نقد الفكر الديني
 
 
2012 / 11 / 24


عن المسيحية والبالتوك


عتراف مبدئي: شكرا لهذه التجربة التي جعلتني أعرف عدم امتلاكي لموهبة الخطابة الارتجالية وجعلتني أقتنع أكثر من ذي قبل بأنني مدرس فاشل واعترف بفضل تلك اللحظة العبقرية التي جعلتني أرفض التدريس كمهنة لأني لا أملك ملكة شرح المعلومة ارتجاليا.

قبل فترة -أعترف أنها لم تكن طويلة ولكنها كانت كافية لأصل لهذه النتيجة التي سأعرضها في هذا المقال- قمت بتنزيل برنامج المحادثات الشهير المعروف باسم البالتوك (PalTalk) وهو برنامج يعتمد على تقنيات مرئية وصوتية بالإضافة إلى إمكانية الكتابة. هنالك العشرات من التبويبات الرئيسة في هذا البرنامج بحسب الجغرافيا المكانية: أميريكا، أوربا، الشرق الأوسط ... إلخ أو بحسب الموضوعات: رياضة، فن، عقائد، الأسرة ... إلخ وتحت تبويب العقائد نجد تبويبات صغرى: الإسلام، المسيحية، البوذية ...إلخ وإذا قمت باختيار أي من هذه العقائد فسوف تجد عشرات الغرف (الغرف هنا تعبير مجازي). في البدء، وبحكم العادة، اخترت تبويب الإسلام ووجدت غرف لأهل السنة والجماعة والشيعة والروافض وغيرهم، وإذا دخلت أي غرفة فإنك ستجد نفسك مباشرة داخل حوار محتدم: شخص يتكلم بالصوت بينما البقية تعلق على كلامه سلبا أو إيجابا وعندما ينتهي (أو يوقفه أحد المشرفين) ينتقل المايكرفون إلى شخص آخر، وهكذا.

من تجربتي الخاصة لاحظت أن غالبية غرف المسلمين منحصرة في صراع أهل السنة والجماعة مع الرافضة، ولا أكاد أذكر مناقشات بخلاف ذلك باستثناء حوار بيني وبين (الشيخ نبيه الصباغ) عن الإلحاد. الحقيقة أنني لم أجد نفسي متحمسا كثيرا في الاستماع لما يتكلم عنه المسلمون وما يتناقشون حوله لأنه مما أعرفه، وجدت نفسي استعرض الغرف المسيحية، وبطريقة غير مقصودة وجدت في نفسي رغبة قوية لمعرفة المسيحية، لاسيما وأن معرفتي بها تكاد تكون كمعرفتي بالطبخ، وبلغة أخرى: لا أعرف عنها شيئا تقريبا.

أول ما شد انتباهي في الغرف المسيحية التي كنت أدخلها بانتظام هو أنها تخصص أياما للنقاش في المسيحيات (وهو أمر طبيعي ومفهوم) وأيام أخرى مخصصة لمناقشة الإسلاميات، ولا أدري لماذا، وكأن العقيدة المسيحية لا تكتمل إلا بنقد الإسلام أو انتقاده. علما بأن هنالك قنوات فضائية مسيحية (قناة الحياة .. مثالا) تخصص جزءا من برامجها للأمر ذاته قد يكون التعليل المنطقي لذلك هو الرد على ما يثيره بعض الشيوخ الإسلاميون ضد المسيحية، ولكني أعتقد أن الأمر أكثر من ذلك. فالقضية تتجاوز في بعض الأحيان حد النقد الموضوعي إلى حد السخرية الموضوعية، بمعنى استخدام النقد لأغراض السخرية.

ثمة موضوعات بعينها تتكرر باستمرار في الغرف المسيحية، ولا أذكر يوما خلت فيه من ذكرها لاسيما تلك المتعلقة بحياة محمد الجنسية. أنا بالطبع لست ضد نقد الإسلام أو ضد تناول حياة محمد الجنسية، ولكني أعترض على الطريقة التي يتم بها تناول هذا الموضوع، لاسيما في غرف البالتوك فهم إما يطرحون الأمرفي قالب ساخر أو بطريقة هجومية يعتمدون فيها على طريقة (العلاج بالصدمة) وفي رأيي الشخصي فكلتا الحالتين لا تؤتيان الفائدة المرجوة من أي حوار، بل على العكس تماما قد تؤدي إلى نتائج عكسية تماما. في اعتقادي الشخصي فإن هؤلاء يفترضون أن المسلم عندما يكتشف بشاعة الإسلام ويقرر تركه فلن يجد أمامه إلا أحضان يسوع، وكأنه الخيار المنطقي الوحيد المتاح.

ومن خلال تجربتي القصيرة هذه وقفت على جوانب تشابه كثيرة بين الإسلام والمسيحية، وفيما يلي أستعرض أهم أوجه الشبه بينهما:

أولا: التبريرية التأويلية
في المسيحية، كما في الإسلام، يتفننون في تأويل النص وتحميلها ما لا تحتمل من معنى، فآية في القرآن واضحة مثل (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا)(طه:15) يفسرها ابن كثير في تفسيره فيقول: "وَقَوْله " أَكَاد أُخْفِيهَا " قَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس إِنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا أَكَاد أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي يَقُول لِأَنَّهَا لَا تَخْفَى مِنْ نَفْس اللَّه أَبَدًا وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس مِنْ نَفْسه"(انتهى الاقتباس) ولا ندري من أين جاء ابن عباس فكلمة (من نفسه) التي لم ترد في الآية أصلا إلا لإيجاد تأويل تبريري لغموض هذه الآية، وكذلك قوله ( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ)(النحل:66) فعلل ابن كثير سبب مجيء الضمير المتصل في كلمة (بطونه) بصيغة المذكر المفرد وكان الواجب أن تكون (بطونها) بصيغة الجمع المؤنث لأنها عائدة على (الأنعام) فقال مبررا: "نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونه " أَفْرَدَهُ هَاهُنَا عَوْدًا عَلَى مَعْنَى النَّعَم أَوْ الضَّمِير عَائِد عَلَى الْحَيَوَان فَإِنَّ الْأَنْعَام حَيَوَانَات أَيْ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بَطْن هَذَا الْحَيَوَان"(انتهى الاقتباس) مثل هذه السقطات التأويلية قد يسخر منها المسيحيون ولكن عندما يجدونها في كتابهم المقدس فإنهم لا يقفون على اللمسة العابثة في تأويل بعض نصوصهم، ويرجعون ذلك إلى الجهل بالكتاب المقدس وتفاسيره وهي ذات الحجة التي يرددها المسلمون، ولنأخذ بعض الأمثلة. نقرأ هذا العدد: (لا تظنوا اني جئت لألقي سلاما على الارض.ما جئت لألقي سلاما بل سيفا.)(متى: 10-34) وهو عدد يدل على رسالة سماوية معززة بالسيف تذكرنا بمقولة محمد: "جعل رزقي تحت ظل رمحي" فما تفسير هذا العدد حسب القمص انطونيس فكري، فلنقرأ: "المسيح هو ملك السلام، جاء ليملاً قلوب المؤمنين به سلاماً (27:14) وبعد القيامة كانت هذه أيضاً عطيته (يو19:20،21،26). وصانعى السلام يُدعون أبناء الله (مت 9:5). فحين يقول السيد لا تظنوا إنى جئت لألقى سلاماً على الأرض.. بل سيفاً= لا يقصد السلام الذى يعطيه داخل القلب والذى هو ثمرة من ثمار الروح القدس (غل 22:5) بل يقصد أن العالم لن يقبل المؤمنين به وسيثير حرباً ضدهم كما فعل العالم به هو نفسه (يو 18:15-20) وهذا ما حدث فعلاً من اليهود ثم الإمبراطورية الرومانية التى سفكت دماً كثيراً = بل سيفاً. والسيف يفسر أنه كلمة الله الذى به نحارب إبليس والخطية والذى به (بسيف الكلمة) إنتشرت المسيحية فى كل الأرض (عب 12:4) بل ثار أقارب المؤمن فى وجهه وقتلوه =أعداء الإنسان أهل بيته."(انتهى الاقتباس) وأي مسيحي مخلص ربما لن يجد أي مشكلة في هذا التفسير، بل يجده منطقيا مما سيجعله يلقي اللائمة على الأخرين. التفسير الوارد يحاول أن يقول باختصار: أن السلام الوارد في هذا العدد ليس هو السلام الذي نعرف (=عكس الحرب) وإنما المقصود هو (عدم قبول الناس للمؤمنين) وأن السيف هنا لا تعني السيف المعلوم بل (كلمة الله)! وبما الإله المسيح مطلق المعرفة كالإله الإسلامي فإن لابد كان عارفا بأن هذه الحروب سوف تحدث إن قرر التجسد في إنسان وعاش بينهم كإله، ورغم ذلك أصر على إرسال ابنه الوحيد غير مبال بالدماء التي سوف تسيل من أجل فكرته الغريبة هذه ويكون سببا في هذه الحرب، مع ملاحظة أننا لن نكون مخطئين إن نحن قلنا إن المسيحية انتشرت بالسيف وهي التهمة ذاتها التي نوجهها للإسلام! فمن أين استمد جناب القمص هذا التأويل إذا كانت الترجمة الإنكليزية استخدمت ذات الألفاظ معلومة الدلالة الثقافية (سلام=peace) و (سيف=sword) وحتى في اليونانية (سلام=peace=ειρηνην) و (سيف=sowrd=μαχαιραν) ولماذا لم يقل مباشرة وببساطة: "لن يقبل العالم إيمانكم بي ولكنكم بكلمة الله سوف تهزمون إبليس والخطيئة" لماذا تختار الآلهات الأسلوب المعقد والملتوي دائما، أم أن النص واضح والمفسرون هم من يحملون النص فوق طاقته في محاولة لتجميله والتبرير له؟ ليته كان بالإمكان تطبيق موس أوكام على النصوص الدينية أيضا.

ثانيا: العنف والدموية
التاريخ الإسلامي، كما هو معلوم، مليئ بالعنف والدموية، سواء على مستوى الممارسة العسكرية: غزوات وحروب وسرايا أو على المستوى الاستخباراتي كالاغتيالات والتصفيات الجسدية للخصوم أو حتى على المستوى التشريعي كالحدود ولاسيما الحدود التي تتسم بالبشاعة وتتنافى مع ما توصلت إليه البشرية بنضج بعد قرون طويلة من المعاناة متمثلة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لاسيما فيما يتعلق بكرامة الإنسان وآدميته، وتتشارك المسيحية نصيبا مقدرا من العنف في تاريخها، وهنالك شواهد كثيرة جدا من الكتاب المقدس بعهديه الجديد والقديم، وربما تكون شواهدنا عن المسيحية في عهد يسوع الناصري أقل بشاعة مما في الإسلام في عهد محمد، وربما يكون ذلك إلى اختفاء يسوع عن الأرض في سن مبكرة مقارنة بمحمد، ثم إن اختفاءه كان قبل أن يكون له قوة وعضد يستطيع أن يجابه الإمبراطورية الرومانية واليهود كما كان لمحمد، ولنقرأ معا الأعداد التي تنص صراحة على العنف وحملة السيف، طبعا كعادة المفسرين المدلسين فإنهم يفسرون السيف هنا بأنه سيف الإيمان الحي العامل بالمحبة ولا ندري إن كانت اللغة استخدمها يسوع مع تحتمل هذا الخلط غير أن التلاميذ وقتها (والذين تكلم يسوع بلغة يفهمونها) فهموها بمعناه الذي فهمته أنا، ولكن القمص تادرس يعقوب وغيره من المفسرين يتهمون التلاميذ بالغباء وسوء الفهم، ولا ندري لماذا لم يوضح لهم يسوع مقصده من استخداماته الغريب والشاذة لكلمة سيف لاسيما وأن سوء الفهم هذا قد تكرر في مواقف كثيرة جدا، بل ولماذا لم يوضح الرسل الذين كتبوا الأناجيل الأربعة سوء الفهم هذا بأن يذكروا في الأناجيل عند كتابته أن التلاميذ قد أساءوا؟ ألم يفطن أحدهم لذلك أم أنه لا وجود لسوء الفهم من أساسه، وبالتالي تدليس المفسرين والشراح؟
1- (فَقَالَ لَهُمْ يسوع لَكِنِ الآنَ مَنْ لَهُ كِيسٌ فَلْيَأْخُذْهُ وَمِزْوَدٌ كَذَلِكَ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفاً)(لوقا 22: 37)

2- (جِئْتُ لأُلْقِيَ نَاراً عَلَى الأَرْضِ فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟ وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟ أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَماً عَلَى الأَرْضِ؟ كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ! بَلِ انْقِسَاماً. لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الاِبْنِ وَالاِبْنُ عَلَى الأَبِ وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا)(لوقا 12: 49-53)

3- (لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلاَماً عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلاَماً بَلْ سَيْفاً. فَإِنِّي جِئْتُ لِأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ وَالاِبْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا)(متى 10: 34-35)

4- (أَمَّا أَعْدَائِي أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي)(لوقا 19: 27) وهو نفسه الذي قال: "أحبوا أعداءكم" !!

5- (وَقَالَ لأُولَئِكَ فِي سَمْعِي اعْبُرُوا فِي الْمَدِينَةِ وَرَاءَهُ وَاضْرِبُوا. لاَ تُشْفِقْ أَعْيُنُكُمْ وَلاَ تَعْفُوا. اَلشَّيْخَ وَالشَّابَّ وَالْعَذْرَاءَ وَالطِّفْلَ وَالنِّسَاءَ. اقْتُلُوا لِلْهَلاَكِ. وَلاَ تَقْرُبُوا مِنْ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ السِّمَةُ, وَابْتَدِئُوا مِنْ مَقْدِسِي». فَابْتَدَأُوا بِالرِّجَالِ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَمَامَ الْبَيْتِ. وَقَالَ لَهُمْ: [نَجِّسُوا الْبَيْتَ, وَامْلأُوا الدُّورَ قَتْلَى. اخْرُجُوا». فَخَرَجُوا وَقَتَلُوا فِي الْمَدِينَةِ.)(حزقيال 9: 5-7)

6- (ملعون من يمنع سيفه عن الدم)(إرمياء 10:48)

7- (وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم)(إشعيا 13 : 16)

8- (تجازى السامرة لأنها تمردت على إلهها بالسيف يسقطون تحطم أطفالهم والحوامل تشق)(هوشع 13 : 16)

9- (وَأَخَذُوا الْمَدِينَةَ. وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ, مِنْ طِفْلٍ وَشَيْخٍ - حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ. ... وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ مَعَ كُلِّ مَا بِهَا. إِنَّمَا الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ وَآنِيَةُ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ جَعَلُوهَا فِي خِزَانَةِ بَيْتِ الرَّبِّ)(يشوع 6: 22-24)

10- (وَضَرَبُوا كُلَّ نَفْسٍ بِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. حَرَّمُوهُمْ. وَلَمْ تَبْقَ نَسَمَةٌ. وَأَحْرَقَ حَاصُورَ بِالنَّارِ. فَأَخَذَ يَشُوعُ كُلَّ مُدُنِ أُولَئِكَ الْمُلُوكِ وَجَمِيعَ مُلُوكِهَا وَضَرَبَهُمْ بِحَدِّ السَّيْفِ. حَرَّمَهُمْ كَمَا أَمَرَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ.)(يشوع 11: 10-12)

11- (فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً طِفْلاً وَرَضِيعاً, بَقَراً وَغَنَماً, جَمَلاً وَحِمَاراً وَأَمْسَكَ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ حَيّاً, وَحَرَّمَ جَمِيعَ الشَّعْبِ بِحَدِّ السَّيْفِ)(صموئيل الأول 15: 3 - 11)

12- (وَأَخْرَجَ داود الشَّعْبَ الَّذِينَ بِهَا وَنَشَرَهُمْ بِمَنَاشِيرَِ وَنَوَارِجِ حَدِيدٍ وَفُؤُوسٍ. وَهَكَذَا صَنَعَ دَاوُدُ لِكُلِّ مُدُنِ بَنِي عَمُّونَ. ثُمَّ رَجَعَ دَاوُدُ وَكُلُّ الشَّعْبِ إِلَى أُورُشَلِيمَ)(أخبار الأيام الأول 20: 3)

13- (لاَ تُشْفِقْ أَعْيُنُكُمْ وَلاَ تَعْفُوا. اَلشَّيْخَ وَالشَّابَّ وَالْعَذْرَاءَ وَالطِّفْلَ وَالنِّسَاءَ. اقْتُلُوا لِلْهَلاَكِ. وَلاَ تَقْرُبُوا مِنْ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ السِّمَةُ, وَابْتَدِئُوا مِنْ مَقْدِسِي». فَـابْتَدَأُوا بِـالرِّجَالِ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَمَامَ الْبَيْتِ. 7وَقَالَ لَهُمْ: نَجِّسُوا الْبَيْتَ, وَامْلأُوا الدُّورَ قَتْلَى. اخْرُجُوا. فَخَرَجُوا وَقَتَلُوا فِي الْمَدِينَةِ)(حزقيال 9: 5-7)

لاشك أن يسوع يحبنا!
ترى كم عدد آيات والقتال والجهاد في القرآن؟ ولماذا نرى في تلك بشاعة وظلما وفي هذه محبة وسلام أو سوء في أفضل الأحوال؟ هل العقيدة والإيمان قد تعميان الأبصار والضمائر؟ إذا سألت مسيحيا مخلصا أو مسلما متمسكلا وسألتهما عن العنف الذي تنبعث رائحته من نصوص كتبهما المقدسة، وسألتهما: هل إلهكما سفاح ومتعطش للدماء؟ فإن إجابتيهما ستعطيك وجها آخر من أوجه الشبه بين هاتين الدياتين.

القسم الثاني: 

في الجزء الأول من المقال تطرقنا إلى نقطتي تشابه تجمع بين المسيحية والإسلام من حيث تأويل النصوص وتحميلها ما لا تحتمل من معنى ورأينا الأثر البشري في كتابة هذه النصوص والذي يتجلى بوضوح عند التفسير والتأويل، إذ لو كانت نصوص إلهية فعلا لما احتاجت إلى تأويل وتفسير من أساسه لأن كلام الإله الكلي والمطلق لا يمكن أن يكون غامضا لدرجة يحتاج معها إلى تفسير بشري، وإلا فإن الأولى أن يفسر الإله كلامه بنفسه، وتصدي البشر لتأويل نص أو وحي مقدس يطعن مباشرة في هذه القداسة، ويوحي بأن الإنسان الناقص أكمل من الإله الكامل وأقدر منه على إيضاح المعنى، وإني لأتساءل عن إمكانية الاعتماد على تأويلات بشرية لفهم نصوص إلهية.

ومن أوجه الشبه والتقارب بين الديانتين اتفاقهما على ثيمة العنف والدموية المتأتية من الطابع الإقصائي في كلا الديانتين فأعداء الإسلام الواجب ضدهم القتل والإبادة وكذلك الأمر بالنسبة للمسيحية، فأعداء المسيح أو أعداء كلمة الرب الواجب في حقهم الموت كما أوصى يسوع: (أَمَّا أَعْدَائِي أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي)(لوقا 19: 27) ولقد أوضحت في أحد تعليقاتي في المقال الأول تدليس من يقولون بأن هذا العدد مجرد "مثال" وليس وصية أو تعاليم يسوعية، وأوردت، وسأورد الآن كذلك، نص تفسير جناب القمص أنطونيوس فكري لهذا العدد:

"وأمّا أعدائي.. وإذبحوهم= المسيح هنا يصدر الحكم على أورشليم قبل أن يدخلها. ولقد ذبحهم تيطس فعلاً سنة 70م. إن الذين يساقون إلى الذبح هو الذين كتبوا بأيديهم مصيرهم. ولنرى كم الوزنات والأمناء التي أعطاها الله لليهود (أنبياء/ كهنوت/ هيكل/ معجزات/ إنتصارات إعجازية على أعدائهم/ ناموس/ شريعة/ أرض مقدسة/ وصايا لو نفذوها لعاشوا في سعادة/ مملكة آمنة/ خيرات مادية أرض تفيض لبناً وعسلاً..) فماذا فعلوا؟ هؤلاء لم يضعوا مناهم في منديل، بل ضيعوا كل ما أخذوه وأخيراً صلبوا المسيح. لقد صاروا في وحشية، وكما ذبحوا المسيح في وحشية صارت في طبعهم، قاموا في حماقتهم، إذ قد فقدوا كل حكمة، بقتل الضباط الرومان إنتظاراً لأن الله يرسل لهم المسيا ينقذهم، إذاً فحماقتهم ووحشيتهم التي تعاملوا بها مع المسيح، تعاملوا بها مع ضباط روما، لكن المسيح غفر لهم على الصليب، أما روما فذبحتهم بحسب ما يستحقوا.
بهذا المثل ينهي السيد المسيح تعاليمه بخصوص الملكوت الذي أتى ليؤسسه:
1. هناك أجر ومكافأة لكل من يجتهد في هذا الملكوت الأرضي ويربح نفوساً للمسيح.
2. الأجر والمكافأة بحسب الجهاد.
3. من يهمل في تجارته يرفض.
من يعادي المسيح ولا يقبله يهلك (يذبح)."(انتهى الاقتباس)

نلاحظ هنا بوضوح أن الأمر بذبح الأعداء هو تعليم اليسوع نفسه، لاسيما إذا قرأنا العدد 26 من نفس الإصحاح، والذي يقول: "لأني أقول لكم ..." فمن الذي يقول؟ ولمن؟ يسوع لتلاميذه؟ أم السيد لعبيده في المثال؟ أعتقد أن تفسير القمص أنطونيوس فكري يشرح الأمر بوضوح في قوله: "بهذا المثل ينهي السيد المسيح تعاليمه" فهي إذن تعاليم المسيح التي حاول إيضاحها بمثل السيد مع عبيده. وإذ يقال بأن تلاميذ يسوع لم يحملوا سيفا بعد معلمهم أو حتى في حال وجوده فإننا نقول بأن يسوع وتلاميذه كانوا قلة مستضعفة ومضطهدة ولم يكن بإمكانهم أن يحملوا السيف وقتها، وإلا لكانوا أبيدوا عن بكرة أبيهم، وهذا يذكرنا بالإسلام في بداياته عندما كان المسلمون قلة ومستضعفين، فكان الخطاب الإسلامي وقتها يتسم بالمهادنة والنزعية السلمية، وما أن قويت شوكته حتى كشف عن شكله الإقصائي، وهذا ما حدث في المسيحية عندما قويت شوكته فظهر الوجه الدموي لهذه الديانة، وبدأت الحروب الصليبية "المقدسة" بكل بشاعتها التي يعرفها التاريخ، وكذلك الحروب بين الطوائف المسيحية فيما بينها كالحرب المعروفة باسم حرب الثلاثين عاما التي وقعت في أوربا في القرن السادس عشر التي مزقت أوربا إلى أشلاء وكل ذلك بمباركة من الكنيسة (التي هي جسد يسوع السري كما أسمها بولس الطرطوسي) التي استندت في حروبها على نصوص الكتاب المقدس وتعاليم المسيح. فإن قال أحدهم: "ولكن يسوع قال: أحبوا أعداءكم" نقول: أنتم المطالبون بتفكيك هذا التناقض، والذي هو سمة نصوصكم، كتلك الموجودة في القرآن:
(فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)(الغاشية:21-22)
(واقتلوهم حيث ثقفتموهم)(البقرة:191)

ثالثا: عقيدة الولاء والبراء في الديانتين
لا ينكر المسلمون عقيدة الولاء والبراء في ديانتهم فهي مثبتة في القرآن بنص صريح، فنقرأ: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم)(المجادلة:22) وطبعا بالنسبة للمسلم لا يوجد أي تناقض بين هذه الآية والآية الأخرى:(وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا)(لقمان:15) ولا نعلم كيف نوفق بين المصاحبة بمعروف في هذه الآية وعدم المودة في الآية الأخرى، إلا أن نقول بأن الآية هي من وصايا لقمان على لسانه وبالتالي فهي ليست من تعاليم الله. لأن الكلام عندما جاء على لسان الله لم يذكر أي شيء عن المصاحبة بمعروف، فنقرأ: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(العنكبوت:8) فهنا توقف عند قوله: لا تطعهما. وفي المسيحية كذلك نجد هذه العقيدة كذلك، فنقرأ:
(جِئْتُ لأُلْقِيَ نَاراً عَلَى الأَرْضِ فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟ وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟ أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَماً عَلَى الأَرْضِ؟ كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ! بَلِ انْقِسَاماً. لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الاِبْنِ وَالاِبْنُ عَلَى الأَبِ وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا)(لوقا 12: 49-53)

وفي تفسير جناب القمص تادرس يعقوب لهذا العدد نقلا عن القدِّيس أمبروسيوس، نقرأ: "عندما تجحد أبًا أرضيًا من أجل تقواك نحو المسيح فستقتني ذاك الذي من السماء أبًا لك، وإن رفضت أخًا لأنه يهين الله ولا يخدمه فسيقبلك المسيح كأخٍ له... اترك أمك التي حسب الجسد واقتن الأم العلويَّة أي أورشليم السماويَّة التي هي "أمنا" (غل 4: 26). وهكذا تجد نسبًا مجيدا وقويًا في عائلة القدِّيسين، معهم تصير وارثًا هبات الله التي لا ُتدرك ولا يمكن للغة أن تعبر عنها"(انتهى الاقتباس)

وبالطبع هنالك تفاسير، تركتها لأنها موغلة في الرمزية إلى حد اللامعقولية، كما أنها على تعبير المفسرين مجرد "احتمالات" غبر مؤكدة، ودائما يستحسن الأخذ بالتفسير الأقل تعقيدا وأكثر شبها وقربا بظاهر النص، فنقرأ مثلا تفسير القدِّيس كيرلس الكبير إذ يقول:

"يتسائل القدِّيس أمبروسيوس عن السبب الذي لأجله يقول السيِّد المسيح: " لأنه يكون من الآن خمسة في بيت واحد منقسمين، ثلاثة على اثنين، واثنان على ثلاثة [52] مع أنه ذكر ستة أشخاص (الأب والابن والأم والبنت والحماة والكنة)؟ وجاءت الإجابة هكذا:
أولاً: يحتمل أن تكون الأم والحماة شخصًا واحدًا، بكون والدة الابن هي حماة زوجته.
ثانيًا: يقدَّم لنا تفسيرًا رمزيًا، فالبيت هي الإنسان ككل كقول الرسول بطرس: "كونوا أنتم أيضًا مبنين كحجارة حيَّة بيتًا روحيًا، كهنوتًا مقدَّسًا، لتقديم ذبائح روحيَّة مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 2: 5). في هذا البيت يوجد إثنان هما الجسد والنفس، أن اتفقا معا باسم يسوع يكون الرب في وسطهما (مت 18: 19)، هذا الذي يجعل الاثنين واحدًا (أف 2: 14)، خلال هذه الوحدة يُستعبد الجسد لخدمة النفس (1 كو 9: 27). هذان الاثنان يقفان ضد الثلاثة: الفكر المنحرف والشهوة والطبع الغضوب.
ثالثًا: يرى أيضًا أن هذا البيت يحوي خمس حواس: الشم واللمس والتذوق والنظر والسمع. فإن كنا خلال السمع والنظر نعزل هاتين الحاستين معًا ليتقدسا مقاومين الملذّات الجسديَّة الخاطئة خلال التذوق (النهم) واللمس والشم فقد انقسم اثنان على ثلاثة.
يرى البعض أن البيت يشير إلى العالم كله، وإن الاثنين يشيران إلى اليهود والأمم الذين يقاومون المسيحيين الذين يؤمنون بالثالوث القدُّوس. الأب الذي يقوم ضد ابنه، هو الشيطان الذي أقام نفسه أبًا على الوثنيين، فوجد ابنه يتركه خلال الإيمان المسيحي ليقبل أبًا سماويًا. الأم التي تقوم ضد البنت هي المجمع اليهودي الذي هاج ضد الكنيسة الأولى خاصة الرسل والتلاميذ الذين خرجوا عن أمهم بقبولهم الإيمان بالمسيا المصلوب. الحماة التي قامت ضد كنتها هي أيضًا المجمع اليهودي الذي ثار ضد كنيسة الأمم، التي قبلت الإتحاد بالعريس السماوي يسوع المسيح الذي جاء كابنًا لليهود حسب الجسد. وكأن المجمع اليهودي ثار على ابنته كما على كنته... على الكنيسة التي من أصل يهودي كما على كنيسة الأمم. الابنة والكنة ثارتا على هذا المجمع (الأم والحماة)، إذ رفضت الكنيسة أعمال الناموس الحرفيَّة كالختان والغسالات والتطهيرات الجسديَّة!"(انتهى الاقتباس)

فقط أرجو ملاحظة التشابه الدلالي بين قوله: (مَا جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلاَماً بَلْ سَيْفاً) في (متى 10: 34-35) وقوله: (أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَماً عَلَى الأَرْضِ؟ كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ! بَلِ انْقِسَاماً) في (لوقا 12: 49-53) فنرى بوضوح التشابه الدلالي بين (سيفا) و (انقساما) لاسيما وأنهما وردتا في ذات السياق العقدي (الولاء والبراء) ولو أننا قرأنا الإصحاح العاشر من إنجيل متى الأعداد 34 و 35 وقارناه بهذه الأعداد الواردة أعلاه: (لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلاَماً عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلاَماً بَلْ سَيْفاً. فَإِنِّي جِئْتُ لِأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ وَالاِبْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا)(متى 10: 34-35) نجدها تحمل التشابه الدلالي بين كلمتي (أُفَرِّقَ) و (انقساما) وفي كلا الحالتين فإن هذا التفريق وهذا الانقسام لن يكون بالسلام بل بالسيف، فإن أصروا على أن السيف يقصد به كلمة الله وليس السيف الذي نعرفه، فلا أعتقد أننا في حاجة لكلمة الله التي تفرقنا عن أسرتنا وأهلنا وتقسمنا عنهم لمجرد الاختلاف في العقيدة، لأننا نؤمن بأن لكل شخص الحق والحرية في الاعتقاد بما يريد، دون أن يؤدي ذلك تمييز أو اضطهاد بسبب المعتقد أو الدين. عفوا أحبتي المؤمنين لن تعيدونا إلى قانون الغاب الآن فقط لأجل أوهام تخصكم.

وأتمنى أن يكون القارئ الحصيف قد انتبه للخطأ العددي في هذا العدد: (لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الاِبْنِ وَالاِبْنُ عَلَى الأَبِ وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا)(لوقا 12: 49-53) حيث حدد يسوع الرب أن البيت سوف ينقسم إلى (خمسة) ولكنه عددها (ستة) على النحو التالي:
(1) الأب على (2) الابن و(3) البنت على (4) الأم و(5) الحماة على (6) الكنة

وبمراجعة تفسير القدِّيس كيرلس الكبير الوارد أعلاه يتضح لنا عبثية التأويل وكيف أنه لا يمكن الوثوق به، وبحسب تلك الطريقة التي وصفناها من قبل فإنه يمكن أن تكون أصابع اليدين رمزا للوصايا العشر، بينما ترمز أصابع اليد إلواحدة إلى أركان الإسلام الخمسة! وليس أسهل من وضع تصورات رمزية كهذه.

القسم الثالث: 

في الجزء السابق من هذا المقال تطرقت إلى وجه الشبه الثالث بين المسيحية والإسلام وهو التقاؤهما في عقيدة الولاء والبراء التي تقوم على معادات المخالفين لنا في العقيدة وإن كانوا آباء أو أبناء أو زوجات. والحقيقة أن السيد المسيح كان صادقا حين قال: "أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَماً عَلَى الأَرْضِ؟ كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ! بَلِ انْقِسَاماً"(لوقا 12: 49-53) فالإيمان العقائدي غالبا ما يؤدي إلى الانقسام والتعصب العقدي والمذهبي وذلك للطبيعة الإقصائية لهذه العقائد. وربما من المناسب هنا الإشارة إلى تشابه المسيحية والإسلام في مسألة قريبة من عقيدة الولاء البراء هذه، فنقرأ مثلا في إنجيل مرقس الإصحاح الثامن العدد 34 (ودعا الجمع من تلاميذه وقال لهم من اراد ان يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني) فهذا العدد بالإضافة إلى بعض الأعداد الواردة في الأجزاء السابقة من هذا المقال تشير إلى ضرورة إنكار أي شيء وكل شيء: أباء، أمهات، أزواج، أبناء وحتى ذواتنا ليكون اتباعك للمسيح صحيحا ومقبولا وهذه الفكرة موجودة في الإسلام، فنقرأ في الحديث النبوي: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده"(صحيح البخاري) وفي رواية أخرى قال لعمر بن الخطاب: "حتى نفسك" وهذا قد يبدو أمرا بديهيا للمؤمن، ولكن مثل هذا الأمر يعني إلغاء كل شيء: حريتنا، عواطفنا، إرادتنا وربط كل ذلك بالعقيدة، وهذا يتنافى مع مبدأ الحرية التي تدعيها الأديان وتجعل من المؤمنين تابعين ومنقادين بلا تفكير أو تعقل، وكيف يفكر إذا كان ذلك سوف يؤثر على عقيدته، ولا تكاد ديانة تخلو من هذا الشرط الذي يجعلهم كالمنومين مغناطيسيا.


رابعا: العقلية الأسطورية
في إحدى مناظرات الشيخ أحمد ديدات (1918 - 2005) مع القس السويدي ستانلي سيوبيرج (Stanley Sjoberg) في العاصمة ستوكهولم تقدم أحد الحضور من المسلمين وسأل القس عن مدى إيمانه ووثوقه بكتابه المقدس، فتعجب القس من سؤاله، ورسم ابتسامة هازئة وملامح واثقة للغاية ووهو يقول: "ليست لدي ذرة شك واحدة في كتابي المقدس." عندها قرأ السائل للقس من إنجيل مرقس 18:16 (يحملون حيّات وإن شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون) ثم مد إليه كأس سم زعاف، وقال له: "اشرب هذه الكأس باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد"* وبعد خطبة تبريرية غاضبة قام ستانلي سيوبيرج بسكب السم ورفض شربه (شاهدوا القصة على الرابط أدناه) صياغة القصة بتصرف أدبي مقصود.

تندر كثيرون بهذه الحادثة، واعتبرها كثير من المسلمين دليلا عمليا على خرافة النصوص الإنجيلية، وهي كذلك بالنسبة إلي أيضا، ولكن ماذا إن طلب القس ستانلي سيوبيرج من ذلك المسلم أن يقرأ: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" وأن يدخل أحد قدميه في غرارة بها مجموعة من العقارب الاستوائية شديدة السمية دون طلب مساعدة طبية لأربع وعشرين ساعة ليختبر صدق نبوة نبيه محمد الذي لا ينطق عن الهوى والذي قال إن هذه العبارة تقي سم العقارب كما في صحيح مسلم! إن مما يدعو للسخرية أن الأشياء التي يعتبرها أصحاب ديانة ما من الخوارق والمعجزات يعتبرها أصحاب الديانات الأخرى خرافات لا يمكن أن تصدق. فالمسيحيون الذين يسخرون من شعيرة الوضوء عند المسلمين ويعتبرونها شعيرة لا نفع منها لأنها لا تطهر القلوب وإن كانت لا تطهر الأجساد كذلك ولأن الإله ليس بحاجة إلى مثل هذه الحركات، هم أنفسهم لا يرون في شعيرة التعميد الكنسي أي غضاضة، بل يعتبرونها سرا من أسرار الكنيسه السبعه، ولا يقبل إيمان أي مسيحي إلا بها.

أولئك الذين يسخرون من قصة محمد مع حـماره يعفور الذي تكلم معه بلسان عربي* لا يقرءون في كتابهم المقدس قصة بلعام مع حـماره الذي تكلم معه بلسان بشري، فنقرأ في سفر العدد إصحاح 22 الأعداد من 27 إلى 30 وما بعدها: (فلما ابصرت الاتان ملاك الرب ربضت تحت بلعام.فحمي غضب بلعام وضرب الاتان بالقضيب. فقال بلعام للاتان لانك ازدريت بي.لو كان في يدي سيف لكنت الآن قد قتلتك. فقالت الاتان لبلعام ألست انا اتانك التي ركبت عليها منذ وجودك الى هذا اليوم.هل تعوّدت ان افعل بك هكذا.فقال لا) فما الفرق بين القصتين إلا أن يكون يعفور حـمارا ذكرا ودابة بلعام أتان أنثى؟

ذات أمسية وأنا أتنقل بين الغرف المسيحية سمعت أحدهم يتكلم عن قصة الملك سليمان بنسختها القرآنية والنملة التي صاحت في عشيرتها محذرة إياهم من سليمان وجنوده، والحقيقة أني شعرت بالسعادة لسبب مجهول وقررت البقاء في الغرفة والاستماع إلي بقية حديثه، قبل أن أكتشف أن سبب اعتراضه يكمن في استحالة أن تتمكن النمل من التعرف على سليمان، وراح يكرر سؤاله بكل تحد وتهكم: "كيف عرفت النملة سليمان؟" فطلبت منه وسألته: "دعك من كيف تعرفت النملة على سليمان، النمل لا يتكلم لأنه يستخدم إشارات كيميائي، وبمعنى آخر فإنه لا يتكلم أبدا." تفاجأت وهو يقاطع مداخلتي مؤكدا أنه على علم بما أقول ولكنه بسؤاله ذلك يريد أن يصل إلى ما هو أبعد، ولكني ذهلت بأنه في معرض حديثه صادق وأقر بقدرة سليمان على فهم لغة الحيوان! تذكرت المثل الشعبي القائل: "أبو سن يضحك على أبو سنتين" وتساءلت في نفسي لا يتقبل المسيحي خرافات المسلم طالما أنه يمتلك عقلية سحرية تتقبل الخوارق والمعجزات؟ الرد ببساطة أنه يعمل عقله في نصوص الآخرين ويلغي عقله مع نصوصه، وإلا لما بقي أحد على دينه إن هم فعلوا ذلك. كثير من المؤمنين يعتقدون أنهم يتدبرون نصوصهم، ويقرؤونه بالعقل، والحقيقة أنهم يقرؤون نصوصهم بقلوبهم العامرة بالإيمان، لذا "يفهمونه" على غير ما يفهمه الآخرون. لذا قال لي صديق مسيحي عزيز: "المسيحية سيفهمها من فتح الله عينه وفهمه وملاء قلبه بالحب" ولا أشك في صدق كلامه أبدا، فهو مصادق حرفيا لما جاء في القرآن (الكتاب الذي لا يؤمن به):

(أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)(الزمر:22)
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)(الحج:46)

ومن الواضح أن للمؤمنين فهمهم الخاص للعقل!



-------------
* قصة يعفور الحـمار مشهورة ووردت في عدة مصادر ولكن ضعفها البعض:
- كتاب (البداية والنهاية) لإبن كثير ج6 - ص10 .
- كتاب (دلائل النبوة) لأبي نعيم الأصفهاني
- كتاب (السراية) ابن عساكر- ج6 ص10
- كتاب (الشامل في أصول الدين)
- كتاب (الشفا في تعريف حقوق المصطفى) ج1 - ص276
وغيرها من الكتب

قصة القس السويدي ستانلي سيوبيرج مع السم


http://www.youtube.com/watch?v=8YZrfzRUqhI