علـم البيلوجيـا
 
 


  التطور البيلوجي

الجزء الثالث


التطور الدقيق والتطور الكبير Macroevolution and Microevolution.

قسم علماء البيولوجيا التطور إلى قسمين... التطور دقيق Microevolution وهو التطور الذي يحدث على مستوى الأحياء الدقيقة كالتطور الحاصل على الفيروسات والبكتيريا.
أما التطور الكبير Maqcroevolution فهو التطور على مستوى الكائنات المعقدة العديدة الخلايا، كالحيوانات والنباتات والفطور.. الخ...

أدلة التطور الكبير...
التطور الدقيق يمكن دراسته بشكل مباشر، لأنه يحدث بسرعة نسبيا، في كائنات سريعة التكاثر، طفراتها تؤثر بشكل مباشر على استمرارها وتنوعها، أما التطور الكبير فهو عملية جرت خلال سنين عديدة (مليارات السنين) لذا فإن دراسة أدلته تتم من نتائج علوم عديدة أخرى أهمها المقارنات الكيميائية الحيوية و علوم دراسة الجينات و الجغرافيا البيولوجية و علوم البنية العضوية والتشريحية للكائنات و علم الأحافير. كل فرع من هذه العلوم بحث كامل.
هذا بالذات احد الأسباب التي تجعل التطور مرمى سهلاً للنقاد في نظر الرأي العام، وصار على التطور أن يدافع ليس فقط عن نفسه بل عن باقي العلوم التي تدعمه. المضحك أن النقاد يلجأون إلى نقد كل تلك العلوم في سبيلهم إلى نقد التطور، ولا يدركون أن نصف علوم البشرية الكيميائية والبيولوجية والتشريحية هي دعائم للتطور.

الأدلة على التطور الكبير Macroevolution
إن دراسة الفروق بين تلك النسب في التطفر وأشكالها بين الأنواع المتقاربة ومقارنتها بالأنواع المتباعدة يعطي نتائج مهمة جدا في تحديد القرابات بين الأنواع المتباعدة والمدة التي انفصلت بها عن بعضها.إن وجدنا مجموعتان منفصلتان من زمن ليس بعيد نسبيا نجد أن الاختلافات في المادة الوراثية قليلة بينهما، أما في حال ابتعاد المجموعتان ذات الأصل المشترك عن بعضهما مدة زمنية طويلة فإن تلك الاختلافات تزداد،

لشرح هذه الفكرة بشكل مفصل سنعود للتحدث عن الجينات والطفرات قليلاً.

هناك مواقع يمكن أن يتغير فيها ترتيب النيوكليوتيدات دون أن يؤثر في تركيبة الحموضة الأمينية. تدعى هذه المواقع (المواقع الخامدة)، لكن هناك أيضا مواقع حساسة إن اختلفت فيها ترتيبات النيوكليوتيدات أعطت حمضاً أمينيا مختلفاً. تدعى تلك المواقع (مواقع التبديل). في الواقع فإننا نجد اختلافات أكبر في مواقع التبديل عندما نقارن مجموعتان حيويتان منفصلتان بعيدتان عن بعضهما. ورغم أن المواقع الخامدة ومواقع التبديل تتعرضان للنسبة نفسها من التطفر إلا أن الانتخاب الطبيعي لا يأبه بالمواقع الخامدة (لأنها لا تؤثر في تركيبة الحموض الأمينية والبروتينات) لكن الإنتخاب يقيد مواقع التبديل لأهميتها في إنتاج البروتينات.
بينت الدراسات والتجارب أنه في حال كانت المجموعتان من أصل مشترك فإنهما تشتركان ليس فقط بالتماثل في الجينات الفعالة والمواقع التي تؤثر في صنع البروتين. بل إن التشابه يكون أيضاً في المادة الوراثية التي لا تأثير لها وفي المواقع الخامدة في ترتيبات الجينات. وكلما ابتعدت المجموعتان المنفصلتان من أصل مشترك عن بعضهما زمنيا فإن الاختلافات بين تلك المجموعات تزداد على مستوى المواقع الخامدة ومواقع التبديل الفعالة.

ما هي أهمية كل هذا؟

إن كان الانتخاب يعمل كما هو متوقع له... فإن النسبة في الاختلاف بين مجموعتين في المواقع الخامدة ستكون مرتفعة (لعدم أهميتها وحريتها في التطفر دون أن يحددها الانتخاب) على عكس المواقع الفعالة التي يقوم التطفر بحدها...
قام العلماء فعلا بحساب فرق النسبة في تطفر كل من النوعين (الخامد والفعال) وكانت الدراسة على جينات البشر والقوارض (مجموعتان انفصلتا من حوالي 80 مليون سنة). كانت النتائج أن كل موقع خامد في التسلسل الجيني يعطي 4.6 نيوكليوتيد جديد كل (10 مرفوعة إلى الأس9) سنة بينما المواقع الفعالة تتغير بنسبة 0.85 فقط في الزمن نفسه.

التشابه التشريحي
كل المجموعات التي تنحدر من أصول واحدة تملك البنية التشريحية ذاتها، والإختلافات فقط في المقاييس والأحجام، فالخفاش والإنسان والحوت يملكون العظام نفسها. عظام يد الإنسان التي يظهر عليها اللحم هي نفسها عظام يد الخفاش التي تحمل جناح الخفاش أو زعانف الحوت. وكل الثدييات انحدرت من أصل واحد كانت له البنية التشريحية العظمية التي تملكها الأنواع حالياً. كلما اقتربنا أكثر بين الأنواع المتشابه فإننا نكتشف تشابهات أكبر بينها. والاختلاف في تطور تلك الأحياء هو أهم الأدلة. وكلما تطورت الأحياء فإن طريق تطورها يتنوع أكثر فأكثر، مثلاً نوعان من الفقاريات انفصلا في السابق وكل منهما تطور حسب بيئته، و هذا يؤدي إلى أن كل نوع سيقابل التطور من جديد ليس بناء على بيئته فحسب بل على الشكل الجديد الذي وصل إليه.

يمكن للتطور أيضا أن يقوم بتعديل أجزاء من دورة حياة الكائن ويترك أجزاء أخرى أحياناً. هناك اختلافات في مظاهر أجنة الفقاريات المبكرة. البرمائيات قديماً كانت تقوم بتكوين كرة من الخلايا الجنينية . لكن في الطيور والزواحف والثدييات فالشكل يكون على شكل قرص جنيني من الخلايا، وشكل الجنين المبكر هو نتيجة اختلاف تركيز المح في البيوض (أو ما ندعوه الصفار في البيوض). نجد أن بيوض الطيور والزواحف ممتلئة بالمح وبيوضهم تطورت بشكل مشابه للبرمائيات لكن تركيز مح البيوض قد أثر بشكل كبير في الجنين فالكرة من الخلايا الجنينية تم شدها لتصبح بشكل قرص وتم ودفعها لتقبع في قمة المح.. الثدييات خسرت ذلك المح وبقي شكل خلايا الجنين عند بدء التكوين بشكل قرص. إضافة إلى ذلك نجد أن الخلايا الجنينية تتجمع في فترة بضعة أيام على شكل بدائي سمكي قبل أن يبدأ تمايزها بشكل أكبر ويختلف. مثال آخر ... العديد من الأفاعي تملك أشكال عظام حوض بقيت في بنيتها من أجدادها التي كانت تملك القدرة على السير، بعض تلك الأشكال حصلت على وظائف جديدة خلال مسيرة التطور أيضاً فالزائدة الدودية في البشر تحوي الآن على خلايا دفاعية منيعة.
علم الأحافير أظهر نتائج مؤكدة لحدوث التطور، فالأحياء الأقرب تشريحيا إلى مجموعاتها تتواجد في أماكن قريبة جغرافياً. تم العثور على مراحل انتقالية بين الأنواع بشكل كبير، فالثدييات والزواحف تختلف في البنية الهيكلية العظمية فيما بينها وخصوصا في شكل الجمجمة. الفك في الزواحف مكون من أربع عظام واحد العظمة الأمامية تدعى بالعظمة السنية بينما نجد في الثدييات أن تلك العظمة هي الوحيدة في الفك السفلي (هي الفك السفلي في الثدييات عمليا).. والعظام البقية صارت جزءاً من الأذن الوسطى.
الزواحف تملك فكاً ضعيفاً وفما ممتلئاً بالأسنان المتشابهة. وفتح وإغلاق فكها يتم بواسطة ثلاث عضلات (الخارجية-والعجزية – والداخلية). أسنانها مدببة كلها. أما الثدييات فتملك فكا قويا وأسناناً متباينة، العديد من تلك الأسنان كالطواحن تمل عدة أطراف مدببة لكل سن. تم رصد التطورات المرحلية في العديد من الأحافير أهمها البروكينوسوكوس Procynosuchus والثريناكزودون Thrinaxodon والساينوغناثوس Cynognathus. وتم مراقبة تطور أشكال الفك وتغيره.
أقوى أدلة التطور الكبير والأصول المشتركة هو التصنيف المتداخل للأحياء. فالنباتات مثلاً يتم تصنيفها في البداية إلى (وعائيات ولا وعائيات )، النباتات الوعائية تقسم إلى (عديمة البذور وبذرية)، البذرية تقسم إلى (زهرية ولا زهرية)... الزهرية تصنف إلى (أحادية الجنس وثنائية الجنس). ولا يمكن أن نجد نباتات زهرية تتشابه بصفاتها الأخرى بشكل أكبر مع نباتات غير زهرية، كل الزهريات تتشابه بالصفات أكثر فيما بينها وتختلف أكثر بين التصنيفات الأخرى. الأنواع تحوي صفات ورثتها من اجدادها، وكل تصنيف فرعي يحوي خصائص مختلفة جديدة عن آبائه قام بتطويرها.

كيف يحدث التطور الكبير...
التطور الكبير فسر نشوء أنواع جديدة من أصول مشتركة، هذه الأنواع كانت مجموعة واحدة انفصلت عن بعضها وبدأت أحواضها الجينية بالاختلاف وفقا للبيئة التي تعيش فيها، وبالتدريج صارت أنواعا مختلفة تماماً، هذا ما يدعى بالـ Allopatric. والتطور يحدث على مراحل زمنية كبيرة فلا يمكن مراقبته بشكل مباشر في معظم الأحياء لكن تمت مراقبته في بعض الأنواع... أشهر المثال على ذلك هو نبات التراغوبوغون Tragopogon فقد تطور هذا النبات إلى نوعين مختلفين من النباتات في 60 سنة ... هذا التطور أعطى نوعان لا يمكنهما التزاوج مع بعضهما البعض وبالتالي أدى إلى انفصالهما تماما.

الإنقراض... أيضاً من أدلة التطور...
وهو يقسم إلى نوعين... الانقراض العادي والانقراض الجماعي.
الانقراض العادي هو ذروة تطور أي مجموعة حية وأسبابه عديدة جداً، فالتنافس على البقاء والظروف التي تعيش بها الأحياء تتغير بشكل كبير لا تستطيع الأحياء مقاومتها، بعض الأنواع تتمتع بفترات بقاء طويلة على الأرض، تستمر لفترات قصيرة جداً، فإذا كانت البيئة مستقرة استقر استمرار تلك الأنواع وإن اختلفت البيئة على نوع ما، ولم يكن يحوي آليات تواجه ذلك الاختلاف فإنه سينقرض.
أما الانقراض الجماعي Mass extinction فهو يحدث بسبب تغييرات كبيرة جدا على البيئة تقضي على أنواع بأكملها، يتبع هذا الانقراض أعداد ضئيلة من أنواع مختلفة استطاعت أن تنجو وتعطي نسلاً جديداً في بيئة جديدة. آخر انقراض جماعي حدث من حوالي 250 مليون سنة، تزامن هذا الانقراض لعديد من المجموعات مع إعادة بدء تشكيل الكتل البرية على الأرض وانخفاض منسوب البحر بشكل كبير.

بالنسبة للانقراض بشكل عام، فإن أشهر حوادثه هو ما حصل بين العصر الكريتاسي Cretaceous والتيرتياري Tertiary أو ما يدعى بفاصل الـ K/T من حوالي 65 مليون عام. هذا الانقراض قضى على الديناصورات، كان سببه اصطدام أجرام كونية كبيرة بالأرض، بعد ذلك الانقراض بدأت حلقات التطور بالنسبة للثدييات بالتنوع والظهور والانتشار وملئ الفراغ الذي تركته الديناصورات وراءها. وحاليا وجود البشر يسبب انقراض العديد من أنواع الأحياء.

التقييم العلمي للتطور ونقده.
كانت نظرية التطور في يوم من الأيام محل جدل ونقد، لكن في أيامنا هذه فلا مجال لنقدها، والجدل الآن في آليات التطور حول بعض الأنواع في بعض مراحل التاريخ لا أكثر. لازال العلماء يبحثون في الأحافير والسجلات التاريخية الأرضية، لكن فكرة التطور والأصل المشترك صارت حقيقة في الوسط العلمي
بصراحة في البداية لم أرد نقد (نقد التطور)، لكن هدف الموضوع في النهاية هو التعريف عن التطور، وعليه فإن التطور الذي قدمه معارضو التطور (الذين يدافعون عن فكرة الخلق) هو من أهم أساسيات التطور.
علماء الأحياء يستخدمون كلمة (هراء محض) في مواجهة كل ما يجدونه ناقداً للتطور في صالح الخلق، نجد أن نقاد التطور يتحدثون من خلفيات دينية تماماً (وهذا لا مكان له في العلم).. وهدفهم ببساطة هو الهجوم على التطور، فهم لا يقدمون بديلا علمياً ولا بأي شكل من الأشكال بل يعتمدون على تشويه حقائق علمية بطريقة مفضوحة تم الرد عليها من زمن بعيد لا أريد الدخول في تفاصيلها حاليا لطولها الشديد


مصادر المؤلف:
موسوعة ويكيبيديا
موقع شامل عن نظرية التطور
موقع علمي على الانترنت
موقع الأكاديميات الوطنية.
جامعة واشنطن في سانت لويس.
موقع للأخبار.
جامعة بيكرلي في كاليفورنيا.
شركة للإعلام والنشر العلمي