نقد الفكر الديني
 
 
2013 / 05 / 13


 مشكلة الاخر المختلف في الاسلام


يُشكّل (الآخر المختلف) جزءاً أساسياً في النص المقدس لأي دين. بل إنه يبدو وكأنه ضرورة منطقية لوجود هذا الدين ونصه المقدس، لولاه لَما تجلت شخوصه المقدسة ولا سردياته ذات الطابع الإعجازي العجائبي. فكما قد يقال بأن وجود الشيطان هي مقدمة منطقية ضرورية لوجود الله، لولاه (أي الشيطان) لما كان هناك سبب منطقي لوجود الله ومخلوقاته وشرائعه وووصاياه وثوابه وعقابه، فكذلك (الآخر المختلف) هي مقدمة منطقية ضرورية لتجلي أي دين جديد، لولاه لما ظهر الدين ولا أنبيائه ولا أربابه ولا نصوصه. فإله اليهودية، يهوه، كان (غيور) [خروج 20: 5 و تثنية 5: 9] من (الآخر المختلف) لدرجة أن ضحاياه من المختلفين عنه الذين "يغار" منهم في هذا الكتاب المقدس وحده كانوا بمئات الآلاف من القتلى من دون إحصاء الأسرى من النساء والأطفال والدمار الشامل للمدن والقرى. وإله المسيحية، يسوع، كان يحتقر (الآخر المختلف) عرقياً، أي غير اليهود، لدرجة وصفهم بـ (بالكلاب) [مرقس 7: 24-29] [متى 15: 26]، ويحتقر مخالفيه من اليهود لدرجة شتيمتهم وشتيمة آبائهم من دون تمييز أو حصر (يا أولاد الأفاعي) [متى 12: 34]، و (أيها الحيّات أولاد الأفاعي) [متى 23: 33]، و (جيل شرير وفاسق) [متى 12: 39] وأنهم أبناء جهنم [متى 23: 15] وأنجاس [متى 23: 27] وأبناء قتلة الأنبياء [متى 23: 31]. بل يسوع الإنجيلي يقول صراحة (من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يُفرِّق) [لوقا 11: 23]، ويوصي أتباعه في مكان آخر (إنْ لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار) [متى 18: 17]، فلا مكان للآخر المختلف إطلاقاً في هذا الدين، فإله المسيحية يؤكد لأتباعه (لا تظنوا أني جئتُ لأُلقي سلاماً على الأرض، ما جئتُ لأُلقي سلاماً، بل سيفاً) [متى 10: 34]، وهذا ما فهمته الكنيسة تماماً لمدة 1800 سنة ورفعت سيف إلهها على رقاب شعوب بني البشر، وعملت من خلاله تعذيباً وحرقاً وقتلاً وتدميراً وإفناءاً ليكون ضحاياها بالملايين بين شعوب الأرض حتى الثورة الفرنسية والتهذيب العلماني الجبري على هذا الدين ومعتنقيه. أما في الإسلام فخير ما يُلخص الموقف من الآخر المختلف هي آية السيف التي تجلّت في المرحلة الأخيرة من حياة النبي محمد: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التوبة، 5] (وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة، 36]. إلا أن الموقف من الآخر في الإسلام لا يقتصر فقط على الآخر المختلف دينياً، ولكن أيضاً يحوي بذور صراع داخلي ضمن النسيج الاجتماعي الإسلامي ذاته يُلخصه مصطلح (المنافقين) في القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [التوبة، 73]. والمنافق، في التعريف الاصطلاحي، هو الذي يُظهر الإسلام ويُبطن الكفر به. فهو ظاهراً من المسلمين، ولكن من وجهة نظر (مسلمين آخرين)، لسبب خفي أو ظاهر، هو يُبطن الكفر أو الزندقة ولذلك هو (منافق).

إذن، صراع الإسلام مع (المختلف) هو صراع ذو شقين، شق خارجي (الكفار والمشركين) وشق داخلي (المنافقين). وأغلب إشكالات الدين الإسلامي في الفضاء البشري المعاصر تتعلق بهذين الشقين من الصراع. فعلى الرغم من تبني البعض فكرة بأن آية السيف وما شابهها من آيات، أي الشق الخارجي من الصراع، هي محكومة بظرفها التاريخي وغير قابلة للتعميم المطلق كما أنها تخضع أيضاً لآلية الدفاع عن مقاصد الشريعة الخمس (حفظ النفس والعقل والعِرض والدين والمال)، إلا أن ما ينفي هذا التفسير ويَصِمُه بالخطأ هو الممارسات التاريخية للدول الإسلامية المختلفة من أول مقدمات معارك النبي محمد ونهاية بحصار فيينا من جانب الجيوش العثمانية سنة 1529 مـ. وبالتالي فإن الآخر (المشرك – الكافر) يُمثل إشكالية حضارية معاصرة للدين الإسلامي في وجود مثل تلك النصوص في القرآن إذا أُخُذِتْ بمعناها الحرفي المباشرة من دون تبني إيضاحات تُخرجها إلى معاني أكثر تسامحاً. إضافة إلى ذلك، فإن مصطلح (المنافقون) أيضاً يُمثل إشكالية من نوع مختلف وتؤدي دائماً إلى تصارع المجتمع الإسلامي داخلياً كما نراه جلياً سافراً الآن في مجتمعات مثل مصر وتونس وسوريا والسعودية واليمن.

إلا أن المشكلة أفرزت إشكالات، إذ مِنْ مصطلحات (الكفار – المشركين – المنافقين) برزت مسألة (الولاء والبراء) في المناهج الفقهية الإسلامية بصفة عامة والمنهج السلفي بصفة خاصة كقضية ارتكزت عليها الكثير من فتاوى التكفير والعنف والقتل والخروج على الدولة ومعاداة الآخر المختلف بصورة سافرة فجة وعنيفة. بل، على الحقيقة، هي أصل ومحور كل الكتابات المتطرفة وما يتلوها من أعمال ومواقف. فـ (الولاء والبراء) ليست عقيدة مجردة يحملها الفرد ضمن قناعاته فقط، ولكنها (موقف عملي) يجب أن يبرز واضحاً على أرض الواقع حتى تتم ترجمة هذه العقيدة بحيث يكون (الآخر المختلف) ضحية لهذه الممارسة بشكل سافر واضح لا لبس فيه. فالعقيدة والعمل، في موضوع الولاء والبراء بالذات، لا يمكن أن ينفصلا عن محيط الفرد الواقعي، وإلا تم اتهامه بالمروق من العقيدة الإسلامية أو المنهج السلفي بشكل خاص. فالحياة، بكل تفاصيلها الدقيقة كما تشرحها بعض كتب الفقه الإسلامي، وفي كل لحظة من لحظاتها، يجب أن تترجم الولاء والبراء لمن حول الفرد المؤمن، ويجب أن تكون بارزة ظاهرة لا غموض ولا لبس فيها. وإن كانت مسألة الولاء والبراء تدور في حقيقتها حول اثنين من نواقض الإسلام العشرة عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب [منه اُشتق مصطلح الوهابية]، وهما (من لم يُكفّر المشركين، أو يشك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر) و (مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين)، فإن الأدبيات السلفية بشكل خاص توسعت جداً في شرح هذه المسألة وبنت عليها أحكام ومواقف متعددة. فالقضية المحورية في مسألة الولاء والبراء في المنهج السلفي هي ليست قضية ردود أفعال على تهديد أو خطر، ولكنها قضية منهج وسلوك وإيمان يجب أن يكون هو الأول البادئ الفاعل الممهد ضد كل من يتم وصفه على أنه كافر أو مشرك أو مرتد أو مبتدع أو منافق أو زنديق. إنها مسألة "موقف" يجب أن يظهر، ابتداءً، واضحاً جلياً بارزاً عند كل سلفي تجاه الآخر المختلف في الدين أو العقيدة أو المنهج. وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية: "إن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك" [انظر: مجموعة الفتاوى، تقي الدين أحمد بن تيمية، الجزء 28، ص 118، دار الجيل، الطبعة الأولى 1997]. ويتلقف أحد شيوخ السلفية، الشيخ حمد بن عتيق، هذا المبدأ ويسهب بالشرح قائلاً: "كم من إنسان لا يقع منه الشرك ولكنه لا يعادي أهله، فلا يكون مسلماً بذلك (...) فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم، فلا يكون آتياً بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولا بد أيضاً من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بينتين. واعلم أنه وإن كانت البغضاء متعلقة بالقلب، فإنها لا تنفع حتى تظهر آثارها وتتبين علامتها. ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة والمقاطعة، فحينئذ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين" [انظر: بيان النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك، الشيخ حمد بن علي بن عتيق النجدي، ضمن مجموعة التوحيد، الرسالة الثالثة والعشرون، دار الفكر، الطبعة الأولى، بيروت 1991، ص189].

أما الشيخ عبد العزيز بن باز (توفي 1999 مـ)، مفتي المملكة العربية السعودية، فله إسهاب مميز في جزئية الولاء والبراء. ففي مقالة له تحت عنوان (لا أخوة بين المسلمين والكافرين) جاءت بسبب صلاة جمعة أقيمت في جامع قرطبة في إسبانيا وذلك في محاولة لتأكيد علاقات الأخوة والمحبة بين الإسلام والمسيحية، يقول الشيخ: "لا أخوة ولا محبة بين المسلمين والكافرين، وإنما ذلك بين المسلمين أنفسهم (...) أما الكفار فيجب بغضهم في الله ومعاداتهم فيه سبحانه، وتحرم موالاتهم حتى يؤمنوا بالله وحده ويَدَعوا ما هم عليه من الكفر والضلال". وفي إجابة على سؤال عن شخص مسيحي يسكن مع أخوة مسلمين ويأكل معهم، قال الشيخ: "الكافر ليس أخاً للمسلم (...) ليس الكافر، يهودياً أو نصرانياً أو وثنياً أو مجوسياً أو شيوعياً أو غيرهم، أخاً للمسلم. ولا يجوز اتخاذه صاحباً وصديقـاً، لكن إذا أكل معه بعض الأحيان من غير أن يتخذه صاحباً أو صديقـاً إنما قد يقع ذلك في وليمة عامة أو وليمة عارضة فلا حرج في ذلك، أما اتخاذه صاحباً وجليساً وأكيلاً فلا يجوز". وفي إجابة أخرى على امرأة مستفتية عن حكم تبادل الزيارة بينها وبين جاراتها غير المسلمات، قال الشيخ "الزيارة من أجل الدنيا أو اللعب أو الأحاديث الفارغة أو الأكل أو نحو ذلك، فهذه الزيارة لا تجوز للكافرات من النصارى أو غيرهن، لأن هذا قد يجر الزائرة إلى فساد دينها وأخلاقها. ولأن الكفار أعداء لنا وبغضاء لنا، فلا ينبغي أن نتخذهم بطانة ولا أصحاباً" [انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، الشيخ عبد العزيز بن باز، جمع: محمد الشويعر، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض 1992، الاقتباسات من مجلدات متعددة].

فعلى العكس من قناعة المجموع العام للمسلمين، فإن الفقه الإسلامي في بعض جوانبه يحمل رفضاً قاطعاً لذلك الآخر المخالف له في العقيدة أو مَن يتم وصمه ضمن الدوائر الملتزمة دينياً بأنه (منافق). هذا الرفض تترجمه نصوص الفقه الإسلامي إلى شكل عنيف متصادم بالضرورة مع المفاهيم الحضارية المعاصرة كما يفهمها نفس هذا المجموع العام للمسلمين اليوم. ولا يبدو أن الحراك الفقهي الإسلامي الحديث معنياً أو مهتماً بهذا التعارض والتصادم، فهو يتصرف وكأنه يريد أن يتحاشى الكلام والبحث في هذه المسائل بأي ثمن إلا من جانب العموميات التي لا تدخل تحت مسمى "الفتاوى" الملزمة. فالسياق العام للمجتمعات المسلمة يحمل في جوهره خطاب متناقض. فهو من ناحية الخطاب السياسي والدعائي، وربما الاجتماعي أيضاً، يشرح مفاهيم (الولاء والبراء) و (الجهاد) على أنها محصورة ضمن نطاق محدود داخل العقيدة الإسلامية بحيث يبدو معها الآخر المختلف وكأنه بمأمن منها. ولكن من ناحية أخرى، فإن الخطاب الفقهي القابع في بطون الكتب التي تمتلئ بها المكتبات في أسواق نفس هذه المجتمعات تحمل رأياً آخر مباين تماماً لهذا الخطاب الدعائي ولا يمت له بصلة أبداً. بالطبع، فإن أول من يعرف هذا التناقض الشديد هو الفقهاء وشيوخ الدين والمؤسسات الشرعية والفقهية، ولكنهم يصمتون. ولكن من يتكلم بصوت مسموع هم من نسميهم اليوم بـ "المتطرفين". وهؤلاء، في الحقيقة، لم يفعلوا أكثر من أن يرجعوا إلى هذه المصادر الفقهية التي تمتلئ بها المكتبات ليستخرجوا هذه النصوص ليستدلوا بها على مواقفهم.

آن أوان إبراز تلك النصوص بصورة واضحة لنقدها وتفنيدها. وآن أوان عملية مراجعة جذرية للمفاهيم الإسلامية وإعادة تعريفها. وآن أوان الاعتراف بأن مصطلح (صالح لكل زمان ومكان) لا يعني إطلاقاً الثبات، ولكنه يعني استمرارية عملية التنقيح والتغيير لمحتوى تلك المفاهيم القديمة في سبيل معاني تتصف بالتسامح والمحبة والقبول للآخر المختلف.


إضافات: 
فالإنجيل يقول ؛ احبوا اعداءكم.باركوا لاعنيكم.احسنوا الى مبغضيكم.وصلوا لاجل الذين يسيئون اليكم .. متى إصحاح 5.
أما القرآن فيقول؛ إقتلوا المشركين حيثما وجدتموهم وخذوهم وإحصروهم وإقعدوا لهم كل مرصد...التوبة 5 .
في كل القرآن لن تجد كلمة محبة أو إحبوا. حديث لمحمد؛
(لاتبدأوا اليهود والنصارى بالتحية، ومن رأى منكم نصرانيا ً في الطريق فليرده إلى أضيقها.)
حديث آخر؛
(أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا إن لا إله إلا الله وإن محمد رسول، فإن فعلواعصموا مني دماؤهم وأموالهم).

الحوار المتمدن