علـم البيلوجيـا
 
 


 نظرية التطور الحديثة

الجزء التاسع

التتطور يجري امام اعيننا

منذ ظهور اكتشاف داروين لعملية التتطور، كان الاعتقاد ساريا ان عملية التتطور تتطلب ألاف السنين. الان تشير المعطيات الى ان هذه العملية لاتحتاج بالضرورة الى هذه الفترة الطويلة عندما يوضع الحيوان امام أزمة وجود، تجبر النوع المعني بالتلاؤم.

منذ فترة قريبة اصيب العلماء بالدهشة لاكتشافهم نوعاً جديداً من الفراشات  في امريكا الوسطى اطلق عليه Heliconius heurippa ، وموضع الدهشة ان البحث الجيني اثبت ان هذا النوع ليس إلا نتيجة تلاقح بين نوعين اخرين  هما Heliconius cyndo and Heliconius melpomene, لبنتج منهما الهجين الجديد. وقد اظهرت الدراسات اللاحقة ان هذا الهجين هو نوع منفصل يتزاوج بين مجموعته الجديدة فقط. ومن المعروف ان الانواع عادة لاتتلاقح بين بعضها البعض وحتى عند حدوث الملاقحة فأنه لاينتج عنها اجيال مشتركة تماما كما يحدث عند تلاقح الحمار مع الفرس لينتج بغل لاقدرة له على الانجاب.

الحصان والحمار وحمار الوحش ينتمون جميعا الى عائلة واحدة تدعى Equus, وذلك يعني انهم قد انحدروا من جد واحد. وبالرغم من انهم في حالات معينة يمكن ان ينجبوا من بعضهم البعض إلا ان ذلك لايجري في الحالات الطبيعية وانما فقط في حالات الحجز الاصطناعي. ومهما كان الامر فأن اجيالهم المختلطة تكون عقيمة بسبب ان الحصان يملك 64 كروموسوم، والحمار 62 كروموسوم، مما يعني ان هناك جزء من الكرموسومات لن تجد زوجها عند تلقيح البضية. عند حمار الوحش نجد ان البعض يملك 44 كروموسوم والبعض الاخر 46. الفرق الكبير هو الذي يجعل ندرة حصول اجيال بالتلاقح بينهم وهذا ممكن فقط عندما تكون المنويات قادمة من ذكر حمار الوحش والبيضة من الاتان او الفرس، في حين العكس غير ممكن. لااحد يعرف بالضبط لماذا ولكن عند مثل هكذا تلقيح يجب ان يكون العدد الاقل من الكروموسومات آتية من الذكر. عدم حدوث هذه الامور في الطبيعة يظهر بوضوح ميكانيزم الانفصال بين الانواع. مثل هذا يحدث ايضا بين الاسود والنمور، ويمكن ان ينتج من تلاقحهم وليد يسمى liger اما ماينجبه الحمار وحمار الوحش فيسمى Zedonk, ومن حمار الوحش والفرس يأتي مايسمى zorse.

عندما كان العالم الامريكي Jonath Losos      يدرس مالذي يحدث عندما ينقرض احد الانواع. عام 1977 آسر مجموعة من السحالي يدعى Anoles  في جزيرة صغير تسمى Stanley Cay  من مجموعة جزر بهاما. هذه الجزيرة تتميز بخصوبتها وممتلئة بالاشجار، ممايسمح للسحالي النحيفة والطويلة ان تستلقي على جذوع الاشجار بالعشرات.

العالم لوسوس نقل مجموعة من هذه السحالي الى جزيرة قريبة، خالية من هذه السحالي سابقا. البيئة في الجزيرة الجديدة كانت تتميز بالجفاف وارتفاع حرارتها، الطعام كان صعب الحصول عليه، واضافة لذلك لم يكن هناك اشجار التي تشكل اساسا لحياة هذا النوع من السحالي. كانت ظروف الحياة من الصعوبة بحيث كان العالم ينتظر موت السحالي المحتم في هذه البيئة القاسية.

غير ان السحالي كان لهم رأي اخر. ليس فقط تمكنوا من التأقلم بل تمكنوا من ان يغيروا نمط حياتهم ليصبح بيتهم الجديد افضل. غير ان هذا لم يجري بدون اثار غير منظورة. بعد عشرين عاما عندما جاء لوسوس لمعاينتهم في بيتهم الجديد ظهرت له حقائق لم يتخيلها. السحالي اصبحت اصغر حجما ورجليها اصبحت اقصر بالنسبة للمجموعة الاخرى التي بقيت على جزيرتها الاصلية. من خلال الحجم الاقل تمكنت السحالي من التلائم مع البيئة الجديدة الافقر، ومن خلال الارجل الاقصر تمكنوا من التمسك بالنباتات الارضية القصيرة عوضا عن التسلق على الاشجار.

خطأ جيني يعطي افضليات
خلال بضعة اجيال، والتي تشكل في واقع الامر مجرد طرفة من عمر التتطور، جرى تحول جسمي كبير على هذه المجموعة من السحالي. هذه التجربة التي كان الهدف منها معرفة ظروف اندثار الانواع، اصبحت تجربة بكيفية خلق الانواع الجديدة. وبالرغم من ان التغير لم يصل الى حد عدم قدرة المجموعة الجديدة على التزاوج مع المجموعة الاصلية وبالتالي لم تصل الى مستوى ولادة نوع جديد، غير انه ليست بعيدة عن التغييرات الكافية لتصبح نوع جديد.   ولترينا طريق التتطور بأم العين.

منذ تأسيس تشارلز داروين لعلم التتطور الحديث، بكتابه " اصل الانواع" ، ناقش البيلوجيين باستمرار ميكانيزم التحول خلف ظهور الانواع. داروين لم يكن يعرف الجينات والاحماض الامينية والمورثات، وبالرغم ذلك اعتمد على ان التحول يجري من خلال تغييرات صغيرة متراكمة، في النتيجة تصبح كافية لفصل المجموعات عن بعضها كنوع منفصل، الى درجة عدم قدرتهم على الانجاب من بعضهم البعض.

داروين عنى ان التتطور الطبيعي للنوع، ليس إلا عملية تستمر فترة طويلة تصل الى عشرات الالاف من السنوات، بل قد تصل الى بضعة الملايين من الاعوام. غير ان القاعدة هي دائما يوجد اختلافات ولو صغيرة جدا بين افراد النوع الواحد. هذا الاختلاف يمكن ان يكون ذنب اقصر، او اذان اقصر، او كثافة اقل في الشعر المغطي للجسد. بفضل عوامل خارجية كتغيير الحرارة او نوع الطعام يحصل البعض على ظروف افضل بفضل تميزهم الخلقي، تعطيهم افضلية في الصراع على البقاء. اذا كانت الصفة المميزة التي حصل بفضلها احد الافراد على الافضلية تجاه بقية افراد القطيع هي طول الارجل مثلا، ستصبح هذه الصفة اوضح واوضح مع اجياله التالية، الى ان تصبح المجموعة ذات الارجل الطويلة غير قادرة على التزاوج مع بقية المجموعة. عندها يخلق النوع الجديد.

الصورة الى اليسار تشير الى الفرق بين شكل حيوان مائي تتطور. الشكل في يمين الصورة للكائن الجديد، حيث ظهر ان الاسماك تتجنبه ، على الاغلب بسبب خوفهم من خرطومه وذيله الطويل ويفضلون زميله الاخر الذي لم يتغير شكله، هذا على الرغم من ان الخرطوم والذيل غير مؤذيين

عند ظهور علم الجينات والمورثات بعد داروين مائة عام، ظهر الميكانيزم الذي وضح منطلقات داروين واثبت صحتها. كافة المظاهر الخارجية والداخلية للكائنات الحية، الشكل الخارجي او التصرف الحيوي، تسير من خلال المورثات. عند التقليح ونشوء المورثات المختلطة، تحدث عملية تغيير في تموضع المورثات لاحد الجينات بشكل غير معين وغير مخطط، بمايشابه الخطأ التموضعي، يسمى الطفرة، بنتائجه يخلق بروتيين جديد مخالف لما عند الاصل. وبالتالي يجري اختلال وتغيير في احد المواصفات الخارجية او الداخلية التي يسيطر عليها الجين المتغيير.

اغلب الطفرات الناشئة، مضرة للكائن التي تصيبه، وهم يختفون من الدورة البيلوجية بموت الكائن الحامل لهم. ومن المفيد التذكير بانهم يحدثون دائما وباستمرار امام اعيننا يوميا. احيانا تعطي الطفرة خصائص جديدة مفيدة لحاملها في صراعه من اجل البقاء الامر الذي تعطيه افضليات امام الافراد الاخرين. هذه الصفة الجديدة ستنتقل الى اجيال حاملها، لتزداد المجموعة ذات الصفات التفضيلية.

التتطور يخطو الى الامام بثبات ووضوح
من قبل كان الاعتقاد سائد عند الباحثين ان الجينات تؤثر على بعضها البعض في عملية معقدة من الارتباط الى درجة ان كل تغيير، لايمكن ان يحدث إلا بخطوات صغيرة غير ملحوظة. الطفرات ذات التأثير التغييري الكبير ستتعارض مع بقية العمليات البيلوجية وبالتالي ستون قاتلة للكائن.

على اساس هذا التفسير، لايمكن للانواع الجديدة ان تتكون إلا على الطريقة التي ذكرها داروين: من خلال عملية تغيير طويلة وبطيئة ومتسلسلة من التغييرات الثابتة. وبالتالي فأن التتطور ليس عملية يمكن دراستها خلال حقبة عمر الانسان الواحد. لذلك اثارت اقوال العالمين الامريكين  Niles Eldridge   and  Stephen Jay Gould     عام 1972 الكثير من الاهتمام في وسط الباحثين والمهتمين، عندما قدموا نظريتهم عن ان ظهور الانواع الجديدة يحدث في الواقع من خلال عملية تحول سريعة. حسب النظرية الجديدة، فأن الانواع الجديدة تصبح مستقرة خلال فترة قصيرة من الزمن، عند الانتهاء من عملية التحول.

الانواع الجديدة تظهر ، كقاعدة، عند حدوث تغييرات حادة في المناخ والبيئة. في مثل هكذا ظروف لوحظ نشوء طفرات اكثر من المعتاد وذات تأثير اعمق، الامر الذي شكل تغيير ملحوظ في مجموعة الافراد من ناحية الشكل او التصرفات. الكثير من هذه الطفرات تتراوح بين الضارة الى فقدان التأثير الكامل. الامر الذي يؤدي الى موت الكثيرين الى ان تظهر افضلية احد الطفرات بالعلاقة مع الظروف الجديدة. انها لعبة الحظ، بانتظار الفائز السعيد ذو الطفرة المناسبة، لتعلن ولادة النوع الجديد.

نوع ظهر بخمس سنوات
نظرية التتطور السريع توضح بالضبط الميكانيزم الذي ادى الى ظهور هذا العدد الكبير من الباكتريا الممرضة الجديدة وارتفاع المقاومة عند الانواع القديمة ضد الادوية المستعملة لمكافحتهم. نظرية التتطور التقليدية لم تكن لتستطيع توضيح الامر. النظرية الجديدة توضح ايضا، كيفية قدرة انواع جديدة من ذباب الموز على النشوء في فترة زمنية قصيرة، الامر الذي امكن حدوثه في جامعة Rockefeller  في نيويورك. الذباب الذي اصبح اسمهم Llanos A . عند لحظة اصطيادهم وحبسهم عام 1958 كان بالامكان تكاثرهم مع بقية المجموعات الذبابية من النوع نفسه، غير انه بعد خمس سنوات من "السجن" والتكاثر المغلق، لم تستطع الاجيال الاخيرة التزاوج مع صنفها السابق لقد ولد نوع جديد في المختبر.هذا الحدث عام 1963 هو الذي حدى بالعلماء الى التسائل، كيف امكن لذلك ان يحدث في هذا الوقت القصير.

ذباب الموز من الحشرات المفضلة عند العلماء لاجراء التجارب عليها، بسبب كونهم يملكون عدد قليل من الجينات، ويتكاثرون بفترة قصيرة. من الصعب دراسة ميكانيزم التتطور عند الحبوانات العليا في السلسلة البيلوجية بسبب الوقت الطويل لنضوج الكائن المدروس ةبالتالي فأن ظهور الاجيال التالية التي ستدرس فيها الظاهرة المدروسة تتطلب الكثير من الانتظار. ومع ذلك فليس السحالي فقط هم من درست علهم التغييرات من الحيوانات العليل بل اجريت الدراسات على الكثير غيرهم مثل طائر القبعة السوداء وهو من الطيور المهاجرة بين شمال اوروبا وشمال افريقيا.



عند قدوم الشتاء اعتاد طائر القبعة السوداء الهجرة الى السواحل الشمالية لافريقيا، غير انه لوحظ انه في السنوات الثلاثين الماضية، وهي فترة تقابل حوالي ستة اجيال لهذا الطير، جرت تغييرات كبيرة على عادات الهجرة. عوضا عن الهجرة الى افريقيا اصبح الطائر يذهب الى الشمال الغربي، اي الى جنوب انكلترا.

طائر القبعة السوداء لايتعلم طريق هجرته الشتوية او الصيفية عن ابويه او بقية الطيور، بل ان المعلومات كامنة في المورثات نفسها، لذلك فأن التغيير في العادات لايمكن ان يفسر إلا بالتغيير في مصادر المعلومات الكامنة اي المورثات. لقد جرت طفرة غيرت خريطة سير الهجرة الى مناطق جديدة. يحدث ان بعض الطيور تختار طريق اخر، معاكس تماما للطريق الطبيعي الاعتيادي، اغلبيتهم يموتون. اما الان وبسبب التغيير المناخي فأن هؤلاء الاقلية سابقا اصبحوا اكثرية، لقد وجدوا منطقة تعطيهم مميزات افضل عن البقية الذين لازالوا مضطرين السفر الى افريقيا، ساعدهم على ذلك تغيير المناخ نحو الدفئ. الذين هاجروا الى انكلترا تمكنوا من الحفاظ على قواهم وبالتالي انجاب اجيال اكثر في ظروف افضل، لقد اصبحت الهيمنة الكمية لهم في المجوع العام.

الحياة مربوطة بالمنقار
سرعة التغييرات التتطورية نشاهدها ايضا عند طيور داروين (داروين فينكار) التي تعيش في جزر غالاباغوس . بعد فترة الجفاف يملك الطيور الذي استطاعوا تحمل المرحلة الصعبة، مناقيرا 5-6 مليمتر اطول من متوسط طول المناقير لجميع الطيور قبل مرحلة الجفاف. هذا يمكن توضيحه لكون المناقير الاكبر تستطع بشكل اسهل تحطيم البذور الجافة القاسية، عوضا عن الطعام الاكثر طراوة التي تعودت هذه الطيور تناوله في الاحوال العادية. حسب حسابات الخبراء فأن عشرة مواسم من الجفاف، فترة زمنية قصيرة جدا في عمر رحلة التتطور، كافية لاصطفاء نوع جديد.

عندما قام العلماء بنقل احد انواع الاسماك الصغيرة التي تدعى غوبي، من بحيرة في منطقة ترينيداد الى بحيرة اخرى، لايحيا فيها اعداء طبيعين لهذا النوع من السمك المنقول، ظهرت تغييرات جديدة على الاسماك خلال بضعة سنوات فقط. سابقا كانوا صغيري الحجم وسريعي الحركة الامر الذي يساعدهم على الهرب من اعدائهم. في البحيرة الجديدة اصبحت الظروف بدون اعداء كالجنة، لقد اصبحوا اكبر حجما، اقل حركة، يتزاوجون في مرحلة متأخرة ويحصلون على اجيال اقل. لقد تلائموا مع الظروف الجديدة

مع هذه المعلومات التي نعرفها اليوم، نستطيع القول ان عملية التتطور ليست بطيئة وطويلة، بل سريعة وفعالة النتائج. هذه النتائج تفرض اعادة كتابة تاريخ ظهور وتتطور الكائنات الحية على سطح الارض.



احد الادلة الحديثة
احدى الادلة الحديثة على عمل التطور تقدمها لنا سحلية (Iguana), تعيش في الولايات المتحدة. في الثلاثينات من القرن الماضي تعرضت الولايات المتحدة لهجرة نوع من النمل يسمى (Myrmecia Pilulosa), Fireant, وهو نمل لايعيش في الاصل في الولايات المتحدة وانما قادم من جنوب امريكا. هذا القادم اجبر اليغوانا الامريكية التي تعيش في ذات المكان على تغيير سلوكها وشكلها من اجل التلائم مع الخطر الجديد. لقد تغير طول الاطراف الخلفية لليغوانا واصبحت اطول بمقدار خمسة بالمئة بالمقارنة مع مثيلتها من اليغوانا التي لم تتعرض لخطر النمل. هذا الامر ظهر في دراسة للدكتور Tracy Lee Langkilde من جامعة Penn-state-Universitet.

ازدياد طول القدم يجعل من السهل على اليغوانا التخلص من النمل. هذا النوع من النمل الكبير والعدائي يقوم بالهجوم على السحالي الكبيرة ويحقنهم بسمه مما يؤدي الى الشلل المؤقت لوقت يكفي ليأكلهم بدون مقاومة.

الباحث قام بجمع سحالي من مختلف المناطق، ومن خلال المقارنة لاحظ ان السحالي التي تعرضت لهجوم النمل تطور لديها ليس الاقدام الخلفية فحسب بل وتغير سلوكها. مثلا الليغوانا التي يوجد في منطقتها النمل الجديد تقوم بالالتفاف والانتفاض في محاولة للتخلص من النمل قبل ان تهرب، في حين ان الليغوانا التي لم تلتقي سابقا بالنمل لاتقوم بهذه الحركات وانما تبقى ساكنة وتغمض عينيها.



للانتقال الى الفصل العاشر، إضغط هنا

مصادر للبحث

إيلاف: فيروس الانفلونزا قادر على التحول والتتطور
Nick Waterfield: Invertebrates and the evalution of bacterial pathogenicity
عالم الميكروبيلوجيا
A Secomdary Symbiosis in Progress
Marine Microorganism Plays Both Host and Killer
Nanobes: Images and Links
http://www.marsnews.com/focus/life/
Illustrerad Vetenskap Nr 17/2005, 7/2006 s.12,2/2006, 2/2001