علـم البيلوجيـا
 
 


 متى اصبح الانسان عاقلا ولماذا؟


 
نعلم ان التفكير اليوم ليس  فقط الانسان وحده من يملكها، فجذورها الاساسية   موجودة عند الحيوان بدرجات مختلفة، كما ان القدرات العقلية للنوع الواحد اختلفت بوضوح عبر الزمن على مستوى القطيع ككل كما على مستوى افراده. في نفس الوقت نعلم ان الانسان لم يكن دائما يملك القدرة على التفكير بذات المستوى ما هو الحال اليوم، إذ ان  الاثار التي أرخت لظهور الانسان البيلوجي، تشير بوضوح الى هوة زمنية طويلة بين ظهور الانسان البيلوجي وظهور قدراته المنسوبة اليه على التفكير التجريدي ووعي الذات.  ومهما اختلف العلماء في تقدير الزمن لظهور القدرات التفكيرية فهم متفقون على ان الانسان البيلوجي الاول لم يكن يختلف عن الحيوان في قدراته التفكيرية، الامر الذي يعلنا امام السؤال المنطقي التالي: مالذي اجبره على التفكير إذن؟

نشوء الذكاء والوعي عند إنسان الكهوف
الى فترة قريبة كان علماء الاثار يعتقدون ان قدرات الانسان الحديث العقلية الواعية وطاقاته على الابداع ظهرت  قبل 40 الف سنة فقط، ارتباطا باللقايا التي اكتشفت في المغارات الاوروبية ، غير ان اكتشافا جديدا في افريقيا الجنوبية ظهر ان الهومو سابينس Homo sapiens* كان في الواقع واعيا وخلاقا منذ بضعة الاف سنة اقدم مما  اعتقده العلماء.

قبل 195 الف سنة ظهر الانسان الحديث (Homo sapiens) على الارض لاول مرة غير ان اغلب العلماء المعنيين اعتقدوا ولفترة طويلة ان هذا الانسان حصل على قدراته العقلية المميزة والتي آهلته لوعي الذات، بعد فترة طويلة من النضوج البيلوجي، وبالذات قبل 40 الف سنة مضت، بسبب تغييرات جينية على الاغلب.

خلال السنوات القلائل الاخيرة استطاع الباحثين اكتشاف الكثير من اللقايا القديمة للغاية التي تشير الى قدرات خلاقة للانسان القديم، مثل الحلي والادوات المتروكة مع الاموات كدلائل على إقامة شعائر الدفن. اللقايا تشير الى ان الانسان اصبح في وقت مبكر قادر على التفكير المجرد مما هيئ لظهور إنسان اليوم.

على الاخص اللقايا التي وجدت في مغارة تسمى بلومبوس غافيه (Blombos Cave)   في افريقيا الجنوبية ، هي التي هزت كل معتقدات العلماء السابقة عن اللحظة التي اطلق فيها الانسان القديم قدراته الخلاقة. المغارة المؤلفة من 55 متر مربع وبضعة امتار بالارتفاع تملك بضعة امتار من الطبقات المتراكمة، تتكلم عن 120 الف سنة من عمر ساكنيها، الذين استمروا بسكناها الى ماقبل 300 سنة فقط لتتدخل بعد ذلك في عالم النسيان. عالم الاثار  كريستوفر هينشيلوود * اكتشف المغارة وثروتها الغنية.   Christopher Henshilwood

اللقايا من مغارة بلومبوس غافيه Blombos Cave    اعطت لنا ببطء وصمت صورة عن الانسان الاول ولحظة ظهور وعيه. اكثر اللقايا تعبيرا عن القدرات كان لها من العمر 75 الف سنة تحوي اصداف محفورة من مختلف الاحجام. قبل 75 الف سنة جمع البعض اصدافا من قرب احدى البحيرات على بعد 20 كلم ونقلها الى المغارة، حيث قاموا جماعة او افرادا بحفر ثقب فيها، قرب فتحتها الطبيعية،  مستخدمين اداة بارزة وحادة. آثار الاحتكاك حول الثقب تشير الى ان الصدف كانوا معلقين بحبل، مما يجعلها شبيهة بالاسوارة او العقد. إضافة الى هذه اللقايا وجد كريستوفر هينشلوود بقايا ميكروسكوبية للطين الاحمر بالطرف الداخلي من الاصداف مما يدل على ان الاصداف إما كانت ملونة بالاحمر او كانت على تماس مع اللون الاحمر لربما من خلال ان حاملها كان يلون جسمه بالاحمر، من حيث ان هذا الطين لازال يستخدم حتى اليوم عند الكثير من الشعوب البدائية للتلوين بالاحمر.

الحفريات في المغارة كشفت ايضا عن تسعة احجار طينية صلصالية حمراء وعليها خطوط مستطيلة محفورة بشكل منظم، من الواضح ان هناك من قام بهذا العمل بشكل واعي. لااحد استطاع التكهن بأسباب هذه الرسوم ودواعيها. انها تشير الى ان الانسان القديم قد استهلك الكثير من الوقت لجمعها ورسمها وتجفيفها ولايمكن ان يكون ذلك بدون دواعي دفعته الى ذلك. هل كان الهدف للتجميل ام للحساب؟ للاسف لااحد يستطيع الاجابة.

على خلفية اللقايا الجديدة ، يصل الباحثين الى الاستنتاج ان سكنة هذه المغارة هم اكثر من انسان مغارة متوحش. لقد كان لديهم القدرة على القيام بنشاطات تتجاوز ماتكتفي الكائنات للقيام به في سبيل البقاء الخالص على الحياة، وبالتالي ميزوا نفسهم عن بقية الحيوانات وعن الانسان الاقدم الذي انحدروا منه.

وحتى لو كانت اللقايا الجديدة اقدم مما كان المرء يعتقد انه ممكن، فأنها ليست بالضرورة اللقى الاولى التي تم العثور عليها والتي اشارت الى ظهور القدرة على التفكير المجرد. قائمة اللقايا القديمة للاشياء التي تعتبر برهانا لظهور القدرة على التفكير المجرد تنمو وتزداد سنويا. علماء الاثار الاسرائيليين وجدوا لقايا عديدة منها لقية من هضبة الجولان عبارة عن شكل يعتقد انه يمثل امرأة تعود الى ماقبل 233 الف سنة وقطع صلصالية عليها آثار من الخطوط ومعالجة بالنار تعود الى ماقبل 92 الف سنة، ومن المحتمل انها استخدمت في شعائر الدفن. وحيث ان اللقى الاسرائيلية قديمة للغاية ووصلت احداها الى 233 الف سنة، فأن  ترابط الاحداث يجعلها من منتجات الانسان الاخر المسمى هومو ايريكتوس Homo Erectus ، وهو الجد الاول لما يسمى بإنسان النيندرتاليرنا وليس الهومو سابينيس Homo sapiens  مما يضع الاسس للاعتقاد ان الهومو ايريكتوس قد سبق الهومو سابينيس في الحصول على القدرات التفكيرية الخلاقة.

 في تنزانيا تمكن علماء الاثار من العثور على حلقات زينة من بيض النعامة تعود الى ماقبل 40 الف الى 200 الف سنة، في حين هناك قطعتين من العظم على شكل حلقات عثر عليها في مغارة كلاسيس ريفير ماوس    Klasies River Mouth Cave في افريقيا الجنوبية* تعود الى ماقبل 100 الف سنة.

ليس جميع علماء الاثار يعترفون بأن هذه الاثار دليل مؤكد وكافي على ان القدرات الخلاقة للانسانية قد ولدت ماقبل 40 الف سنة. في بعض الحالات بسبب ان تأريخ اللقايا غير مؤكد بما فيه الكفاية، في حالات اخرى بسبب الشك باللقية والهدف منها وبالتالي إمكانية نسبها الى الصنع الواعي للانسان، غير ان الجميع يتفقون على وجود فرق تاريخي بين الظهور البيلوجي للانسان وبين ظهور قدراته التجريدية الخلاقة ووعيه بالذات.

العلماء المعنيين ناقشوا ليس فقط اللقى التي عثروا عليها في بلومبوس غافيه والمؤشرات القديمة على وجود القدرة على التفكير التجريدي والابداع، بل ايضا حاولوا الاجابة على سؤال: لماذا اضطر الانسان الى تتطوير قدراته العقلية. لااحد توصل الى جواب، غير ان علماء وباحثين مختلفين وضعوا عددا من النظريات لتوضيح مالذي حدث قبل 40 – 195 الف سنة الماضية مما ادى الى تحفيز القدرات التفكيرية الخلاقة.

ستانلي امبروس من جامعة الينويس ( Stanley Ambrose from University of Illionis ) يرى اننا اجبرنا على ان نكون اذكياء. انه يشير الى الابحاث التي تظهر ان الهومو سابينيس * قبل 70 الف سنة تعرض الى أزمة جينية ادت الى تشكيل مايعرف بـ " عنق زجاجة" بسبب تقلص كارثي لعدد افراد القطيع الانساني. الرماد والغبار من بركان توبا( Toba )* في سومطره سبب انهيار البيئة الارضية لمدة ستة سنوات، ليتبع ذلك بدء العصر الجليدي لمدة الف سنة. لايزيد عدد من استطاع البقاء على قيد الحياة عند نهاية العصر الجليدي عن 10 الاف شخص، على الاغلب بفضل تميزهم وقدرتهم على التعاون وتقسيم الموارد المحدودة بين بعضهم البعض. القدرة على التفكير التجريدي كان له وزنا استثنائيا في إنقاذ من له القدرة عليه من افراد القطيع الانساني وفي بناء الشبكة الاجتماعية للجماعة والعلاقة مع المحيط.

رسم يوضح شجرة تتطور الانسان الاول قبل إنفجار بركان توبا وبعده ومدى الدمار الذي الحقه

على العكس من ستانلي امبروس يرى اليسون بروكس ( Alison Brooks from George Washington University )* من جامعة جورج واشنطن، ان القدرات الخلاقة ظهرت في عصر إزدهار النوع، حيث عدد القطيع البشري كان في إزدياد.  التزايد العددي ادى الى تقلص الموارد الغذائية واجبر القطيع على ايجاد طرق جديدة للحصول على الطعام.التفكير الرمزي التجريدي حسب هذه النظرية كان اداة اتاحت صفات تفضيلية في الصراع او التعاون او التنافس على الموارد المحدودة، من حيث ان الاذكياء كانوا ذو قدرة افضل على استغلال افضليات التعاون الاجتماعي الجماعي.

نظرية ثالثة قدمها جون شيا من جامعة ستوني بروك( John Shea from Stony Brook University تقول ان قدراتنا العقلية نمت وتتطورت بالترابط مع قذف الانسان للاشياء وخبرته المتراكمة عنها لتصبح سلاحا وذلك قبل 35-40 الف سنة. هذه الخبرة " العسكرية" ادت الى فتح آفاق جديدة لصيد افضل وحيوانات اكبر وتعاون وتركيز وانسجام وتفاهم بين افراد المجموعة، وبالتالي ترابط اجتماعي افضل واعمق. المميز لجميع النظريات ان الاذكياء تمكنوا من الحصول على افضليات اكبر من الاقل ذكاء، وبالتالي حصلوا على حظوظ اكبر لنشر جيناتهم الى الاجيال الجديدة.

قبل 75 الف سنة كان سكان بلومبوس غافيه* هم اكثر ناس ذلك الزمان "تقدما". كيف تحقق لهم القيام بهذه الخطوة الاولى الصغيرة في شكلها والعظيمة في اهميتها والتي ادت الى انفصالهم مبكرا عن عالم الحيوان وادخلتهم عالم الابداع، حتى الان ليس واضحا، الامر الذي يوضح اهمية الاستمرار بالبحث والتركيز على "رحم" الحضارة الاولى.

في عام 2006 سيقوم هينشيلوود بالمزيد من الحفريات في بلومبوس غافيه، لينهي بعد ذلك حفرياته بالرغم من انه لم يقم إلا بحفر وتنقيب ثلث المغارة فقط. الهدف من عدم الاستمرار بالتنقيب هو ترك المغارة الى علماء المستقبل ليتمكنوا بوسائلهم وطرقهم الاحدث للوصول الى نتائج اكثر اهمية، بأعتبار ان وسائل العصر الحالي لازالت حتى الان ليست على المستوى المطلوب ولازالت تحت التتطوير.

في احدى المغارات في افريقيا الجنوبية تمكن العالم الاركيالوجي Christpher Henshilwood من العثور على آثار ادوات مطلية بالالوان تعود الى ماقبل 100 الف سنة. وهذه اقدم الاثار على فنون مصبوغة، على الرغم من انه غير معلوم اذا كانت فنا. اللقى عبارة عن قشور اصداف مطلية بالطين الاحمر يجري انتاجه خصيصا عن طريق طحن التربة الغنية بالحديد ويجري مزجها بطحين العظام والفحم. والى جانبهم كانت توجد قطع من العظام لربما جرى استخدامهم من اجل تحريك الخليطة او لنقل الالوان. والالوان الحمراء من التربة امرا شائع الاستخدام لدى الانسان المبكر لتلوين اللوحات والجسم. اقدم الاثار على استخدام التراب الاحمر جرى العثور عليه في طبقة ابكر في المنطقة نفسها في مغارة (Blombo) وكانت احدث بثلاثين سنة من اللقية الاخيرة. واللقية تشير الى ان الانسان تمكن من استخراج طريقة تكنيكية وتمكن من التخطيط للمستقبل. لازال غير معلوم اذا كان الاستخدام فني الامر الذي يشير الى القدرة على التفكير التجريدي. ولكن توجد نظرية اخرى تقول ان الخلطة من اجل استخدامها كغراء للصق اجزاء من العظام او الحجارة بقطعة من خشب.


1/1996 s.36-44