نقد الفكر الديني
 
 
2014 / 03 / 13


 هل كانت لدينا حضارة اسلامية؟


الجزء الاول: حينما كنا في المدارس تم تلقيننا ان هناك حضارة عظيمة بناها الدين الاسلامي على الارض التي كان يحتلها ، تمخضت عن تقدم كبير للعلوم والمعارف والفنون في العصور الوسطى حين كانت اوربا غارقة في ظلام الجهل المقدس ، حتى سلمنا بهذه الفرضية دون جدال وبتنا نفاخر بها كلما انحدرنا في التخلف وزاد الاخرون تقدما . والكثير من المسلمين لايزال مستغرقا في هذا الحلم الجميل و يرفض حتى مناقشة الامر ، اما الشيوخ والدعاة فيتشدقون علانية بعظمة الحضارة التي خرجت من رحم الاسلام ويكفرون سرا صناع تلك الحضارة من علماء ومفكرين وفلاسفة وشعراء لكونهم ملاحدة وزنادقة . وفي ظل هذا اللغط والتناقض من حقنا ان نفكر بصوت عال لنتسائل هل كانت لدى المسلمين حضارة ومن الذي بنى تلك الحضارة وهل هي اسلامية حقا ؟
في البدء ، من الممكن تعريف الحضارة على أنها الفنون والتقاليد والميراث الثقافي والتاريخي ومقدار التقدم العلمي والتقني الذي تمتع به شعب معين في حقبة من التاريخ.. ترتكز الحضارة على البحث العلمي والفني التشكيلي بالدرجة الأولى ،فالجانب العلمي يتمثل في الابتكارات التكنولوجية وعلم الاجتماع أما الجانب الفني التشكيلي فهو يتمثل في الفنون المعمارية والمنحوتات وبعض الفنون التي تساهم في الرقي. فلو ركزنا بحثنا على أكبر الحضارات في العالم مثل الحضارة الرومانية سنجد أنها كانت تمتلك علماء وفنانون عظماء. فالفن والعلم هما عنصران متكاملان يقودان أي حضارة.(1)
النقطة التالية بعد تعريفنا للحضارة هي علاقة الحضارة بالدين ، وهنا اؤكد - كما فعل العديدون قبلي- بأنه لايمكن نسب اي حضارة الى دين فالاديان بطبيعتها هي رسالات دعوية لاتهتم بتحسين او تطوير الواقع المادي للانسان بل تركز على طقوس العبادات والحياة الروحية للفرد والتمسك بالنصوص المقدسة او اعداد الانسان لدار الاخرة كما تفعل الديانات الابراهيمية ، والمسلمون هم الوحيدون الذين ينسبون الحضارة للدين كما يؤكد ذلك الكاتب الكويتي الراحل احمد البغدادي (2 ) فهناك حضارات تاريخية معروفة ترتبط بمنطقة جغرافية معينة مثل حضارة وادي النيل ، حضارة مابين النهرين ، الحضارة الاغريقية والحضارة الصينية ولايمكن ربطها بدين محدد وهكذا ليست لدينا حضارة مسيحية او هندوسية او بوذية . الحضارة نتاج بشري خالص (3)، وليست نتاجا الهيا تقدمه لنا الكتب المقدسة ، والحضارة تنشأ عندما تتوفر شروطها الموضوعية والذاتية في البقعة الجغرافية المحددة ، فالاديان لاتصنع حضارات بل على العكس تسعى الى تدميرها اذا كانت موجودة وبالاخص اذا كانت لاتتسق او تتعارض مع مفاهيمها الدينية والتاريخ يشهد على ذلك .
لقد وجدت الحضارات قبل ان تظهر اليهوديه و المسيحية و الاسلام، فقوانين حمورابي كتبت قبل 1700 سنة من الميلاد و الفلسفه الاخلاقيه و القوانين العلمانيه الغير دينيه وضعها الاغريق والرومان قبل 2000 سنة من ظهور المسيحيه و الاسلام للوجود و انتهت في اوروبا ببداية العصر المسيحي المسمى القرون الوسطى .
ان ربط الحضارة بالدين يجعل منها حضارة مقدسة مما يعصم مفاهيمها ونصوصها من النقد والتحليل والمناقشة الموضوعية والتفاعل مع متغيرات عصرها من خلال عقلية التحريم والتكفير سواءا في المسيحية اوالاسلام التي تمنع ولاتزال القيام بذلك .
كذلك فأن المنظومة الدينية هي منظومة فكرية مغلقة واستاتيكية ذات مبادىء واسس ثابتة لاتتغير الابصورة هامشية لاتمس الجوهر وهي لاتقبل الفكر الوارد ولاتتفاعل معه وتعادي التجديد بصورة كلية ، بينما تبرز الحضارة كمنظومة ديناميكية مفتوحة تنساب منها واليها الافكار والمفاهيم وتتلاقح معا في صيرورة متجددة وابتكاردائب والحضارات تنهار حينما يفقد الناس قدرتهم على الابتكاركما يؤكد ارنولد توينبي.
لقد كانت الديانة المسيحية انذاك هي المسؤول الاول عن تحجر الفكر الاوربي وانتهاء عصر العقل ودخول اوربا في غيبوبة تاريخية من القرن الخامس الى اواخر القرن العاشر الميلاديين ، فقد أصدر الإمبراطورالروماني ثيودوسيوس الأول في العام 391 م أوامره باحراق مكتبة الإسكندرية لما اعتقده انها تحوي أفكار وفلسفات ومؤلفات وثنية تخالف العقيدة المسيحية التي تبناها كدين رسمي ووحيد في الإمبراطورية الرومانية، كما أصدرفي العام 393 ميلادية قرارا قضى بإلغاء الألعاب الأولمبية باعتبارها مهرجانات وثنية لا تليق بالإمبراطورية الرومانية التي قد نبذت الوثنية واعتنقت المسيحية.
وجرى بعد ذلك قتل عالمة الرياضيات والفلك الفيلسوفة هيباتيا السكندرية عام 415 م بصورة وحشية من قبل المتطرفين المسيحين بتهمة الكفر وحرق محتويات متحف الإسكندرية "السيزاريوم" وتحويله الى كنيسة.
وبحلول القرن الثالث عشر كان الكهنة المسيحيين قد أحرقوا كل المكتبات في جميع أنحاء أوروبا. وكلنا يعرف موقف الكنيسة من العالم الفلكي غاليلوعندما أكتشف كروية ألأرض ودورانها حول الشمس والذي يناقض التفسير الحرفي لنصوص الكتاب المقدس على أن الأرض مسطحة وهي مركز الكون, فكانت الكنيسة تحرّم كل العلوم والافكار والمبتكرات التي تخالف تفاسيرها للنصوص المقدسة, وكانت محاكم التفتيش ارهابا منظما ليس ضد حملة الفكروالفلسفة والعلماء وحسب بل ضد كل من يقف ضد شراهة رجال الكنيسة في التوسع والنفوذ.
لااحاول هنا ان اقدم سردا تاريخيا متكاملا لصراع الدين مع الحضارات فهذا يحتاج كتبا عديدة مسهبة ، بقدر مااود ان اشير لبعض الوقائع التي تثبت فرضية التناقض القائم بين الحضارات والاديان كما اسلفت في متن المقال.
اذا كان هذا ديدن المسيحية في اوربا فكيف تعامل الاسلام مع الارث الحضاري للشعوب التي تغلب عليها؟
لم يختلف الاسلوب كثيرا ماعدا التفاصيل فجوهر السلوك واحد ، لقد كان المسلمون يحرقون ويدمرون المكتبات اينما حلوا بحجة ان نصوصها تنافي شرع الله ، فقد احرق عمر بن العاص مكتبة الاسكندرية الشهيرة عام 640 م بامر من الخليفة عمر بن الخطاب وظلت الحمامات في الاسكندرية تستخدمها كوقود لمده 6 أشهر كامله . "وكان الجنود الذين صحبهم عمرو بن العاص فى فتوحاته فى مصر من البدو القح الذين لم تهذبهم الحضارة والمدنية بعد , ومن ثم فإنهم لم يقدروا الكتب والمكتبات حق قدرها " حسب رأي ابن خلدون (4)
كانت مكتبه الأسكندريه تحوى تسجيلا كاملا ودقيقا لاسس حضاره العالم ومقوماته الفكريه والثقافيه والعلميه في المراحل السابقة وعند تدمير الأساس ( السجل الحضارى ) إنهارت العلوم ورجعت البشريه قرونا من التخلف الحضارى .وكذلك فعل سعد بن الوقاص بذخيرة الفرس الفكرية من كتب الفلسفة والطب والهندسة والفلك حيث احرق كتبهم واغرق القسم الاخر بامر من الخليفة عمر بن الخطاب للسبب عينه.(5)
ولايقتصر الامر على ذلك " ... وأنظر إلى صلاح الدين الأيوبى نفسه عندما أمر بتدمير المكتبات الفاطمية فى مصر سواء بيت العلم أو مكتبات القصور , وكيف أن جنوده كانوا ينزعون جلود الكتب ليصنعوا منها نعال وأحذية لهم , ونفس صلاح الدين الأيوبى فعل بمكتبات الشام نفس ما فعله بمكتبات مصر , حتى قيل أن المجموعات التى دمرها قد بلغت فى مصر والشام نحو أربعة ملايين مجلد ". (6)
وفي 16 فبراير 1198 ميلادي أحرقت جميع مؤلفات ابن رشد، وتم حظر الاشتغال بالفلسفة والعلوم جملة، ماعدا الطب، والفلك، والحساب بعد اتهامه مع ثلة من مبغضيه بالكفر والضلال وإبعاده إلى "أليسانته"(بلدة صغيرة بجانب قرطبة أغلبها من اليهود).
والغزاة الوحيدون الذين فعلوا الامر نفسه ، هم المغول الذين احرقوا مكتبات بغداد او اغرقوها في نهر دجلة حتى اصبح ماؤه اسود من لون الحبر الذي كان يستعمل انذاك.
لرب سائل يسئل بعد ذلك، كيف تكونت لدينا حضارة ونحن كنا (ولازلنا) نحرق ونصادر كتب ومؤلفات الاخرين ذوي الرأي المخالف لنا ، و نحرم الفنون الجميلة (الرسم والرقص والموسيقى والباليه والنحت والغناء والتصوير ) بالاضافة الى التشريح والاشتغال بالفلسفة ، ونحتقر المهن اليدوية ونخرب العمران الذي بناه الاخرون بحجة انه وثني او كافر كما فعلت طالبان بتفجير تماثيل بوذا في باميان بافغانستان في شهر مارس عام 2001م ؟!
رغم قسوة هذا التساؤل وجديته، لكننا من جانب اخر، لانستطيع التغاضي عن الكثير من الاعلام والمفكرين والشعراء البارزين الذين ظهروا في العصر الاسلامي ، مثل المتنبي ، الفارابي ، ابن سينا، الرازي ، الجاحظ ، ابن رشد ، أبو نؤاس ،ابن الرومي ، جابر بن حيان، الكندي ، ابن الهيثم ، الخوارزمي ، المعري وابن خلدون والاضافات الفكرية المبدعة التي قدموها للفكر الانساني. والدورالفريد لبيت الحكمة في نقل حصيلة الفكر الانساني الى العرب ثم الى الاوربيين وماذا عن تطور فن العمارة وشواهده الحالية كالمسجد الاموي وقصر الحمراء وتاج محل ؟
هذه قصة اخرى سنحكيها بالتفصيل في الجزء الثاني من المقال.



1. الويكبيديا العربية – حضارة ، ثيوديسيوس الاول ، مكتبة الاسكندرية
2. احمد البغدادي - أحاديث الدنيا والدين- مؤسسة الانتشارالعربى عام 2005
3. http://www.annaqed.com/ar/content/show.aspx?aid=16482
4. كتاب مقدمة ابن خلدون - طبعة دار القلم (بيروت - لبنان ) - الطبعة السادسة 1986
5. موسوعة تاريخ اقباط مصر
6. د. شعبان عبد العزيز خليفة - مكتبة الإسكندرية الحريق والأحياء - سلسلة كتاب الجمهورية لشهر إبريل 2002.




الجزء الثاني:
في الجزء الاول من هذا المقال (1) ، قلنا متسائلين اذا كان الدين لايصنع حضارة مثلما نزعم ، فكيف يمكن ان نفسر بروز الكثير من الاعلام والمفكرين والشعراء البارزين الذين ظهروا في العصر الاسلامي ، مثل المتنبي ، الفارابي ، ابن سينا، الرازي ، الجاحظ ، ابن رشد ، أبو نؤاس ،ابن الرومي ، جابر بن حيان، الكندي ، ابن الهيثم ، الخوارزمي ، المعري وابن خلدون والاضافات الفكرية المبدعة التي قدموها للفكر الانساني، والدورالريادي لبيت الحكمة في نقل حصيلة الفكر الانساني الى العرب وماذا عن الشواهد العمرانية الباقية لحد اليوم كالمسجد الاموي وقصر الحمراء وتاج محل ؟
كيف استطاع هؤلاء تجسيد مالديهم من ملكات فكرية وابداعية على شتى المستويات مع وجود الاسلام الحنبلي المتشدد وفقهاء السلطان ؟
للاجابة على تلك التساؤلات نقول نعم كانت هناك حضارة على الارض التي غزاها الاسلام ولكن تلك الحضارة نسجتها انامل و صاغتها عقول شعوب تلك المناطق ومفكريها ولاصلة لها بالاسلام كدين ولايمكن نسبتها الى الاسلام لانه لم يكن له دور في نشوئها . فالحضارة التي قامت ويدعي المسلمون بها ، هي حضارة اما قام بها غير المسلمين اوغير المتدينين منهم و(الاعاجم) منهم بصورة خاصة والذين أجمع على كفرهم الغزالي وابن الصلاح وابن تيمية وابن القيم وكل من سار على نهجهم من الوعاظ وفقهاء السلاطين .
لقد وجد المسلمون في البلاد التي احتلوها حضارات عريقة و راقية بمفاهيم ذلك الزمن، تتمتع بإدارات حكومية منظمة، ونظم اقتصادية راسخة في الزراعة والصناعة وأعمال الري ، وفي ميادين العلوم العقلية والتجريبية كالرياضيات والفلك والفيزياء، فاغترفوا منها والبسوها رداء الاسلام .
وهكذا فأن الذين لعبوا أهم الأدوار في بناء الحضارة الإسلامية (!) لم يكونوا مؤمنين صالحين بمقاييس فقهاء المسلمين ، بل كانوا كفرة وفسقة وزنادقة، و ليسوا عربا في اصولهم ، اما الحكام الذين قادوا هذه المرحلة الأمين والمأمون والمعتصم وغيرهم كانوا معتزلة يقدمون العقل عن النقل ويقولون بخلق القرآن، وحركة الترجمة التي شكلت اللبنة الأولى في هذه الحضارة قام بها المسيحيون الذين كانوا يجيدون اللغات اليونانية والسريانية.(2)
فعلى صعيد الفكر الفلسفي مثلا ، كان الفقهاء ولازالوا يكفرون الفلسفة ويعتبرنها نوع من انواع الضلال والكفر ، ويعتبرون المنطق زندقة ، فمن تمنطق تزندق كما يقول ابن الصلاح ( الفلسفة رأس السفه والانحلال ، ومادة الحيرة والضلال ، ومثار الزيغ والزندقة ، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالحجج الظاهرة ، والبراهين الباهرة ، ومن تلبّس به علماً وتعليماً قارنه الخذلان والحرقان ، واستحوذ عليه الشيطان ) (3).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( والفلاسفة هم الذين أفسدوا أهل الملل قبلنا مللهم وتواريخهم )(4).
وهكذا تم تكفير كل اعمال الكندي وابن رشد والفارابي ، ابن عربي ، الجاحظ ، المعري ، ابن طفيل ، ابن جبير ، ابن المقفع .. وغيرهم من قبل ابن تيمية وابن الصلاح وابن القيم وغيرهم من ائمة السلفية. اما العلوم التجريبية مثل ( الكيمياء والفيزياء والفلك ) فقد نالها النصيب الوافر من تلك الهجمة ، حتى من ائمة الاسلام الاخرين ، حيث يقول عنها الامام الشافعي :
كل العلوم سوى القرآن مشغلة
إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
لعلم ما كان فيه قال : حدثنا
وما سوى ذاك وسواس الشياطين
اما شيخ الاسلام فيقول عن الكيمياء (وحقيقة الكيمياء إنما هي تشبيه المخلوق ، وهو باطل في العقل ، والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، فهو سبحانه لم يخلق شيئاً يقدر العباد أن يصنعوا مثل ما خلق .. وأهل الكيمياء من أعظم الناس غشاً ولهذا لا يظهرون للناس إذا عاملوهم إن هذا من الكيمياء ..)(5)
ولنستعرض اراء الفقهاء في بعض صناع حضارة الاسلام العلماء التجريبين على الاقل :
ابن سينا : " إمام الملحدين ابن سينا " (6)
جابر بن حيان : ( وأما جابر بن حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية فمجهول لا يعرف وليس له ذكر بين أهل العلم والدين ) ينكر شيخ الاسلام ابن تيمية وجوده اصلا (7)
محمد بن الحسن بن الهيثم عالم البصريات: (كان من الملاحدة الخارجين عن دين الإسلام, وكان سفيها زنديقا كأمثاله من الفلاسفة) (8)
الرازي الطبيب قال عنه ابن القيم : (إن الرازي من المجوس), و (انه ضال مضلل).
الخوارزمي : (انه وإن كان علمه صحيحا إلا إن العلوم الشرعية مستغنية عنه وعن غيره) (9)
الأدريسي : كان خادماً لملك النصارى في ( صقليه ) بعد أن أخرجوا المسلمين منها ، وكفى لؤماً وضلالاً ، وفي الحديث ( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ) !
لقد تم صناعة هذه الحضارة عندما تم وضع الدين في المقعد الخلفي ، وليس كما يدعي المشايخ والدعاة الان بأن الحضارة الإسلامية قد قامت بسبب تمسك المسلمون الأوائل بتعاليم دينهم وتطبيقهم لأحكام الشريعة ، وكان المجتمع الاسلامي متسامحا لدرجة كبيرة فكانت هناك العديد من الحانات في بغداد وكان ابو نؤاس يتغزل علنا بالخمرة ، والخلفاء يستمعون للمغنيات والقيان وجلسات الشعر و ازدهرت الموسيقى وتطورت الاتها فظهر ابراهيم الموصلي وابنه اسحق بالاضافة الى زرياب ، وكان لتسامح الخلفاء وخصوصا الامين والمأمون والمعتصم وتبنيهم لفكر المعتزلة العقلي وابتعادهم عن الخط الحنبلي المتشدد الدور الاساسي في نسج خيوط هذه الحضارة التي ينتسب الاسلام اليها ولاتنتسب اليه وكان الاستقرار والامن مستتبا في بغداد والمراكز الحضرية الاخرى انذاك. وقد بدأت هذه الحضارة بالضمور والاضمحلال عندما عاد الدين الى الصف الاول في عهد المتوكل (فبدأ الحنابلة في القضاء على مقومات الحضارة كما يفعل أحفادهم الإخوان والسلفيون في بلادنا هذه الأيام، فكانوا ينتشرون في الأسواق، ويعتدون على الناس في الطرقات، ويفرضون قيودا على ملابس الناس وطرق معيشتهم، ويقيمون الحدود على المتهمين في الساحات، ويعتدون على المتكلمين والأدباء والشعراء، ويحرقون الكتب، ويحرمون الفنون والموسيقى والغناء وتدريس الفلسفة والمنطق والحساب والطبيعيات، ويحاصرون منازل الأئمة والعلماء والقضاة من المذاهب المخالفة ويطاردونهم، ويفضون حلقات الدرس والإجتماعات بالقوة، فساد الإرهاب، وذبحت الحرية، فتوقف العقل عن الإبداع، وغربت شمس الحضارة.. ) (10)
لم تكن هناك اية اضافات حضارية او عمرانية مميزة في الفترة الاسلامية الاولى ، الفترة الراشدية ، لان الولاة كانوا متمسكين بنصوص الشريعة حرفيا ( و كان الدين أول الأمر مانعاً من المغالاة في البنيان والعمران والإسراف فيه في غير القصد، كما عهد لهم عمربن الخطاب حين استأذنوه في بناء الكوفة بالحجارة، وقد وقع الحريق في القصب الذي كانوا بنوا به من قبل، فقال: افعلوا، ولا يزيدن أحد على ثلاثة أبيات. ولا تطاولوا في البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة. وعهد إلى الوفد وتقدم إلى الناس أن لا يرفعوا بنياناً فوق القدر. قالوا: وما القدر؟ قال: ما لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم عن القصد. ) (11)
اما الدولة الاموية رغم انها لم تكن دولة دينية بالمعنى الرائج للكلمة فقد نحتت طريقها الخاص ، لكنها لم تستطع ان تقدم نموذجا حضاريا متميزا لانها اعتمدت على العرب البدو تجسيدا لمبدأ (العصبية القبلية) الذين كانوا لايعرفون غير القتال والسلب وعاملت الشعوب الاخرى كرعية من الدرجة الثانية (موالي )، وكان العرب بعيدون كل البعد عن اسباب التمدن كما يقول ابن خلدون في مقدمته (العرب إذا تغلبوا على الأوطان أسرع إليها الخراب والسبب فى ذلك إنهم امة وحشية باستكمال عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقاً وجبلة ... )(12)
ولهذا نجد أوطان العرب وما ملكوه في السلام قليل الصنائع بالجملة حتى تجلب إليه من قطر آخر وانظر بلاد العجم من الصين والهند والترك وأمم النصرانية كيف استكثرت فيهم الصنائع . (13) ثم يستطرد ابن خلدون ضمن هذا السياق ليؤكد ان غير العرب هم الذين بنوا الحضارة في ارض الاسلام.. "من الغريب الواقع أن حَمَلة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، وليس في العرب حملة علم، لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية، إلا في القليل النادر. وإن كان منهم العربي في نسبه، فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته، مع أن الملة عربية، وصاحب شريعتها عربي. والسبب في ذلك أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة؛ لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة؛ وإنما أحكام الشريعة التي هي أوامر الله ونواهيه، كان الرجال ينقلونها في صدورهم." . (14)
حتى الشواهد العمرانية المميزة التي بنيت في تلك الحقبة لم تكن اسلامية ( ماعدا النقوش والزخرفة بالايات حيث كان الرسم محرما) بل كانت تعكس الفنون المعمارية السائدة ضمن بيئاتها فالمسجد الاموي هو في الاصل كنيسة يوحنا المعمدان(حيث يوجد مدفن رأسه) وجرى توسيعها وتطويرها في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك و يمتاز بطرازه الكنسي البيزنطي شارك في بناءه صناع من الفرس والهنود بالاضافة لعشرات الفنانين البيزنطين في تزيينه ، ويؤكد ول ديورانت بأن نقوش قبة الصخرة في بيت المقدس وعمارة مسجد الوليد الثاني في دمشق كانت بيزنطية خالصة (15) . والشاهد المعماري البارز في اسبانيا حاليا هو قصر الحمراء الذي بناه الملك الامازيغي باديس بن حبوس في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي وكانت عمارته متأثرة بالطراز المراكشي Morisco و كان يخلو من القباب الاسلامية التي تميز العمران في العصر الاسلامي ، اما تاج محل في الهند وقد وضع تصميمه ثلاثة من رجال الفنون: فارسيّ يدعى "أستاذ عيسى"، وإيطالي يدعى "جيرونيمو فيرونيو" وفرنسي يسمى "أوستن دي بوردو" حسب ماورد في كتاب قصة الحضارة ، ويمثل ذروة تطور العمارة المغولية التي تجمع بين الطراز المعماري الفارسي والتركي والعثماني والهندي ، وبناء القبور كما نعرف من اشد المحرمات في الفكر السلفي.
يقول الشيخ ناصر بن حمد الفهد عن ذلك العمران ، وأما ( قصور الزهراء وغرناطة وقرطبة ودمشق الفيحاء وبغداد والقاهرة وزخرفة جوامعها ومساجدها ) فليست عمارة إسلامية ، بل إن من الإفتيات والكذب على الإسلام أن ينسب إليه ما نهى عنه وزجر ، ولكنه التعلق بزهرة الحياة الدنيا . والله المستعان .(16)
والملفت للنظر هنا ، ان المسلمون لم يتركوا اية شواهد حضارية او عمرانية مميزة في مهد الاسلام الجزيرة العربية (مكة والمدينة) خلاف الحضارات الاخرى التي تتركز معالمها الحضارية وتفوقها الفكري والعقلي في مواطن نشوئها مما يؤكد ان الدين لم يكن محرك الحضارة التي نشأت على ارض الاسلام.
وهكذا فنحن امام استحقاق قائم و هو التحرر من الفصام التاريخي الذي نعيشه ، و ان نكون صادقين مع انفسنا كما فعل ابن تيمية وابن القيم وابن صلاح ومن سار على نهجهم في تقرير ان هذا المنجز ومن قام به هم غير مسلمين وفق المعايير الفقهية التي وضعتها النصوص الاسلامية وليس حضارة اسلامية كما هو سائد.
وعندما تتضح الرؤية ويتبخر هذا الوهم الجميل لدى المسلمين ، يجب في المقابل ، اعادة الاعتبار لرواد التنوير العظام (فلاسفة وعلماء وفنانين وشعراء وكتاب ) الذي عاشو في تلك الحقبة و عانوا الويلات من السلطة الدينية الى حد التضحية بالنفس كما فعل ابن برد والمقفع والسهروردي والحلاج وهم السلف الحقيقي لاجيالنا الحالية والقادمة ، في معركة التنوير ، اذا ارادت ان تنهض وتساهم في بناء الحضارة الانسانية الكبرى ، مهما كانت جغرافيتهم وانتسابهم العرقي واللغوي والديني ، ولنتعلم الدرس الثمين الذي قدموه لنا عبر التاريخ وهو ان فك الارتباط بين الدين والدولة هو السبيل لبناء حضارة انسانية حقيقية تحرر الناس من الفكر الوصائي مهما كان شكله ومظمونه و(على العرب أن يعلموا أن الإرث الحضاري العربي قد انتهى، وأن العلمانية هي التي انتصرت وأخذت بها جميع دول العالم، باستثناء العالم العربي الذي يضع نفسه ندّاً للغرب وهو لا يحسن صناعة فرشاة أسنان! الحل الوحيد للأزمة الحضارية العربية يتمثل في المشاركة الإنسانية )(17).




1. الحوار المتمدن، الجزء الاول
الحوار المتمدن، الجزء الثاني
2. الحوار المتمدن: الحضارة الاسلامية، بين الحقيقة والادعاء
3. ابن الصلاح ( الفتاوى ص 70 )
4. (المجموع 5/ 140 )
5. ( 29 / 398 وما بعدها )
6. إغاثة اللهفان ج: 2 ص: 267 لابن القيم الجوزيه
7. مجموع الفتاوى: 29/ 374
8. انظر فتاوى شيخ الإسلام: 35/135، وانظر درء التعارض: 2/281
9. ابن القيم في (إغاثة اللهفان 2/179)
10. الحضارة الاسلامية بين الحقيقة والادعاء
11. تاريخ الطبري - الطبري - ج 3 - الصفحة 148
12. مقدمة ابن خلدون ص 194
13. مقدمة ابن خلدون ص 404
14. مقدمة ابن خلدون ص 543
15. ول ديورانت – قصة الحضارة – ص 4670
16. الشيخ ناصر بن حمد الفهد - حقيقة الحضارة الاسلامية – مذكرة فقهية
17. د. احمد البغدادي – العرب والحضارة – جريدة الاتحاد - الثلاثاء 15 ديسمبر 2009

هل أنتج الاسلام حضارة؟
العنصرية والتمييز في الثقافة الاسلامية
خلق الانسان بالخيمياء، عند جابر بن حيان
دور رجال الدين في سقوط الحضارة الاسلامية
حقيقة الحضارة الاسلامية، حسب الشيخ ناصر بن حمد الفهد
مخاطر التعليم الديني
رجال الدين، كهنة وليسوا علماء
الكهنة والكهانة، في العربية قبل الاسلام
الفرق بين الحكيم والكاهن والنبي
رجال الدين، بين الدين والشذوذ الجنسي