نقد الفكر الديني
 
 
2012 / 01 / 24


 فضائح السند والمتن في علم الحديث



هذا المقال، أعزائي القرَّاء، سيُوضح لكم، من وجهة نظري الخاصة، أسباب ودوافع اعتقادي الجازم بلا موضوعية ما يُسمى بـ"علم" الحديث، وكذلك اعتقادي الجازم ببشرية القرآن وأنَّه ليس كلامًا فصيحًا كما يزعم المُسلمون، وأنا أعتزم تأليف كتابٍ في الرَّد على أولئك الذين يردُّون على الأخطاء اللغوية والنحوية في القرآن لأنني وقفتُ على قدرٍ كبير من التلفيق الواضح والصَّريح في ردودهم تلك، وربما أكشف جزءًا منها في هذا المقال وهو ذلك الذي يتعلقُ بوجود أكثر من رد على "الشبهة" الواحدة، فعندما تسأل أحد العارفين باللغة العربية على الخطأ الوارد في قوله: {إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}(المائدة:69) والتي جاءت فيها كلمة (الصابؤون) مرفوعةً رغم أنَّها معطوفةُ على منصوب، والمعطوف على منصوب لابد أن يكون منصوبًا مثله، وإلَّا فما فائدة العطف إذن!

أمام مثل هذا الخطأ الواضح الذي لا تكاد تُخطئه عين نجد أنَّ علماء النحو واللغة اجتهدوا كثيرًا في التبرير له، وبناءً على ذلك كان هنالك خلافُ كبير بينهم حول هذه المُفردة بعينها، في هذا الموضع. فسيبويه، مثلًا، يقول إنَّ الكلمة ليست معطوفة وإنما هي مبتدأ مُتأخر وخبره محذوف وتقدير الجُملة في رأييه {والصابؤون كذلك}. وقال الإمام زكريا الفرَّاء (صاحب كتاب معاني القرآن) إنَّ الكلمة معطوفة على "الذين" على اعتبار أنَّه حرفٌ يتخذ شكلًا واحدًا أو رسمًا واحدًا في كل حالاته الإعرابية: الرفع والجر والنصب، ولهذا فإنَّه يجوز رفع كلمة (الصَّابؤون). وقال آخرون إنَّ كلمة (إنَّ) هي في الأساس حرفُ جوابٍ بمعنى نعم ولهذا يكون ما بعدها مرفوعًا، وقال آخرون غيرهم إنَّ الكلمة معطوفة على الضمير المُستكين في كلمة (هادووا) ويكون تقدير الجُملة، حسب رأيهم، على النحو التالي: {هادوا هم والصابئون} وهنالك آراء أخرى كثيرة (سوف أذكرها جميعها في كتابي وأتناولها بالنقد والتفنيد)

ما يهمني هنا أن ألفت انتباه القارئ الكريم إلى اختلاف جهابذة وفطاحلة اللغة والنحو حول كلمةٍ واحدةٍ في موضعٍ واحدٍ، رغم أنَّ الإعراب لا يُختلفُ عليه عادةً، فهل من الممكن، على سبيل المثال، أن يختلف علماء النحو قاطبةً في إعراب جُملة مثل: "ضربَ زيدٌ خالدًا"؟ وإذا كانت الإجابة: (لا)، فلماذا؟ لماذا يستحيل اختلاف النحويين في إعراب هذه الجُملة؟ ثم هل يكون الإعرابٌ على المعنى أم على المبنى (المبنى هو تركيب الجملة وترتيب كلماتها structure)؟ من البديهي أنَّ المبنى يجب أن يدل على المعنى؛ وإلَّا وقعنا في لبسٍ وخلطٍ، فلو قرأنا الجُملة السَّابقة بدون حركاتٍ إعرابيةٍ: (الفتحة على فعل "ضرب" والضمة على اسم "زيد" والتنوين بالفتحة على اسم "خالد") فهل كان من الممكن فهم وإدراك معنى الجُملة على وجه الدِّقة؟ لأنَّه من الممكن والوارد أن يكون المعنى أنَّ خالدًا هو الذي ضرب زيدًا وليس العكس، ولكن الحركات الإعرابية حددت لنا على وجهٍ قاطع المعنى المقصود من الجملة، ولذا فهمناها؛ وبالتالي فمن الاستحالة أن يُخطئ أو يختلف النحاة في إعراب هذه الجُملة. الأمر يُشبه قوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}(فاطر:28) ودعونا نُبسِّط الجُملة حتى يُمكن تشريحها، فتصبحُ على النحو التالي: (يخشى الله العلماء) فمن الذي يخشى الآخر؟ المعنى البديهي للغاية هو أنَّ العلماء هم الذين يخشون الله، وبالتالي فإنَّ إعراب العلماء هنا (فاعل) ولهذا نضع عليه علامة إعراب الفاعل المُناسبة وهي الضمة، وكلمة الله هنا موقعها (مفعول به) ولهذا نضع عليه علامة إعراب المفعول به المُناسبة وهي الفتحة؛ فتُصبح الجُملة: يخشى اللهَ العلماءُ، وكان من الممكن جدًا أن تكون جُملتنا السَّابقة على هذه الشاكلةٍ أيضًا: "ضربَ زيدًا خالدٌ". خلاصة الفكرة: إنَّ الحركات الإعرابية تضعنا أمام معنىً واحدٍ ومُحدد، وأمام هذا المعنى المُحدد الذي تدل عليه الحركة الإعرابية فإنَّه يستحيل اختلاف علماء النحو حول إعرابه. وقد نعلم أنَّ تشكيل القرآن وتنقيطه جاء مُتأخرًا، ولكن القرآن كان محفوظًا في الصُّدور، فنُسَّاخ القرآن نسخوا القرآن كما سمعوه، وعند النطق باللغة فإنَّ الحركات الإعرابية تظهر، هذا إضافةً إلى أنَّ رموز الحركات الإعرابية (الفتحة – الضمة – الكسرة – السّكون - التنوين) كان الغرض الأساسي منها مُساعدة غير العرب على قراءة القرآن بشكل صحيح، وإلَّا فإن العرب، وقتها، لم يكونوا بحاجةٍ إلى هذه الرموز التوضيحية.

على أي حال؛ فإنَّ لحن القرآن ليس ببدعة المُشرقين أو المُلحدين، كما يزعم بعض المسلمين، ولكن هذا اللحن مُعترفٌ به من قِبل الصَّحابة أنفسهم، ولدينا من الشواهد ما يدل على ذلك، ولأنَّنا كان لابد أن نستشهد بالحديث، فإنَّنا سوف نتصادم، حتميًا، مع مُنعرجات ما يُسمى بـ"علم" الحديث، لنقف معًا على مدى استشراء التلفيق الذين يُحاول به علماء المسلمين خداع بُسطاء المُسلمين من ناحية، والدِّفاع عن عقديتهم ومُقدَّساتهم من ناحيةٍ أخرى. وإنَّه وإن كان الدِّفاع عن المُعتقدات أمرًا مشروعًا، فإنَّ ذلك لا يُبرر الكذب والتفليق والتدليس، وهذا ما سوف أكشفه في هذا المقال.

في كتاب (الإتقان في علوم القرآن) نقرأ الحديث التالي: "قال أبو عبيدة في كتاب (فضائل القرآن) حدثنا معاوية عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: سألتُ عائشة عن لحن القرآن، عن قوله: (إنَّ هذان لساحران) وقوله: (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة)، وقوله: (إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون). فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكُتَّاب، أخطأوا في الكتاب."(1) وهذا الحديث إسناده صحيح بشرط الشيخين (أي الإمام البخاري والإمام مُسلم) في مُناظرتي مع صديقي المُسلم وعندما استشهدتُ له بهذا الحديث، وبأنَّ الحديث بإسناد صحيح على شرط البُخاري ومُسلم، تفاجأتُ به يقول إنَّ صحة الإسناد ليست شرطًا لصحة الحديث. وأنا هنا لأتناول هذه الفكرة بالتفنيد. ولكي أفعل ذلك لابد من معرفة أساسيات مهمة وبسيطة عن الحديث. فالحديث هو القول المنقول عن شخصٍ ما ويُنسب إليه. ويصلنا قول هذا الشخص نقلًا على ألسِّنة الرواة، وعلى هذا فالحديث له ركيزتان أساسيتان: (1) السَّند (2) المتن، في حين أنَّ السَّند هو سلسلة الرواة (فلان عن فلان عن فلان) وللسند شروط يجب أن تتوافر حتى يُمكننا القول بصحة الإسناد، ومنها على سبيل المثال: خلو الإسناد من التضعيف، كأن يكون ضمن سلسلة الرُّواة شخصٌ مشهورٌ بالكذب أو شخصٌ فاسقٌ فلا يُؤخذ عنه كأن يكون مُعاقرًا للخمر أو كثير اللغو أو ماجنًا أو نحوه، أو شخصٌ ضعيف الحفظ وغير ذلك مما يُمكن أن يُضعف السَّند. وهنالك شرط المُعاصرة والنقل المُباشر كأن يكون كل راوٍ قد نقل الحديث عن راوٍ آخر مُعاصرٍ له وأخذه منه مُباشرة (وشرط النقل أو السَّماع المُباشر هو الشرط الذي انفرد به البُخاري) فلا يُمكن أن يكون شخصٌ نقل عن شخص لم يُعاصره، وهذا ما يُسمى بالانقطاع في السَّند. أمَّا المتن فهو نص الحديث.

حسنًا، ماذا يعني أن يكون الإسناد صحيحًا؟ وكيف يُمكن أن يكون الحديث إسناده صحيحًا وفي الوقت ذاته لا يُعتد به؟ يتفق علماء الحديث على أنَّ شروط صحة الحديث خمسة، هي:
(1) اتصال السَّند
(2) العدالة
(3) ضبط الرَّواة
(4) السَّلامة من الشُّذوذ
(5) السَّلامة من العِلة القادحة

وكي أوصل فكرتي بطريقة سهلة ومُيسرة، كما هي عادتي دائمًا، اسمحوا لي أن أضرب لكم مثالًا بسيطًا، ثم لنحاول تطبيق هذه الشروط السَّابقة على المثال لنفهم المقصود، ونتبيَّن موطن التلفيق الذي يُمارسه علماء الحديث على عامة المسلمين وغير المُسلمين ممن ليست لديهم دراية مُعمَّقة بالحديث وعلومه. لنفترض مثلًا أن هنالك شخص اسمه (موسى أحمد داود فاروق عبد الواحد هارون صالح الضامري) ولقد قصدتُ أن يكون الاسم طويلًا على هذا النحو حتى نتبيَّن الفكرة. إذا اعتبرنا أنَّ هذا الاسم هو سلسلة سند لحديثٍ أراد كل شخصٍ أن ينقله عن أبيه عن أبيه نقلًا عن الضامري (ولنفترض أنَّ الضامري هذا كان شيخ طريقة صوفية له أتباع ومُريدون وله كرامات)، ونقل كل جيل في سلسلة السَّند عن الجيل الذي قبله كلامًا عن الضامري قال فيه: "الشمس مكعبة الشكل". الآن دعونا نُطبِّق شروط صحة الحديث السَّابقة على هذا الكلام.

فهل يتحقق شرط اتصال السَّند؟ نعم يتحقق، لأنَّ كل جيل روى عن الجيل السَّابق له، فصالح عاصر الضامري وسمع عنه مُباشرةً، وهارون ابن صالح عاصر أباه وسمع عنه مُباشرةً، وعبد الواحد ابن هارون عاصر أباه كذلك وسمع عنه مُباشرةً، وفاروق ابن عبد الواحد عاصر أباه وسمع عنه مُباشرةً، وداود ابن فاروق عاصره أباه وسمع عنه مُباشرةً، وأحمد عاصر أباه داود وسمع عنه مُباشرةً، وأخيرًا فإنَّ موسى ابن أحمد هو الآخر عاصر أباه وسمع عنه مُباشرة. فشرط اتصال السَّند هنا يتحقق (تمامًا كما هو الحال في حديث عائشة). الآن نأتي للشرط الثاني، فهل يتحقق شرط العدالة في الرُّواة؟ والعدالة كما شرحتُ من قبل هو خلو الراوي من شائبة فلا يكون كذابًا ولا فاسقًا وقد أوضح بعض علماء الحديث أنَّ شروط عدالة الرَّاوي هي: (1) الإسلام (2) البلوغ (3) العقل (4) عدم الفسق فلا يكون مُرتكبًا لكبيرة ولا مًداومًا على ارتكاب الصغائر (5) المروءة. ومن هنا جاء ما يُسمى بعلم الجرح والتعديل، وهو علم قائمُ أساسًا على دراسة وتتبع كل الرُّواة ثم يحكمون على كل شخص بأنَّه أهلٌ للثقة أو ما إذا كان غير ذلك (ولا أدري كيف يُمكن الاتفاق على عدالة الرُّواة؟ فماذا إن كان يُعاقر الخمر في بيته ولا يعلم به أحد مثلًا؟). وعلى أي حال؛ فلو اتفقنا على أنَّ سلسلة حديث الضامري كلهم ثقات (تمامًا كما هو الأمر ذاته في حديث عائشة السَّابق) فإنَّ شرط العدالة نجده قد تحقق. أمَّا عن ضبط الرُّواة فهو التأكيد على السَّلامة العقلية والذهنية لكل راوٍ؛ بحيث لا يكون أحد الرُّواة ضعيف الحفظ أو كثير النسيان، وهذا الشرط مُتحقق أيضًا، فكل رواة حديث الضامري ثقات وحفظهم ليس به شائب (تمامًا كما هو الحال في حديث عائشة). نأتي للشرط الرَّابع ألا وهو السَّلامة من الشُّذوذ، ويُقصد به ألا يُخالف الرَّاوي رواية لشخص أكثر منه ثقة، فلو افترضنا أنَّ هارون (أحد رواة حديث الضامري) كان له أخ آخر اسمه (محمود) أُشتهر بالعدالة والثقة أكثر منه وحدث أنَّ محمودًا هذا نقل عن حديثًا عن الضامري مُخالفًا للحديث الذي رواه أخوه هارون يقول فيه بأنَّ الشمس كروية، فإنَّنا هنا نقع في الشُّذوذ، وعندها يجب أن نأخذ بحديث الراوي الأكثر ثقة.

هذا الشرط، في الحقيقة غريب نوعًا ما، لأنَّه يتجاهل بقية الرَّواة في سلسلة حديث هارون، فإذا كان هارون أقل ثقة من محمود، فماذا عن بقية الرَّواة الثقات الذين نقلوا عن الضامري قوله بأنَّ الشمس مكعبة؟ هل يقوم الحديث على راوٍ واحد أم أنَّ كل راوٍ في سلسلة السَّند يُعضد بعضهم الآخر؟ وعلى أي حال، فهذا الشرط مُنطبق على حديث الضامري (تمامًا كما ينطبق على حديث عائشة السَّابق) فليس هنالك حديث صحيح به ذكر لخلو القرآن من الأخطاء النحوية واللغوية. والشرط الأخير وهو السَّلامة من العلّة القادحة، ويُعرَّف علماء الحديث العلَّة القادحة بأنَّها: " سبب خفي ينقدح في ذهن العالم يدعوه لرد الحديث وإن كان ظاهرة السَّلامة." ويتضح من هذا التعريف بأنَّ سبب العلة هو سبب خفي ويتم البت فيها باجتهاد شخصي وذاتي من عالم الحديث. ونحن نعرف أنَّ العلم Science لا يُمكن أن يُؤخذ فيه بالآراء والاجتهادات الشَّخصية. فلو قلنا إنَّ العلَّة القادحة في حديث الضَّامري هي أنَّه لا يُمكن لشيخ فاضل وجليل وصاحب كرامات مثله أن يدعي بأنَّ الشمس معكبة وليست كروية، فهذا رأي شخصي يعتمد في المقام الأول على إيماننا الشخصي بالشيخ الضامري وعدم تصديقنا بأنَّه قد يصدر منه مثل هذا التصريح، ولكن هل لهذا الاعتقاد اعتبار "علمي" وخصوصًا إذا توفرت كل الشُّروط الأربعة الأخرى؟ ثم أين تذهب عدالة الرواة وحفظهم وضبطهم إذا كان بالإمكان التصديق بأنَّ مجموعة كبيرة من الرِّجال الثقات اتفقوا على نقل حديث مكذوب وغير صحيح(!) فهل مثلًا يطعن هذا في ثقة الرُّواة ويجعلنا لا نأخذ عنه أيَّ حديث آخر؟ إنَّ العلّة القادحة التي يكون مرَّدها إلى المتن تُوضح لنا ببساطة كم كان الشيخ الضامري ساذجًا في تصوراته الفلكية، وسواء أكانت الشمس مكعبة أو كروية فإنَّ صحة الإسناد تُؤكد أنَّ الشيخ الضامري قال هذا الكلام بلاشك. ومن يرفضون حديث عائشة (صحيح الإسناد على شرط الشيخين) يرفضونه لأنَّهم يرون أنَّ متنه غير قابل للتصديق، فيستبعدون تمامًا أن يكون في القرآن لحنًا، وأنَّ الصَّحابة قد عرفوا بهذا اللحن وتعاموا عنه، ولكن ما هي حيلتنا إن كان الإسناد صحيحًا؟ ودعوني أوضح هنا، على عُجالة، معنى كلمة "اللحن" فعندما نقول: "ألحن فلانٌ في كلامه" نقصد أخطأ فيه إعرابيًا، وفي كتاب الصحاح في اللغة نقرأ: " اللَحْنُ: الخطأ في الإعراب. يقال: فلان لَحَّانٌ ولَحَّانَةٌ، أي كثير الخطأ."(انتهى الاقتباس)

ألخص إلى أنَّ اللحن في القرآن ليس بدعة إلحادية ولا من ابتداع المُستشرقين، كما يُردد الكثيرون، ولكنها كانت معروفة حتى عند الصَّحابة، فبالإضافة إلى حديث عائشة آنف الذكر، فإنَّ هنالك حديثًا آخر عن عثمان بن عفان أورده صاحب فضائل القرآن يقول: "حدثنا حجاج، عن هارون بن موسى، قال أخبرني الزبير بن خريت، عن عكرمة، قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان، فوجد فيه حروفا من اللحن، فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها، أو قال ستعربها بالسنتها."(2) وهو حديث صحيح أيضًا على شرط الشيخين. وهذا في حدِّ ذاته ردٌ على من يقول بأنَّ حديث عائشة به شذوذ وعلَّةٌ قادحة، والمُتتبع لكُتب الحديث سيجد أحاديث أخرى تحمل المعنى ذاته. وأخيرًا فإنَّنا رأينا كيف أنَّ ما يُسمى بـ"علم الحديث" ما هو إلَّا مُجرّد دهاليز وسواتر يتخفى خلفها علماء الحديث، ليجدوا مخرجًا من كل مأزقٍ يُصادفهم، فهو لا يقوم على الموضوعية والحياد، كما رأينا، بل على إعمال الآراء الشخصية وتقديم الإيمان العَقدي. ومازال سؤالي قائمًا في هذا المقال: "هل يُمكن أن يتفق رجالٌ ثقاتٌ في نقل حديث كاذب أو غير صحيح حتى لا يكون صحة الإسناد كافيًا لصحة الحديث؟" فما ذنب موسى وأحمد وداود وفاروق وعبد الواحد وهارون وصالح (رغم أنَّهم ثقات وعدول) إذا كان الشيخ الضامري ساذجًا وقليل المعرفة؟ هم إنَّما نقلوا لنا ما سمعوه عنه فحسب. فإذا تأكدنا أنَّهم نقلوا كلامه بطريقةٍ سليمة وموضوعية فلا معنى بعد ذلك للطعن في صحة المتن لأن المسؤول عن المتن هنا هو الشيخ الضامري وحده لا غيره، فهل يجرؤ أحدهم على الطعن في عائشة أو عثمان بن عفان؟



--------------------------
(1) كتاب الإتقان في علوم القرآن للإمام السُّيوطي – ص1236
(2) كتاب فضائل القرآن – ج2، ص171


عن الحوار المتمدن