نقد الفكر الديني
 
 
2013 / 05 / 14


 الفرق بين الحكيم والكاهن والنبي


( مسلمة الحنفي قراءة في تاريخ محرم ) للباحث جمال علي الحلاق

ماهو الفرق بين الحكيم والكاهن والنبي ؟

يقول ابو العلاء المعري ان عقول العرب قبل الاسلام (كانت تجنح الى راي الحكماء , وما سلف من كتب القدماء , اذ كان اكثر الفلاسفة لايقولون بنبي , وينظرون الى من زعم ذلك بعين الغبي ) , ثم انهم بعد ان دخل مفهوم (النبوة ) كجزء من ثقافتهم الاجتماعية ,اصبحوا يدعون النبوة , ولا يتجاوزون ذلك الى الدعوة بالربوبية ( رسالة الغفران – 258 – 259 ).
يقول الباحث جمال علي الحلاق في كتابه ( مسلمة الحنفي قراءة في تاريخ محرم ) ان مفهوم النبوة كان اضافة معرفية تحققت على مفهوم ( الكاهن ) عندالعرب , ولم تكن اضافة معرفية على مفهوم (الحكيم ) . فحكماء العرب قبل الاسلام , كانوا بعيدين جدا عن المعرفة التي تهبط من السماء .على العكس تماما , كانت تجاربهم المعرفية ترتقي من الارض الى السماء ( خطبة قس بن ساعدة في سوق عكاظ نموذجا ) . في حين كان الكاهن يتكيء على قوى خارجية (تابع, شيطان , رئي )يتحدث من خلالها عن الغيبيات , اي انه كان يتحدث عن المستقبل تاركا الراهن لقراءة الحكيم. من هنا كانت اليات اشتغال الحكيم تختلف جذريا عن اليات اشتغال الكاهن , رغم ان بعض الكهنة امتازوا بسعة الثقافة وبالحكمة كالمامور الحارثي الذي عد من حكماء العرب .
اذا رجعنا الى قول ابي العلاء السابق , نجد ان العرب كانوا اقرب الى مفهوم ( الحكيم ) منهم الى مفهوم ( النبي ) , اي انهم كانوا اقرب الى الخبرة الحياتية التي تخلق وعيا , كانت حياتهم اليومية هي معلمهم الاول .
كان الحكيم حاضرا في حياتهم اليومية ,لايتحرك بنو تميم دون استشارة ( اكثم بن صيفي ) , الذي لايتردد في استشارة عقلاء قومه (ايام العرب : 124 ) , وكان الكاهن (او بذرة النبي ) حاضرا عندما تعترضهم مشكلة ليس باستطاعتهم ان يجدوا حلا لها عبر المنطق .لهذا كان حضور الحكيم اكثر بروزا , وهذ الامر جعل حياتهم محكومة بخبرة حكمائهم , اي ان الحياة لم تكن فوضى . وكانت الكهانة تكثر عندالعرب حسب قول المسعودي , فهي شيء يتولد على صفاء المزاج الطبيعي .وربما امتنعت القبيلة عن الاخذ بما يقول الكاهن , فقد خالفت (مذحج ) شورى كاهنها المامور الحارثي ( ايام العرب 125) .ولم يكن ذلك الا نتاجا للشك الذي كان قائما في صدور المستنيرين , حتى انهم كانوا يدخلون الكاهن في تجربة اختبار قبل ان يستشيرونه . كان شكهم يسبقهم الى الكاهن , كذلك فعل الجارود عند قدومه على محمد بن عبدالله (هامش السيرة الحلبية 3 – 16 ) .
وقد كان العراف عندالعرب ادنى مرتبة من الكاهن مثل الابلق الازدي . ان اليات اشتغال العراف تقوم على مراقبة الاشياء واستنتاج امور منها . اي انها قائمة على الملاحظة والاستنباط , ولم يكن للعراف تابع او شيطان . وانما كان يستنبط مايقوله بذكائه وعلى القياس . وياخذ بالمشابهة وبالارتباط بين الحوادث , ويحكم بما سيحدث بموجب ذلك ( المفصل : 6 – 772 ) . ومن هنا يستعمل اليات اشتغال الحكيم تماما . وبالتالي فان القول بان العراف ادنى رتبة من الكاهن فيه شيء من المغالطة المعرفية , فالعراف وفق اليات اشتغاله اقرب الى الحكيم , اي انه بذرة الحكيم
الكاهن بذرة النبي
عن المسعودي ان الكاهن اذا بلغ اقصى مراتب صفاء النفس تحدث في الغيبيات مثل سطيح وشق وعمران وطريفة الخير ( مروج الذهب 2 – 183 – 195 ) . والتحدث في الغيبيات هي منطقة اشتغال النبي تحديدا ,اما الاضافة المعرفية التي تحققت على مفهوم ( الكاهن ) فهي ان النبي لاينطق عن الهوى , وان كلامه يقين خالص غير مشوب بشك .
كلام النبي صادر عن اله محيط بالماضي والحاضر والمستقبل ,اي انه يقين بلا احتمال . وسيتوقف مفهوم النبي وتنغلق دائرة النبوة بمحمد بن عبدالله ( لانبي بعدي ) .وكل ماياتي بعدها لايرتقي اليها .سيكون هناك ( الولي ) ذو الكرامة التي تشبه المعجزة , كما سيكون ايضا ( العالم , الفقيه ,الحبر ) وضمن كل واحد من هؤلاء ستكون هناك نافذة صغيرة للاجتهاد , لكنه اجتهاد داخل الدائرة المنغلقة للنبوة , رغم ان المتصوفة في ما بعد سينظرون الى نبوة كل فرد , وان كلام الله ( استخدموا القران كتورية ) ينزل على كل سامع ( السهروردي نموذجا ) . بل قد يتبدى الله في ثياب البشر ويصيح ( انا الحق ) على حد تعبير جلال الدين الرومي (الصوفية في الاسلام 142 ) .
وفي خطوة جريئة جدا بعيدا عن الشطح الصوفي سيصل (ابن سبعين ) الى رتبة المحقق عبر دمج خطي الكهانة والحكمة . وقد ابعد قطب التصوف ابن سبعين عن المغرب لقوله :
( لقد تحجر ابن امنة واسعا بقوله لانبي بعدي )فهرب الى مكة فاستقبلته مدينة ابن امنة ليجد فيها الامن . وقد عقب الشيخ الاكبر ابن عربي على الحديث ( لانبي بعدي ) انه ( قصم ظهور اولياء الله ) .لانه منعهم من اعلان نبوتهم ( هادي العلوي – مدارات صوفية ) .
لو انتبهنا الى الاتهامات التي كيلت لمحمد بن عبدالله ومسلمة الحنفي وسجاح وطلحة بن خويلد الاسدي , فاننا سنجد الجميع اتهموا بالكهانة .والكهانة ليست اتهاما سلبيا , وانما كان المقصود من هذا الطرح هو تحجيم اليقين باحتمال الشك لدى الكاهن باعتباره بشرا يخطيءويصيب , وبالتالي فان مفهوم النبي يختلف جذريا عن مفهوم الحكيم ,لان الاخير يتكلم عن تجربة ذاتية وخبرة حياتية متراكمة .
وقد انتهت قسم من طوائف المسلمين بالقول بان الوحي التشريعي انتهى بموت النبي محمد , اما الوحي غير التشريعي فمستمر بوجود الانسان . ولسنا هنا في صدد بحث مدى مصداقية مفهوم المعرفة التي تهبط من السماء ,فقد حسم ابن الريوندي بما رواه عن البراهمة في قولهم ( لقد ثبت عندنا وعند غيرنا ان العقل اعظم نعم الله سبحانه على خلقه, وانه هو الذي يعرف به الرب ونعمه , ومن اجله صح الامر والنهي والترغيب والترهيب .فان كان الرسول ياتي مؤكدا لما فيه من التحسين والتقبيح والايجاب والحظر ,فساقط عنا النظر في صحبته واجابة دعوته اذ غنينا بما في العقل عنه . والارسال على هذا الوجه خطا . وان كان بخلاف ما في العقل من التحسين والتقبيح والاطلاق والحظر , فحينئذ يسقط عنا الاقرار بنبوته (ابن الريوندي : 287 ) .
كما حسم فلاسفة الاسلام , ولو بشكل اشاراتي الى قضية النبوة حين اكدوا ان الفطرة تقود الى الله ولاتقود الى النبوة ( حي بن يقظان نموذجا ) .لكن مايهمننا هو الرغبة في التغيير الاجتماعي لدى هؤلاء الانبياء . وانهم من اجل ذلك خاطبوا الناس على قدر عقولهم , وكانوا صادقين بخطاب نازل من السماء .
محنة المسلمين اليوم تتبدى في كسلهم الفكري والمعرفي , والاخذ بمدرسة النقل بدلا من مدرسة العقل , فاصبح الوصول الى الحقيقة والى الله لايمر عن طريق العقل او القران او النبي بل عن طريق الفتوى والشيخ وعن طريق الفقهاء والمفسرين . واستجدت وظائف جديدة في المجتمع الاسلامي تجمع بين العراف والحكيم والكاهن وربما النبوة بشكل غير مباشر ,يقومون باعمال الشفاء بالطب وبالطب الشعبي وبقراءة الطالع والابراج والشفاء عن طريق القران , وبالتنبؤءبالاحداث, واصبحت لهم برامج على الفضائيات ومكاتب منتشرة في مختلف الدول العربية . وهم ينافسون اليوم الاطباء في عملهم .
خاتمة
ان الفطرة الانسانية هي التلقائية وهي نفسها الحنيفية والتي تمثل جوهر الديانات وهو الايمان بالخالق غير المنمط وفق تشريعات محدودة وملزمة للجميع .
على المودة نلتقيكم ...