضرورة ان الديناصور المغطى بالريش هو قريب للطيور، بغض النظر عن المجموعة التي ينتمي اليها العالم. ان يظهر الريش في مجموعتين حيوانيتين منفصلتين بدون اي علاقة قرابة مع بعضهم البعض امر في غاية الصعوبة تصور إمكانية حدوثه، كما ان مثل هذا التتطور ليس له مثيل سابقاً في تاريخ عالم الكائنات المعروفة.

العلماء الصينيين عثروا مؤخرا على مستحاثة جديدة اطلق عليها اسم Epidexipteryx hui, وهي تلقي ضوء جديدا على تطور الطيور عن الديناصور. هذا " الديناصور" كان بحجم الحمامة، ويملك مخالب في اطراف ايديه واسنان في منقاره، قادرة على تمزيق لحم ضحاياه. إضافة الى ذلك كان يملك اربعة ريش طويلة في ذنبه، بشكل شبه مؤكد كانت تُستخدم في عملية الرقص للاغراء الانثى كما هي العادة عند الطيور اليوم. هذا الامر يقدم المزيد من الادلة على انحدار الطيور عن الديناصورات، وان الريش بقي بفضل اعجاب الانثى به، وفي النهاية وصل الى مرحلة اصبح صالحا للطيران.

هذا النوع من الكائنات تنتمي الى مجموعة ديناصورات ثنائية القوائم الخلفية theropod, واليها ينتمي الديناصور المخيف ريكس. Epidexipteryx hui كان يعيش قبل حوالي مابين 152-168 مليون سنة مما يجعله اقدم كائن من نوعه واقدم من Archaeopteryx, والذي كان يعيش قبل 145 مليون سنة. هذا الامر يشير الى ان الطبيعة اجرت التجارب على الريش قبل ان تصبح ظاهرة شائعة، وقبل ان تصبح وسيلة الطيران.

الجزء الثاني: سقوط الشك